قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وله أربعون سنة، وذلك في ملك أبرويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان ملك الفرس.
وقال ابن المسيب: بعثه الله، عز وجل، وله ثلاث وأربعون سنة، فأقام بمكة عشرا، وبالمدينة عشرا.
وقال ابن إسحاق: بعثه الله وله أربعون سنة، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرا.
وقيل: إنه كتم أمره ثلاث سنين، فكان يدعو مستخفيا إلى أن أنزل الله تعالى «وأنذر عشيرتك الأقربين 26: 214 [5] » فأظهر الدعوة.
قال أبو عمر: بعثه الله، عز وجل، نبيا يوم الإثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل.
أخبرنا أبو جعفر عبيد الله بن أحمد بإسناده عن يونس عن ابن إسحاق، حدثني عبد الملك بن عبد الله [1] ابن أبى سفيان بن جارية الثقفي- وكان واعية- عن بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته [2] وابتدأه بالنبوة فكان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه، وعن يمينه وشماله، فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة، وهي تقول:
السلام عليك يا رسول الله.
وأخبرنا غير واحد بإسنادهم عن محمد بن إسماعيل، أخبرنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني [3] حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلنى فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم 96: 1- 3 [4] فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة، وذكر الحديث في ذهابها إلى ورقة بن نوفل.
وروى عن جابر باسناد صحيح: أن أول ما نزل من القرآن «يا أيها المدثر 74: 1» .
أخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: فابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزيل يوم الجمعة في رمضان بقول الله، عز وجل، «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن 2: 185» إلى آخر الآية [5] . وقال تعالى: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان 8: 41 [6] وذلك ملتقى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين يوم بدر صبيحة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان.
وقال يونس عن بشر بن أبى حفص الكندي الدمشقي قال: حدثني مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «لا يغادرنك صيام يوم الإثنين فانى ولدت يوم الاثنين، وأوحى إلى يوم الاثنين، وهاجرت يوم الاثنين» . ثم إن جبريل عليه السلام علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء، والصلاة ركعتين، فأتى خديجة فأخبرها، فتوضأت وصلت ركعتين معه، وقيل: كانت الصلاة الضحى والعصر.
ثم دعا الناس إلى الإسلام، وقد ذكرنا أول من أسلم في أبى بكر، وعلى، وزيد بن حارثة، واستجاب له نفر من الناس سرا حتى كثروا فظهر أمرهم، والوجوه من كفار قريش غير منكرين لما يقول، وكان إذا مر بهم يقولون: «إن محمدا يكلم من السماء» فلم يزالوا كذلك، حتى أظهر عيب آلهتهم، وأخبرهم أن آباءهم ماتوا على الكفر والضلال، وأنهم في النار، فعادوه وأبغضوه، وآذوه، وكان أصحابه إذا صلوا انطلقوا إلى الأودية وصلوا سرا، ولما أظهرت قريش عداوته حدب عليه أبو طالب عمه ونصره ومنعه، ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خاف كفار قريش، اختفى هو ومن معه في دار الأرقم بن أبى الأرقم المخزومي إلى أن أسلم عمر فخرجوا، ووثبت قريش على من فيها من المستضعفين فعذبوهم، وذكرنا ذلك في أسمائهم مثل: بلال، وعمار، وصهيب وغيرهم، ثم إن المسلمين هاجروا إلى الحبشة هجرتين على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، وأرادت قريش قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يترك أبو طالب بينهم وبينه، فلم يفعل فكتبوا صحيفة. على أن يقاطعوا بنى هاشم وبنى المطلب ومن أسلم معهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يجلسوا إليهم على ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
