الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
331

فصل بيع المسك في فأرته

الجزء الخامس 1 عنصر صفحة 727
ص 727

فصل.

وليس منه بيع المسك في فأرته، بل هو نظير ما مأكوله في جوفه كالجوز واللوز والفستق وجوز الهند، فإن فأرته وعاء له تصونه من الآفات، وتحفظ عليه رطوبته ورائحته، وبقاؤه فيها أقرب إلى صيانته من الغش والتغير، والمسك الذي في الفأرة عند الناس خير من المنفوض، وجرت عادة التجار ببيعه وشرائه فيها، ويعرفون قدره وجنسه معرفة لا تكاد تختلف، فليس من الغرر في شيء، فإن الغرر هو ما تردد بين الحصول والفوات، وعلى القاعدة الأخرى: هو ما طويت معرفته، وجهلت عينه، وأما هذا ونحوه فلا يسمى غررا لا لغة ولا شرعا ولا عرفا، ومن حرم بيع شيء، وادعى أنه غرر، طولب بدخوله في مسمى الغرر لغة وشرعا، وجواز بيع المسك في الفأرة أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وهو الراجح دليلا، والذين منعوه جعلوه مثل بيع النوى في التمر، والبيض في الدجاج، واللبن في الضرع، والسمن في الوعاء، والفرق بين النوعين ظاهر.

ومنازعوهم يجعلونه مثل بيع قلب الجوز واللوز والفستق في صوانه؛ لأنه من مصلحته، ولا ريب أنه أشبه بهذا منه بالأول، فلا هو مما نهى عنه الشارع، ولا في معناه، فلم يشمله نهيه لفظا ولا معنى.

وأما بيع السمن في الوعاء، ففيه تفصيل، فإنه إن فتحه، ورأى رأسه بحيث يدله على جنسه ووصفه جاز بيعه في السقاء، لكنه يصير كبيع الصبرة التي شاهد ظاهرها وإن لم يره، ولم يوصف له لم يجز بيعه؛ لأنه غرر فإنه يختلف جنسا ونوعا ووصفا، وليس مخلوقا في وعائه كالبيض والجوز واللوز والمسك في أوعيتها، فلا يصح إلحاقه بها.

وأما بيع اللبن في الضرع، فمنعه أصحاب أحمد والشافعي وأبي حنيفة والذي يجب فيه التفصيل، فإن باع الموجود المشاهد في الضرع، فهذا لا يجوز مفردا، ويجوز تبعا للحيوان؛ لأنه إذا بيع مفردا تعذر تسليم المبيع بعينه؛ لأنه لا يعرف مقدار ما وقع عليه البيع، فإنه وإن كان مشاهدا كاللبن في الظرف، لكنه إذا حلبه خلفه مثله مما لم يكن في الضرع، فاختلط المبيع بغيره على وجه لا يتميز، وإن صح الحديث الذي رواه الطبراني في " معجمه " من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «نهى أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع» ) فهذا إن شاء الله محمله، وأما إن باعه آصعا معلومة من اللبن يأخذه من هذه الشاة، أو باعه لبنها

أياما معلومة، فهذا بمنزلة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، لا يجوز وأما إن باعه لبنا مطلقا موصوفا في الذمة، واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة، فقال شيخنا: هذا جائز، واحتج بما في " المسند " من أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «نهى أن يسلم في حائط بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحه» ) . قال: فإذا بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن الثمن يتأخر قبضه إلى كمال صلاحه، هذا لفظه.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة (نسخة مكتبة المنار الإسلامية) لكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية (نفس تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط المعتمد في المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.