ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين
ص 294
فيها خرج رجل من أهل الثغور بالشام يقال له أبو حرب المبرقع اليماني، فخلع الطاعة ودعا إلى نفسه. وكان سبب خروجه أن رجلا من الجند أراد أن ينزل في منزله عند امرأته في غيبته فما نعته المرأة فضربها الجندي في يدها فأثرت الضربة في معصمها. فلما جاء بعلها أبو حرب أخبرته فذهب إلى الجندي وهو غافل فقتله ثم تحصن في رءوس الجبال وهو مبرقع، فإذا جاء أحد دعاه إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويذم من السلطان، فاتبعه على ذلك خلق كثير من الحراثين وغيرهم، وقالوا: هذا هو السفياني المذكور أنه يملك الشام، فاستفحل أمره جدا، واتبعه نحو من مائة ألف مقاتل، فبعث إليه المعتصم وهو في مرض موته جيشا نحوا من مائة ألف مقاتل، فلما قدم أمير المعتصم بمن معه وجدهم أمة كثيرة وطائفة كبيرة، قد اجتمعوا حول أبى حرب، فخشي أن يواقعه والحالة هذه، فانتظر إلى أيام حرث الأراضي فتفرق عنه الناس إلى أراضيهم، وبقي في شرذمة قليلة فناهضه فأسره وتفرق عنه أصحابه، وحمله أمير السرية وهو رجاء بن أيوب حتى قدم به على المعتصم، فلامه المعتصم في تأخره عن مناجزته أول ما قدم الشام، فقال: كان معه مائة ألف أو يزيدون، فلم أزل أطاوله حتى أمكن الله منه، فشكره على ذلك.
وفيها في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة كانت وفاة أبي إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور.
وهذه ترجمته
ص 294
هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي يقال له المثمن لأنه ثامن ولد العباس، وأنه ثامن الخلفاء من ذريته، ومنها أنه فتح ثمان فتوحات، ومنها أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. وقيل ويومين، وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شعبان وهو الشهر الثامن من السنة، وأنه توفي وله من العمر ثمانية وأربعون سنة، ومنها أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات، ومنها أنه دخل بغداد من الشام في مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة بعد موت أخيه المأمون، قالوا: وكان أميالا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتاب غلام فمات الغلام فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكتاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكتاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بنى لا تذهب بعد اليوم إلى الكتاب. فتركوه فكان أميا، وقيل بل كان يكتب كتابة ضعيفة. وقد أسند الخطيب من طريقه عن آبائه حديثين منكرين أحدهما في ذم بني أمية ومدح بني العباس من الخلفاء. والثاني في النهي عن الحجامة يوم الخميس. وذكر بسنده
عن المعتصم أن ملك الروم كتب إليه كتابا يتهدده فيه فقال للكاتب اكتب: قد قرأت كتابك وفهمت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. قال الخطيب: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، وفتح عمورية وقتل من أهلها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقا، وطرح النار في عمورية في سائر نواحيها فأحرقها وجاء بنائبها إلى العراق وجاء ببابها أيضا معه وهو منصوب حتى الآن على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر. وروي عن أحمد بن أبى دؤاد القاضي أنه قال:
ربما أخرج المعتصم ساعده إلي وقال لي: عض يا أبا عبد الله بكل ما تقدر عليه، فأقول إنه لا تطيب نفسي يا أمير المؤمنين أن أعض ساعدك، فيقول: إنه لا يضرني. فأكدم بكل ما أقدر عليه فلا يؤثر ذلك في يده. ومر يوما في خلافة أخيه بمخيم الجند فإذا امرأة تقول: ابني ابني، فقال لها:
ما شأنك؟ فقالت: ابني أخذه صاحب هذه الخيمة. فجاء إليه المعتصم فقال له: أطلق هذا الصبي، فامتنع عليه فقبض على جسده بيده فسمع صوت عظامه من تحت يده، ثم أرسله فسقط ميتا وأمر بإخراج الصبي إلى أمه. ولما ولي الخلافة كان شهما وله همة عالية في الحرب ومهابة عظيمة في القلوب، وإنما كانت نهمته في الإنفاق في الحرب لا في البناء ولا في غيره.
وقال أحمد بن أبى دؤاد: تصدق المعتصم على يدي ووهب ما قيمته مائة ألف ألف درهم. وقال غيره: كان المعتصم إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
دخلت يوما على المعتصم وعنده قينة له تغنيه فقال لي: كيف تراها؟ فقلت له: أراها تقهره بحذق، وتجتله برفق، ولا تخرج من شيء إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور، أحسن من نظم الدر على النحور. فقال: والله لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها. ثم قال لابنه هارون الواثق ولي عهده من بعده: اسمع هذا الكلام. وقد استخدم المعتصم من الأتراك خلقا عظيما كان له من المماليك الترك قريب من عشرين ألفا، وملك من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره. ولما حضرته الوفاة جعل يقول حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون 6: 44 وقال: لو علمت أن عمري قصير ما فعلت. وقال: إني أحدث هذا الخلق، وجعل يقول: ذهبت الحيل فلا حيلة، وروي عنه أنه قال في مرض موته: اللهم إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي.
كانت وفاته بسر من رأى في يوم الخميس ضحى لسبعة عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من هذه السنة- أعني سنة سبع وعشرين ومائتين- وكان مولده يوم الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومائة، وولي الخلافة في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، وكان أبيض أصهب اللحية
طويلها مربوعا مشرب اللون، أمه أم ولد اسمها ماردة، وهو أحد أولاد ستة من أولاد الرشيد، كل منهم اسمه محمد، وهم ابو إسحاق محمد المعتصم، وأبو العباس محمد الأمين، وأبو عيسى محمد، وأبو أحمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب. قاله هشام بن الكلبي. وقد ولى الخلافة بعده ولده هارون الواثق.
وقد ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه فقال:
قد قلت إذ غيبوك واصطفقت ... عليك أيدي التراب والطين
اذهب فنعم الحفيظ كنت على ... الدنيا ونعم الظهير للدين
لا جبر الله أمة فقدت ... مثلك إلا بمثل هارون
وقال مروان بن أبى الجنوب- وهو ابن أخى حفصة-:
أبو إسحاق مات ضحى فمتنا ... وأمسينا بهارون حيينا
لئن جاء الخميس بما كرهنا ... لقد جاء الخميس بما هوينا
خلافة هارون الواثق بن المعتصم
ص 296
بويع له بالخلافة قبل موت أبيه يوم الأربعاء لثمان خلون من ربيع الأول من هذه السنة- أعني سنة سبع وعشرين ومائتين- ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية يقال لها قراطيس، وقد خرجت في هذه السنة قاصدة الحج فماتت بالحيرة ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى، وذلك لأربع خلون من ذي القعدة من هذه السنة، وكان الذي أقام للناس الحج فيها جعفر بن المعتصم وفيها توفى ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكانت مدة ملكه ثنتى عشرة سنة، فملكت الروم بعده امرأته تدورة. وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا.
بشر الحافي الزاهد المشهور
ص 296
وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي، نزيل بغداد. قال ابن خلكان: وكان اسم جده عبد الله الغيور، أسلم على يدي علي بن أبي طالب. قلت: وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومالك، وأبي بكر بن عياش، وغيرهم. وعنه جماعة منهم أبو خيثمة، وزهير بن حرب، وسري السقطي، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتم. قال محمد بن سعيد: سمع بشر كثيرا ثم اشتغل بالعبادة واعتزل الناس ولم يحدث، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهادته وورعه ونسكه وتقشفه. قال الإمام أحمد يوم بلغه موته:
لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوج لتم أمره. وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله. وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرف له غيبة
لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل. ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شيء. وذكر غير واحد أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله عز وجل في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية وضمخ تلك الرقعة منها ووضعها حيث لا تنال، فأحيا الله قلبه وألهمه رشده وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة.
ومن كلامه: من أحب الدنيا فليتهيأ الذل. وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له: أما لك أدم؟
فقال: بلى أذكر العافية فأجعلها أدما. وكان لا يلبس نعلا بل يمشى حافيا، فجاء يوما إلى باب فطرقه فقيل من ذا؟ فقال: بشر الحافى. فقالت له جارية صغيرة لو اشترى نعلا بدرهم لذهب عنه اسم الحافى [1] . قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذاء، فطلب منه شراكا لنعله فقال:
ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس؟! فطرح النعل من يده وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا.
قال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم عاشوراء، وقيل في رمضان ببغداد، وقيل بمرو. قلت:
الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل في سنة ست وعشرين والأول أصح والله أعلم. وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة. وكان على المدائني وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وقد روى أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الذي كان يسكنه. وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ فقال غفر لي ولكل من أحبني إلى يوم القيامة. وذكر الخطيب أنه كان له أخوات ثلاث وهن: مخة. ومضغة، وزبدة. وكلهن عابدات زاهدات مثله وأشد ورعا أيضا. ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد بن حنبل فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر فهل على عند البيع أن أميز هذا من هذا؟ فقال: إن كان بينهما فرق فميزى للمشتري.
وقالت له مرة إحداهن: ربما تمر بنا مشاعل بني طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات فخلصني من ذلك. فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى؟ قال لا! إنما هو شكوى إلى الله عز وجل. ثم خرجت فقال لابنه عبد الله: يا بني اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة؟ قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته مخة.
وروى الخطيب أيضا عن زبدة قالت: جاء ليلة أخي بشر فدخل برجله في الدار وبقيت
الأخرى خارج الدار، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح، فقيل له فيم تفكرت ليلتك؟ فقال:
تفكرت في بشر النصراني وبشر اليهودي وبشر المجوسي وفي نفسي لأن اسمى بشر، فقلت في نفسي: ما الذي سبق لي من الله حتى خصنى بالإسلام من بينهم؟ فتفكرت في فضل الله على وحمدته أن هداني للإسلام، وجعلني ممن خصه به، وألبسنى لباس أحبابه. وقد ترجمه ابن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال، وقد ذكر له أشعارا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات:
تعاف القذى في الماء لا تستطيعه ... وتكرع من حوض الذنوب فتشرب
وتؤثر من أكل الطعام ألذه ... ولا تذكر المختار من أين يكسب
وترقد يا مسكين فوق نمارق ... وفي حشوها نار عليك تلهب
فحتى متى لا تستفيق جهالة ... وأنت ابن سبعين بدينك تلعب
وممن توفى فيها أحمد بن يونس. وإسماعيل بن عمرو البجلي. وسعيد بن منصور صاحب السنن المشهورة التي لا يشاركه فيها إلا القليل. ومحمد بن الصباح الدولابي. وله سنن أيضا. وأبو الوليد الطيالسي. وأبو الهذيل العلاف المتكلم المعتزلي. والله أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.