الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين
124

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين

الجزء العاشر 5 عنصر صفحة 352
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين ص 352

فيها أغزى المنتصر وصيفا التركي الصائفة لقتال الروم، وذلك أن ملك الروم قصد بلاد الشام، فعند ذلك جهز المنتصر وصيفا وجهز معه نفقات وعددا كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيم بالثغر أربع سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق كتابا عظيما فيه آيات كثيرة في التحريض للناس على القتال والترغيب فيه. وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر خلع أبو عبد الله المعتز والمؤيد إبراهيم أنفسهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك، وأنهما عاجزان عن الخلافة، والمسلمين في حل من بيعتهما، وذلك بعد ما تهددهما أخوهما المنتصر وتوعدهما بالقتل إن لم يفعلا ذلك، ومقصوده تولية ابنه عبد الوهاب بإشارة أمراء الأتراك بذلك. وخطب بذلك على رءوس الأشهاد بحضرة القواد والقضاة وأعيان الناس والعوام، وكتب بذلك إلى الآفاق ليعلموا بذلك ويخطبوا له بذلك على المنابر، ويتوالى على محال الكتابة، والله غالب على أمره، فأراد أن يسلبهما الملك ويجعله في ولده، والأقدار تكذبه وتخالفه، وذلك أنه لم يستكمل بعد قتل أبيه سوى ستة أشهر، ففي أواخر صفر من هذه السنة عرضت له علة كان فيها حتفه، وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنه يصعد سلما فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة. فقصها على بعض المعبرين فقال: تلى خمسا وعشرين سنة الخلافة، وإذا هي مدة عمره قد استكملها في هذه السنة. وقال بعضهم: دخلنا عليه يوما فإذا هو يبكي وينتحب شديدا، فسأله بعض أصحابه عن بكائه فقال: رأيت أبي المتوكل في منامي هذا وهو يقول: ويلك يا محمد قتلتني وظلمتني وغصبتني خلافتي، والله لا أمتعت بها بعدي إلا أياما يسيرة ثم مصيرك إلى النار. قال: فما أملك عيني ولا جزعي. فقال له أصحابه من الغرارين الذين يغزون الناس ويفتنونهم: هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب، قم بنا إلى الشراب ليذهب همك وحزنك. فأمر بالشراب فأحضر وجاء ندماؤه فأخذه في الخمر وهو منكسر الهمة، وما زال كذلك مكسورا حتى مات.

وقد اختلفوا في علته التي كان فيها هلاكه، فقيل داء في رأسه فقطر في أذنه دهن فلما وصل

إلى دماغه عوجل بالموت، وقيل بل ورمت معدته فانتهى الورم إلى قلبه فمات، وقيل بل أصابته ذبحة فاستمرت به عشرة أيام فمات، وقيل بل فصده الحجام بمفصد مسموم فمات من يومه. قال ابن جرير: أخبرني بعض أصحابنا أن هذا الحجام رجع إلى منزله وهو محموم فدعا تلميذا له حتى يفصده فأخذ مبضع أستاذه ففصده به وهو لا يشعر وأنسى الله سبحانه الحجام فما ذكر حتى رآه قد فصده به وتحكم فيه السم، فأوصى عند ذلك ومات من يومه. وذكر ابن جرير أن أم الخليفة دخلت عليه وهو في مرضه الذي مات فيه فقالت له: كيف حالك؟ فقال: ذهبت مني الدنيا والآخرة، ويقال إنه أنشد لما أحيط به وأيس من الحياة:

فما فرحت نفسي بدنيا أصبتها ... ولكن إلى الحرب الكريم أصير

فمات يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وقت صلاة العصر، عن خمس وعشرين سنة، قيل وستة أشهر. ولا خلاف أنه إنما مكث بالخلافة ستة أشهر لا أزيد منها. وذكر ابن جرير عن بعض أصحابه أنه لم يزل يسمع الناس يقولون- العامة وغيرهم حين ولي المنتصر- إنه لا يمكث في الخلافة سوى ستة أشهر، وذلك مدة خلافة من قتل أباه لأجلها، كما مكث شبرويه بن كسرى حين قتل أباه لأجل الملك. وكذلك وقع، وقد كان المنتصر أعين أقنى قصيرا مهيبا جيد البدن، وهو أول خليفة من بني العباس أبرز قبره بإشارة أمه حبشية الرومية.

ومن جيد كلامه قوله: والله ما عز ذو باطل قط، ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذل ذو حق قط ولو أصفق العالم عليه.

بحمد الله تعالى قد تم طبع الجزء العاشر من البداية والنهاية ويليه الجزء الحادي عشر وأوله خلافة أحمد المستعين بالله. والله نسأل المعونة والتوفيق.

تتمة سنة ثمان وأربعين ومائتين ص 354

بسم الله الرحمن الرحيم

خلافة المستعين بالله ص 354

وهو أبو العباس أحمد بن محمد المعتصم. بويع له بالخلافة يوم مات المنتصر، بايعه عموم الناس، ثم خرجت عليه شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور. فالتف عليهم خلق، وقام بنصر المستعين جمهور الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا أياما فقتل منهم خلق من الفريقين، وانتهبت أماكن كثيرة من بغداد، وجرت فتن منتشرة كثيرة جدا، ثم استقر الأمر للمستعين فعزل وولى وقطع ووصل، وأمر ونهى أياما ومدة غير طويلة. وفيها مات بغا الكبير في جمادى الآخرة منها، فولى الخليفة مكانه ولده موسى بن بغا. وقد كانت له همم عالية وآثار سامية، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية وكان له من المتاع والضياع ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار. وترك عشر حبات جوهر قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، وثلاث جبات سلا ذهبا وورق وفيها عدا أهل حمص على عاملهم فأخرجوه من بين أظهرهم، فأخذ منهم المستعين مائة رجل من سراتهم وأمر بهدم سورهم. وفيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبي

وفيها توفى من الأعيان ص 354

أحمد ابن صالح. والحسين بن علي الكرابيسي. وعبد الجبار بن العلاء. وعبد الملك بن شعيب. وعيسى ابن حماد. ومحمد بن حميد الرازي. ومحمد بن زينور. ومحمد بن العلاء أبو كريب. ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي

وأبو حاتم السجستاني ص 354

واسمه سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي أبو حاتم النحوي اللغوي صاحب المصنفات

الكثيرة وكان بارعا في اللغة. اشتغل فيها على أبى عبيد والأصمعي، وأكثر الرواية عن أبي زيد الأنصاري. وأخذ عنه المبرد وابن دريد وغيرهما. وكان صالحا كثير الصدقة والتلاوة، كان يتصدق كل يوم بدينار ويقرأ في كل أسبوع بختمة، وله شعر كثير منه قوله:

أبرزوا وجهه الجميل ... ولاموا من افتتن

لو أرادوا صيانتي ... ستروا وجهه الحسن

كانت وفاته في المحرم، وقيل في رجب من هذه السنة

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.