الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / زاد المعاد في هدي خير العباد / الجزء الخامس / حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزوجين يقع الشقاق بينهما
86

حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الزوجين يقع الشقاق بينهما

الجزء الخامس 1 عنصر صفحة 171
ص 171

روى أبو داود في " سننه ": من حديث عائشة رضي الله عنها: ( «أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر بعضها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصبح فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ثابتا فقال: خذ بعض مالها وفارقها " فقال: ويصلح ذلك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: خذهما وفارقها ففعل» ) .

وقد حكم الله تعالى بين الزوجين يقع الشقاق بينهما بقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا} [النساء: 35] [النساء 35]

وقد اختلف السلف والخلف في الحكمين: هل هما حاكمان أو وكيلان؟ على قولين:

أحدهما: أنهما وكيلان، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في قول وأحمد في رواية.

والثاني: أنهما حاكمان، وهذا قول أهل المدينة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر وهذا هو الصحيح.

والعجب كل العجب ممن يقول هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين، وجعل نصبهما إلى غير الزوجين، ولو كانا وكيلين، لقال: فليبعث وكيلا من أهله ولتبعث وكيلا من أهلها.

وأيضا فلو كانا وكيلين لم يختصا بأن يكونا من الأهل.

وأيضا فإنه جعل الحكم إليهما فقال: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} [النساء: 35] والوكيلان لا إرادة لهما إنما يتصرفان بإرادة موكليهما.

وأيضا فإن الوكيل لا يسمى حكما في لغة القرآن، ولا في لسان الشارع ولا في العرف العام ولا الخاص.

وأيضا فالحكم من له ولاية الحكم والإلزام وليس للوكيل شيء من ذلك.

وأيضا فإن الحكم أبلغ من حاكم؛ لأنه صفة مشبهة باسم الفاعل دالة على الثبوت ولا خلاف بين أهل العربية في ذلك، فإذا كان اسم الحاكم لا يصدق على الوكيل المحض فكيف بما هو أبلغ منه.

وأيضا فإنه سبحانه خاطب بذلك غير الزوجين، وكيف يصح أن يوكل عن الرجل والمرأة غيرهما، وهذا يحوج إلى تقدير الآية هكذا: {وإن خفتم شقاق بينهما} [النساء: 35] فمروهما أن يوكلا وكيلين: وكيلا من أهله ووكيلا من أهلها، ومعلوم بعد لفظ الآية ومعناها عن هذا التقدير، وأنها لا تدل عليه بوجه، بل هي دالة على خلافه وهذا بحمد الله واضح.

(وبعث عثمان بن عفان عبد الله بن عباس ومعاوية حكمين بين عقيل بن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقيل لهما: إن رأيتما أن تفرقا فرقتما) .

وصح عن علي بن أبي طالب أنه قال للحكمين بين الزوجين عليكما (إن رأيتما أن تفرقا فرقتما وإن رأيتما أن تجمعا جمعتما)

فهذا عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية جعلوا الحكم إلى الحكمين، ولا يعرف لهم من الصحابة مخالف وإنما يعرف الخلاف بين التابعين فمن بعدهم والله أعلم.

وإذا قلنا: إنهما وكيلان، فهل يجبر الزوجان على توكيل الزوج في الفرقة بعوض وغيره، وتوكيل الزوجة في بذل العوض أو لا يجبران؟ على روايتين، فإن قلنا: يجبران فلم يوكلا جعل الحاكم ذلك إلى الحكمين بغير رضى الزوجين، وإن قلنا: إنهما حكمان لم يحتج إلى رضى الزوجين.

وعلى هذا النزاع ينبني ما لو غاب الزوجان أو أحدهما فإن قيل: إنهما وكيلان، لم ينقطع نظر الحكمين، وإن قيل: حكمان انقطع نظرهما لعدم الحكم على الغائب، وقيل: يبقى نظرهما على القولين؛ لأنهما يتطرفان لحظهما فهما كالناظرين. وإن جن الزوجان، انقطع نظر الحكمين، إن قيل: إنهما وكيلان؛ لأنهما فرع الموكلين، ولم ينقطع إن قيل: إنهما حكمان لأن الحاكم يلي على المجنون. وقيل: ينقطع أيضا لأنهما منصوبان عنهما فكأنهما وكيلان، ولا ريب أنهما حكمان فيهما شائبة الوكالة، ووكيلان منصوبان للحكم، فمن العلماء من رجح جانب الحكم، ومنهم من رجح جانب الوكالة ومنهم من اعتبر الأمرين.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة (نسخة مكتبة المنار الإسلامية) لكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية (نفس تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط المعتمد في المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.