ثم دخلت سنة خمسين وثلاثمائة
ص 236
في المحرم منها مرض معز الدولة بن بويه بانحصار البول فقلق من ذلك وجمع بين صاحبه سبكتكين ووزيره المهلبي، وأصلح بينهما ووصاهما بولده بختيار خيرا، ثم عوفي من ذلك فعزم على الرحيل إلى الأهواز لاعتقاده أن ما أصابه من هذه العلة بسبب هواء بغداد ومائها، فأشاروا عليه بالمقام بها، وأن يبني بها دارا في أعلاها حيث الهواء أرق والماء أصفى، فبنى له دارا غرم عليه ثلاثة عشر ألف ألف درهم، فاحتاج لذلك أن يصادر بعض أصحابه، ويقال أنفق عليها ألفي ألف دينار، ومات وهو يبني فيها ولم يسكنها، وقد خرب القفصي كثيرة من معالم الخلفاء ببغداد في بنائها، وكان مما خرب المعشوق من سرمن رأى، وقلع الأبواب الحديد التي على مدينة المنصور والرصافة وقصورها، وحولها إلى داره هذه، لا تمت فرحته بها، فإنه كان رافضيا خبيثا.
وفيها مات القاضي أبو السائب عتبة بن عبد الله وقبضت أملاكه، وولي بعده القضاء أبو عبد الله الحسين بن أبي الشوارب، وضمن أن يؤدي في كل سنة إلى معز الدولة مائتي ألف درهم، فخلع عليه معز الدولة وسار ومعه الدبابات والبوقات إلى منزله، وهو أول من ضمن القضاء ورشى عليه والله أعلم. ولم يأذن له الخليفة المطيع لله في الحضور عنده ولا في حضور الموكب من أجل ذلك غضبا عليه، ثم ضمن معز الدولة الشرطة وضمن الحسبة أيضا.
وفيها سار قفل من أنطاكية يريدون طرسوس، وفيهم نائب أنطاكية، فثار عليهم الفرنج فأخذوهم عن بكرة أبيهم، فلم يفلت منهم سوى النائب جريحا في مواضع من بدنه. وفيها دخل نجا غلام سيف الدولة بلاد الروم فقتل وسبى وغنم ورجع سالما.
الأمير. نوح بن عبد الملك الساماني
ص 237
صاحب خراسان وغزنة وما وراء النهر، سقط عن فرسه فمات، فقام بالأمر من بعده أخوه منصور بن نوح الساماني.
وفيها توفي.
الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي
ص 237
صاحب الأندلس، وكانت خلافته خمسين سنة وستة أشهر، وله من العمر يوم مات ثلاث وسبعون سنة، وترك أحد عشر ولدا، كان أبيض حسن الوجه عظيم الجسم طويل الظهر قصير الساقين، وهو أول من تلقب بأمير المؤمنين من أولاد الأمويين الداخلين إلى المغرب، وذلك حين بلغه ضعف الخلفاء بالعراق، وتغلب الفاطميين، فتلقب قبل موته بثلاث وعشرين سنة. ولما توفي قام بالأمر من بعده ولده الحكم وتلقب بالمنتصر، وكان الناصر شافعي المذهب ناسكا شاعرا، ولا يعرف في الخلفاء أطول مدة منه، فإنه أقام خليفة خمسين سنة، إلا الفاطمي المستنصر بن الحاكم الفاطمي صاحب مصر، فإنه مكث ستين سنة كما سيأتي ذلك. وممن توفي فيها من الأعيان:
أبو سهل بن زياد القطان
ص 237
أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد أبو سهل القطان. كان ثقة حافظا كثير التلاوة للقرآن، حسن الانتزاع للمعاني من القرآن، فمن ذلك أنه استدل على تكفير المعتزلة بقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) 3: 156.
إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن بيان أبو محمد الحطبى
ص 237
سمع الحديث من ابن أبى أسامة وعبد الله بن أحمد والكوكبي وغيرهم، وعنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة حافظا فاضلا نبيلا عارفا بأيام الناس، وله تاريخ مرتب على السنين، وكان أديبا لبيبا عاقلا صدوقا، توفي في جمادى الآخرة من هذه السنة، عن إحدى وثمانين سنة.
أحمد بن محمد بن سعيد
ص 237
ابن عبيد الله بن أحمد بن سعيد بن أبي مريم أبو بكر القرشي الوراق، ويعرف بابن فطيس، وكان حسن الكتابة مشهورا بها، وكان يكتب الحديث لابن جوصا، ترجمه ابن عساكر وأرخ وفاته بثاني شوال من هذه السنة.
تمام بن محمد بن عباس
ص 237
ابن عبد المطلب أبو بكر الهاشمي العباسي، حدث عن عبد الله بن أحمد وعنه ابن رزقويه توفي في هذه السنة عن إحدى وثمانين سنة.
الحسين بن القاسم
ص 237
أبو علي الطبري الفقيه الشافعي، أحد الأئمة المحررين في الخلاف، وهو أول من صنف فيه،
وله الإيضاح في المذهب، وكتاب في الجدل، وفي أصول الفقه وغير ذلك من المصنفات، وقد ذكرناه في الطبقات.
عبد الله بن إسماعيل بن إبراهيم
ص 238
ابن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور الهاشمي الامام، ويعرف بابن بويه، ولد سنة ثلاث وستين ومائتين، روى عن ابن أبي الدنيا وغيره، وعنه ابن رزقويه، وكان خطيبا بجامع المنصور مدة طويلة، وقد خطب فيه سنة ثلاثين وثلاثمائة وقبلها تمام سنة، ثم خطب فيه الواثق سنة ثلاثين ومائتين وهما في النسب إلى المنصور سواء. توفي في صفر منها.
عتبة بن عبد الله
ص 238
بن موسى بن عبد الله أبو السائب القاضي الهمذاني الشافعي، كان فاضلا بارعا، ولى القضاء، وكان فيه تخليط في الأمور، وقد رآه بعضهم بعد موته فقال: ما فعل الله بك؟
قال: غفر لي وأمر بي إلى الجنة على ما كان مني من التخليط، وقال لي: إني كتبت على نفسي أن لا أعذب أبناء الثمانين. وهذا الرجل أول من ولي قضاء القضاة ببغداد من الشافعية والله أعلم.
محمد بن أحمد بن حيان
ص 238
أبو بكر الدهقان، بغدادي، سكن بخارى وحدث بها عن يحيى بن أبي طالب، والحسن بن مكرم وغيرهما، وتوفي عن سبع وثمانين سنة.
أبو علي الخازن
ص 238
توفي في شعبان منها فوجد في داره من الدفائن وعند الناس من الودائع ما يقارب أربعمائة ألف دينار. والله أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.