الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / زاد المعاد في هدي خير العباد / الجزء الخامس / ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم فيما يحرم بيعه
306

ذكر حكمه صلى الله عليه وسلم فيما يحرم بيعه

الجزء الخامس 1 عنصر صفحة 659
ص 659

ثبت في (الصحيحين) : من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة، فإنها يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: (لا هو حرام) . ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: (قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها

جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» ) .

وفيهما أيضا: عن ابن عباس، «قال بلغ عمر - رضي الله عنه - أن سمرة باع خمرا، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها» ) .

فهذا من (مسند عمر) - رضي الله عنه - وقد رواه البيهقي، والحاكم في (مستدركه) فجعلاه من (مسند ابن عباس) ، وفيه زيادة، ولفظه: عن ابن عباس، قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، يعني الحرام، فرفع بصره إلى السماء فتبسم، فقال: (لعن الله اليهود، لعن الله اليهود، لعن الله اليهود، إن الله - عز وجل - حرم عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها، إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» ) وإسناده صحيح، فإن البيهقي رواه عن ابن عبدان، عن الصفار، عن إسماعيل القاضي، حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس.

وفي (الصحيحين) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - نحوه، دون قوله: ( «إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه» ) .

فاشتملت هذه الكلمات الجوامع على تحريم ثلاثة أجناس: مشارب تفسد العقول، ومطاعم تفسد الطباع وتغذي غذاء خبيثا؛ وأعيان تفسد الأديان، وتدعو إلى الفتنة والشرك.

فصان بتحريم النوع الأول العقول عما يزيلها ويفسدها، وبالثاني: القلوب عما يفسدها من وصول أثر الغذاء الخبيث إليها، والغاذي شبيه بالمغتذي، وبالثالث: الأديان عما وضع لإفسادها.

فتضمن هذا التحريم صيانة العقول والقلوب والأديان.

ولكن الشأن في معرفة حدود كلامه - صلوات الله عليه - وما يدخل فيه، وما لا يدخل فيه، لتستبين عموم كلماته وجمعها، وتناولها لجميع الأنواع التي شملها عموم كلماته، وتأويلها بجميع الأنواع التي شملها عموم لفظه ومعناه، وهذه خاصية الفهم عن الله ورسوله التي تفاوت فيه العلماء، ويؤتيه الله من يشاء.

فأما تحريم بيع الخمر، فيدخل فيه تحريم بيع كل مسكر، مائعا كان، أو جامدا، عصيرا، أو مطبوخا، فيدخل فيه عصير العنب، وخمر الزبيب، والتمر، والذرة، والشعير، والعسل، والحنطة، واللقمة الملعونة، لقمة الفسق والقلب التي تحرك القلب الساكن إلى أخبث الأماكن، فإن هذا كله خمر بنص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده، ولا إجمال في متنه، إذ صح عنه قوله: ( «كل مسكر خمر» ) .

وصح عن أصحابه - رضي الله عنهم - الذين هم أعلم الأمة بخطابه ومراده: أن الخمر ما خامر العقل فدخول هذه الأنواع تحت اسم الخمر كدخول جميع أنواع الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والزبيب، تحت قوله: ( «لا تبيعوا

الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا مثلا بمثل» ) .

فكما لا يجوز إخراج صنف من هذه الأصناف عن تناول اسمه له، فهكذا لا يجوز إخراج صنف من أصناف المسكر عن اسم الخمر، فإنه يتضمن محذورين.

أحدهما: أن يخرج من كلامه ما قصد دخوله فيه.

والثاني: أن يشرع لذلك النوع الذي أخرج حكم غير حكمه، فيكون تغييرا لألفاظ الشارع ومعانيه، فإنه إذا سمى ذلك النوع بغير الاسم الذي سماه به الشارع، أزال عنه حكم ذلك المسمى وأعطاه حكما آخر.

ولما علم النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمته من يبتلى بهذا، كما قال: ( «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» ) قضى قضية كلية عامة لا يتطرق إليها إجمال، ولا احتمال، بل هي شافية كافية، فقال: ( «كل مسكر خمر» ) ، هذا ولو أن أبا عبيدة، والخليل وأضرابهما من أئمة اللغة ذكروا هذه الكلمة هكذا لقالوا: قد نص أئمة اللغة على

أن كل مسكر خمر، وقولهم حجة، وسيأتي إن شاء الله تعالى عند ذكر هديه في الأطعمة والأشربة مزيد تقرير لهذا، وأنه لو لم يتناوله لفظه، لكان القياس الصريح الذي استوى فيه الأصل والفرع من كل وجه حاكما بالتسوية بين أنواع المسكر في تحريم البيع والشرب، فالتفريق بين نوع ونوع، تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة (نسخة مكتبة المنار الإسلامية) لكتاب زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية (نفس تحقيق شعيب وعبد القادر الأرناؤوط المعتمد في المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.