الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين
123

ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين

الجزء العاشر 5 عنصر صفحة 348
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين ص 348

في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكل على الله على يد ولده المنتصر، وكان سبب ذلك أنه أمر ابنه عبد الله المعتز الذي هو ولي العهد من بعده أن يخطب بالناس في يوم جمعة، فأداها أداء عظيما بليغا، فبلغ ذلك من المنتصر كل مبلغ، وحنق على أبيه وأخيه، فأحضره أبوه وأهانه وأمر بضربه في رأسه وصفعه، وصرح بعزله عن ولاية العهد من بعد أخيه، فاشتد أيضا حنقه أكثر مما كان. فلما كان يوم عيد الفطر خطب المتوكل بالناس وعنده بعض ضعف من علة به، ثم عدل إلى خيام قد ضربت له أربعة أميال في مثلها، فنزل هناك ثم استدعى في يوم ثالث شوال بند مائه على عادته في سمره وحضرته، وشربه، ثم تمالأ ولده المنتصر وجماعة من الأمراء على الفتك به فدخلوا عليه ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، ويقال من شعبان من هذه السنة، وهو على السماط فابتدروه بالسيوف فقتلوه ثم ولوا بعده ولده المنتصر.

وهذه ترجمة المتوكل على الله ص 348

جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي، وأم المتوكل أم ولد يقال لها

شجاع، وكانت من سروات النساء سنحا وحزما. كان مولده بفم الصلح سنة سبع ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة لسنة ثنتين وثلاثين ومائتين.

وقد روى الخطيب من طريقه عن يحيى بن أكثم عن محمد بن عبد الوهاب عن سفيان عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حرم الرفق حرم الخير» . ثم أنشأ المتوكل يقول:

الرفق يمن والاناة سعادة ... فاستأذن في رفق تلاق نجاحا

لا خير في حزم بغير روية ... والشك وهن إن أردت سراحا

وقال ابن عساكر في تاريخه: وحدث عن أبيه المعتصم ويحيى بن أكثم القاضي. وروى عنه على ابن الجهم الشاعر، وهشام بن عمار الدمشقي، وقدم المتوكل دمشق في خلافته وبنى بها قصرا بأرض داريا. وقال يوما لبعضهم: إن الخلفاء تتغضب على الرعية لتطيعها، وإني ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. وقال أحمد بن مروان المالكي: ثنا أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم إليه إلا أحمد بن المعذل. فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين بلى! ولكن في بصره سوء. فقال أحمد بن المعذل: يا أمير المؤمنين ما في بصري سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» . فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. وروى الخطيب أن علي بن الجهم دخل على المتوكل وفي يده درتان يقلبهما فأنشده قصيدته التي يقول فيها: -

وإذا مررت ببئر عروة ... فاستقى من مائها

فأعطاه التي في يمينه وكانت تساوي مائة ألف. ثم أنشده:

بسر من رأى أمير ... تغرف من بحره البحار

يرجى ويخشى لكل خطب ... كأنه جنة ونار

الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار

يداه في الجود ضرتان ... عليه كلتاهما تغار

لم تأت منه اليمين شيئا ... إلا أتت مثله اليسار

قال: فأعطاه التي في يساره أيضا. قال الخطيب: وقد رويت هذه الأبيات لعلى بن هارون البحتري في المتوكل. وروى ابن عساكر عن علي بن الجهم قال: وقفت فتحية حظية المتوكل بين يديه وقد كتبت على خدها بالغالية جعفر فتأمل ذلك ثم أنشأ يقول:

وكاتبه في الخد بالمسك جعفرا ... بنفسي تحط المسك من حيث أثرا

لئن أودعت سطرا من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا

فيا من مناها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا

ويا من لمملوك بملك يمينه ... مطيع له فيما أسر وأظهرا

قال ثم أمر المتوكل عربا فغنت به. وقال الفتح بن خاقان: دخلت يوما على المتوكل فإذا هو مطرق مفكر فقلت: يا أمير المؤمنين مالك مفكر؟ فو الله ما على الأرض أطيب منك عيشا، ولا أنعم منك بالا. قال: بلى أطيب مني عيشا رجل له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه. وكان المتوكل محببا إلى رعيته قائما في نصرة أهل السنة، وقد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة، لأنه نصر الحق ورده عليهم حتى رجعوا إلى الدين. وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بنى أمية. وقد أظهر السنة بعد البدعة، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه الله. وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور قال فقلت:

المتوكل؟ قال: المتوكل. قلت: فما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. وروى الخطيب عن صالح بن أحمد أنه رأى في منامه ليلة مات المتوكل كأن رجلا يصعد به إلى السماء وقائلا يقول:

ملك يقاد إلى مليك عادل ... متفضل في العفو ليس بجائر

وروي عن عمرو بن شيبان الحلبي قال: رأيت ليلة المتوكل قائلا يقول: -

يا نائم العين في أوطان جثمان ... أفض دموعك يا عمرو بن شيبان

أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا ... بالهاشمي وبالفتح بن خاقان

وافى إلى الله مظلوما فضج له ... أهل السموات من مثنى ووحدان

وسوف يأتيكم من بعده فتن ... توقعوها لها شأن من الشان

فابكوا على جعفر وابكوا خليفتكم ... فقد بكاه جميع الإنس والجان

قال: فلما أصبحت أخبرت الناس برؤياى فجاء نعى المتوكل أنه قد قتل في تلك الليلة، قال ثم رأيته بعد هذا بشهر وهو واقف بين يدي الله عز وجل فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي.

قلت بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. قلت فما تصنع هاهنا؟ قال: أنتظر ابني محمدا أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم.

وذكرنا قريبا كيفية مقتله وأنه قتل في ليلة الأربعاء أول الليل لأربع خلت من شوال من هذه السنة- أعني سنة سبع وأربعين ومائتين- بالمتوكلية وهي الماحوزية، وصلي عليه يوم الأربعاء،

ودفن بالجعفرية وله من العمر أربعون سنة، وكانت مدة خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام. وكان أسمر حسن العينين نحيف الجسم خفيف العارضين أقرب إلى القصر والله سبحانه اعلم.

خلافة محمد المنتصر بن المتوكل ص 351

قد تقدم أنه تمالأ هو وجماعة من الأمراء على قتل أبيه، وحين قتل بويع له بالخلافة في الليل، فلما كان الصباح من يوم الأربعاء رابع شوال أخذت له البيعة من العامة وبعث إلى أخيه المعتز فأحضره إليه فبايعه المعتز، وقد كان المعتز هو ولى العهد من بعد أبيه، ولكنه أكرهه وخاف فسلم وبايع. فلما أخذت البيعة له كان أول ما تكلم به أنه اتهم الفتح بن خاقان على قتل أبيه، وقتل الفتح أيضا، ثم بعث البيعة له إلى الآفاق. وفي ثاني يوم من خلافته ولى المظالم لأبى عمرة أحمد ابن سعيد مولى بني هاشم فقال الشاعر:

يا ضيعة الإسلام لما ولي ... مظالم الناس أبو عمره

صير مأمونا على أمة ... وليس مأمونا على بعره

وكانت البيعة له بالمتوكلية، وهي الماحوزة، فأقام بها عشرة أيام ثم تحول هو وجميع قواده وحشمه منها إلى سامرا. وفيها في ذي الحجة أخرج المنتصر عمه على بن المعتصم من سامرا إلى بغداد ووكل به. وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي.

وفيها توفى من الأعيان ص 351

إبراهيم بن سعيد الجوهري.

وسفيان بن وكيع بن الجراح، وسلمة بن شبيب.

وأبو عثمان المازني النحوي ص 351

واسمه بكر بن محمد بن عثمان البصري شيخ النحاة في زمانه، أخذه عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وأكثر عنه، وللمازني مصنفات كثيرة في هذا الشأن. وكان شبيها بالفقهاء ورعا زاهدا ثقة مأمونا. روى عنه المبرد أن رجلا من أهل الذمة طلب منه أن يقرأ عليه كتاب سيبويه ويعطيه مائة دينار فامتنع من ذلك. فلامه بعض الناس في ذلك فقال: إنما تركت أخذ الأجرة عليه لما فيه من آيات الله تعالى. فاتفق بعد هذا أن جارية غنت بحضرة الواثق:

أظلوم إن مصابكم رجلا ... رد السلام تحية ظلم

فاختلف من بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون رجلا مرفوعا أو منصوبا، وبم نصب؟ أهو اسم أو ماذا؟ وأصرت الجارية على أن المازني حفظها هذا هكذا. قال فأرسل الخليفة إليه، فلما مثل بين يديه قال له: أنت المازني؟ قال: نعم. قال من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس؟ فقلت من مازن ربيعة. فأخذ يكلمني بلغني، فقال: باسمك؟ وهم يقلبون الباء ميما والميم باء، فكرهت أن أقول مكر فقلت: بكر، فأعجبه إعراضي عن المكر إلى البكر، وعرف ما أردت.

فقال: على م انتصب رجلا؟ فقلت: لأنه معمول المصدر بمصابكم فأخذ اليزيدي يعارضه فعلاه المازني بالحجة فأطلق له الخليفة ألف دينار ورده إلى أهله مكرما. فعوضه الله عن المائة الدينار- لما تركها لله سبحانه ولم يمكن الذي من قراءة الكتاب لأجل ما فيه من القرآن- ألف دينار عشرة أمثالها. روى المبرد عنه قال: أقرأت رجلا كتاب سيبويه إلى آخره، فلما انتهى إلى آخره قال لي: أما أنت أيها الشيخ فجزاك الله خيرا، وأما أنا فو الله ما فهمت منه حرفا. توفي المازني في هذه السنة وقيل في سنة ثمان وأربعين.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.