ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
ص 164
فيها أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الأمين، وعمره إذ ذاك خمس سنين، فقال في ذلك سلم الخاسر:
قد وفق الله الخليفة إذ بنى ... بيت الخلافة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده ... شهدا عليه بمنظر وبمخبر
قد بايع الثقلان في مهد الهدى ... لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون، ويقول: والله إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي. ولو شئت أن أقول الرابعة منى لقلت، وإني لأقدم محمد بن زبيدة وإني لأعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك. ثم أنشأ يقول:
لقد بان وجه الرأي لي غير أنني ... غلبت على الأمر الذي كان أحزما
وكيف يرد الدر في الضرع بعد ما ... نوزع حتى صار نهبا مقسما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الأمر الذي كان أبرما
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح، في قول الواقدي. وحج بالناس الرشيد. وفيها سار يحيى ابن عبد الله بن حسن إلى الديلم وتحرك هناك.
شعوانة العابدة الزاهدة
ص 165
كانت أمة سوداء كثيرة العبادة، روي عنها كلمات حسان، وقد سألها الفضيل بن عياض الدعاء فقالت: أما بينك وبينه ما إن دعوته استجاب لك؟ فشهق الفضيل ووقع مغشيا عليه.
وفيها توفى الليث بن سعد بن عبد الرحمن
ص 165
الفهمي مولاهم. قال ابن خلكان: كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد الرحمن بن مسافر الفهمي، كان الليث إمام الديار المصرية بلا مدافعة، وولد بقرقشندة من بلاد مصر سنة أربع وتسعين. وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة، ونشأ بالديار المصرية. وقال ابن خلكان: أصله من قلقشندة وضبطه بلامين الثانية متحركة. وحكى عن بعضهم أنه كان جيد الذهن، وأنه ولى القضاء بمصر فلم يحمدوا ذهنه بعد ذلك، ولد سنة أربع وعشرين ومائة، وذلك غريب جدا. وذكروا أنه كان يدخله من ملكه في كل سنة خمسة آلاف دينار.
وقال آخرون: كان يدخله من الغلة في كل سنة ثمانون ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة، وكان إماما في الفقه والحديث والعربية. قال الشافعي: كان الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه.
وبعث إليه مالك يستهديه شيئا من العصفر لأجل جهاز ابنته، فبعث إليه بثلاثين حملا، فاستعمل منه مالك حاجته وباع منه بخمسمائة دينار، وبقيت عنده منه بقية. وحج مرة فأهدى له مالك طبقا فيه رطب فرد الطبق وفيه ألف دينار. وكان يهب للرجل من أصحابه من العلماء الألف دينار وما يقارب ذلك. وكان يخرج إلى الإسكندرية في البحر هو وأصحابه في مركب ومطبخه في مركب.
ومناقبه كثيرة جدا. وحكى ابن خلكان أنه سمع قائلا يقول يوم مات الليث:
ذهب الليث فلا ليث لكم ومضى العلم غريبا وقبر فالتفتوا فلم يروا أحدا. وفيها توفى:
المنذر بن عبد الله بن المنذر
ص 165
القرشي، عرض عليه المهدي أن يلي القضاء ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم، فقال: إني عاهدت الله أن لا ألي شيئا، وأعيذ أمير المؤمنين بالله أن أخيس بعهدي. فقال له المهدي: آلله؟
قال: آلله. قال: انطلق فقد أعفيتك
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.