344- العباس بن عبد المطلب
ص 1
بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وأم العباس نتيلة بنت جناب بن كليب بن مالك بن عمرو بن عامر بن زيد مناة بن عامر. وهو الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. وكان العباس يكنى أبا الفضل.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا خالد بن القاسم البياضي قال: حدثني شعبة مولى ابن عباس قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: ولد أبي العباس بن عبد المطلب
قبل قدوم أصحاب الفيل بثلاث سنين. وكان أسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بثلاث سنين. قالوا: وكان للعباس بن عبد المطلب من الولد الفضل وكان أكبر ولده وبه كان يكنى. وكان جميلا. وأردفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجته ومات بالشام في
طاعون عمواس وليس له عقب. وعبد الله وهو الحبر دعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومات بالطائف وله عقب. وعبيد الله كان جوادا سخيا ذا مال مات بالمدينة وله عقب.
وعبد الرحمن مات بالشام وليس له عقب. وقثم وكان يشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وكان خرج إلى خراسان مجاهدا فمات بسمرقند وليس وليس له عقب. ومعبد قتل بإفريقية شهيدا وله عقب. وأم حبيبة بنت العباس. وأمهم جميعا جميعا أم الفضل وهي لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن بن بخير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خفضة بن قيس بن عيلان بن مضر. وفي ولد أم الفضل هؤلاء من العباس يقول عبد الله بن يزيد الهلالي:
ما ولدت نجيبة من فحل ... بجبل تعلمه أو سهل
كستة من بطن أم الفضل ... أكرم بها من كهلة وكهل
أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: كان يقال: ما رأينا بني أب وأم قط أبعد قبورا من بني العباس بن عبد المطلب من أم الفضل. وكان للعباس أيضا من الولد من غير أم الفضل كثير بن عباس بن عبد المطلب. وكان فقيها محدثا.
وتمام بن العباس وكان من أشد أهل زمانه. وصفية وأميمة وأمهم أم ولد. والحارث بن العباس وأمه حجيلة بنت جندب بن الربيع بن عامر بن كعب بن عمرو بن الحارث بن كعب بن عمرو بن سعد بن مالك بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار. وللحارث عقب منهم السري بن عبد الله والي اليمامة وليس لكثير وتمام اليوم عقب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي البداح بن عاصم بن عدي بن عبد الرحمن بن عويم بن ساعدة عن أبيه قال: لما قدمنا مكة قال لي سعد بن خيثمة ومعن بن عدي وعبد الله بن جبير: يا عويم انطلق بنا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنسلم عليه فإنا لم نره قط وقد آمنا به. فخرجت معهم فقيل لي هو في منزل العباس بن عبد المطلب فرحلنا عليه فسلمنا وقلنا له: متى نلتقي؟ فقال العباس بن عبد المطلب: إن معكم من قومكم من هو مخالف لكم فاخفوا أمركم حتى ينصدع هذا الحاج ونلتقي نحن وأنتم فنوضح لكم الأمر فتدخلون على أمر بين.
فوعدهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الليلة التي في صبحها النفر الآخر أن يوافيهم أسفل العقبة حيث المسجد اليوم وأمرهم أن لا ينهبوا نائما ولا ينتظروا غائبا.
أخبرنا محمد بن عمر عن عبيد بن يحيى عن معاذ بن رفاعة بن رافع قال:
فخرج القوم تلك الليلة النفر الأول بعد هذه يتسللون وقد سبقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
إلى ذلك الموضع ومعه العباس بن عبد المطلب ليس معه أحد من الناس غيره. وكان يثق به في أمره كله. فلما اجتمعوا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج. وكانت الأوس والخزرج تدعى الخزرج. إنكم قد دعوتم محمدا إلى ما دعوتموه إليه ومحمد من أعز الناس في عشيرته يمنعه والله من كان منا على قوله ومن لم يكن منا على قوله منعة للحسب والشرف. وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة فإنها سترميكم عن قوس واحدة فارتأوا رأيكم وأتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن ملإ منكم واجتماع فإن أحسن الحديث أصدقه. وأخرى. صفوا لي الحرب كيف تقاتلون عدوكم. قال فأسكت القوم وتكلم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: نحن والله أهل الحرب غذينا بها ومرنا عليها وورثناها عن آبائنا كابرا فكابرا. نرمي بالنبل حتى تفنى. ثم نطاعن بالرماح حتى تكسر بالرماح. ثم نمشي بالسيوف فنضارب بها حتى يموت الأعجل منا أو من عدونا. فقال العباس بن عبد المطلب: أنتم أصحاب حرب فهل فيكم دروع؟ قالوا:
نعم شاملة. وقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت. إنا والله لو كان في أنفسنا غير ما ينطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال وتلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن ثم دعاهم إلى الله ورغبهم في الإسلام وذكر الذي اجتمعوا له فأجابه البراء بن معرور بالإيمان والتصديق فبايعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. والعباس بن عبد المطلب آخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤكد له البيعة تلك الليلة على الأنصار.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن الحارث بن الفضل عن سفيان بن أبي العوجاء قال: حدثني من حضرهم تلك الليلة والعباس بن عبد المطلب آخذ بيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: يا معشر الأنصار أخفوا جرسكم فإن علينا عيونا. وقدموا ذوي أسنانكم فيكونون الذي يلون كلامنا منكم فإنا نخاف قومكم عليكم. ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى مجالسكم واكتموا أمركم فإن طويتم هذا الأمر حتى ينصدع هذا الموسم فأنتم الرجال وأنتم لما بعد اليوم. فقال البراء بن معرور: يا أبا الفضل اسمع منا. فسكت العباس فقال البراء: لك والله
عندنا كتمان ما تحب أن نكتم وإظهار ما تحب أن نظهر وبذل مهج أنفسنا ورضا ربنا عندنا. إنا أهل حلقة وافرة وأهل منعة وعز. وقد كنا على ما كنا عليه من عبادة حجر ونحن كذا فكيف بنا اليوم حين بصرنا الله ما أعمى على غيرنا وأيدنا بمحمد. ص؟ ابسط يدك. فكان أول من ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البراء بن معرور. ويقال أبو الهيثم بن التيهان. ويقال أسعد بن زرارة.
قال: حدثنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن سليمان بن سحيم قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقبة أول الناس فقالوا: لا أحد أعلم به من العباس بن عبد المطلب. فسألوا العباس فقال: ما أحد أعلم بهذا مني. أول من ضرب على يد النبي - صلى الله عليه وسلم - من تلك الليلة أسعد بن زرارة ثم البراء بن معرور ثم أسيد بن الحضير.
وأخبرنا عبد الله بن نمير وأسباط بن محمد وإسحاق بن يوسف الأزرق عن زكرياء بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال: انطلق النبي. ع. بالعباس بن عبد المطلب. وكان العباس ذا رأي. إلى السبعين من الأنصار عند العقبة تحت الشجرة فقال العباس: ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا وإن يعلموا بكم يفضحوكم. فقال قائلهم وهو أبو أمامة أسعد بن زرارة: يا محمد سل لربك ما شئت ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. [فقال: أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا.
وأسالكم لي ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما تمنعون أنفسكم. قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: الجنة. قال: فلك ذلك.] قال إسحاق بن يوسف في حديثه: فكان الشعبي إذا حدث هذا الحديث يقول ما سمع الشيب والشبان بخطبة أقصر ولا أبلغ منها.
قال: أخبرنا علي بن عيسى بن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن أبيه عيسى بن عبد الله عن عمه إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أن قريشا لما تفرقوا إلى بدر فكانوا بمر الظهران هب أبو جهل من نومه فصاح فقال: يا معشر قريش ألا تبا لرأيكم ماذا صنعتم. خلفتم بني هاشم وراءكم فإن ظفر بكم محمد كانوا من ذلك بنحوه. وإن ظفرتم بمحمد أخذوا آثاركم منكم من قريب من أولادكم وأهليكم. فلا تدروهم في بيضتكم وفنائكم ولكن
أخرجوهم معكم وإن لم يكن عندهم غناء. فرجعوا إليهم فأخرجوا العباس بن عبد المطلب وطالبا وعقيلا كرها.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قد كان من كان منا بمكة من بني هاشم قد أسلموا فكانوا يكتمون إسلامهم ويخافون يظهرون ذلك فرقا من أن يثب عليهم أبو لهب وقريش فيوثقوا كما أوثقت بنو مخزوم سلمة بن هشام وعباس بن أبي ربيعة وغيرهما فلذلك [قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه يوم بدر: من لقي منكم العباس وطالبا وعقيلا ونوفلا وأبا سفيان فلا تقتلوهم فإنهم أخرجوا مكرهين] .
قال: أخبرنا رؤيم بن يزيد المقرئ قال: حدثنا هارون بن أبي عيسى الشامي قال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدثنا إبراهيم بن سعد جميعا عن محمد بن إسحاق قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب عن عكرمة قال: قال أبو رافع مولى رسول الله. ص: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت. فكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم فكان يكتم إسلامه. وكان ذا مال متفرق في قومه فخرج معهم إلى بدر وهو على ذلك.
قال: أخبرنا رؤيم بن يزيد المقرئ قال: حدثني هارون بن أبي عيسى قال:
وأخبرنا أحمد بن محمد قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال:
حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس أن النبي. عليه السلام. [قال لأصحابه يوم بدر: إني عرفت أن رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها لا حاجة لهم بقتالنا. فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله.
من لقي العباس بن عبد المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يقتله فإنما أخرج مستكرها] .
قال فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟ والله لئن لقيته لألحمنه السيف. قال فبلغت مقالته رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص- قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي حفص- أيضرب وجه عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف؟ فقال عمر:
دعني ولأضرب عنق أبي حذيفة بالسيف. فو الله لقد نافق.] قال وندم أبو حذيفة على مقالته فكان يقول: والله ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ ولا أزال منها خائفا
إلا أن يكفرها الله. عز وجل. عني بالشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدا.
أخبرنا محمد بن كثير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين لقي المشركين يوم بدر [قال: من لقي أحدا من بني هاشم فلا يقتله فإنهم أخرجوا كرها.] فقال أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة: والله لا ألقى رجلا منهم ألا قتلته. فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: [أنت القائل كذا وكذا؟ قال: نعم يا رسول الله. شق علي إذا رأيت أبي وعمي وأخي مقتلين فقلت الذي قلت. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أباك وعمك وأخاك خرجوا جادين في قتالنا طائعين غير مكرهين وإن هؤلاء أخرجوا مكرهين غير طائعين لقتالنا] .
أخبرنا علي بن عيسى بن عبد الله النوفلي عن أبيه عن عمه إسحاق بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن الحارث قال: لما كان يوم بدر جمعت قريش بني هاشم وحلفاءهم في قبة وخافوهم فوكلوا بهم من يحفظهم ويشدد عليهم. منهم حكيم بن حزام.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: حدثنا عبيد بن أوس قرن من بني ظفر قال: لما كان يوم بدر أسرت العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب وحليفا للعباس فهريا فقرنت العباس وعقيلا. فلما نظر إليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[سماني مقرنا وقال: أعانك عليهما ملك كريم] .
قال: أخبرنا رؤيم بن يزيد قال: حدثنا هارون بن أبي عيسى الشامي قال:
وأخبرنا أحمد بن محمد قال: حدثنا إبراهيم بن سعد جميعا عن محمد بن إسحاق قال: حدثني بعض أصحابنا عن مقسم أبي القاسم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة. وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما. [فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي اليسر: كيف أسرت العباس يا أبا اليسر؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ولا. هيئته كذا وهيئته كذا. فقال رسول الله. ص: لقد أعانك عليه ملك كريم] .
قالوا: وقال غير محمد بن إسحاق في حديثه: انتهى أبو اليسر إلى العباس بن عبد المطلب يوم بدر وهو قائم كأنه صنم فقال له: جزتك الجوازي. أنقتل ابن أخيك؟ فقال العباس: ما فعل محمد أما به القتل. قال أبو اليسر: الله أعز وأنصر.
فقال العباس: كل شيء ما خلا محمدا خلل فما تريد؟ قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
نهى عن قتلك. فقال العباس: ليس بأول صلته وبره. قال: وأخبرنا رؤيم بن يزيد المقرئ. قال: حدثنا هارون بن أبي عيسى قال:
وأخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدثنا إبراهيم بن سعد جميعا عن محمد بن إسحاق قال: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس قال:
لما أمسى القوم يوم بدر والأسارى محبوسون في الوثاق [فبات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساهرا أول ليله فقال له أصحابه: يا رسول الله ما لك لا تنام؟ فقال: سمعت أنين العباس في وثاقه. فقاموا إلى العباس فأطلقوه فنام رسول الله. ص] .
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: حدثنا يزيد بن الأصم قال: لما كانت أسارى بدر كان فيهم العباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسهر النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلته [فقال له بعض أصحابه: ما أسهرك يا نبي الله؟ فقال: أنين العباس. فقام رجل فأرخى من وثاقه فقال رسول الله. ص: ما لي لا أسمع أنين العباس؟ فقال رجل من القوم: إني أرخيت من وثاقه شيئا. قال: فافعل ذلك بالأسارى كلهم] .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: كان العباس بن عبد المطلب حين قدم به في الأسارى طلب له قميص فما وجدوا له قميصا بيثرب يقدر عليه ألا قميص عبد الله بن أبي ألبسه إياه فكان عليه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: لما أسر العباس لم يوجد له قميص يقدر عليه إلا قميص ابن أبي.
قال: أخبرنا رؤيم بن يزيد المقرئ قال: أخبرنا هارون بن أبي عيسى. وأخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد جميعا عن محمد بن إسحاق قال: [قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للعباس بن عبد المطلب حين انتهي به إلى المدينة: يا عباس افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث بن فهر فإنك ذو مال. قال: يا رسول الله إني كنت
مسلما ولكن القوم استكرهوني. قال: الله أعلم بإسلامك. إن يك ما تذكر حقا فالله يجزيك به. فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا. فافد نفسك. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب فقال العباس: يا رسول الله احسبها لي من فداي.
قال: لا. ذاك شيء أعطاناه الله منك. قال: فإنه ليس لي مال. قال: فأين المال الذي وضعت بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد ثم قلت لها إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا ولعبد الله كذا وكذا؟ قال:
والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وغيرها وإني لأعلم أنك رسول الله. ففدى العباس نفسه وابن أخيه وحليفه] .
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى بن عقبة عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رجل من الأنصار لرسول الله. ص: [ائذن لنا فلنترك لابن أخينا العباس بن عبد المطلب فداه. فقال: لا ولا درهما] .
قال: أخبرنا علي بن عيسى النوفلي عن أبيه عن عمه إسحاق بن عبد الله عن عبد الله بن الحارث قال: فدى العباس نفسه وابن أخيه عقيلا بثمانين أوقية ذهب.
ويقال ألف دينار. قالوا: وخرج العباس إلى مكة فبعث بفدائه وفداء ابن أخيه ولم يبعث بفداء حليفه فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حسان بن ثابت فأخبره ورجع أبو رافع فكان رسول العباس بفدائه فقال له العباس: ما قال لك؟ فقص عليه الأمر فقال: وأي قول أشد من هذا؟ احمل الباقي قبل أن تحط رحلك. فحمله ففداهم العباس.
قال: أخبرنا محمد بن كثير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قول الله. عز وجل: «يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم» الأنفال: 70.
نزلت في الأسرى يوم بدر. منهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب. وكان العباس من أسر يومئذ ومعه عشرون أوقية من ذهب. قال أبو صالح مولى أم هانئ: فسمعت العباس يقول فأخذت مني فكلمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلها من فداي فأبى علي. فأعقبني الله مكانها عشرين عبدا كلهم يضرب بمال مكان عشرين أوقية. وأعطاني زمزم وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة. وأنا أرجو المغفرة من ربي. وكلفني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدى عقيل بن أبي طالب فقلت: يا
رسول الله تركتني أسأل الناس ما بقيت. [فقال لي: فأين الذهب يا عباس؟ فقلت:
أي ذهب؟ قال: الذي دفعته إلى أم الفضل يوم خرجت فقلت لها إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فهذا لك وللفضل ولعبد الله وعبيد الله وقثم. فقلت له: من أخبرك بهذا؟ فو الله ما اطلع عليه أحد من الناس غيري وغيرها. فقال رسول الله. ص:
الله أخبرني بذلك. فقلت له: فأنا أشهد أنك رسول الله حقا وأنك لصادق وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وذلك قول الله: «إن يعلم الله في قلوبكم خيرا- يقول صدقا- يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم» الأنفال] :
70. فأعطاني مكان عشرين أوقية عشرين عبدا وأنا أنتظر المغفرة من ربي.
قال: أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النضر قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال العدوي أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البحرين بثمانين ألفا فما أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مال كان أكثر منه لا قبل ولا بعد. فأمر بها فنشرت على حصير ونودي بالصلاة. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمثل على المال قائما وجاء الناس حين رأوا المال وما كان يومئذ عدد ولا وزن. ما كان إلا قبضا. [فجاء العباس فقال: يا رسول الله إني أعطيت فداي وفدى عقيل بن أبي طالب يوم بدر ولم يكن لعقيل مال. فأعطني من هذا المال. فقال: خذ. قال فحثا العباس في خميصة كانت عليه ثم ذهب ينهض فلم يستطع فرفع رأسه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ارفع علي. فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى خرج ضاحكه أو نابه. قال:
ولكن أعد في المال طائفة وقم بما تطيق] . ففعل فانطلق بذلك المال وهو يقول: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها ولا أدري ما يصنع في الأخرى. يعني قوله: «قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم» الأنفال: 70. فهذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع في المغفرة.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أسلم كل من شهد بدرا مع المشركين من بني هاشم. فادى العباس نفسه وابن أخيه عقيلا ثم رجعوا جميعا إلى مكة ثم أقبلوا إلى المدينة مهاجرين.
قال: أخبرنا علي بن عيسى النوفلي عن إسحاق بن الفضل عن أشياخه قال:
قال عقيل بن أبي طالب للنبي. ع. من قبلت من أشرافهم. أنحن فيهم؟
[قال فقال: قتل أبو جهل. فقال الآن صفي لك الوادي. قال وقال له عقيل: إنه لم
يبق من أهل بيتك أحد ألا وقد أسلم. قال: فقل لهم فليلحقوا بي] . فلما أتاهم عقيل بهذه المقالة خرجوا وذكر أن العباس ونوفلا وعقيلا رجعوا إلى مكة. أمروا بذلك ليقيموا ما كانوا يقيمون من أمر السقاية والرفادة والرئاسة. وذلك بعد موت أبي لهب.
وكانت السقاية والرفادة والرئاسة في الجاهلية في بني هاشم ثم هاجروا بعد إلى المدينة فقدموها بأولادهم وأهاليهم.
قال: أخبرنا علي بن عيسى بن عبد الله عن أخيه العباس بن عيسى بن عبد الله قال: حدثنا القرشيون المكيون الشيبيون وغيرهم أن قدوم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة كان أيام الخندق.
وشيعهما ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب في مخرجهما إلى الأبواء ثم أراد الرجوع إلى مكة فقال له عمه العباس وأخوه نوفل بن الحارث: أين ترجع إلى دار الشرك يقاتلون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكذبونه وقد عز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكثف أصحابه. امض معنا.
فسار ربيعة معهما حتى قدموا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلمين مهاجرين.
قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس المدني قال: حدثني أبي عن ابن عباس بن عبد الله بن معبد بن عباس أن جده عباسا قدم هو وأبو هريرة في ركب يقال لهم ركب أبي شمر فنزلوا الجحفة يوم فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر فأخبروه أنهم نزلوا الجحفة وهم عامدون النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوم فتح خيبر. قال فقسم النبي - صلى الله عليه وسلم -
للعباس وأبي هريرة في خيبر. قال محمد بن سعد: فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر فقال: هذا عندنا وهل لا يشك فيه أهل العلم والرواية. أن العباس كان بمكة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر قد فتحها. وقدم الحجاج بن علاط السلمي مكة فأخبر قريشا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما أحبوا أنه قد ظفر به وقتل أصحابه فسروا بذلك. وأقطع العباس خبره وساءه وفتح بابه وأخذ ابنه قثم فجعله على صدره وهو يقول:
يا قثم يا قثم ... يا شبه ذي الكرم
حتى أتاه الحجاج فأخبره بسلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه قد فتح خيبر وغنمه الله تعالى ما فيها. فسر بذلك العباس ولبس ثيابه وغدا إلى المسجد فدخله وطاف بالبيت وأخبر قريشا بما أخبره به الحجاج من سلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه فتح خيبر وما غنمه الله من أموالهم. فكبت المشركون وساءهم ذلك وعلموا أن الحجاج قد كان كذبهم في خبره الأول. وسر ذلك المسلمين الذين بمكة وأتوا العباس فهنؤوه بسلامة
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم خرج العباس بعد ذلك فلحق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فأطعمه بخيبر مائتي وسق تمر في كل سنة. ثم خرج معه إلى مكة فشهد فتح مكة وحنين والطائف وتبوك. وثبت معه يوم حنين في أهل بيته حين انكشف الناس عنه.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عبد الله عن عمه ابن شهاب عن كثير بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه قال: شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فلم نفارقه. والنبي - صلى الله عليه وسلم - على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي. فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين وطفق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض بغلته نحو الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكفها إرادة أن لا تسرع. وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فقال رسول الله. ص: يا عباس ناد يا أصحاب السمرة] . قال عباس: وكنت رجلا صيتا فقلت بأعلى صوتي أين أصحاب السمرة؟ قال فو الله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك. قال فاقتتلوا هم والكفار والدعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج يا بني الحارث. قال فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على بغلته وهو كالمتطاول عليها إلى قتالهم. قال [فقال رسول الله. ص: هذا حين حمي الوطيس] . قال ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد! قال فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال فو الله ما هو إلا أن رماهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحصياته ثم ركب فإذا حدهم كليل وأمرهم مدبر حتى هزمهم الله.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: كان العباس بن عبد المطلب يوم حنين إذ انهزم الناس بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فقال له النبي. ع: ناد الناس. قال وكان رجلا صيتا. ناد يا معشر المهاجرين يا معشر الأنصار. فجعل ينادي الأنصار فخذا فخذا فقال له النبي. ص:
ناديا أصحاب السمرة. يعني شجرة الرضوان التي بايعوا تحتها. يا أصحاب سورة البقرة فما زال ينادي حتى أقبل الناس عنقا واحدا] .
قال: أخبرنا زيد بن يحيى بن عبيد الدمشقي قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز
عن أبي عبد الله الأيلي قال: جاء أسقف غزة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتبوك فقال: يا رسول الله هلك عندي هاشم وعبد شمس وهما تاجران وهذه أموالهما. قال فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم -
[عباسا فقال: اقسم مال هاشم على كبراء بني هاشم. ودعا أبا سفيان بن حرب فقال:
اقسم مال عبد شمس على كبراء ولد عبد شمس] .
قال: أخبرنا علي بن عيسى بن عبد الله النوفلي عن إسحاق بن الفضل عن سليمان بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أن العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث لما قدما المدينة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرين آخى بينهما وأقطعهما جميعا بالمدينة في موضع واحد وفرع بينهما بحائط فكانا متجاورين في موضع وكانا شريكين في الجاهلية متفاوضين في المال متحابين متصافيين. وكانت دار نوفل التي أقطعه إياها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موضع رحبة الفضاء وما يليها إلى المسجد مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي اليوم رحبة الفضاء وهي تقابل دار الإمارة التي يقال لها اليوم دار مروان. وكانت دار العباس بن عبد المطلب التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديدها وهي التي في دار مروان إلى المسجد مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي دار الإمارة التي يقال لها اليوم دار مروان. وأقطع العباس أيضا داره الأخرى التي بالسوق في الموضع الذي يسمى محرزة ابن عباس.
قال: أخبرنا أسباط بن محمد عن هشام بن سعد عن عبيد الله بن عباس قال:
كان للعباس ميزاب على طريق عمر فلبس عمر ثيابه يوم الجمعة وقد كان ذبح للعباس فرخان. فلما وافى الميزاب صب فيه ماء فيه من دم الفرخين فأصاب عمر فأمر عمر بقلعه. ثم رجع عمر فطرح ثيابه ولبس غيرها ثم جاء فصلى بالناس. فأتاه العباس فقال: والله إنه للموضع الذي وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر للعباس: فأنا أعزم عليك لما أصعدت على ظهري حتى تضعه في الموضع الذي وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعل ذلك العباس.
قال: أخبرنا محمد بن ربيعة الكلابي وعبيد الله بن موسى العبسي قالا: حدثنا موسى بن عبيدة عن يعقوب بن زيد أن عمر بن الخطاب خرج في يوم جمعة وقطر عليه ميزاب العباس. وكان على طريق عمر إلى المسجد. فقلعه عمر فقال له العباس: قلعت ميزابي. والله ما وضعه حيث كان إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده. قال عمر: لا جرم أن لا يكون لك سلم غيري ولا يضعه إلا أنت بيدك. قال فحمل عمر
العباس على عنقه فوضع رجليه على منكبي عمر ثم أعاد الميزاب حيث كان فوضعه موضعه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو أمية بن يعلى عن سالم أبي النضر قال: لما كثر المسلمون في عهد عمر ضاق بهم المسجد فاشترى عمر ما حول المسجد من الدور إلا دار العباس بن عبد المطلب وحجر أمهات المؤمنين. فقال عمر للعباس: يا أبا الفضل إن مسجد المسلمين قد ضاق بهم وقد ابتعت ما حوله من المنازل نوسع به على المسلمين في مسجدهم إلا دارك وحجر أمهات المؤمنين. فأما حجر أمهات المؤمنين فلا سبيل إليها وأما دارك فبعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين أوسع بها في مسجدهم. فقال العباس: ما كنت لأفعل. قال فقال له عمر:
اختر مني إحدى ثلاث. إما أن تبيعنيها بما شئت من بيت مال المسلمين. وإما أن أخططك حيث شئت من المدينة وأبنيها لك من بيت مال المسلمين. وإما أن تصدق بها على المسلمين فنوسع بها في مسجدهم. فقال: لا ولا واحدة منها. فقال عمر:
اجعل بيني وبينك من شئت. فقال: أبي بن كعب. فانطلقا إلى أبي فقصا عليه القصة فقال أبي: إن شئتما حدثتكما بحديث سمعته من النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالا: حدثنا. فقال:
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[يقول: إن الله أوحى إلى داود أن ابن لي بيتا أذكر فيه. فخط له هذه الخطة خطة بيت المقدس فإذا تربيعها بيت رجل من بني إسرائيل. فسأله داود أن يبيعه إياه فأبى. فحدث داود نفسه أن يأخذ منه فأوحى الله إليه أن يا داود أمرتك أن تبني لي بيتا أذكر فيه فأردت أن تدخل في بيتي الغصب وليس من شأني الغصب. وإن عقوبتك أن لا تبنيه. قال: يا رب فمن ولدي؟ قال: من ولدك.] قال فأخذ عمر بمجامع ثياب أبي بن كعب وقال: جئتك بشيء فجئت بما هو أشد منه. لتخرجن مما قلت.
فجاء يقوده حتى أدخله المسجد فأوقفه على حلقة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم أبو ذر فقال: إني نشدت الله رجلا سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر حديث بيت المقدس حين أمر الله داود أن يبنيه إلا ذكره. فقال أبو ذر: أنا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال آخر:
أنا سمعته. وقال آخر: أنا سمعته. يعني من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فأرسل عمر أبيا.
قال وأقبل أبي على عمر فقال: يا عمر أتتهمني على حديث رسول الله. ص؟ فقال عمر: يا أبا المنذر لا والله ما أتهمتك عليه ولكني كرهت أن يكون الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهرا. قال وقال عمر للعباس: اذهب فلا أعرض لك في دارك. فقال العباس: أما إذ فعلت هذا فإني قد تصدقت بها على المسلمين أوسع بها عليهم في
مسجدهم فأما وأنت تخاصمني فلا. قال فخط عمر لهم دارهم التي هي لهم اليوم وبناها من بيت مال المسلمين.
قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: كانت للعباس بن عبد المطلب دار إلى جنب المسجد بالمدينة فقال عمر: هبها لي أو بعنيها حتى أدخلها في المسجد. فأبى. قال: فاجعل بيني وبينك رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلا أبي بن كعب بينهما. قال فقضى أبي على عمر. قال فقال عمر: ما في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحد أجرأ علي من أبي. قال: أوأنصح لك يا أمير المؤمنين؟ أما علمت قصة المرأة أن داود لما بنى بيت المقدس أدخل فيه بيت امرأة بغير إذنها. فلما بلغ حجر الرجال منع بناؤه فقال: أي رب إذ منعتني ففي عقبي من بعدي. فلما كان بعد قال له العباس: أليس قد قضيت لي؟ قال: بلى. قال: فهي لك قد جعلتها لله.
قال: أخبرنا محمد بن حرب المكي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي أن العباس جاء إلى عمر فقال له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطعني البحرين. قال: من يعلم ذلك؟ قال: المغيرة بن شعبة. فجاء به فشهد له. قال فلم يمض له عمر ذلك كأنه لم يقبل شهادته. فأغلظ العباس لعمر فقال عمر: يا عبد الله خذ بيد أبيك. وقال سفيان عن غير عمرو قال: قال عمر والله يا أبا الفضل لأنا بإسلامك كنت أسر مني بإسلام الخطاب لو أسلم لمرضاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني محمد بن طلحة بن عبد الرحمن بن طلحة بن عبد الله بن عثمان بن عبيد الله القرشي ثم التيمي قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله بن حارثة بن النعمان عن أبيه عن عبد الله بن حارثة أنه قال: لما قدم صفوان بن أمية بن خلف الجمحي قال [له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على من نزلت يا أبا وهب؟ قال: نزلت على العباس بن عبد المطلب.
قال: نزلت على أشد قريش لقريش حبا] .
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله عن هند بنت الحارث عن أم الفضل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
دخل عليهم وعباس عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشتكي. فتمنى عباس الموت فقال له
رسول الله. ص: [يا عم رسول الله لا تتمن الموت فإن تكن محسنا فإن تؤخر تزدد إحسانا إلى إحسانك خيرا لك. وإن تكن مسيئا فإن تؤخر فتستعتب من إساءتك فلا تتمن الموت] .
قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل النهدي قال: حدثنا كامل عن حبيب. يعني ابن أبي ثابت. قال: كان العباس بن عبد المطلب أقرب الناس شحمة أذن إلى السماء.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن إسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان بين العباس وبين ناس شيء [فقال النبي. ص: إن العباس مني وأنا منه] .
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى العبسي ومحمد بن كثير قالا: حدثنا إسرائيل عن عبد الأعلى أنه سمع سعيد بن جبير يقول: أخبرني ابن عباس أن رجلا وقع في أب للعباس كان في الجاهلية. فلطمه العباس فاجتمع قومه فقالوا: والله لنلطمنه كما لطمه. ولبسوا السلاح. فبلغ [ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس أي الناس تعلمون أكرم على الله؟ قالوا: أنت. قال:
فإن العباس مني وأنا منه. لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا] . قال فجاء القوم فقالوا: يا رسول الله نعوذ بالله من غضبك. استغفر لنا يا رسول الله.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء عن إسرائيل عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أيها الناس أي أهل الأرض أكرم على الله؟ قالوا: أنت. قال: فإن العباس مني وأنا [منه. لا تؤذوا العباس فتؤذوني. وقال: من سب العباس فقد سبني] .
قال: أخبرنا يزيد بن هارون عن داود بن أبي هند عن العباس بن عبد الرحمن أن رجلا من المهاجرين لقي العباس بن عبد المطلب فقال: يا أبا الفضل أرأيت عبد المطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم جمعهما الله جميعا في النار؟ فصفح عنه. ثم لقيه الثانية فقال له مثل ذلك فصفح عنه. ثم لقيه الثالثة فقال له مثل ذلك فرفع العباس يده فوجأ أنفه فكسره. فانطلق الرجل كما هو إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -[فلما رآه قال: ما هذا؟ قال: العباس. فأرسل إليه فجاءه فقال: ما أردت إلى رجل من المهاجرين؟ فقال: يا رسول الله والله لقد علمت أن عبد المطلب في النار ولكنه لقيني فقال: يا أبا الفضل أرأيت عبد المطلب بن هاشم والغيطلة كاهنة بني سهم
جمعهما الله جميعا في النار؟ فصفحت عنه مرارا ثم والله ما ملكت نفسي وما إياه أراد ولكنه أرادني. فقال رسول الله. ص: ما بال أحدكم يؤذي أخاه في الأمر وإن كان حقا؟] .
قال: أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رزين عن أبي رزين عن علي قال: قلت للعباس سل لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحجابة. قال [فسأله فقال. ص: أعطيكم ما هو خير لكم منها. السقاية بروائكم ولا تزروا بها] .
قال: أخبرنا أنس بن عياض الليثي وعبد الله بن نمير الهمداني عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: استأذن العباس بن عبد المطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت ليالي منى بمكة من أجل سقايته فأذن له.
قال: أخبرنا محمد بن الفضل عن غزوان عن ليث عن مجاهد قال: طاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقته بالبيت معه محجن يستلم به الحجر كلما مر عليه. ثم أتى السقاية يستسقي. قال [فقال العباس: يا رسول الله ألا نأتيك بماء لم تمسه الأيدي؟
قال: بلى فاسقوني. فسقوه ثم أتى زمزم فقال: استقوا لي منها دلوا. فأخرجوا منها دلوا فمضمض منه ثم مجه من فيه ثم قال: أعيدوه فيها. ثم قال: إنكم لعلى عمل صالح. ثم قال: لولا أن تغلبوا عليه لنزلت فنزعت معكم] .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا مندل بن علي عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: حدثني جعفر بن تمام قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أرأيت ما تسقون الناس من نبيذ هذا الزبيب. أسنة تتبعونها أم تجدون هذا أهون عليكم من اللبن والعسل؟ فقال ابن عباس: [إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى العباس وهو يسقي الناس فقال اسقني. فدعا العباس بعساس من نبيذ فتناول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عسا منها فشرب ثم قال: أحسنتم. هكذا اصنعوا. قال ابن عباس: فما يسرني أن سقايتها جرت علي لبنا وعسلا مكان قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسنتم هكذا افعلوا] .
قال: أخبرنا محمد بن الفضيل عن غزوان عن الحجاج عن الحكم عن مجاهد قال: اشرب من سقاية آل العباس فإنها من السنة.
قال: أخبرنا سعيد بن منصور قال: حدثنا إسماعيل بن زكرياء الأسدي عن الحجاج بن دينار عن الحكم عن حجية بن عدي عن [علي بن أبي طالب أن العباس بن عبد المطلب سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تعجيل صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك] .
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا الحجاج عن الحكم بن عتيبة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر بن الخطاب على الصدقة فأتى العباس يسأله صدقة ماله. قال:
قد عجلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة سنتين. فرافعه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فقال رسول الله. ص: صدق عمي. قد تعجلنا منه صدقة سنتين] .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو إسرائيل عن الحكم قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عمر على السعاية فأتى العباس يطلب منه صدقة ماله فأغلظ له. فأتى عليا فاستعان به على النبي - صلى الله عليه وسلم -[فقال. ص: تربت يداك! أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه؟ إن العباس سلفنا زكاة العام عاما أول] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: [حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا ثابت عن أبي عثمان النهدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للعباس: هاهنا فإنك صنوي] .
قال: أخبرنا محمد بن حميد عن معمر عن قتادة قال: كان بين عمر بن الخطاب وبين العباس قول فأسرع إليه العباس. فجاء عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -[فقال: ألم تر عباسا فعل بي كذا وكذا وفعل فأردت أن أجيبه فذكرت مكانه منك فكففت عنه؟ فقال:
يرحمك الله! إن عم الرجل صنو أبيه] .
حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن شعبة عن عمارة بن أبي حفصة عن أبي مجلز قال: [قال رسول الله. ص: إنما العباس صنو أبي فمن آذى العباس فقد آذاني] .
أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا أبو المليح عن عبد الله الوراق قال:
[قال رسول الله. ص: لا يغسلني العباس فإنه والدي والوالد لا ينظر إلى عورة ولده] .
[أخبرنا قبيصة بن عقبة قال: أخبرنا سفيان عن موسى عن أبي عائشة عن عبد الله بن أبي رزين عن أبي رزين عن علي. ع. قال: قلت للعباس سل النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعملك على الصدقة. فسأله فقال: ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس] .
[قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا: حدثنا سفيان عن محمد بن المنكدر قال: قال العباس يا رسول الله ألا تؤمرني على إمارة؟ فقال: نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها] .
قال: أخبرنا أبو سفيان الحميري الحذاء الواسطي عن الضحاك بن حمزة قال:
قال العباس بن عبد المطلب يا رسول الله استعملني. [فقال له رسول الله. ص: يا عباس. يا عم النبي. نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: حدثنا شعيب بن الحبحاب عن أبي العالية أن العباس ابتنى غرفة [فقال له النبي. ص: ألقها. قال العباس: أو أنفق مثل ثمنها في سبيل الله؟ قال: ألقها] .
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الله بن بكر السهمي قالا: حدثنا أبو يونس حاتم بن أبي صغيرة القشيري قال: حدثني رجل من بني عبد المطلب قال: قدم علينا علي بن عبد الله بن عباس فأتيناه فأخبرنا أن عبد الله بن عباس قال:
أخبرني أبي العباس أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله أنا عمك. كبرت سني واقترب أجلي. فعلمني شيئا ينفعني الله به. [فقال: يا عباس أنت عمي ولا أغني عنك من أمر الله شيئا ولكن سل ربك العفو والعافية] .
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: [قال العباس يا رسول الله مرني بدعاء. قال: سل الله العفو والعافية] .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن عثمان بن محمد الأخنسي وإسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قالا: ما أدركنا أحدا من الناس إلا وهو يقدم العباس بن عبد المطلب في العقل في الجاهلية والإسلام.
أخبرنا عثمان بن اليمان بن هارون المكي عن أبي بكر بن أبي عون عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جده قال: [سمعت عليا بالكوفة يقول يا ليتني كنت أطعت عباسا. يا ليتني كنت أطعت عباسا. قال قال العباس:
اذهب بنا إلى رسول الله. فإن كان هذا الأمر فينا وإلا أوصى بنا الناس.] قال [فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمعوه يقول: لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. قال فخرجوا من عنده ولم يقولوا له شيئا.]
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني أبي عن ثمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك أنهم كانوا إذا قحطوا على عهد عمر خرج بالعباس فاستسقى به وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا. ع. إذا قحطنا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا. ع. فاسقنا.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: حدثنا عمرو بن أبي المقدام عن يحيى بن مقلة عن أبيه عن موسى بن عمر قال: أصاب الناس قحط فخرج عمر بن الخطاب يستسقي فأخذ بيد العباس فاستقبل به القبلة فقال: هذا عم نبيك. ع. جئنا نتوسل به إليك فاسقنا. قال فما رجعوا حتى سقوا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: رأيت عمر آخذا بيد العباس فقام به فقال: اللهم إنا نستشفع بعم رسولك - صلى الله عليه وسلم - إليك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني داود بن عبد الرحمن عن محمد بن عثمان عن ابن أبي نجيح قال: فرض عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب في الديوان سبعة آلاف.
قال محمد بن عمر: وقد روى بعضهم أنه فرض له خمسة آلاف كفرائض أهل بدر لقرابته برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألحقه بفرائض أهل بدر ولم يفضل أحدا على أهل بدر إلا أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم وسليمان بن حرب قالوا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول إن قريشا رؤوس الناس لا يدخل أحد منهم في باب إلا دخل معه فيه. قال يزيد بن هارون: ناس. وقال عفان وسليمان. طائفة من الناس. فلم أدر ما تأويل قوله في ذا حتى طعن فلما احتضر أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام وأمره أن يجعل للناس طعاما فيطعموا. وقال عفان وسليمان: حتى يستخلفوا إنسانا.
فلما رجعوا من الجنازة جيء بالطعام ووضعت الموائد فأمسك الناس عنها. قال يزيد:
للحزن الذي هم فيه. فقال العباس بن عبد المطلب: أيها الناس إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قد مات فأكلنا بعده وشربنا. ومات أبو بكر فأكلنا بعده وشربنا. قال عفان وسليمان:
وإنه لا بد من الأجل فكلوا من هذا الطعام. ثم مد العباس يده فأكل. ومد الناس أيديهم فأكلوا. فعرفت قول عمر إنهم رؤوس الناس.
قال: أخبرنا المعلى بن أسد قال: حدثنا وهيب عن داود بن أبي هند عن عامر أن العباس تحفى عمر في بعض الأمر فقال له: يا أمير المؤمنين. أرأيت أن لو جاءك عم موسى مسلما ما كنت صانعا به؟ قال: كنت والله محسنا إليه. قال: فأنا عم محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وما رأيك يا أبا الفضل؟ فو الله لأبوك أحب إلي من أبي. قال: الله الله لأني كنت أعلم أنه أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبي فأنا أوثر حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على حبي.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن قال: بقي في بيت مال عمر شيء بعد ما قسم بين الناس فقال العباس لعمر وللناس: أرأيتم لو كان فيكم عم موسى أكنتم تكرمونه؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أحق به. أنا عم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - فكلم عمر الناس فأعطوه تلك البقية التي بقيت.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا زهير بن معاوية عن ليث قال: حدثني مجاهد عن علي بن عبد الله بن عباس قال: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا خالد بن القاسم البياضي قال: أخبرني شعبة مولى ابن عباس قال: سمعت ابن عباس يقول: كان العباس معتدل القناة وكان يخبرنا عن عبد المطلب أنه مات وهو أعدل قناة منه.
وتوفي العباس يوم الجمعة لأربع عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان بن عفان وهو ابن ثمان وثمانين سنة. ودفن بالبقيع في مقبرة بني هاشم.
قال خالد بن القاسم: ورأيت علي بن عبد الله بن عباس معتدل القناة. يعني طويلا. حسن الانتصاب على كبر ليس فيه حناء.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان العباس بن عبد المطلب قد أسلم قبل أن يهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن أبي سبرة عن حسين بن عبد الله عن عكرمة عن ابن عباس قال: أسلم العباس بمكة قبل بدر وأسلمت أم الفضل معه
حينئذ. وكان مقامه بمكة. إنه كان لا يغبي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة خبرا يكون إلا كتب به إليه. وكان من هناك من المؤمنين يتقوون به ويصيرون إليه. وكان لهم عونا على إسلامهم. ولقد كان يطلب أن يقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فكتب إليه رسول الله.
ع: إن مقامك مجاهد حسن. فأقام بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
[قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا علي بن علي عن سالم مولى أبي جعفر عن محمد بن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما وهو في مجلس بالمدينة وهو يذكر ليلة العقبة فقال: أيدت تلك الليلة بعمي العباس وكان يأخذ على القوم ويعطيهم] .
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد العزيز بن محمد عن العباس بن عبد الله بن معبد قال: لما دون عمر بن الخطاب الديوان كان أول من بدأ به في المدعى بني هاشم. ثم كان أول بني هاشم يدعى العباس بن عبد المطلب في ولاية عمر وعثمان.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم عن العباس بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس قال: كان العباس بن عبد المطلب في الجاهلية الذي يلي أمر بني هاشم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن العلاء عن عبد المجيد بن سهيل عن نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: لما مات العباس بن عبد المطلب بعثت بنو هاشم مؤذنا يؤذن أهل العوالي: رحم الله من شهد العباس بن عبد المطلب. قال فحشد الناس ونزلوا من العوالي.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني ابن أبي سبرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن رقيش عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة قال: جاءنا مؤذن يؤذنا بموت العباس بن عبد المطلب بقباء على حمار. ثم جاءنا آخر على حمار فقلت: من الأول؟ فقال: مولى لبني هاشم والثاني رسول عثمان. فاستقبل قرى الأنصار قرية قرية حتى انتهى إلى سافلة بني حارثة وما ولاها فحشد الناس فما غادرنا النساء. فلما أتي به إلى موضع الجنائز تضايق فتقدموا به إلى البقيع. ولقد رأيتنا يوم صلينا عليه بالبقيع وما رأيت مثل ذلك الخروج على أحد من الناس قط وما يستطيع أحد من الناس أن يدنو إلى سريره. وغلب عليه بنو هاشم فلما انتهوا إلى اللحد ازدحموا عليه فأرى
عثمان اعتزل وبعث الشرطة يضربون الناس عن بني هاشم حتى خلص بنو هاشم.
فكانوا هم الذين نزلوا في حفرته ودلوه في اللحد. ولقد رأيت على سريره برد حبرة قد تقطع من زحامهم.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبيدة بنت نابل عن عائشة بنت سعد قالت:
جاءنا رسول عثمان. رحمه الله. ونحن بقصرنا على عشرة أميال من المدينة أن العباس قد توفي. فنزل أبي ونزل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ونزل أبو هريرة من السمرة. قالت عائشة: فجاءنا أبي بعد ذلك بيوم فقال: ما قدرنا على أن ندنو من سريره من كثرة الناس. غلبنا عليه. ولقد كنت أحب حمله.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يعقوب بن محمد عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن الحارث بن عبد الله بن كعب عن أم عمارة قالت: حضرنا نساء الأنصار طرا جنازة العباس وكنا أول من بكى عليه ومعنا المهاجرات الأول المبايعات.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ابن أبي سبرة عن عباس بن عبد الله بن سعيد قال: لما مات العباس أرسل إليهم عثمان إن رأيتم أن أحضر غسله فعلتم.
فأذنوا له. فحضر فكان جالسا ناحية البيت. وغسله علي بن أبي طالب. ع.
وعبد الله وعبيد الله وقثم بنو العباس. وحدت نساء بني هاشم سنة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد العزيز بن محمد عن عباس بن عبد الله بن معبد عن عكرمة عن ابن عباس قال: أوصى العباس أن يكفن في برد حبرة وقال إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفن فيه.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن عيسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يكبر على العباس بالبقيع وما يقدر من لفظ الناس. ولقد بلغ الناس الحشان وما تخلف أحد من الرجال والنساء والصبيان.
345- جعفر بن أبي طالب.
ص 23
واسم أبي طالب عبد مناف بن
عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وكان لجعفر من الولد عبد الله وبه كان يكنى وله العقب من ولد جعفر. ومحمد وعون لا عقب لهما. ولدوا جميعا لجعفر بأرض الحبشة في المهاجر إليها. وأمهم أسماء بنت عميس بن معبد بن تيم بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن أفتل. وهو جماع خثعم. ابن أنمار.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني أبي عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه قال: ولد جعفر بن أبي طالب عبد الله وعون ومحمد بنو جعفر وأخواهم لأمهم يحيى بن علي بن أبي طالب ومحمد بن أبي بكر وأمهم الخثعمية أسماء بنت عميس.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا محمد بن صالح عن يزيد بن رومان قال: أسلم جعفر بن أبي طالب قبل أن يدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم ويدعو فيها.
وقال محمد بن عمر: وهاجر جعفر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية ومعه امرأته أسماء بنت عميس. وولدت له هناك عبد الله وعونا ومحمدا. فلم يزل بأرض الحبشة حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة. ثم قدم عليه جعفر من أرض الحبشة وهو بخيبر سنة سبع. وكذلك قال محمد بن إسحاق.
قال محمد بن عمر: وقد روي لنا أن أميرهم في الهجرة إلى أرض الحبشة جعفر بن أبي طالب.
[قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن الأجلح عن الشعبي قال: لما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خيبر تلقاه جعفر بن أبي طالب فالتزمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل ما بين عينيه وقال: ما أدري بأيهما أنا أفرح. بقدوم جعفر أو بفتح خيبر] .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن ربيعة الكلابي قالا: حدثنا سفيان عن الأجلح عن الشعبي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استقبل جعفر بن أبي طالب حين جاء من أرض الحبشة فقبل ما بين عينيه. وقال الفضل بن دكين: وضمه إليه. وقال محمد بن ربيعة:
واعتنقه.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون والفضل بن دكين قالا: حدثنا المسعودي عن الحكم بن عتيبة أن جعفرا وأصحابه قدموا من أرض الحبشة بعد فتح خيبر فقسم لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خيبر. قال وقال محمد بن إسحاق: وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل. قال وقال محمد بن عمر: هذا وهل. وكيف يكون هذا وإنما كانت المؤاخاة بعد قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وقبل بدر؟ فلما كان يوم بدر نزلت آية الميراث وانقطعت المؤاخاة وجعفر غائب يومئذ بأرض الحبشة.
[قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: إن ابنة حمزة لتطوف بين الرجال إذ أخذ علي بيدها فألقاها إلى فاطمة في هودجها. قال فاختصم فيها علي وجعفر وزيد بن حارثة حتى ارتفعت أصواتهم فأيقظوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من نومه. قال: هلموا أقض بينكم فيها وفي غيرها. فقال علي:
ابنة عمي وأنا أخرجتها وأنا أحق بها. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها عندي. وقال زيد: ابنة أخي. فقال في كل واحد قولا رضيه. فقضى بها لجعفر وقال: الخالة والدة: فقام جعفر فحجل حول النبي - صلى الله عليه وسلم - دار عليه. فقال النبي. ع: ما هذا؟ قال: شيء رأيت الحبشة يصنعونه بملوكهم. خالتها أسماء بنت عميس وأمها سلمى بنت عميس] .
[قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن خالد السكري الرقي قال: حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه أسامة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول لجعفر بن أبي طالب: أشبه خلقك خلقي وأشبه خلقك خلقي فأنت مني ومن شجرتي] .
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: [أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم وهانئ عن علي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لجعفر بن أبي طالب في حديث بنت حمزة: أشبهت خلقي وخلقي] .
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك.
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف عن محمد بن سيرين أن [النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجعفر حين تنازع هو وعلي وزيد في ابنة حمزة: أشبه خلقك خلقي وخلقك خلقي] .
[قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثني حماد بن سلمة عن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجعفر: إنك شبيه خلقي وخلقي] .
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا هشام بن سعد عن جعفر بن عبد الله بن جعفر عن جعفر بن أبي طالب أنه تختم في يمينه.
[قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي قال: سمعت محمد بن أبي يعقوب يحدث عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشا واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر بن أبي طالب. فإن قتل جعفر أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة.] فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل. ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل. ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل. ثم أخذ الراية بعدهم خالد بن الوليد ففتح الله عليه. فأتى خبرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن إخوانكم لقوا العدو فأخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل حتى قتل أو استشهد. ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فقاتل حتى قتل أو استشهد. ثم أخذها عبد الله بن رواحة وقاتل حتى قتل أو استشهد. ثم أخذها سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه. ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم. ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم. ثم قال: ائتوني ببني أخي. فجيء بنا كأنا أفراخ فقال: ادعوا إلي الحلاق. فدعي فحلق رءوسنا فقال: أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب. وأما عبد الله. في كتاب ابن معروف موضع عبد الله عون الله. فشبيه خلقي وخلقي. قال ثم أخذ بيده فأشالها وقال: اللهم اخلف
جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه. ثلاث مرات. ثم جاءت أمنا فذكرت يتمنا وجعلت تفرح له فقال: أالعيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟
قال: أخبرنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه قال: أخبرني أبي الذي أرضعني من بني قرة قال: كأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة. نزل عن فرس له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى قتل.
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: وحدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. زاد أحدهما على صاحبه. قال: لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية جاءه الشيطان فمناه الحياة الدنيا وكره له الموت فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا؟ ثم مضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودعا له ثم [قال رسول الله. ص: استغفروا لأخيكم جعفر فإنه شهيد وقد دخل الجنة وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة] .
[قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه قال: قال رسول الله. ص: رأيت جعفرا ملكا يطير في الجنة تدمى قادمتاه.
ورأيت زيدا دون ذلك فقلت ما كنت أظن أن زيدا دون جعفر. فأتاه جبرائيل فقال: إن زيدا ليس بدون جعفر ولكنا فضلنا جعفرا لقرابته منك] .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين ومحمد بن عمر قالا: حدثنا أبو جعفر عن نافع عن ابن عمر قال: وجد أو وجدنا فيما أقبل من بدن جعفر بن أبي طالب ما بين منكبيه. قال الفضل بن دكين: تسعين ضربة بين طعنة برمح وضربة بسيف. وقال محمد بن عمر: اثنتين وسبعين ضربة.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني أبي عن عبد الله بن عمر بن حفص عن نافع عن ابن عمر قال: كنت بمؤتة فلما فقدنا جعفر بن أبي طالب طلبناه في القتلى فوجدناه وبه طعنة ورمية بضع وتسعون فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة عن عبد الله بن أبي بكر قال: وجد في بدن جعفر أكثر من ستين جرحا ووجد به طعنة قد أنفذته.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي عن أبيه قال: ضربه رجل من الروم فقطعه بنصفين فوقع أحد نصفيه في كرم فوجد في نصفه ثلاثون أو بضعة وثلاثون جرحا.
[قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن رجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لقد رأيته في الجنة يعني جعفرا له جناحان مضرجان بالدماء مصبوغ القوادم] .
[قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني حسين عن عبد الله بن حمزة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب. ع. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: إن لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة] .
[قال: أخبرنا سليمان بن حرب وعارم بن الفضل قالا: حدثنا حماد بن زيد عن عبد الله بن المختار قال: قال رسول الله. ص: مر بي جعفر بن أبي طالب في الليلة في ملإ من الملائكة. له جناحان مضرجان بالدماء. أبيض القوادم] .
[أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس قال: حدثني حسين بن عبد الله بن ضميرة عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب. ع. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: إن لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنة مع الملائكة] .
[قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: أخبرنا أبو شهاب عن هشام عن الحسن أنه قال: إن لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء] .
قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى جعفرا وزيدا. نعاهما من قبل أن يجيء خبرهما. نعاهما وعيناه تذرفان.
قال: أخبرنا محمد بن عبيد والفضل بن دكين قالا: حدثنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال: قتل جعفر بن أبي طالب بالبلقاء يوم مؤتة [فقال رسول الله. ص: اللهم اخلف جعفرا في أهله. قال محمد بن عبيد: بخير ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين. وقال الفضل بن دكين: كأفضل ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين] .
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير ومحمد بن عبيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: لما أصيب جعفر أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى امرأته أن ابعثي إلي بني
جعفر. فأتي بهم [فقال النبي. ص: اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن الثواب فاخلفه في ذريته بخير ما خلفت عبدا من عبادك الصالحين] .
[قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعد عن عمرة عن عائشة قالت: لما جاء نعي جعفر وزيد وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرف في وجهه الحزن. قالت عائشة: وأنا أطلع من شق الباب فجاء رجل فقال: يا رسول الله إن نساء جعفر قد لزمن بكاءهن. فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهاهن. قالت فذهب الرجل ثم جاء فقال: إني قد نهيتهن وإنهن لم يطعنه. فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينهاهن الثانية.
فذهب الرجل ثم جاء فقال: والله لقد غلبنني. فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينهاهن.
قالت عائشة: فذهب ثم. أتاه فقال: والله يا رسول الله لقد غلبنني فزعمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال احث في أفواههن التراب. قالت: أرغم الله أنفك ما أنت بفاعل ولا تركت رسول الله. ص] .
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: لما أتت وفاة جعفر عرفنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
الحزن. قالت فدخل عليه رجل فقال: يا رسول الله إن النساء يبكين. [قال: فارجع إليهن فأسكتهن. قال ثم جاء الثانية فقال مثل ذلك. قال ارجع إليهن فأسكتهن. ثم جاء الثالثة فقال مثل ذلك. قال: فإن أبين فاحث في أفواههن التراب. قالت عائشة: قلت في نفسي والله ما تركت نفسك إلا وأنت مطيع رسول الله. ص] .
قال: أخبرنا الفضل بن دكين وأحمد بن عبد الله بن يونس قالا: حدثنا محمد بن طلحة عن الحكم عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر قال [لي رسول الله. ص: تسلي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت] .
قال محمد بن عمر: وأطعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب بخيبر خمسين وسقا من تمر في كل سنة.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير ومحمد بن عبيد قالا: حدثنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر قال: تزوج علي أسماء بنت عميس فتفاخر ابناها محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر. قال كل واحد منهما: أنا أكرم منك وأبي خير من أبيك. [فقال لها علي:
اقضي بينهما. فقالت: ما رأيت شابا من العرب كان خيرا من جعفر ولا رأيت كهلا
خيرا من أبي بكر. فقال علي: ما تركت لنا شيئا. فقالت: والله إن ثلاثة أنت أخسهم لخيار. فقال لها: لو قلت غير هذا لمقتك] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا وهيب بن خالد قال: حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن أبي هريرة قال: ما احتذى ولا انتعل ولا ركب المطايا ولا لبس الكور بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من جعفر.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا بن أبي ذئب عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب. كان يتقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة ليس فيها شيء فيبشقها فنلعق ما فيها.
346- عقيل بن أبي طالب
ص 30
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وكان أسن بني أبي طالب بعد طالب ولا بقية له. وأمه أيضا فاطمة بنت أسد بن هاشم. وكان أسن من عقيل بعشر سنين وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين وكان جعفر أسن من علي بعشر سنين. فعلي كان أصغرهم سنا وأولهم إسلاما. وكان لعقيل بن أبي طالب من الولد يزيد. وبه كان يكنى. وسعيد وأمهما أم سعيد بنت عمرو بن يزيد بن مدلج من بني عامر بن صعصعة. وجعفر الأكبر وأبو سعيد الأحول وهو اسمه وأمهما أم البنين بنت الثغر. وهو عمرو بن الهصار بن كعب بن عامر بن عبد مناف بن أبي بكر.
وهو عبيد بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وأم الثغر أسماء بنت سفيان أخت الضحاك بن سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسلم بن عقيل. وهو الذي بعثه الحسين بن علي بن أبي طالب. ع.
من مكة يبايع له الناس فنزل بالكوفة على هانئ بن عروة المرادي فقتلهما جميعا وصلبهما فلذلك قول الشاعر:
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل
تري جسدا قد غير الموت لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
وعبد الله بن عقيل وعبد الرحمن وعبد الله الأصغر وأمهم خليلة أم ولد. وعلي لا بقية له وأمه أم ولد. وجعفر الأصغر وحمزة وعثمان وأم القاسم وزينب وأم النعمان لأمهات أولاد شتى.
قالوا: وكان عقيل بن أبي طالب فيمن أخرج من بني هاشم كرها مع المشركين إلى بدر فشهدها وأسر يومئذ وكان لا مال له ففداه العباس بن عبد المطلب.
قال: أخبرنا علي بن عيسى النوفلي قال: حدثنا أبان بن عثمان عن معاوية بن عمار الذهبي قال: [سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر: انظروا من هاهنا من أهل بيتي من بني هاشم. قال فجاء علي بن أبي طالب فنظر إلى العباس ونوفل وعقيل ثم رجع. فناداه عقيل: يا ابن أم علي. أما والله لقد رأيتنا. فجاء علي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله رأيت العباس ونوفلا وعقيلا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قام على رأس عقيل فقال: أبا يزيد قتل أبو جهل. قال: إذا لا ينازعوا في تهامة إن كنت أثخنت القوم وإلا فاركب أكتافهم] .
قال: [أخبرنا علي بن عيسى عن إسحاق بن الفضل عن أشياخه قال: وقال عقيل بن أبي طالب للنبي. ص: من قتلت من أشرافهم؟ قال: قتل أبو جهل. قال:
الآن صفا لك الوادي.] قالوا ورجع عقيل إلى مكة فلم يزل بها حتى خرج إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا في أول سنة ثمان. فشهد غزوة مؤتة ثم رجع فعرض له مرض فلم يسمع له بذكر في فتح مكة ولا الطائف ولا خيبر ولا في حنين. وقد أطعمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر مائة وأربعين وسقا كل سنة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا قيس بن الربيع عن جابر عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: أصاب عقيل بن أبي طالب خاتما يوم مؤتة فيه تماثيل فأتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنفله إياه فكان في يده. قال قيس: فرأيته أنا بعد.
قال: أخبرنا محمد بن حميد عن معمر عن زيد بن أسلم قال: جاء عقيل بن أبي طالب بمخيط فقال لامرأته: خيطي بهذا ثيابك. [فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - مناديا: ألا لا يغلن رجل إبرة فما فوقها] . فقال عقيل لامرأته: ما أرى إبرتك إلا وقد فاتتك.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن
أبي إسحاق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[قال لعقيل بن أبي طالب: يا أبا يزيد إني أحبك حبين. حبا لقرابتك وحبا لما كنت أعلم من حب عمي إياك] .
قال: أخبرنا محمد بن بكر البرساني قال: حدثنا ابن جريج عن عطاء قال:
رأيت عقيل بن أبي طالب شيخا كبيرا بعل العرب. قال وكان عليها غروب ودلاء.
قال ورأيت رجالا منهم بعد ما معهم مولى في الأرض يلفون أرديتهم فينزعون في القميص حتى إن أسافل قمصهم لمبتلة بالماء فينزعون قبل الحج أيام منى وبعده.
قالوا: ومات عقيل بن أبي طالب بعد ما عمي في خلافة معاوية بن أبي سفيان وله عقب اليوم وله دار بالبقيع ربة. يعني كثيرة الأهل والجماعة. واسعة.
347- نوفل بن الحارث
ص 32
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه غزية بنت قيس بن طريف بن عبد العزى بن عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر.
وكان لنوفل بن الحارث من الولد الحارث وبه كان يكنى وكان رجلا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صحبه وروى عنه وولد له على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنه عبد الله بن الحارث.
وعبد الله بن نوفل وكان يشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أول من ولي قضاء المدينة. فقال أبو هريرة:
هذا أول قاض رأيته في الإسلام. وذلك في خلافة معاوية بن أبي سفيان.
وعبد الرحمن بن نوفل لا بقية له. وربيعة لا بقية له. وسعيد وكان فقيها. والمغيرة وأم سعيد وأم المغيرة وأم حكيم وأمهم ظريبة بنت سعيد بن القشيب واسمه جندب بن عبد الله بن رافع بن نضلة بن محضب بن صعب بن مبشر بن دهمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد. وأم ظريبة أم حكيم بنت سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. وهي خالة سعد بن أبي وقاص. ولنوفل بن الحارث عقب كثير بالمدينة والبصرة وبغداد.
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: لما أخرج المشركون من كان بمكة من بني هاشم إلى بدر كرها قال فيهم نوفل بن الحارث
فأنشأ يقول:
حرام علي حرب أحمد إني ... أرى أحمد مني قريبا أواصره
وإن تك فهر ألبت وتجمعت ... عليه فإن الله لا شك ناصره
قال هشام: وأما معروف بن الخربوذ فأنشد لنوفل بن الحارث:
فقل لقريش ايلبي وتحزبي ... عليه فإن الله لا شك ناصره
وقال أيضا نوفل بن الحارث لما أسلم:
إليكم إليكم إنني لست منكم ... تبرأت من دين الشيوخ الأكابر
لعمرك ما ديني بشيء أبيعه ... وما أنا إذ أسلمت يوما بكافر
شهدت على أن النبي محمدا ... أتى بالهدى من ربه والبصائر
وإن رسول الله يدعو إلى التقى ... وإن رسول الله ليس بشاعر
على ذاك أحيا ثم أبعث موقتا ... وأثوي عليه ميتا في المقابر
قال: أخبرنا علي بن عيسى النوفلي عن أبيه عن عمه إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر [قال له رسول الله. ص: افد نفسك يا نوفل. قال: ما لي شيء أفدي به نفسي يا رسول الله. قال: افد نفسك برماحك التي بجدة] . قال: أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها وكانت ألف رمح. وأسلم نوفل بن الحارث. وكان أسن من أسلم من بني هاشم. أسن من عمه حمزة والعباس. وأسن من إخوته ربيعة وأبي سفيان وعبد شمس بني الحارث. ورجع نوفل إلى مكة ثم هاجر هو والعباس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيام الخندق.
وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين العباس بن عبد المطلب. وكانا قبل ذلك شريكين في الجاهلية متفاوضين في المال متحابين متصافيين. وأقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباس في موضع واحد وفرع بينهما بحائط. فكانت دار نوفل بن الحارث في موضع رحبة القضاء وما يليها إلى مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقابل دار الإمارة اليوم التي يقال لها دار مروان. وأقطع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نوفل بن الحارث أيضا داره الأخرى التي بالمدينة على طريق الثنية عند السوق وكان مربدا لإبله. وقسمها نوفل بين بنيه في حياته فبقيتهم فيها إلى اليوم.
وشهد نوفل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة وحنين والطائف. وثبت يوم حنين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان عن يمينه يومئذ وأعان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين بثلاثة آلاف
رمح [فقال رسول الله. ص: كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف في أصلاب المشركين] وتوفي نوفل بن الحارث بعد أن استخلف عمر بن الخطاب بسنة وثلاثة أشهر فصلى عليه عمر بن الخطاب ثم تبعه إلى البقيع حتى دفن هناك.
348- ربيعة بن الحارث
ص 34
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن قصي. وأمه غزية بنت قيس بن طريف بن عبد العزى بن عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر. ويكنى أبا أروى. وكان له من الولد محمد وعبد الله والعباس والحارث. لا بقية له. وأمية وعبد شمس وعبد المطلب وأروى الكبرى. ويقال بل هند الكبرى. وهند الصغرى. وأمهم أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب. وأروى الصغرى وأمها أم ولد. وآدم بن ربيعة وهو المسترضع له في هذيل فقتله بنو ليث بن بكر في حرب كانت بينهم. وكان الصبي يحبو أمام البيوت فرموه بحجر فأصابه فرضخ رأسه. [وهو الذي يقول له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح:
ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو تحت قدمي. وأول دم أضعه دم ابن ربيعة بن الحارث
بن عبد المطلب] .
قال هشام بن محمد بن السائب: كان أبي والهاشميون لا يسمونه في كتابه.
ينتسبونه ويقولون كان غلاما صغيرا فلم يعقب ولم يحفظ اسمه. ونرى أن من قال آدم بن ربيعة رأى في الكتاب آدم ابن ربيعة فزاد فيها ألفا فقال آدم بن ربيعة. وقد قال بعض من يروى عنه الحديث: كان اسمه تمام بن ربيعة. وقال آخر: إياس بن ربيعة.
والله أعلم.
قالوا: وكان ربيعة بن الحارث أسن من عمه العباس بن عبد المطلب بسنتين.
ولما خرج المشركون من مكة إلى بدر كان ربيعة بن الحارث غائبا بالشام فلم يشهد
بدرا مع المشركين ثم قدم بعد ذلك. فلما خرج العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا أيام الخندق شيعهما ربيعة بن الحارث في مخرجهما إلى الأبواء ثم أراد الرجوع إلى مكة فقال له العباس ونوفل: أين ترجع إلى دار الشرك يقاتلون رسول الله ويكذبونه وقد عز رسول الله وكثف أصحابه. ارجع.
فرجع ربيعة وسار معهما حتى قدموا جميعا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة مسلمين مهاجرين. وأطعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربيعة بن الحارث بخيبر مائة وسق كل سنة.
وشهد ربيعة بن الحارث مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة والطائف وحنين. وثبت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين فيمن ثبت معه من أهل بيته وأصحابه. وابتنى بالمدينة دارا في بني حديلة. وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
وتوفي ربيعة بن الحارث في خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة بعد أخويه نوفل وأبي سفيان بن الحارث
349- عبد الله بن الحارث
ص 35
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه غزية بنت قيس بن طريف بن عبد العزى بن عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر. وكان اسم عبد الله عبد شمس.
قال: أخبرنا علي بن عيسى النوفلي عن أبيه عن عمه إسحاق بن عبد الله عن جده عبد الله بن الحارث
بن نوفل وعن إسحاق بن الفضل عن أشياخه أن عبد شمس بن الحارث بن عبد المطلب خرج من مكة قبل الفتح مهاجرا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسلما فقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسماه عبد الله. وخرج مع رسول الله في بعض مغازيه فمات بالصفراء فدفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في قميصه. يعني قميص النبي.
ع. [وقد قال النبي. ص: سعيد أدركته السعادة. وليس له عقب.]
350- أبو سفيان بن الحارث
ص 35
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. واسمه المغيرة. وأمه غزية بنت قيس بن طريف بن عبد العزى بن عامرة بن عميرة بن وديعة بن الحارث بن فهر. وكان لأبي سفيان بن
الحارث من الولد جعفر وأمه جمانة بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأبو الهياج واسمه عبد الله. وجمانة وحفصة. ويقال حميدة.
وأمهم فغمة بنت همام بن الأفقم بن أبي عمرو بن ظويلم بن جعيل بن دهمان بن نصر بن معاوية. ويقال إن أم حفصة جمانة بنت أبي طالب. وعاتكة وأمها أم عمرو بنت المقوم بن عبد المطلب بن هاشم. وأمية وأمها أم ولد. ويقال بل أمها أم أبي الهياج. وأم كلثوم وهي لأم ولد. وقد انقرض ولد أبي سفيان بن الحارث فلم يبق منهم أحد. وكان أبو سفيان شاعرا فكان يهجو أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان مباعدا للإسلام شديدا على من دخل فيه. وكان أخا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرضاعة.
أرضعته حليمة أياما. وكان يألف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان له تربا. فلما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاداه وهجاه وهجا أصحابه فمكث عشرين سنة عدوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تخلف عن موضع تسير فيه قريش لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما ضرب الإسلام بحرانه وذكر تحرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة عام الفتح ألقى الله في قلب أبي سفيان بن الحارث الإسلام. قال أبو سفيان: فجئت إلى زوجتي وولدي فقلت تهيأوا للخروج فقد أظل قدوم محمد. فقالوا: فدانا لك أن تبصر أن العرب والعجم قد تبعت محمدا وأنت موضع في عداوته وكنت أولى الناس بنصرته. قال فقلت لغلامي مذكور: عجل علي بأبعرة وفرسي. ثم خرجنا من مكة نريد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسرنا حتى نزلنا الأبواء وقد نزلت مقدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأبواء تريد مكة. فخفت أن أقبل وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نذر دمي. فتنكرت وخرجت وأخذت بيد ابني جعفر فمشينا على أقدامنا نحوا من ميل في الغداة التي صبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها الأبواء فتصدينا له تلقاء وجهه. فأعرض عني إلى الناحية الأخرى فتحولت إلى ناحية وجهه الأخرى فأعرض عني مرارا فأخذني ما قرب وما بعد وقلت أنا مقتول قبل أن أصل إليه وأتذكر بره ورحمه وقرابتي به فتمسك ذلك مني. وكنت أظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفرح بإسلامي فأسلمت وخرجت معه على هذا من الحال حتى شهدت فتح مكة وحنين.
فلما لقينا العدو بحنين اقتحمت عن فرسي وبيدي السيف صلتا ولم يعلم أني أريد الموت دونه وهو ينظر إلى فقال العباس: يا رسول الله هذا أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث فارض عنه. قال: [قد فعلت فغفر الله له كل عداوة عادانيها. ثم التفت إلى فقال: أخي. لعمري قبلت رجله في الركاب.]
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا عمرو بن أبي زائدة عن أبي إسحاق قال: كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يهجو أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فلما أسلم قال:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني اليوم أهدى وأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد
[فقال رسول الله. ص: بل نحن طردناكم] .
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء وسأله: يا أبا عمارة أوليتم يوم حنين؟ فقال البراء وأنا أسمع: أشهد أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم -
لم يول يومئذ. كان يقود أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بغلة فلما غشيه المشركون نزل فجعل يقول:
أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب
قال فما رئي من الناس أحد يومئذ كان أشد منه. قال: أخبرنا علي بن عيسى النوفلي عن أبيه عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عبد الله بن الحارث بن نوفل أن أبا سفيان بن الحارث كان يشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم -
وأنه كان أتى الشام فكان إذا رئي قيل هذا ابن عمر ذلك المآبي. لشبهه به.
وقال أبو سفيان بن الحارث في شعره:
هداني هاد غير نفسي ودلني ... إلى الله من طردت كل مطرد
أفر وأنأى جاهدا عن محمد ... وأدعى وإن لم أنتسب بمحمد
يعني شبهه به.
وقال: وأتى أبو سفيان بن الحارث النبي - صلى الله عليه وسلم - وابنه جعفر بن أبي سفيان معتمين. فلما انتهيا إليه قالا: السلام عليك يا رسول الله. [فقال رسول الله. ص:
أسفروا تعرفوا. قال فانتسبوا له وكشفوا عن وجوههم وقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال رسول الله: أي مطرد طردتني يا أبا سفيان. أو متى طردتني يا أبا سفيان؟ قال: لا تثريب يا رسول الله. قال: لا تثريب يا أبا سفيان. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب: بصر ابن عمك الوضوء والسنة ورح به إلي] . قال
فراح به إلى رسول الله فصلى معه. فأمر رسول الله. ع. علي بن أبي طالب فنادى في الناس: ألا إن الله ورسوله قد رضيا عن أبي سفيان فارضوا عنه.
قال: وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة ويوم حنين والطائف هو وابنه جعفر وثبتا معه حين انكشف الناس يوم حنين. وعلى أبي سفيان يومئذ مقطعة برود وعمامة برود وقد شد وسطه ببرد وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما انجلت الغبرة قال [رسول الله. ص: من هذا؟ قال: أخوك أبو سفيان. قال: أخي أيها الله إذا. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أبو سفيان أخي وخير أهلي وقد أعقبني الله من حمزة أبا سفيان بن الحارث. فكان يقال لأبي سفيان بعد ذلك أسد الله وأسد الرسول.] وقال أبو سفيان بن الحارث في يوم حنين أشعارا كثيرة تركناها لكثرتها. وكان مما قال:
لقد علمت أفناء كعب وعامر ... غداة حنين حين عم التضعضع
بأني أخو الهيجاء أركب حدها ... أمام رسول الله لا أتتعتع
رجاء ثواب الله والله واسع ... إليه تعالى كل أمر سيرجع
قالوا: وأطعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن الحارث بخيبر مائة وسق كل سنة.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعارم بن الفضل قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن أبا سفيان بن الحارث كان يصلي في الصيف بنصف النهار حتى تكره الصلاة. ثم يصلي من الظهر إلى العصر. [فلقيه علي ذات يوم وقد انصرف قبل حينه فقال له: ما لك انصرفت اليوم قبل حينك الذي كنت تنصرف فيه؟ فقال: أتيت عثمان بن عفان فخطبت إليه ابنته فلم يحر إلي شيئا فقعدت ساعة فلم يحر إلي شيئا. فقال علي: أنا أزوجك أقرب منها. فزوجه ابنته] .
قال: أخبرنا يزيد بن هارون وعفان بن مسلم قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: [قال رسول الله. ص: أبو سفيان بن الحارث سيد فتيان أهل الجنة] . فحج عاما فحلقه الحلاق بمنى وفي رأسه ثؤلول فقطعه الحلاق فمات.
قال يزيد في حديثه فيرون أنه شهيد. وقال في حديثه عفان: فمات فكانوا يرجون أنه من أهل الجنة.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق قال: لما حضر أبا سفيان الوفاة قال لأهله: لا تبكوا علي فإني لم أتنطف بخطيئة منذ أسلمت.
قالوا: ومات أبو سفيان بالمدينة بعد أخيه نوفل بن الحارث بأربعة أشهر إلا ثلاث عشرة ليلة. ويقال بل مات سنة عشرين وصلى عليه عمر بن الخطاب وقبر في ركن دار عقيل بن أبي طالب بالبقيع. وهو الذي ولي حفر قبر نفسه قبل أن يموت بثلاثة أيام ثم قال عند ذلك: اللهم لا أبقى بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بعد أخي وأتبعني إياهما. فلم تغب الشمس من يومه ذلك حتى توفي. وكانت داره قريبا من دار عقيل بن أبي طالب وهي الدار التي تدعى دار الكراحي. وهي حديدة دار علي بن أبي طالب. ع.
351- الفضل بن العباس
ص 39
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. ويكنى أبا محمد وأمه أم الفضل وهي لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رؤيبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. فولد الفضل بن العباس
أم كلثوم ولم يلد غيرها وأمها صفية بنت محمية بن جزء بن الحارث بن عريج بن عمرو الزبيدي من سعد العشيرة من مذحج. وكان الفضل بن العباس أسن ولد العباس بن عبد المطلب. وغزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وحنين وثبت يومئذ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين ولي الناس منهزمين فيمن ثبت معه من أهل بيته وأصحابه.
وشهد معه حجة الوداع. وأردفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وراءه فيقال ردف رسول الله.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا سكين بن عبد العزيز قال: حدثني أبي قال: سمعت ابن عباس قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عرفة. قال فجعل الفتى يلحظ النساء وينظر إليهن. قال وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يصرف وجهه بيده من خلفه مرارا. قال وجعل الفتى يلاحظ إليهن. [قال فقال رسول الله. ص: ابن أخي إن هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له] .
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا عكرمة بن عمار قال: حدثني عبد الله بن عبيد قال: أردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفضل بن عباس يوم
عرفة وكان رجلا حسن الجسم تخاف فتنه على النساء. قال فحدث الفضل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
قال: حدثنا كثير بن هشام قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد قال: حدثنا الفرات بن سلمان عن عبد الكريم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس أنه كان ردف النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
قال: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم الشيباني قال: أخبرنا ابن جريج قال:
أخبرني عطاء عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أردف الفضل بن عباس من جمع إلى منى.
قال: فأخبرني الفضل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يلبي حتى رمى الجمرة.
قالوا: وكان الفضل بن عباس فيمن غسل النبي - صلى الله عليه وسلم - وتولى دفنه ثم خرج بعد ذلك إلى الشام مجاهدا فمات بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة من الهجرة وذلك في خلافة عمر بن الخطاب.
352- جعفر بن أبي سفيان
ص 40
بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه جمانة بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأمها فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. فولد جعفر بن أبي سفيان
أم كلثوم ولدت لسعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب. وليس لجعفر بن أبي سفيان عقب.
وكان جعفر بن أبي سفيان مع أبيه حين أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلما جميعا. وغزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة وحنين وثبت يومئذ حين ولي الناس منهزمين فيمن ثبت من أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. ولم يزل مع أبيه ملازما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قبضه الله تعالى. وتوفي جعفر في وسط من خلافة معاوية بن أبي سفيان.
353- الحارث بن نوفل
ص 40
بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن
عبد مناف بن قصي. وأمه ظريبة بنت سعيد بن القشيب. واسمه جندب بن عبد الله بن رافع بن نضلة بن محضب بن صعب بن مبشر بن دهمان من الأزد. وكان للحارث بن نوفل من الولد عبد الله بن الحارث ولقبه أهل البصرة ببة واصطلحوا عليه أيام ابن الزبير فوليهم. ومحمد الأكبر ابن الحارث. وربيعة وعبد الرحمن ورملة وأم الزبير. وهي أم المغيرة. وظريبة وأمهم هند بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس. وعتبة ومحمد الأصغر والحارث بن الحارث وريطة وأم الحارث وأمهم أم عمرو بنت المطلب بن أبي وداعة بن ضبيرة السهمي. وسعيد بن الحارث لأم ولد.
وكان الحارث بن نوفل رجلا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى عنه وأسلم عند إسلام أبيه. وولد له ابنه عبد الله بن الحارث على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحنكه ودعا له. واستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحارث بن نوفل على بعض أعمال مكة ثم ولاه أبو بكر وعمر وعثمان مكة.
[قال: أخبرنا حفص بن عمر البصري الحوضي قال: حدثنا همام بن يحيى قال:
حدثنا ليث عن علقمة بن مرثد عن عبد الله بن الحارث عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
علمهم الصلاة على الميت: اللهم اغفر لأحيائنا ولأمواتنا وأصلح ذات بيننا وألف بين قلوبنا. اللهم عبدك فلان ابن فلان لا نعلم إلا خيرا وأنت أعلم به فاغفر لنا وله.
فقلت وأنا أصغر القوم: فإن لم أعلم خيرا؟ فقال: لا تقل إلا ما تعلم] .
قال: أخبرنا علي بن عيسى عن أبيه قال: انتقل الحارث بن نوفل إلى البصرة واختط بها دارا ونزلها في ولاية عبد الله بن عامر بن كرير ومات بالبصرة في آخر خلافة عثمان بن عفان.
354- عبد المطلب بن ربيعة
ص 41
بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه أم الحكم بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وكان لعبد المطلب بن ربيعة من الولد محمد وأمه أم
البنين بنت حمزة بن مالك بن سعد بن حمزة بن مالك. هو أبو شعيرة بن منبة بن سلمة بن مالك بن عذر بن سعد بن دافع بن مالك بن جشم بن حاشد بن جشم بن الخيوان بن نوف بن همدان. وهي أخت قيس بن حمزة. وكان حمزة بن مالك هذا في شهود الحكمين مع معاوية بن أبي سفيان.
قال هشام بن محمد بن السائب: فأخبرني أبي أن حمزة بن مالك هاجر من اليمن إلى الشام في أربع مائة عبد فأعتقهم فانتسبوا جميعا إلى همدان بالشام فلذلك كره أهل العراق أن يزوجوا أهل الشام لكثرة دغلهم ومن انتمى إليهم من غيرهم.
وأروى بنت عبد المطلب بن ربيعة وأمها بنت عمير بن مازن.
قال هشام: وقد أدرك أبي محمد بن السائب محمد بن عبد المطلب وروى عنه. وقد روى عبد المطلب بن ربيعة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان رجلا على عهده.
قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه أخبره أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أخبره أنه اجتمع ربيعة بن الحارث وعباس بن عبد المطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين. قال لي الفضل بن عباس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدي الناس وأصابا ما يصيب الناس من المنفعة. قال فبينا هما في ذلك إذ جاء علي بن أبي طالب. ع. فقال: ماذا تريدان؟ فأخبراه بالذي أرادا. فقال: لا تفعلا فو الله ما هو بفاعل. فقالا: لم يصنع هذا فما هذا منك إلا نفاسة علينا. فو الله لقد صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونلت صهره فما نفسنا ذلك عليك. قال فقال: أنا أبو حسن فأرسلوهما. ثم اضطجع. فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر سبقناه إلى الحجرة فقمنا عندها حتى مر بنا فأخذ بآذاننا ثم قال:
اخرجا ما تصرران. ودخل فدخلنا معه وهو حينئذ في بيت زينب بنت جحش. قال فكلمناه فقلنا: يا رسول الله جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنصيب الناس من المنفعة ونؤدي ما يؤدي الناس.
قال فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورفع رأسه إلى سقف البيت حتى أردنا أن نكلمه. قال فأشارت إلينا زينب من وراء حجابها كأنها تنهانا عن كلامه. وأقبل فقال:
[ألا إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد فإنما هي من أوساخ الناس. ادعوا
إلي محمية بن جزء. وكان على العشور. وأبا سفيان بن الحارث. قال فأتياه فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل. فأنكحه. وقال لأبي سفيان: أنكح هذا الغلام ابنتك. فأنكحني. ثم قال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس] .
قال: حدثنا محمد بن عمر وعلي بن عيسى بن عبد الله النوفلي: ولم يزل عبد المطلب بن ربيعة بالمدينة إلى زمن عمر بن الخطاب ثم تحول إلى دمشق فنزلها وابتنى بها دارا وهلك بدمشق في خلافة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. وأوصى إلى يزيد بن معاوية فقبل وصيته.
355- عتبة بن أبي لهب.
ص 43
واسم أبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. وكان لعتبة من الولد أبو علي وأبو الهيثم وأبو غليظ وأمهم عتبة بنت عوف بن عبد مناف بن الحارث بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي.
وعمرو ويزيد وأبو خداش وعباس وميمونة وأمهم أم العباس بنت شراحيل بن أوس بن حبيب بن الوجيه من حمير. ثم من ذي الكلاع. سبية في الجاهلية. وعبيد الله ومحمد وشيبة. درجوا. وأم عبد الله وأمهم أم عكرمة بنت خليفة بن قيس من الجدرة من الأزد وهم حلفاء في بني الديل بن بكر. وعامر بن عتبة وأمه هالة الأحمرية من بني الأحمر بن الحارث بن عبد مناة بن كنانة. وأبو واثلة بن عتبة وأمه من خولان.
وعبيد بن عتبة لأم ولد. وإسحاق بن عتبة لأم ولد سوداء. وأم عبد الله بنت عتبة وأمها خولة أم ولد.
قال: أخبرنا علي بن عيسى بن عبد الله النوفلي عن حمزة بن عتبة بن إبراهيم اللهبي قال: حدثنا إبراهيم بن عامر بن أبي سفيان بن معتب وغيره من مشيختنا الهاشميين عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: [لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة في الفتح قال لي: يا عباس أين ابنا أخيك عتبة ومعتب لا أراهما؟ قال قلت: يا رسول الله تنحيا فيمن تنحى من مشركي قريش. فقال لي: اذهب إليهما وأتني بهما. قال العباس: فركبت إليهما بعرنة فأتيتهما فقلت إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يدعوكما. فركبا معي سريعين حتى قدما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاهما إلى الإسلام
فأسلما وبايعا. ثم قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخذ بأيديهما وانطلق بهما يمشي بينهما حتى أتى بهما الملتزم وهو ما بين باب الكعبة والحجر الأسود فدعا ساعة ثم انصرف والسرور يرى في وجهه. قال العباس فقلت له: سرك الله يا رسول الله فإني أرى في وجهك السرور. فقال النبي. ص: نعم إني استوهبت ابني عمي هذين ربي فوهبهما لي] .
قال حمزة بن عتبة: فخرجا معه في فوره ذلك إلى حنين فشهدا غزوة حنين وثبتا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ فيمن ثبت من أهل بيته وأصحابه. وأصيب عين معتب يومئذ. ولم يقم أحد من بني هاشم من الرجال بمكة بعد أن فتحت غير عتبة ومعتب ابني أبي لهب.
356- معتب بن أبي لهب
ص 44
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي. وأمه أم جميل بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي. وكان لمعتب من الولد عبد الله ومحمد وأبو سفيان وموسى وعبيد الله وسعيد وخالدة وأمهم عاتكة بنت أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأمها أم عمرو بنت المقوم بن عبد المطلب بن هاشم. وأبو مسلم ومسلم وعباس بنو معتب لأمهات أولاد شتى.
وعبد الرحمن بن معتب وأمه من حمير. وقد كتبنا قصة معتب بن أبي لهب
في إسلامه مع قصة أخيه عتبة بن أبي لهب.
357- أسامة الحب ابن زيد
ص 44
بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب. وهو حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويكنى أبا محمد. وأمه أم أيمن واسمها بركة حاضنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومولاته. وكان زيد بن حارثة في رواية بعض أهل العلم أول الناس إسلاما ولم يفارق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وولد له أسامة بمكة ونشأ حتى أدرك ولم يعرف إلا الإسلام لله تعالى ولم يدن بغيره. وهاجر
مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة. وكان رسول الله يحبه حبا شديدا. وكان عنده كبعض أهله.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وهاشم بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي ويحيى بن عباد قالوا: أخبرنا شريك عن العباس بن ذريح. يعني عن البهي. عن عائشة قالت: عثر أسامة على عتبة الباب أو أسكفة الباب فشج جبهته فقال: يا عائشة أميطي عنه الدم. فتقذرته. قالت فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمص شجته ويمجه ويقول: [لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أنفقه] .
قال: أخبرنا يحيى بن عباد قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدثنا أبو السفر قال: بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس هو وعائشة وأسامة عندهم إذ نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجه أسامة فضحك ثم [قال رسول الله. ص: لو أن أسامة جارية لحليتها وزينتها حتى أنفقها] .
قال: أخبرنا هوذة بن خليفة قال: حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال: [كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذني والحسن يقول: اللهم إني أحبهما فأحبهما] .
[قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان عن أسامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأخذني والحسن بن علي ثم يقول: اللهم أحبهما فإني أحبهما] .
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثني معتمر بن سليمان عن أبيه قال:
سمعت أبا تميمة يحدث عن أبي عثمان النهدي يحدثه أبو عثمان عن أسامة بن زيد قال: [كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن بن علي على فخذه الأخرى ثم يضمنا ثم يقول: اللهم ارحمهما فإني أرحمهما] .
قال: أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميري قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين بلغه أن الراية صارت إلى خالد بن الوليد قال [النبي. ص: فهلا إلى رجل قتل أبوه. يعني أسامة بن زيد] .
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن
أبي حازم قال: قام أسامة بن زيد بعد قتل أبيه بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدمعت عيناه ثم جاء من الغد فقام مقامه بالأمس [فقال له النبي. ص: ألاقي منك اليوم ما لاقيت منك أمس] .
قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: دخل مجزز المدلجي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. قالت فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسرورا. قال سفيان: وحدثونا عن الزهري أنه قال: تبرق أسارير وجهه.
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززا أبصر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن بعض هذه الأقدام لمن بعض؟ قال محمد بن سعد: قال غير هشام أبي الوليد: فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يشبه أسامة زيدا.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخر الإفاضة من عرفة من أجل أسامة بن زيد ينتظره. فجاء غلام أفطس أسود فقال أهل اليمن: إنما حبسنا من أجل هذا. قال فلذلك كفر أهل اليمن من أجل ذا. قال محمد بن سعد: قلت ليزيد بن هارون ما يعني بقوله كفر أهل اليمن من أجل هذا؟ فقال: ردتهم حين ارتدوا في زمن أبي بكر إنما كانت لاستخفافهم بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن عطاء عن ابن عباس عن أسامة بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفاض من عرفة وهو رديف النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يكبح راحلته حتى إن ذفراها ليكاد يصيب قادمة الرحل. وربما قال حماد: ليمس قادمة الرحل. و [يقول: يا أيها الناس عليكم السكينة والوقار فإن البر ليس في إيضاع الإبل] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: [جاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورديفه
أسامة بن زيد فسقيناه من هذا النبيذ فشرب ثم قال: أحسنتم فهكذا فاصنعوا] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا همام بن يحيى قال: حدثنا قتادة قال:
حدثني عروة أن عامرا الشعبي حدثه أن أسامة قال: إنه كان ردف النبي - صلى الله عليه وسلم - عشية عرفة فلما أفاض لم ترفع راحلته رجلها عادية حتى بلغ جمعا.
قال: أخبرنا يحيى بن عباد قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح ورديفه أسامة بن زيد فأناخ في ظل الكعبة.
قال ابن عمر: فسبقت الناس فدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبلال وأسامة الكعبة فقلت لبلال وهو وراء الباب: أين صلى رسول الله. ص؟ قال: بحيالك بين الساريتين.
قال: أخبرنا عبد الملك بن عمرو وأبو عامر العقدي وموسى بن مسعود أبو حذيفة النهدي قالوا: حدثنا زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن أسامة بن زيد عن أسامة بن زيد قال: كساني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبطية كثيفة كانت مما أهدى دحية الكلبي فكسوتها امرأتي [فقال لي رسول الله. ص: ما لك لم تلبس القبطية؟ قال: قلت يا رسول الله كسوتها امرأتي. قال فقال النبي. ص: مرها فلتجعل تحتها غلالة. إني أخاف أن تصف حجم عظامها] .
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا عبيد الله بن عمر عن ابن عقيل عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا ليث بن سعد قال: حدثني عبيد الله بن المغيرة أن حكيم بن حزام أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلة كانت لذي يزن. وهو يومئذ مشرك. اشتراها بخمسين دينارا. [فقال رسول الله: إنا لا نقبل من مشرك ولكن إذ بعثت بها فنحن نأخذها بالثمن. بكم أخذتها؟] قال: بخمسين دينارا.
قال فقبضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لبسها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجلس على المنبر للجمعة.
ثم نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكسا الحلة أسامة بن زيد.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: أخبرنا مالك بن أنس قال: وأخبرنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي أويس وخالد بن مخلد قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: وأخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب قال: حدثنا عبد العزيز بن مسلم جميعا عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد
فطعن بعض الناس في إمارته [فقال رسول الله. ص: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل. وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا وهيب بن خالد قال: وأخبرنا المعلى بن أسد قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدثنا موسى بن عقبة قال:
حدثني سالم عن أبيه أنه كان يسمعه يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أمر أسامة فبلغه أن الناس عابوا أسامة وطعنوا في إمارته. [فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الناس فقال كما حدثني سالم: ألا إنكم تعيبون أسامة وتطعنون في إمارته وقد فعلتم ذلك بأبيه من قبل وإن كان لخليقا للإمارة وإن كان لأحب الناس كلهم إلي. وإن ابنه هذا من بعده لأحب الناس إلي فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم] . قال سالم: ما سمعت عبد الله يحدث هذا الحديث قط إلا قال: ما حاشا فاطمة.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: حدثني صالح بن أبي الأخضر قال: حدثنا الزهري عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجهه وجها فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يتوجه في ذلك الوجه واستخلف أبو بكر. قال فقال أبو بكر لأسامة: ما الذي عهد إليك رسول الله؟ قال: [عهد إلي أن أغير على أبنى صباحا ثم أخرق] .
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا العمري عن نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية فيهم أبو بكر وعمر فاستعمل عليهم أسامة بن زيد. وكان الناس طعنوا فيه. أي في صغره. فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: إن الناس قد طعنوا في إمارة أسامة بن زيد وقد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله. وإنهما لخليقان لها. أو كانا خليقين لذلك. فإنه لمن أحب الناس إلي وكان أبوه من أحب الناس إلي إلا فاطمة. فأوصيكم بأسامة خيرا.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا حنش قال: سمعت أبي يقول:
استعمل النبي - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد وهو ابن ثماني عشرة سنة.
قال: أخبرنا أبو أسامة حماد بن أسامة قال: حدثنا هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد وأمره أن يغير على أبنى من ساحل البحر.
قال هشام: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمر الرجل أعلمه وندب الناس معه. قال فخرج معه سروات الناس وخيارهم ومعه عمر. قال فطعن الناس في تأمير أسامة. قال فخطب رسول الله. ع. فقال: إن ناسا طعنوا في تأميري أسامة كما طعنوا في تأميري أباه. وإنه لخليق للإمارة وإن كان لأحب الناس إلي من بعد أبيه. وإني لأرجو أن يكون من صالحيكم فاستوصوا به خيرا.
[قال: ومرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقول في مرضه: أنفذوا جيش أسامة.
أنفذوا جيش أسامة] . قال فسار حتى بلغ الجرف فأرسلت إليه امرأته فاطمة بنت قيس فقالت: لا تعجل فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثقيل. فلم يبرح حتى قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فلما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى أبي بكر فقال: إن رسول الله بعثني وأنا على غير حالكم هذه وأنا أتخوف أن تكفر العرب فإن كفرت كانوا أول من يقاتل وإن لم تكفر مضيت فإن معي سروات الناس وخيارهم. قال فخطب أبو بكر الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والله لأن تخطفني الطير أحب إلي من أن أبدأ بشيء قبل أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال فبعثه أبو بكر إلى آبل واستأذن لعمر أن يتركه عنده. قال فأذن أسامة لعمر. قال فأمره أبو بكر أن يجزر في القوم. قال هشام بقطع الأيدي والأرجل والأوساط في القتال حتى يفزع القوم. قال فمضى حتى أغار عليهم ثم أمرهم أن يعظموا الجراحة حتى يرهبوهم. قال ثم رجعوا وقد سلموا وقد غنموا. قال وكان عمر يقول: ما كنت لأجيء أحدا بالإمارة غير أسامة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبض وهو أمير.
قال فساروا فلما دنوا من الشام أصابتهم ضبابة شديدة فسترهم الله بها حتى أغاروا وأصابوا حاجتهم. قال فقدم بنعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هرقل وإغارة أسامة في ناحية أرضه خبرا واحدا فقالت الروم ما بالي هؤلاء بموت صاحبهم أن أغاروا على أرضنا.
قال عروة: فما رئي جيش كان أسلم من ذلك الجيش.
قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه بنحو حديث أبي أسامة عن هشام وزاد في الجيش الذي استعمله عليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح.
قال: وكتبت إليه فاطمة بنت قيس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ثقل وإني لا أدري ما يحدث فإن رأيت أن تقيم فأقم. فدوم أسامة بالجرف حتى مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال وأمر أن يعظم فيهم الجراح يجزل الرجل منهم جزلا فكفرت العرب.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد بن قسيط عن أبيه عن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: بلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - قول الناس استعمل أسامة بن زيد على المهاجرين والأنصار. فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: [أيها الناس أنفذوا بعث أسامة فلعمري إن قلتم في إمارته لقد قلتم في إمارة أبيه من قبله. وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليقا لها] .
قال فخرج جيش أسامة حتى عسكروا بالجرف وتتام الناس إليه فخرجوا. وثقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقام أسامة والناس لينظروا ما الله قاض في رسوله. قال أسامة: فلما ثقل هبطت من عسكري وهبط الناس معي وغمي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يتكلم.
فجعل يرفع يده إلى السماء ثم نصبها إلي فأعرف أنه يدعو لي.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: أخبرنا جعفر بن برقان قال: حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أسامة بن زيد. وكان يحبه ويحب أباه قبله. بعثه على جيش وكان ذلك من أول ما جرب أسامة في قتال فلقي فقاتل فذكر منه بأس. قال أسامة: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أتاه البشير بالفتح فإذا هو متهلهل وجهه فأدناني منه ثم قال: حدثني. فجعلت أحدثه فقلت: فلما انهزم القوم أدركت رجلا وأهويت إليه بالرمح فقال لا إله إلا الله فطعنته فقتلته. فتغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: [ويحك يا أسامة. فكيف لك بلا إله إلا الله؟ ويحك يا أسامة. فكيف لك بلا إله إلا الله؟] فلم يزل يرددها علي حتى لوددت أني انسلخت من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام يومئذ جديدا. فلا والله لا أقاتل أحدا قال لا إله إلا الله بعد ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة عن سليمان الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال ذو البطن أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا. فقال سعد بن مالك: وأنا والله لا أقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله أبدا.
فقال لهما رجل: ألم يقل الله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله؟ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله.
[قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان أسامة يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشيء فيشفعه فيه فأتاه مرة في حد فقال: يا أسامة لا تشفع في حد] .
قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا ليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت فقالوا:
من يكلم فيها رسول الله. ص؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله. ص؟ فكلمه أسامة [فقال رسول الله. ص: لم تشفع في حد من حدود الله؟] ثم قام النبي - صلى الله عليه وسلم - فاختطب فقال: [إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها!] .
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب فضل المهاجرين الأولين وأعطى أبناءهم دون ذلك. وفضل أسامة بن زيد على عبد الله بن عمر. فقال عبد الله بن عمر: فقال لي رجل فضل عليك أمير المؤمنين من ليس بأقدم منك سنا ولا أفضل منك هجرة ولا شهد من المشاهد ما لم تشهد. قال عبد الله: وكلمته فقلت يا أمير المؤمنين فضلت علي من ليس هو بأقدم مني سنا ولا أفضل مني هجرة ولا شهد من المشاهد ما لم أشهد. قال: ومن هو؟
قلت: أسامة بن زيد. قال: صدقت لعمر الله! فعلت ذلك لأن زيد بن حارثة كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عمر. وأسامة بن زيد كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
من عبد الله بن عمر فلذلك فعلت.
قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجلي قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: فرض عمر بن الخطاب لأسامة بن زيد كما فرض للبدريين أربعة آلاف. وفرض لي ثلاثة آلاف وخمس مائة فقلت: لم فرضت لأسامة أكثر مما فرضت لي ولم يشهد مشهدا وقد شهدته؟ فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك وكان أبوه أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أبيك.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرة بن خالد قال: حدثنا محمد بن سيرين قال: بلغت النخلة على عهد عثمان بن عفان ألف درهم. قال: فعمد أسامة إلى نخلة فنقرها وأخرج جمارها فأطعمها أمه. فقالوا له: ما يحملك على هذا وأنت ترى النخلة قد بلغت ألف درهم؟ قال: إن أمي سألتنيه ولا تسألني شيئا أقدر عليه إلا أعطيتها.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: سمعت يزيد بن
الأصم يقول: كان لميمونة قريب فرأته وقد أرخى إزارة بطنه فلامته في ذلك ملامة شديدة فقال لها: إني قد رأيت أسامة بن زيد يرخي إزاره. قالت: كذبت ولكن كان ذا بطن فلعل إزاره كان يسترخي إلى أسفل بطنه.
قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم بن ثوبان أن مولى لقدامة بن مظعون حدثه أن مولى لأسامة بن زيد حدثه قال: كان أسامة يركب إلى مال له بوادي القرى فيصوم يوم الاثنين ويوم الخميس فقلت له: أتصوم في السفر وقد كبرت ورفعت؟ قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وقال إن الأعمال تعرض يوم الاثنين ويوم الخميس.
[قال: أخبرنا علي بن عبد الله بن جعفر قال: أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمر قال: أخبرني أبو جعفر محمد بن علي قال: حدثني حرملة مولى أسامة. قال عمر وقد رأيت حرملة قال: أرسلني أسامة إلى علي فقال: اقرأه السلام وقل له إنك لو كنت في شدق الأسد لأحببت أن أدخل معك فيه ولكن هذا أمر لم أره. قال فأتيت عليا فلم يعطني شيئا. فأتيت الحسن وابن جعفر فأوقروا لي راحلتي] .
قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال: تزوج أسامة بن زيد هند بنت الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ودرة بنت عدي بن قيس بن حذافة بن سعد بن سهم فولدت له محمدا وهند. وتزوج أيضا فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس الفهري فولدت له جبيرا وزيدا وعائشة. وتزوج أم الحكم بنت عتبة بن أبي وقاص وبنت أبي حمدان السهمي. وتزوج برزة بنت ربعي من بني عذرة ثم من بني رزاح فولدت له حسنا وحسينا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا يعقوب بن عمر عن نافع العدوي عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحب أسامة بن زيد فلما بلغ وهو ابن أربع عشرة سنة تزوج امرأة يقال لها زينب بنت حنظلة بن قسامة فطلقها أسامة فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[يقول: من أدله على الوضيئة الغنين وأنا صهره؟ فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى نعيم بن عبد الله النحام فقال نعيم: كأنك تريدني يا رسول الله. قال: أجل. فتزوجها فولدت له إبراهيم بن نعيم فقتل إبراهيم يوم الحرة.]
قال محمد: والغنين القليلة الأكل. قال محمد بن عمر: لم يبلغ أولاد أسامة من الرجال والنساء في كل دهر أكثر من عشرين إنسانا. قال محمد بن عمر: وقبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسامة ابن عشرين سنة. وكان قد سكن وادي القرى بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -
ثم نزل إلى المدينة فمات بالجرف في آخر خلافة معاوية بن أبي سفيان.
قال: أخبرنا أنس بن عياض أبو ضمرة عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال:
حمل أسامة بن زيد حين مات من الجرف إلى المدينة.
358- أبو رافع مولى رسول الله ص.
ص 53
واسمه أسلم. وكان عبدا للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلما بشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسلام العباس أعتقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
قال: أخبرنا رؤيم بن يزيد المقرئ قال: حدثنا هارون بن أبي عيسى وأخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال:
حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة مولى ابن عباس قال: قال أبو رافع مولى رسول الله. ص:
كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل وأسلمت. وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم. وكان يكتم إسلامه. وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان أبو لهب عدوا لله قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكذلك كانوا صنعوا لم يتخلف رجل إلا بعث مكانه رجلا. فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا. وكنت رجلا ضعيفا. وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم فو الله إني لجالس فيها أنحت أقداحي وعندي أم الفضل جالسة وقد سرنا ما كان من الخبر إذا أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة وكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم. قال: فقال أبو
لهب: هلم إلي يا ابن أخي فعندك لعمري الخبر. قال فجلس إليه والناس قيام عليه فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف أمر الناس؟ قال: لا شيء والله إن هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا. وايم الله مع ذلك ما لمت الناس. لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي ثم قلت: تلك والله الملائكة.
قال فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فثاورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني. وكنت رجلا ضعيفا. فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيده؟ فقام موليا ذليلا فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته فلقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفنانه حتى أنتن في بيته. وكانت قريش تتقي العدسة وعدواها كما يتقي الناس الطاعون. حتى قال لهما رجل من قرية: ويحكما ألا تستحيان؟ إن أباكما قد أنتن في بيته لا تغيبانه. قالا: إنا نخشى هذه القرحة. قال:
انطلقا فأنا معكما. فما غسلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسونه ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه. قالوا فلما كان بعد بدر هاجر أبو رافع إلى المدينة وأقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهد أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلمى مولاته. وشهدت معه خيبر وولدت لأبي رافع عبيد الله بن أبي رافع وكان كاتبا لعلي بن أبي طالب. ع.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا حمزة الزيات عن الحكم قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرقم بن أبي الأرقم ساعيا على الصدقة فقال لأبي رافع: هل لك أن تعينني وأجعل لك سهم العاملين؟ فقال: حتى أذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره للنبي.
ع. [فقال: يا أبا رافع إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم] .
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا: حدثنا سفيان عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن إسماعيل بن عبيد الله بن رفاعة الزرقي عن أبيه عن جده قال: قال [رسول الله. ص: خليفتنا منا ومولانا منا وابن أختنا منا] .
قال محمد بن عمر: مات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بن عفان. وله عقب.
359- سلمان الفارسي.
ص 55
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدثنا الأعمش عن أبي ظبيان عن جرير.
يعني ابن عبد الله. والأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه أن سلمان كان يكنى أبا عبد الله.
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن عوف عن أبي عثمان النهدي قال: قال لي سلمان أتعلم مكان رام هرمز؟ قلت: نعم. قال: فإني من أهلها.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا سفيان عن عبيد أبي العلاء عن عامر بن واثلة عن سلمان قال: أنا من أهل جي.
قال: أخبرنا يوسف بن البهلول قال: حدثنا عبد الله بن إدريس قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس قال:
حدثني سلمان الفارسي
حديثه من فيه قال: كنت رجلا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جي. وكان أبي دهقان أرضه. وكنت من أحب عباد الله إليه فما زال في حبه إياي حتى حبسني في البيت كما تحبس الجارية. قال فاجتهدت في المجوسية حتى كنت قاطن النار التي نوقدها لا نتركها تخبو. وكانت لأبي ضيعة في بعض عمله وكان يعالج بنيانا له في داره فدعاني فقال: أي بني إنه قد شغلني بنياني كما ترى فانطلق إلى ضيعتي فلا تحبس علي فإنك إن فعلت شغلتني عن كل ضيعة وكنت أهم عندي مما أنا فيه. فخرجت فمررت بكنيسة للنصارى فسمعت صلاتهم فيها فدخلت عليهم انظر
ما يصنعون فلم أزل عندهم. وأعجبني ما رأيت من صلاتهم وقلت في نفسي: هذا خير من ديننا الذي نحن عليه. فما برحتهم حتى غابت الشمس وما ذهبت إلى ضيعة أبي ولا رجعت إليه حتى بعث الطلب في أثري. وقد قلت للنصارى حين أعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. قال ثم خرجت فرجعت إلى أبي فقال: أي بني أين كنت؟ قد كنت عهدت إليك وتقدمت ألا تحتبس.
قال قلت: إني مررت على ناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من أمرهم وصلاتهم ورأيت أن دينهم خير من ديننا. قال فقال لي: أي بني دينك ودين آبائك خير من دينهم. قال قلت: كلا والله. قال فخافني فجعل في رجلي حديدا وحبسني.
وأرسلت إلى النصارى أخبرهم أني قد رضيت أمرهم وقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشام فآذنوني. فقدم عليهم ركب منهم من التجار فأرسلوا إلي فأرسلت إليهم: إن أرادوا الرجوع فآذنوني. فلما أرادوا الرجوع أرسلوا إلي فرميت بالحديد من رجلي ثم خرجت فانطلقت معهم إلى الشام. فلما قدمت سألت عن عالمهم فقيل لي صاحب الكنيسة أسقفهم. قال فأتيته فأخبرته خبري وقلت: إني أحب أن أكون معك أخدمك وأصلي معك وأتعلم منك فإني قد رغبت في دينك. قال: أقم. فكنت معه. وكان رجل سوء في دينه. وكان يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه الأموال اكتنزها لنفسه حتى جمع سبع قلال دنانير ودراهم. ثم مات فاجتمعوا ليدفنوه. قال قلت: تعلمون أن صاحبكم هذا كان رجل سوء. فأخبرتهم ما كان يصنع في صدقتهم.
قال فقالوا: فما علامة ذلك؟ قال قلت: أنا أدلكم على ذلك. فأخرجته فإذا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا. فلما رأوها قالوا: والله لا نغيبه أبدا. ثم صلبوه على خشبة ورجموه بالحجارة وجاؤوا بآخر فجعلوه مكانه. قال سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلي الخمس كان خيرا منه أعظم رغبة في الآخرة ولا أزهد في الدنيا ولا أدأب ليلا ولا نهارا منه.
وأحببته حبا ما علمت أني أحببت شيئا كان قبله. فلما حضره قدره قلت له: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى فماذا تأمرني وإلى من توصي بي؟ قال: أي بني ما أرى أحدا من الناس على مثل ما أنا عليه إلا رجلا بالموصل. فأما الناس فقد بدلوا وهلكوا. فلما توفي أتيت صاحب الموصل فأخبرته بعهده إلي أن ألحق به وأكون معه.
قال: أقم. فأقمت معه ما شاء الله أن أقيم على مثل ما كان عليه صاحبه. ثم حضرته الوفاة فقلت: إنه قد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصي بي؟ قال: أي بني والله
ما أعلم أحدا على أمرنا إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به. قال فأتيت على رجل على مثل ما كان عليه صاحباه فأخبرته خبري فأقمت معه ما شاء الله أن أقيم. فلما حضرته الوفاة قلت له: إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان وفلان إلى فلان وفلان إليك.
فإلى من توصي بي؟ قال: أي بني. والله ما أعلم أحدا من الناس على ما نحن عليه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم فإن استطعت أن تلحق به فالحق. فلما توفي لحقت بصاحب عمورية فأخبرته خبري وخبر من أوصى بي حتى انتهيت إليه فقال: أقم. فأقمت عنده فوجدته على مثل ما كان عليه أصحابه. فمكثت عنده ما شاء الله أن أمكث وثاب لي شيء حتى اتخذت بقرات وغنيمة. ثم حضرته الوفاة فقلت له: إلى من توصي بي؟
فقال لي: أي بني. والله ما أعلم أنه أصبح في الأرض أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه. ولكنه قد أظلك زمان نبي يبعث بدين إبراهيم الحنيفية يخرج من أرض مهاجره وقراره ذات نخل بين حرتين. فإن استطعت أن تخلص إليه فاخلص وإن به آيات لا تخفى. إنه لا يأكل الصدقة وهو يأكل الهدية وإن بين كتفيه خاتم النبوة إذا رأيته عرفته. قال: ومات فمر بي ركب من كلب فسألتهم عن بلادهم فأخبروني عنها فقلت: أعطيكم بقراتي هذه وغنمي على أن تحملوني حتى تقدموا بي أرضكم. قالوا: نعم. فاحتملوني حتى قدموا بي وادي القرى فظلموني فباعوني عبدا من رجل من يهود فرأيت بها النخل. وطمعت أن تكون البلدة التي وصفت لي وما حقت لي ولكني قد طمعت حين رأيت النخل. فأقمت عنده حتى قدم رجل من يهود بني قريظة فابتاعني منه ثم خرج بي حتى قدمت المدينة. فو الله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي وأيقنت أنها هي البلدة التي وصفت لي. فأقمت عنده أعمل له في نخله في بني قريظة حتى بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وخفي علي أمره حتى قدم المدينة ونزل بقباء في بني عمرو بن عوف. فو الله إني لفي رأس نخلة وصاحبي جالس تحتي إذ أقبل رجل من يهود من بني عمه حتى وقف عليه فقال: أي فلان. قاتل الله بني قيلة إنهم آنفا ليتقاصفون على رجل بقباء قدم من مكة فرجفت النخلة حتى ظننت لأسقطن على صاحبي. ثم نزلت سريعا أقول: ماذا تقول. ما هذا الخبر؟ قال فرفع سيدي يده فلكمني لكمة شديدة ثم قال: ما لك ولهذا؟ أقبل على عملك. قلت: لا شيء إنما أردت أن أستثبته هذا الخبر الذي سمعته يذكر. قال: أقبل على شأنك. قال:
فأقبلت على عملي ولهيت منه. فلما أمسيت جمعت ما كان عندي ثم خرجت حتى جئت إلى
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بقباء فدخلت عليه ومعه نفر من أصحابه فقلت: إنه بلغني أنك ليس بيدك شيء وإن معك أصحابا لك. وأنكم أهل حاجة وغربة وقد كان عندي شيء وضعته للصدقة فلما ذكر لي مكانكم رأيتكم أحق الناس به فجئتكم به. ثم وضعته له [فقال رسول الله. ص: كلوا] . وأمسك هو. قال قلت في نفسي: هذه والله واحدة. ثم رجعت وتحول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وجمعت شيئا ثم جئته فسلمت عليه وقلت له: إني قد رأيتك لا تأكل الصدقة وقد كان عندي شيء أحب أن أكرمك به من هدية أهديتها كرامة لك ليست بصدقة. فأكل وأكل أصحابه. قال قلت في نفسي:
هذه أخرى. قال ثم رجعت فمكثت ما شاء الله ثم أتيته فوجدته في بقيع الغرقد قد تبع جنازة وحوله أصحابه وعليه شملتان مؤتزرا بواحدة مرتديا بالأخرى. قال فسلمت عليه ثم عدلت لأنظر في ظهره فعرف أني أريد ذلك وأستثبته. قال فقال بردائه فألقاه عن ظهره فنظرت إلى خاتم النبوة كما وصف لي صاحبي. قال فأكببت عليه أقبل الخاتم من ظهره وأبكي. قال فقال: تحول عنك. فتحولت فجلست بين يديه فحدثته حديثي كما حدثتك يا ابن عباس فأعجبه ذلك. فأحب أن يسمعه أصحابه. ثم أسلمت وشغلني الرق وما كنت فيه حتى فاتني بدر وأحد. [ثم قال لي رسول الله. ص: كاتب. فسألت صاحبي ذلك فلم أزل حتى كاتبني على أن أحيي له بثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية من ورق. ثم قال رسول الله. ص: أعينوا أخاكم بالنخل. فأعانني كل رجل بقدره بالثلاثين والعشرين والخمس عشرة والعشر. ثم قال: يا سلمان اذهب ففقر لها فإذا أنت أردت أن تضعها فلا تضعها حتى تأتيني فتؤذنني فأكون أنا الذي أضعها بيدي] . فقمت في تفقيري فأعانني أصحابي حتى فقرنا شربا ثلاثمائة شربة. وجاء كل رجل بما أعانني به من النخل.
ثم جاء رسول الله فجعل يضعها بيده وجعل يسوي عليها شربها ويبرك حتى فرغ منها رسول الله جميعا. فلا والذي نفس سلمان بيده ما ماتت منه ودية وبقيت الدراهم. فبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم في أصحابه إذ أتاه رجل من أصحابه بمثل البيضة من ذهب أصابها من بعض المعادن فتصدق بها إليه. [فقال رسول الله. ص:
ما فعل الفارسي المسكين المكاتب؟ ادعوه لي. فدعيت له فجئت فقال: اذهب بهذه فأدها عنك مما عليك من المال. قال وقلت: وأين يقع هذا مما علي يا رسول الله؟
قال: إن الله سيؤدي عنك] .
[قال ابن إسحاق: فأخبرني يزيد بن أبي حبيب أنه كان في هذا الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعها يومئذ على لسانه ثم قلبها ثم قال لي: اذهب فأدها عنك] .
ثم عاد حديث ابن عباس ويزيد أيضا. قال سلمان: فو الذي نفسي بيده لوزنت له منها أربعين أوقية حتى وفيته الذي له. وعتق سلمان وشهد الخندق وبقية مشاهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حرا مسلما حتى قبضه الله.
قال: أخبرنا يوسف بن البهلول قال: حدثنا عبد الله بن إدريس قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجل من عبد القيس أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول: حدثني من حدثه سلمان أنه كان في حديثه حين ساقه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن صاحب عمورية قال له: أرأيت رجلا بكذا وكذا من أرض الشام بين غيضتين يخرج من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة في كل سنة ليلة ثم يخرج مثلها من العام القابل ليلة من السنة معلومة فيتعرضه الناس يداوي الأسقام يدعو لهم فيشفون فأت فسله عن هذا الذي تلتمس. قال فجئت حتى أقمت مع الناس بين تينك الغيضتين. فلما كان الليلة التي يخرج فيها من الغيضة إلى الغيضة التي يدخل. خرج وغلبوني عليه حتى دخل الغيضة الأخرى. وتوارى مني إلا منكبه. فتناولته فأخذت بمنكبه فلم يلتفت إلي وقال: ما لك؟ قلت: أسألك عن دين إبراهيم الحنيفية. قال:
إنك تسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم. قد أظلك نبي يخرج من عند هذا البيت يأتي بهذا الدين الذي تسأل عنه فالحق به. ثم انصرفت. [قال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
حين حدثه بهذا الحديث: لئن كنت صدقتني يا سلمان لقد لقيت عيسى ابن مريم] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن سلمان قال: كاتبت أهلي على أن أغرس لهم خمسمائة فسيلة فإذا علقت فأنا حر. فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -[فقال: إذا أردت أن تغرس فآذني] . قال فآذنته فغرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده إلا واحدة غرستها بيدي فعلقن جمع إلا الواحدة التي غرست.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي قرة الكندي عن سلمان الفارسي قال: كنت من أبناء أساورة فارس وكنت في كتاب.
وكان معي غلامان. فكانا إذا رجعا من عند معلمهما أتيا قسا فدخلا عليه فدخلت معهما فقال لهما: ألم أنهكما أن تأتياني بأحد؟ قال فجعلت أختلف إليه حتى كنت
أحب إليه منهما فقال لي: إذا سألك أهلك ما حبسك؟ فقل معلمي. وإذا سألك معلمك ما حبسك؟ فقل أهلي. ثم إنه أراد أن يتحول فقلت: أنا أتحول معك.
فتحولت معه فنزل قرية فكانت امرأة تأتيه. فلما حضر قال: يا سلمان احفر عند رأسي. فحفرت فاستخرجت جرة من دراهم فقال لي: صبها على صدري. فصببتها على صدره. ثم إنه مات فهممت بالدراهم أن أحويها أو أحولها شك عبيد الله. ثم إني ذكرت ثم آذنت القسيسين والرهبان به فحضروه فقلت: إنه قد ترك مالا. فقام شباب في القرية فقالوا: هذا مال أبينا كانت سريته تأتيه. فأخذوه فقلت للرهبان:
أخبروني برجل عالم أتبعه. فقالوا: ما نعلم اليوم في الأرض رجلا أعلم من رجل بحمص. فانطلقت إليه فلقيته فقصصت عليه القصة فقال: وما جاء بك إلا طلب العلم. قال فإني لا أعلم اليوم في الأرض أحدا أعلم من رجل يأتي بيت المقدس كل سنة وإن انطلقت الآن وافقت حماره. قال فانطلقت فإذا بحماره على باب بيت المقدس فجلست عنده حتى خرج فقصصت عليه القصة قال: وما جاء بك إلا طلب العلم. قلت: نعم. قال: اجلس. فانطلق فلم أره حتى الحول فجاء فقلت: يا عبد الله ما صنعت بي؟ قال: وإنك هاهنا؟ قلت: نعم. قال: فإني والله ما أعلم اليوم في الأرض رجلا أعلم من رجل خرج بأرض تيماء. وإن تنطلق الآن توافقه. فيه ثلاث آيات: يأكل الهدية. ولا يأكل الصدقة. وعند غضروف كتفه اليمنى خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة لونها لون جلده. قال فانطلقت ترفعني أرض وتخفضني أخرى حتى مررت على قوم من الأعراب فاستعبدوني فباعوني فاشترتني امرأة بالمدينة.
فسمعتهم يذكرون النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان العيش عزيزا فقلت لها: هبي لي يوما. فقالت:
نعم. فانطلقت فاحتطبت حطبا فبعته [فأتيت به النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان يسيرا. فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟ فقلت: صدقة. فقال لأصحابه: كلوا. ولم يأكل. قلت هذه من علامته. فمكثت ما شاء الله أن أمكث ثم قلت لمولاتي: هبي لي يوما. قالت:
نعم. فانطلقت فاحتطبت حطبا فبعته بأكثر من ذلك وصنعت طعاما فأتيت به النبي وهو جالس بين أصحابه فوضعته بين يديه فقال: ما هذا؟ قلت: هدية. فوضع يده وقال لأصحابه: خذوا بسم الله. فقمت خلفه فوضع رداءه فإذا خاتم النبوة فقلت: أشهد أنك رسول الله. قال: وما ذاك؟ فحدثته عن الرجل ثم قلت: أيدخل الجنة يا رسول الله؟ فإنه حدثني أنك نبي. قال: لن يدخل الجنة إلا نفس مسلمة] .
قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الأسدي عن يونس عن الحسن قال: [قال رسول الله. ص: سلمان سابق فارس] .
قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك قال: حدثني كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خط الخندق من أجم الشيخين طرف بني حارثة عام ذكرت الأحزاب خطة من المذاد فقطع لكل عشرة أربعين ذراعا فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي. وكان رجلا قويا. فقال المهاجرون:
سلمان منا. وقالت الأنصار: لا بل سلمان منا. [فقال رسول الله. ص: سلمان منا أهل البيت] .
قال عمرو بن عوف: فدخلت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان ونعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار تحت أصل ذباب فضربنا حتى بلغنا الندى فأخرج الله صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلت لسلمان: ارق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ضارب عليه قبة تركية. فرقى إليه سلمان فقال: يا رسول الله صخرة بيضاء خرجت من بطن الخندق فكسرت حديدنا وشقت علينا فإما أن نعدل عنها والمعدل قريب أو تأمرنا بها بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك. [فقال: أرني معولك يا سلمان. فقبض معوله ثم هبط علينا فكنا على شقة الخندق فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتحا فضرب ضربة صدعها وبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها. فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبير فتح.
فكبرنا. ثم ضرب الثانية فبرق منها برقة أضاء ما بين لابتيها حتى كأن مصباحا في جوف بيت مظلم. فكبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبير فتح فكبرنا. ثم ضرب الثالثة فكسرها وبرق منها برقة أضاء ما بين قبتيها فكبر تكبير فتح فكبرنا. ثم رقي حتى إذا كان في مقعد سلمان قال سلمان: يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط. فالتفت إلى القوم فقال: هل رأيتم؟ قالوا: نعم. بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله. رأيناك تضرب فخرج برق كالموج فتكبر فنكبر لا نرى ضياء غير ذلك.
قال: صدقتم. ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم فأضاء لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي معها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب. وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت
الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاء لي معها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها يبلغهم النصر فأبشروا. يرددها ثلاثا. فابتشر المسلمون وقالوا: موعود صادق بار وعدنا النصر بعد الحصر والفتوح. فتراءوا الأحزاب. فقال الله: «ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» الأحزاب: 22- 23. إلى آخر الآية.]
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني سفيان بن عيينة عن أيوب عن ابن سيرين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء. وكذلك قال محمد بن إسحاق.
قال: أخبرنا أبو عامر العقدي قال: أخبرنا شعبة عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: أوخي بين سلمان وأبي الدرداء فسكن أبو الدرداء الشام وسكن سلمان الكوفة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عاصم الأحول عن أنس قال: لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة آخى بين سلمان وحذيفة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال: وأخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله عن الزهري أنهما كانا ينكران كل مؤاخاة كانت بعد بدر ويقولان: قطعت بدر المواريث.
وسلمان يومئذ في رق. وإنما عتق بعد ذلك. وأول غزاة غزاها الخندق سنة خمس من الهجرة.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا الأعمش عن أبي صالح قال: نزل سلمان على أبي الدرداء. وكان أبو الدرداء إذا أراد أن يصلي منعه سلمان وإذا أراد أن يصوم منعه. فقال: أتمنعني أن أصوم لربي وأصلي لربي؟ فقال: إن لعينك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فصم وأفطر وصل ونم. [فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لقد أشبع سلمان علما] .
قال: أخبرنا إسحاق بن يوسف الأزرق قال: أخبرنا ابن عون عن محمد بن سيرين قال: دخل سلمان على أبي الدرداء في يوم جمعة فقيل له هو نائم. قال: فقال
ما له؟ قالوا: إنه إذا كان ليلة الجمعة أحياها ويصوم يوم الجمعة. قال: فأمرهم فصنعوا طعاما في يوم جمعة ثم أتاهم فقال: كل. قال: إني صائم. فلم يزل به حتى أكل. ثم أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرا له ذلك [فقال النبي. ص: عويمر سلمان أعلم منك وهو يضرب على فخذ أبي الدرداء عويمر سلمان أعلم منك ثلاث مرات لا تخص ليلة الجمعة بقيام بين الليالي ولا تخص يوم الجمعة بصيام بين الأيام] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدثنا قتادة أن سلمان أتى أبا الدرداء فشكت إليه أم الدرداء أنه يقوم الليل ويصوم النهار. فبات عنده فلما أراد القيام حبسه حتى نام. فلما أصبح صنع له طعاما فلم يزل به حتى أفطر. فأتى أبو الدرداء النبي - صلى الله عليه وسلم -[فقال النبي: عويمر سلمان أعلم منك. لا تحقحق فتقطع ولا تحبس فتسبق. أقصد تبلغ سير الركابات تطأ فيها البردين والخفقتين من الليل] .
أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا مسعر عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال: [سئل علي عن سلمان فقال: أوتي العلم الأول والعلم الآخر. لا يدرك ما عنده] .
قال: أخبرنا حجاج بن محمد عن ابن جريج عن زاذان قال: [سئل علي عن سلمان الفارسي فقال: ذاك امرؤ منا وإلينا أهل البيت. من لكم بمثل لقمان الحكيم. علم العلم الأول والعلم الآخر وقرأ الكتاب الأول وقرأ الكتاب الآخر وكان بحرا لا ينزف] .
قال: أخبرنا حماد بن عمرو النصيبي قال: حدثنا زيد بن رفيع عن معبد الجهني عن يزيد بن عميرة السكسكي وكان تلميذا لمعاذ أن معاذا أمره أن يطلب العلم من أربعة أحدهم سلمان الفارسي.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن الأعمش عن شمر بن عطية عن رجل من بني عامر عن خال له أن سلمان لما قدم على عمر قال للناس: اخرجوا بنا نتلق سلمان.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سميع عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد أن عمر جعل عطاء سلمان ستة آلاف.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا إسرائيل عن إسماعيل بن سميع عن مالك بن عمير قال: كان عطاء سلمان الفارسي أربعة آلاف.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا إسرائيل عن إسماعيل بن سميع عن
مسلم البطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي عن مسلم البطين قال: كان عطاء سلمان أربعة آلاف.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا أبو المليح عن ميمون قال: كان عطاء سلمان الفارسي أربعة آلاف وعطاء عبد الله بن عمر ثلاثة آلاف وخمسمائة.
فقلت: ما شأن هذا الفارسي في أربعة آلاف وابن أمير المؤمنين في ثلاثة آلاف وخمسمائة؟ قالوا: إن سلمان شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مشهدا لم يشهده ابن عمر.
قال: أخبرنا إسماعيل بن عبد الله بن زرارة الجرمي قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان على ثلاثين ألفا من الناس يخطب في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها. وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه ويأكل من سفيف يديه.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا يزيد بن مردانبة عن خليفة بن سعيد المرادي عن عمه قال: رأيت سلمان الفارسي بالمدائن في بعض طرقها يمشي فزحمته حملة من قصب فأوجعته فتأخر إلى صاحبها الذي يسوقها فأخذ بعضده فحركه ثم قال: لا مت حتى تدرك إمارة الشباب.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سلام بن مسكين عن ثابت أن سلمان كان أميرا على المدائن وكان يخرج إلى الناس في أندرورد وعباءة فإذا رأوه قالوا: كرك آمذ كرك آمذ. فيقول سلمان: ما يقولون؟ قالوا: يشبهونك بلعبة لهم. فيقول سلمان:
لا عليهم فإنما الخير فيما بعد اليوم.
قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: حدثنا أبو المليح عن حبيب بن أبي مرزوق عن هريم قال: رأيت سلمان الفارسي على حمار عري وعليه قميص سنبلاني قصير ضيق الأسفل. وكان رجلا طويل الساقين كثير الشعر. وقد ارتفع القميص حتى بلغ قريبا من ركبتيه. قال ورأيت الصبيان يحضرون خلفه فقلت: ألا تنحون عن الأمير؟ فقال: دعهم فإنما الخير والشر فيما بعد اليوم.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق عن ميمون بن مهران عن رجل من عبد القيس قال: كنت مع سلمان الفارسي
وهو أمير على سرية فمر بفتيان من فتيان الجند فضحكوا وقالوا: هذا أميركم؟ فقلت:
يا أبا عبد الله ألا ترى هؤلاء ما يقولون؟ قال: دعهم فإنما الخير والشر فيما بعد اليوم.
إن استطعت أن تأكل من التراب فكل منه ولا تكونن أميرا على اثنين. واتق دعوة المظلوم والمضطر فإنها لا تحجب.
قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا ثابت قال: كان سلمان أميرا على المدائن فجاء رجل من أهل الشام من بني تيم الله معه حمل تين. وعلى سلمان أندرورد وعباءة. فقال لسلمان: تعال احمل. وهو لا يعرف سلمان. فحمل سلمان فرآه الناس فعرفوه فقالوا: هذا الأمير. قال: لم أعرفك. فقال له سلمان: لا حتى أبلغ منزلك.
قال: أخبرنا وهب بن جرير بن حازم قال: حدثنا أبي قال: سمعت شيخا من بني عبس عن أبيه قال: أتيت السوق فاشتريت علفا بدرهم فرأيت سلمان ولا أعرفه فسخرته فحملت عليه العلف. فمر بقوم فقالوا: نحمل عنك يا أبا عبد الله. فقلت:
من هذا؟ قالوا: هذا سلمان صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: لم أعرفك. ضعه عافاك الله. فأبى حتى أتى به منزلي فقال: قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى أبلغ بيتك.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم وروح بن عبادة قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن خالد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن ميسرة أن سلمان كان إذا سجدت له العجم طأطأ رأسه وقال: خشعت لله.
قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: بلغني أنه قيل لسلمان الفارسي: ما يكرهك الإمارة؟ قال: حلاوة رضاعتها ومرارة فطامها.
قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن هشام بن الغازي عن عبادة بن نسي أن سلمان كان له حبى من عباء وهو أمير الناس.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا مالك بن أنس أن سلمان الفارسي كان يستظل بالفيء حيث ما دار ولم يكن له بيت. فقال له رجل: ألا أبني لك بيتا تستظل به من الحر وتسكن فيه من البرد؟ فقال له سلمان: نعم. فلما أدبر صاح به فسأله سلمان: كيف تبنيه؟ فقال: أبنيه إن قمت فيه أصابك رأسك وإن اضطجعت فيه أصاب رجلك. فقال سلمان: نعم.
قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن داود الطيالسي ويحيى بن عباد قالا: أخبرنا شعبة عن سماك قال: سمعت النعمان بن حميد يقول: دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص. فسمعته يقول: أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه دراهم فأعيد درهما فيه وأنفق درهما على عيالي وأتصدق بدرهم. ولو أن عمر بن الخطاب نهاني عنه ما انتهيت.
قال: أخبرنا وهب بن جرير قال: حدثنا شعبة عن حبيب بن الشهيد عن عبد الله بن بريدة قال: كان سلمان إذا أصاب الشيء اشترى به لحما ثم دعا المحدثين فأكلوه معه.
قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا أبو الأحوص عن حصين عن إبراهيم التيمي قال: كان سلمان إذا وضع الطعام بين يديه قال: الحمد لله الذي كفانا المؤونة وأحسن الرزق.
قال: أخبرنا للفضل بن دكين قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد قال: كان سلمان إذا أكل قال: الحمد لله الذي كفانا المؤونة وأوسع علينا في الرزق.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال حدثنا شعبة. قال أبو إسحاق أنبأني قال: سمعت حارثة بن مضرب قال: سمعت سلمان يقول إني لأعد العراقة على الخادم خشية الظن.
قال: أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال: حدثنا سفيان عن أبي جعفر الفراء عن أبي ليلى الكندي قال: قال غلام سلمان: كاتبني. قال: ألك شيء؟ قال: لا.
قال: فمن أين؟ قال: أسأل الناس. قال: تريد أن تطعمني غسالة الناس.
قال: أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا شعبة عن أبي جعفر قال:
سمعت أبا ليلى قال: قال غلام لسلمان: كاتبني. قال: ألك مال؟ قال: لا. قال:
أتأمرني أن آكل غسالة أيدي الناس؟ قال وسرق علف دابته فقال لجاريته أو لغلامه:
ولولا أني أخاف القصاص لضربتك.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا وهيب بن خالد قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن رجلا دخل على سلمان وهو يعجن. قال فقال: أين الخادم؟ قال:
بعثناها لحاجة فكرهنا أن نجمع عليها عملين. قال: إن فلانا يقرئك السلام. فقال له سلمان: منذ كم قدمت؟ قال: منذ ثلاثة أيام. قال: أما إنك لو لم تؤدها لكانت أمانة لم تؤدها.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن حجاج عن أبي إسحاق عن عمرو بن أبي قرة قال: قال سلمان لا نؤمكم في مساجدكم ولا ننكح نساءكم. يعني العرب.
قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق وغيره قالوا: كان سلمان يقول لنفسه: سلمان بمير. يقول: مت.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن أشياخه قالوا: دخل سعد بن أبي وقاص على سلمان يعوده. قال فبكى سلمان فقال له سعد:
ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنك راض. وتلقى أصحابك.
وترد عليه الحوض. قال سلمان: والله ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على الدنيا ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إلينا عهدا [فقال: لتكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب وحولي هذه الأساود] . قال وإنما حوله جفنة أو مطهرة أو إجانة. قال فقال له سعد: يا أبا عبد الله اعهد إلينا بعهد نأخذه بعدك. فقال: يا سعد اذكر الله عند همك إذا هممت وعند حكمك إذا حكمت وعند يدك إذا قسمت.
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: أخبرنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب أن سعد بن مسعود وسعد بن مالك دخلا على سلمان يعودانه فبكى فقالا له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: عهد عهده إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
لم يحفظه منا أحد. قال: [ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب] .
قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا جبلة بن عطية عن رجاء بن حيوة قال: قال أصحاب سلمان لسلمان: أوصنا. فقال: من استطاع منكم أن يموت حاجا أو معتمرا أو غازيا أو في نقل القراءة فليمت. ولا يموتن أحدكم فاجرا ولا خائنا.
قال: أخبرنا حفص بن عمر الحوضي قال: حدثنا يزيد بن إبراهيم قال: حدثنا الحسن قال: وأخبرنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا أبو الأشهب قال: حدثنا الحسن قال: لما حضر سلمان الفارسي ونزل به الموت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أما
والله ما أبكي جزعا من الموت ولا حرصا على الرجعة ولكن إنما أبكي لأمر عهده إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخشى أن لا نكون حفظنا وصية نبينا - صلى الله عليه وسلم - إنه قال [لنا: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب] .
قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا أبو الأشهب قال: حدثنا الحسن قال: عاد الأمير سلمان في مرضه فقال له سلمان: أما أنت أيها الأمير فاذكر الله عند همك إذا هممت وعند لسانك إذا حكمت وعند يدك إذا قسمت. قم عني. والأمير يومئذ سعد بن مالك.
قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: حدثنا محمد بن سوقة عن الشعبي قال:
لما حضرت سلمان الوفاة قال لصاحبة منزله: هلمي خبيك الذي استخبأتك. قالت:
فجئته بصرة مسك. قال فقال: ائتيني بقدح فيه ماء. فنثر المسك فيه ثم ماثه بيده ثم قال: انضحيه حولي فإنه يحضرني خلق من خلق الله يجدون الريح ولا يأكلون الطعام ثم اجفئي علي الباب وانزلي. قالت ففعلت وجلست هنيهة فسمعت هسهسة. قالت ثم صعدت فإذا هو قد مات.
قال: أخبرنا عبد الله بن نمير عن الأجلح عن عامر الشعبي قال: أصاب سلمان صرة مسك يوم فتحت جلولاء فاستودعها امرأته. فلما حضرته الوفاة قال: هاتي هذه المسكة. فمرسها في ماء ثم قال: انضحيها حولي فإنه يأتيني زوار الآن. قال ففعلت فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلا حتى قبض.
قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا شيبان عن فراس عن الشعبي قال:
حدثني الجزل عن امرأة سلمان بقيرة أنه لما حضرته الوفاة. يعني سلمان. دعاني وهو في علية له لها أربعة أبواب فقال: افتحي هذه الأبواب يا بقيرة فإن لي اليوم زوارا لا أدري من أي هذه الأبواب يدخلون علي. ثم دعا بمسك له فقال: أديفيه في تنور.
ففعلت ثم قال: انضحيه حول فراشي ثم انزلي فامكثي فسوف تطلعين فتري على فراشي. فاطلعت فإذا هو قد أخذ روحه فكأنما هو نائم على فراشه ونحوا من هذا.
قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد قال: وأخبرنا المعلى بن أسد قال: حدثنا وهيب بن خالد قالا: حدثنا عطاء بن السائب أن سلمان حين حضرته الوفاة دعا بصرة من مسك كان أصابها من بلنجر فأمر بها أن تداف وتجعل حول
فراشه. وقال: فإنه يحضرني الليلة ملائكة يجدون الريح ولا يأكلون الطعام.
قال: أخبرنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن سلام أن سلمان قال له: أي أخي. أينا مات قبل صاحبه فليتراء له. قال عبد الله بن سلام: أويكون ذلك؟ قال: نعم إن نسمة المؤمن مخلاة تذهب في الأرض حيث شاءت ونسمة الكافر في سجن. فمات سلمان. فقال عبد الله: فبينما أنا ذات يوم قائل بنصف النهار على سرير لي فأغفيت إغفاءة إذ جاء سلمان فقال: السلام عليك ورحمة الله. فقلت: السلام عليك ورحمة الله أبا عبد الله.
كيف وجدت منزلك؟ قال: خيرا وعليك بالتوكل فنعم الشيء التوكل. وعليك بالتوكل فنعم الشيء التوكل. وعليك بالتوكل فنعم الشيء التوكل.
قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال:
حدثني المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن سلمان مات قبل عبد الله بن سلام فرآه عبد الله بن سلام في المنام فقال له: كيف أنت أبا عبد الله؟ قال: بخير.
قال: أي الأعمال وجدتها أفضل؟ قال: وجدت التوكل شيئا عجيبا.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: توفي سلمان الفارسي في خلافة عثمان بن عفان بالمدائن.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق محمد عبد القادر عطا) لكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.