ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين
ص 292
في شعبان منها توفي الأفشين في الحبس فأمر به المعتصم فصلب ثم أحرق وذري رماده في دجلة واحتيط على أمواله وحواصله فوجدوا فيها أصناما مكللة بذهب وجواهر، وكتبا في فضل دين المجوس وأشياء كثيرة كان يتهم بها، تدل على كفره وزندقته، وتحقق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى
دين آبائه المجوس. وحج بالناس فيها محمد بن داود.
وأبو دلف العجلي
ص 293
عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعي بن عبد العزيز بن دلف ابن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لحيم الأمير وأبو دلف العجلي أحد قواد المأمون والمعتصم وإليه ينسب الأمير أبو نصر بن ماكولا، صاحب كتاب الإكمال. وكان القاضي جلال الدين خطيب دمشق القزويني يزعم أنه من سلالته، ويذكر نسبه إليه، وكان أبو دلف هذا كريما جوادا ممدحا، قد قصده الشعراء من كل أوب، وكان أبو تمام الطائي من جملة من يغشاه ويستمنح نداه، وكانت لديه فضيلة في الأدب والغناء، وصنف كتبا منها سياسة الملوك، ومنها في الصيد والبزاة. وفي السلاح وغير ذلك. وما أحسن ما قال فيه بكر بن النطاع الشاعر:
يا طالبا للكيمياء وعلمه ... مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم
لو لم يكن في الأرض إلا درهم ... ومدحته لأتاك ذاك الدرهم
فيقال: إنه أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، وكان شجاعا فاتكا، وكان يستدين ويعطي، وكان أبوه قد شرع في بناء مدينة الكرخ فمات ولم يتمها فأتمها أبو دلف، وكان فيه تشييع، وكان يقول:
من لم يكن متغاليا في التشيع فهو ولد زنا. فقال له ابنه دلف: لست على مذهبك يا أبه. فقال:
والله لقد وطئت أمك قبل أن أشتريها، فهذا من ذاك. وقد ذكر ابن خلكان أن ولده رأى في المنام بعد وفاة أبيه أن آتيا أتاه فقال: أجب الأمير! قال فقمت معه فأدخلني دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة السقوف والأبواب. ثم أصعدنى في درج منها ثم أدخلنى غرفة، وإذا في حيطانها أثر النيران، وفي أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي فيها وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه فقال لي كالمستفهم: أدلف؟ فقلت دلف. فأنشأ يقول:
أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم ... ما لقينا في البرزخ الخناق
قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا ... فارحموا وحشتي وما قد ألاقي
ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم! ثم أنشأ يقول:
فلو أنا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بعثنا ... ونسأل بعده عن كل شيء
ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم. وانتبهت.