الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
19

ومن سائر العرب

الجزء الرابع 14 عنصر صفحة 161
431- عمرو بن عبسة ص 161

بن خالد بن حذيفة بن عمرو بن خلف بن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهثة بن سليم بن منظور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. ويكنى أبا نجيح.

قال: أخبرنا يزيد بن مروان قال: أخبرنا جرير بن عثمان قال: حدثنا سليم بن عامر عن عمرو بن عبسة

قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بعكاظ فقلت: من تبعك في هذا الأمر؟ قال: حر وعبد. وليس معه إلا أبو بكر وبلال. فقال: انطلق حتى يمكن الله لرسوله.

قال: أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا معاوية بن صالح عن أبي يحيى سليم بن عامر وضمرة وأبي طلحة أنهم سمعوا أبا أمامة الباهلي يحدث عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بعكاظ. قال قلت: [يا رسول الله من معك في هذا الأمر؟ قال: معي رجلان أبو بكر وبلال. قال فأسلمت عند ذلك. قال فلقد رأيتني ربع الإسلام. قال فقلت: يا رسول الله أمكث معك أم ألحق بقومي؟

قال: الحق بقومك. قال فيوشك الله تعالى أن يفي بمن ترى ويحيي الإسلام] .

قال ثم أتيته قبل فتح مكة فسلمت عليه. قال وقلت: يا رسول الله أنا عمرو بن عبسة السلمي أحب أن أسألك عما تعلم وأجهل وينفعني ولا يضرك.

قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن يزيد بن طلق عن عبد الرحمن بن البيلماني عن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله من أسلم؟ قال: [حر وعبد. أو قال: عبد وحر] .

يعني أبا بكر وبلالا. قال: فأنا رابع الإسلام.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن عثمان الأشجعي عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن عمرو بن عبسة أنه كان ثالثا أو رابعا في الإسلام.

قال: أخبرنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا عكرمة بن عمار قال: حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار. وكان قد أدرك نفرا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة. لصاحب العقل رجل من بني سليم. بأي شيء تدعي أنك ربع الإسلام؟ قال: إني كنت في الجاهلية أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشيء. ثم سمعت عن رجل يخبر أخبارا بمكة ويحدث بأحاديث. فركبت راحلتي حتى قدمت مكة فإذا أنا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفيا. وإذا قومه عليه جزءان. فتلطفت حتى دخلت عليه فقلت: [ما أنت؟ قال: أنا نبي.

فقلت: وما نبي؟ قال: رسول الله. قلت: الله أرسلك؟ قال: نعم. قلت: فبأي شيء؟ قال: بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء وكسر الأوثان وصلة الأرحام. فقلت له: من معك على هذا؟ قال: حر وعبد. وإذا معه أبو بكر وبلال. فقلت له: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت لي قد ظهرت فالحق بي] . قال فرجعت إلى أهلي وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا إلى المدينة وقد أسلمت. قال فجعلت أتخبر الأخبار حتى جاء ركبه من يثرب فقلت: ما فعل هذا الرجل المكي الذي أتاكم؟ فقالوا: أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذاك وحيل بينهم وبينه. وتركت الناس إليه سراعا فركبت راحلتي حتى قدمت عليه المدينة فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله تعرفني؟ قال: نعم. ألست الذي أتيتني بمكة؟ فقلت: بلى.

فقلت يا رسول الله علمني مما علمك الله وأجهل. فقال: إذا صليت الصبح فأقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس فإذا طلعت فلا تصل حتى ترتفع فإنها تطلع بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار. فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقبل الرمح بالظل. ثم أقصر عن الصلاة فإنها حينئذ تسجد جهنم. فإذا فاء الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر. ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفار. قال قلت: يا رسول الله أخبرني عن الوضوء. [فقال: ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويمج ثم يستنشق وينثر إلا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع

الماء. ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء.

ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء. ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمره الله إلا جرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء. ثم يقوم ويحمد الله ويثني عليه الذي هو له أهل. ثم يركع ركعتين إلا انصرف من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه] . فقال أبو أمامة: يا عمرو بن عبسة انظر ماذا تقول.

أأنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويعطى الرجل هذا كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة لقد كبرت سني ورق عظمي واقترب أجلي وما بي من حاجة أكذب على الله وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - لو لم أسمعه من رسول الله إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا. لقد سمعته سبعا أو ثمانيا أو أكثر من ذلك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني الحجاج بن صفوان عن ابن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة السلمي قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية وذلك أنها باطل. فلقيت رجلا من الكتاب من أهل تيماء فقلت: إني امرؤ ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم إله فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار فينصب ثلاثة لقدره ويجعل أحسنها إلها يعبده. ثم لعله يجد ما هو أحسن منه قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره إذا نزل منزلا سواه. فرأيت أنه إله باطل لا ينفع ولا يضر فدلني على خير من هذا. فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها. فإذا رأيت ذلك فاتبعه فإنه يأتي بأفضل الدين. فلم تكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة فآتي فأسأل: هل حدث فيها حدث؟ فيقال: لا. ثم قدمت مرة فسألت فقالوا حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها. فرجعت إلى أهلي فشددت راحلتي برحلها ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزل بمكة. فسألت عنه فوجدته مستخفيا ووجدت قريشا عليه أشداء. فتلطفت حتى دخلت عليه فسألته [فقلت: أي شيء أنت؟ قال: نبي. قلت: ومن أرسلك؟ قال: الله. قلت: وبم أرسلك؟ قال: بعبادة الله وحده لا شريك له وبحقن الدماء وبكسر الأوثان. وصلة الرحم. وأمان السبيل. فقلت: نعم ما أرسلت به قد آمنت بك وصدقتك. أتأمرني أمكث معك أو أنصرف؟ فقال: ألا ترى كراهة الناس ما جئت به؟ فلا تستطيع أن تمكث. كن في أهلك فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني. فمكثت في أهلي حتى إذا خرج إلى المدينة سرت إليه فقدمت المدينة فقلت: يا نبي الله أتعرفني؟

قال: نعم. أنت السلمي الذي أتيتني بمكة فسألتني عن كذا وكذا. فقلت لك كذا وكذا فاغتنمت ذلك المجلس وعلمت أن لا يكون الدهر أفرغ قلبا لي منه في ذلك المجلس. فقلت: يا نبي الله أي الساعات أسمع؟ قال: الثلث الآخر فإن الصلاة مشهود مقبولة حتى تطلع الشمس. فإذا رأيتها طلعت حمراء كأنها الحجفة فأقصر عنها فإنها تطلع بين قرني شيطان فيصلي لها الكفار. فإذا ارتفعت قيد رمح أو رمحين فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى يساوي الرجل ظله. فأقصر عنها فإنها حينئذ تسجد جهنم.

فإذا فاء الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة مقبولة حتى تغرب الشمس. فإذا رأيتها غربت حمراء كأنها الحجفة فأقصر ثم ذكر الوضوء فقال: إذا توضأت فغسلت يديك ووجهك ورجليك فإن جلست كان ذلك لك طهورا وإن قمت فصليت وذكرت ربك بما هو أهله انصرفت من صلاتك كهيئتك يوم ولدتك أمك من الخطايا] . قال محمد بن عمر: لما أسلم عمرو بن عبسة بمكة رجع إلى بلاد قومه بني سليم. وكان ينزل بصفة وحاذة وهي من أرض بني سليم. فلم يزل مقيما هناك حتى مضت بدر وأحد والخندق والحديبية وخيبر. ثم قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك المدينة.

432- أبو ذر ص 164

واسمه جندب بن جنادة بن كعيب بن صعير بن الوقعة بن حرام بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: سمعت موسى بن عبيدة يخبر عن نعيم بن عبد الله المجمر عن أبيه قال: اسم أبي ذر جندب بن جنادة. وكذلك قال محمد بن عمر وهشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيرهما من أهل العلم.

قال محمد بن عمر: وسمعت أبا معشر نجيحا يقول: واسم أبي ذر برير بن جنادة.

قال: أخبرنا هاشم بن القاسم الكناني أبو النضر قال: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن عبد الله بن الصامت الغفاري عن أبي ذر قال: خرجنا من قومنا غفار وكانوا يحلون الشهر الحرام. فخرجت أنا وأخي أنيس وأمنا فانطلقنا حتى نزلنا على خال لنا فأكرمنا خالنا وأحسن إلينا. قال فحسدنا قومه فقالوا له: إنك إذا خرجت عن أهلك خالف إليهم أنيس. قال فجاء خالنا فنثا علينا ما قيل له فقلت: أما ما مضى من معروف فقد كدرت ولا جماع لك فيما بعد. قال فقربنا صرمتنا فاحتملنا عليها وتغطى خالنا بثوبه وجعل يبكي. فانطلقنا حتى نزلنا بحضرة مكة. فنافر أنيس عن صرمتنا وعن مثلها فأتيا الكاهن فخبر أنيسا بما هو عليه. قال فأتانا بصرمتنا ومثلها معها وقد صليت بابن أخي قبل أن ألقى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث سنين. فقلت: لمن؟ قال: لله. فقلت: أين توجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني الله. أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر السحر ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس. فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني حتى آتيك.

فانطلق أنيس فراث علي. يعني أبطأ. ثم جاء فقلت: ما حبسك؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قال: فما يقول الناس له؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء. فقال أنيس: والله لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم. ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلا يلتئم على لسان أحد بعيد أنه شعر. والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون! فقلت: اكفني حتى أذهب فأنظر. قال: نعم.

وكن من أهل مكة على حذر فإنهم قد شنعوا له وتجهموا له. فانطلقت فقدمت مكة فاستضعفت رجلا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعون الصابئ؟ قال فأشار إلي فقال:

هذا الصابئ. فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم فخررت مغشيا علي فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر. فأتيت زمزم فشربت من مائها وغسلت عني الدماء فلبثت بها يا ابن أخي ثلاثين من بين ليلة ويوم ما لي طعام إلا ماء زمزم. فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع. قال فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب الله على أصمختهم فما يطوف بالبيت أحد منهم غير امرأتين. فأتتا علي وهما تدعوان إسافا ونائلة. قال فقلت أنكحا أحدهما الآخر. فما ثناهما ذلك عن قولهما. قال فأتتا علي فقلت: هنا مثل الخشبة غير أني لم أكن.

فانطلقتا تولولان وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا. قال فاستقبلهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وهما هابطان من الجبل فقال: ما لكما؟ قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها. قال: فما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمة تملأ الفم. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه فاستلما الحجر وطافا بالبيت ثم صلى فأتيته حين قضى صلاته فكنت أول من حياه بتحية الإسلام. فقال: وعليك رحمة الله. ممن أنت؟ قال قلت: من غفار. فأهوى بيده إلى جبهته هكذا. قال قلت في نفسي: كره أني انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده فقد عني صاحبه وكان أعلم به مني فقال: متى كنت هاهنا؟ قلت: كنت هاهنا منذ ثلاثين من بين ليلة ويوم. قال: فمن كان يطعمك؟ قال قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني فما وجدت على كبدي سخفة جوع. [فقال رسول الله. ص: إنها مباركة. إنها طعام طعم] . قال أبو بكر: يا رسول الله ائذن لي في طعامه الليلة. قال ففعل فانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وانطلقت معهما. ففتح أبو بكر بابا فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف. فقال أبو ذر: فذاك أول طعام أكلته بها. قال فغبرت ما غبرت فلقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[فقال: إنه قد وجهت إلى أرض ذات نخل ولا أحسبها إلا يثرب فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم؟] فانطلقت حتى لقيت أخي أنيسا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال أنيس: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت. قال فأتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت. قال فاحتملنا فأتينا قومنا فأسلم نصفهم قبل أن يقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة. وكان يؤمهم إيماء بن رحضة.

وكان سيدهم. وقال بقيتهم: إذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة أسلمنا. فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم بقيتهم وجاءت أسلم فقالوا: يا رسول الله نسلم على الذي أسلم إخوتنا. فأسلموا [فقال رسول الله. ص: غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله] .

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن يحيى بن شبل عن خفاف بن إيماء بن رحضة قال: كان أبو ذر رجلا يصيب الطريق وكان شجاعا يتفرد وحده يقطع الطريق ويغير على الصرم في عماية الصبح على ظهر فرسه أو على قدميه كأنه السبع. فيطرق الحي ويأخذ ما أخذ. ثم إن الله قذف في قلبه الإسلام وسمع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يومئذ بمكة يدعو مختفيا. فأقبل يسأل عنه حتى أتاه

في منزله. وقبل ذلك قد طلب من يوصله إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجد أحدا فانتهى إلى الباب فاستأذن فدخل. وعنده أبو بكر وقد أسلم قبل ذلك بيوم أو يومين. وهو يقول: يا رسول الله والله لا نستسر بالإسلام ولنظهرنه. فلا يرد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

شيئا. فقلت: [يا محمد إلى م تدعو؟ قال: إلى الله وحده لا شريك له وخلع الأوثان وتشهد أني رسول الله. فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. ثم قال أبو ذر: يا رسول الله إني منصرف إلى أهلي وناظر متى يؤمر بالقتال فألحق بك فإني أرى قومك عليك جميعا. فقال رسول الله. ص: أصبت فانصرف] . فكان يكون بأسفل ثنية غزال. فكان يعترض لعيرات قريش فيقتطعها فيقول: لا أرد إليكم منها شيئا حتى تشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فإن فعلوا رد عليهم ما أخذ منهم وإن أبوا لم يرد عليهم شيئا. فكان على ذلك حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومضى بدر وأحد. ثم قدم فأقام بالمدينة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني نجيح أبو معشر قال: كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله. ولا يعبد الأصنام. فمر عليه رجل من أهل مكة بعد ما أوحي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا أبا ذر إن رجلا بمكة يقول مثل ما تقول لا إله إلا الله. ويزعم أنه نبي. قال: ممن هو؟ قال: من قريش. قال فأخذ شيئا من بهش وهو المقل فتزوده حتى قدم مكة فرأى أبا بكر يضيف الناس ويطعمهم الزبيب. فجلس معهم فأكل ثم سأل من الغد: هل أنكرتم على أحد من أهل مكة شيئا؟ فقال رجل من بني هاشم: نعم. ابن عم لي يقول لا إله إلا الله ويزعم أنه نبي. قال: فدلني عليه.

قال فدله. والنبي - صلى الله عليه وسلم - راقد على دكان قد سدل ثوبه على وجهه. فنبهه أبو ذر فانتبه فقال: أنعم صباحا. فقال له النبي: عليك السلام. قال له أبو ذر: أنشدني ما تقول.

[فقال: ما أقول الشعر ولكنه القرآن. وما أنا قلته ولكن الله قاله. قال: اقرأ علي. فقرأ عليه سورة من القرآن فقال أبو ذر: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسوله.

فسأله النبي. ص: ممن أنت؟ فقال: من بني غفار. قال فعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يقطعون الطريق. فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع بصره فيه ويصوبه تعجبا من ذلك لما كان يعلم منهم ثم قال: إن الله يهدي من يشاء. *

] فجاء أبو بكر وهو عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بإسلامه فقال له أبو بكر: أليس ضيفي أمس؟ فقال: بلى. قال: فانطلق معي. فذهب مع أبي بكر إلى بيته فكساه ثوبين ممشقين فأقام أياما ثم رأى امرأة تطوف بالبيت وتدعو بأحسن

دعاء في الأرض تقول: أعطني كذا وكذا وافعل بي كذا وكذا. ثم قالت في آخر ذلك:

يا إساف ويا نائلة. قال أبو ذر: أنكحي أحدهما صاحبه. فتعلقت به وقالت: أنت صابئ. فجاء فتية من قريش فضربوه. وجاء ناس من بني بكر فنصروه وقالوا: ما لصاحبنا يضرب وتتركون صباتكم؟ فتحاجزوا فيما بينهم فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:

يا رسول الله أما قريش فلا أدعهم حتى أثأر منهم. ضربوني. فخرج حتى أقام بعسفان وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام ينفر بهم على ثنية غزال فتلقى أحمالها فجمعوا الحنط. قال يقول أبو ذر لقومه: لا يمس أحد حبة حتى تقولوا لا إله إلا الله.

فيقولون لا إله إلا الله ويأخذون الغرائر.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن موسى بن عقبة عن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت في الإسلام خامسا.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني نجيح أبو معشر عن محمد بن قيس عن حكام بن أبي الوضاح البصري قال: كان إسلام أبي ذر رابعا أو خامسا.

قال: أخبرنا عمرو بن حكام البصري قال: حدثنا المثنى بن سعيد القسام القصير قال: أخبرنا أبو جمرة الضبعي أن ابن عباس أخبرهم ببدء إسلام أبي ذر قال:

لما بلغه أن رجلا خرج بمكة يزعم أنه نبي. أرسل أخاه فقال: اذهب فأتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه. فانطلق الرجل حتى أتى مكة فسمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

فرجع إلى أبي ذر فأخبره أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بمكارم الأخلاق.

فقال أبو ذر: ما شفيتني. فخرج أبو ذر ومعه شنة فيها ماؤه وزاده حتى أتى مكة ففرق أن يسأل أحدا عن شيء ولما يلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأدركه الليل فبات في ناحية المسجد. [فلما أعتم مر به علي فقال: ممن الرجل؟ قال: رجل من بني غفار.

قال: قم إلى منزلك.] قال فانطلق به إلى منزله ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء.

وغدا أبو ذر يطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يلقه. وكره أن يسأل أحدا عنه. فعاد فنام حتى أمسى فمر به علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. فأصبح اليوم الثالث فأخذ على علي لئن أفشى إليه الذي يريد ليكتمن عليه وليسترنه. ففعل فأخبره أنه بلغه خروج هذا الرجل يزعم أنه نبي. فأرسلت أخي ليأتيني بخبره وبما سمع منه فلم يأتني بما يشفيني من حديثه.

فجئت بنفسي لألقاه. فقال له علي: إني غاد فاتبع أثري فإني إن رأيت ما أخاف عليك اعتللت بالقيام كأني أهريق الماء فآتيك. وإن لم أر أحدا فاتبع أثري حتى تدخل حيث أدخل. ففعل حتى دخل على أثر علي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره الخبر.

وسمع قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم من ساعته. ثم قال: يا نبي الله ما تأمرني؟ قال:

ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري. قال فقال له: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد. قال فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - قال فقال المشركون: صبأ الرجل صبأ الرجل. فضربوه حتى صرع. فأتاه العباس فأكب عليه وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش. أنتم تجار وطريقكم على غفار. فتريدون أن يقطع الطريق؟ فأمسكوا عنه. ثم عاد اليوم الثاني فصنع مثل ذلك ثم ضربوه حتى صرع. فأكب عليه العباس وقال لهم مثل ما قال في أول مرة. فأمسكوا عنه وكان ذلك بدء إسلام أبي ذر.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: أخبرنا من سمع إسماعيل بن أبي حكيم يخبر عن سليمان بن يسار قال: قال أبو ذر حدثان إسلامه لابن عمه: يا ابن الأمة. [فقال النبي. ص: ما ذهبت عنك أعرابيتك بعد] .

قال محمد بن إسحاق: آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أبي ذر الغفاري والمنذر بن عمرو أحد بني ساعدة وهو المعنق ليموت. وأنكر محمد بن عمر هذه المؤاخاة بين أبي ذر والمنذر بن عمرو وقال: لم تكن المؤاخاة إلا قبل بدر فلما نزلت أية المواريث انقطعت المؤاخاة. وأبو ذر حين أسلم رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق ثم قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة بعد ذلك.

قال: أخبرنا محمد بن الفضيل عن مطرف عن أبي الجهم عن خالد بن وهبان وكان ابن خالة أبي ذر. عن أبي ذر قال: [قال النبي. ص: يا أبا ذر كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يستأثرون بالفيء؟ قال قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضرب بسيفي حتى ألحق به. فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ اصبر حتى تلقاني] .

قال: أخبرنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أنا بأبي ذر. قال فقلت ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله» التوبة: 34. وقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب. قال فقلت: نزلت فينا وفيهم.

قال فكان بيني وبينه في ذلك كلام فكتب يشكوني إلى عثمان. قال فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة. فقدمت المدينة وكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك. قال فذكر ذلك لعثمان فقال لي: إن شئت تنحيت فكنت قريبا. فذاك أنزلني هذا المنزل ولو أمر علي حبشي لسمعت ولأطعت.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين [أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي ذر: إذا بلغ النبأ سلعا فاخرج منها. ونحا بيده نحو الشام. ولا أرى أمراءك يدعونك. قال: يا رسول الله أفلا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: لا. قال: فما تأمرني؟ قال: اسمع وأطع ولو لعبد حبشي.] قال: فلما كان ذلك خرج إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر قد أفسد الناس بالشام. فبعث إليه عثمان فقدم عليه. ثم بعثوا أهله من بعده فوجدوا عنده كيسا أو شيئا فظنوا أنها دراهم. فقالوا: ما شاء الله! فإذا هي فلوس. فلما قدم المدينة قال له عثمان: كن عندي تغدو عليك وتروح اللقاح. قال: لا حاجة لي في دنياكم.

ثم قال: ائذن لي حتى أخرج إلى الربذة. فأذن له فخرج إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة وعليها عبد لعثمان حبشي فتأخر. فقال أبو ذر: تقدم فصل فقد أمرت أن أسمع وأطيع ولو لعبد حبشي فأنت عبد حبشي.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا العوام بن حوشب قال: حدثني رجل من أصحاب الأجر عن شيخين من بني ثعلبة رجل وامرأته قالا: نزلنا الربذة فمر بنا شيخ أشعث أبيض الرأس واللحية فقالوا: هذا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

فاستأذناه أن نغسل رأسه فأذن لنا واستأنس بنا. فبينا نحن كذلك إذ أتاه نفر من أهل العراق. حسبته قال من أهل الكوفة. فقالوا: يا أبا ذر فعل بك هذا الرجل وفعل فهل أنت ناصب لنا راية؟ فلنكمل برجال ما شئت. فقال: يا أهل الإسلام لا تعرضوا علي ذاكم ولا تذلوا السلطان فإنه من أذل السلطان فلا توبة له. والله لو أن عثمان صلبني على أطول خشبة أو أطول جبل لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورئيت أن ذاك خير لي. ولو سيرني ما بين الأفق إلى الأفق. أو قال ما بين المشرق والمغرب.

لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورئيت أن ذاك خير لي. ولو ردني إلى منزلي لسمعت وأطعت وصبرت واحتسبت ورئيت أن ذاك خير لي.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج

عن عبد الله بن سيدان السلمي قال: تناجى أبو ذر وعثمان حتى ارتفعت أصواتهما.

ثم انصرف أبو ذر متبسما فقال له الناس: ما لك ولأمير المؤمنين؟ قال: سامع مطيع ولو أمرني أن آتي صنعاء أو عدن ثم استطعت أن أفعل لفعلت. وأمره عثمان أن يخرج إلى الربذة.

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن الحكم بن عيينة عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت ردف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على حمار وعليه بردعة أو قطيفة.

قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا الأعمش عن عثمان بن عمير عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي عن عبد الله بن عمرو قال: [سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يقول ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق من أبي ذر] .

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا أبو أمية بن يعلى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: [قال رسول الله. ص: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر] .

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سلام بن مسكين قال: حدثنا مالك بن دينار أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[قال: أيكم يلقاني على الحال التي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذر: أنا. فقال له النبي. ص: صدقت. ثم قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. من سره أن ينظر إلى زهد عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر] .

قال: أخبرنا سليمان بن حرب والحسن بن موسى قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي الدرداء قال: [قال رسول الله ص:

ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر] .

قال: أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: حدثنا أبو حرة عن محمد بن سيرين قال: [قال رسول الله ص: ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر] .

قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا محمد بن عمرو قال: سمعت عراك بن

مالك يقول: قال أبو ذر: إني لأقربكم مجلسا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة وذلك إني سمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها. وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث منها بشيء غيري.

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبو كعب صاحب الحرير قال: حدثنا أبو الأصفر عن الأحنف بن قيس قال: أتيت المدينة ثم أتيت الشام فجمعت فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا خر أهلها. يصلي ويخف صلاته. قال فجلست إليه فقلت له: يا عبد الله من أنت؟ قال: أنا أبو ذر. فقال لي: فأنت من أنت؟ قال قلت:

أنا الأحنف بن قيس. قال: قم عني لا أعدك بشر. فقلت له: كيف تعدني بشر؟ قال:

إن هذا. يعني معاوية. نادى مناديه ألا يجالسني أحد.

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا سلام أبو المنذر عن محمد بن واسع عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم. وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي.

وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا. وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت. وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا. وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم. وأمرني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش.

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا همام قال: أخبرنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن عبد الله بن الصامت أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له.

قال فجعلت تقضي حوائجه. قال ففضل معها سلع. قال فأمرها أن تشتري به فلوسا.

قال قلت: لو أذخرته للحاجة تبوء بك أو للضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إلي أن أي مال ذهب أو فضة أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله.

قال: أخبرنا سليمان بن حرب قال: حدثنا أبو هلال قال: حدثنا قتادة عن سعيد بن أبي الحسن أن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف فكان إذا أخذ عطاءه دعا خادمه فسأله عما يكفيه لسنة فاشتراه له. ثم اشترى فلوسا بما بقي وقال: إنه ليس من وعى ذهبا أو فضة يوكي عليه إلا وهو يتلظى على صاحبه.

قال: أخبرنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي قال: حدثنا حماد بن سلمة عن أبي نعامة السعدي عن الأحنف بن قيس قال: قال لي أبو ذر خذ العطاء ما كان متعة فإذا كان دينا فارفضه.

قال: أخبرنا عبد الله بن عمرو أبو معمر المنقري قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد عن الحسين المعلم عن أبي بريدة قال: لما قدم أبو موسى الأشعري لقي أبا ذر فجعل أبو موسى يلزمه. وكان الأشعري رجلا خفيف اللحم قصيرا. وكان أبو ذر رجلا أسود كث الشعر. فجعل الأشعري يلزمه ويقول أبو ذر: إليك عني. ويقول الأشعري:

مرحبا بأخي. ويدفعه أبو ذر ويقول: لست بأخيك إنما كنت أخاك قبل أن تستعمل.

قال ثم لقي أبا هريرة فالتزمه وقال: مرحبا بأخي. فقال أبو ذر: إليك عني. هل كنت عملت لهؤلاء؟ قال: نعم. قال: هل تطاولت في البناء أو اتخذت زرعا أو ماشية؟

قال: لا. قال: أنت أخي أنت أخي.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا صالح بن رستم أبو عامر عن حميد بن هلال عن الأحنف بن قيس قال: رأيت أبا ذر رجلا طويلا آدم أبيض الرأس واللحية.

قال: أخبرنا الفضل بن دكين قال: حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن كليب بن شهاب الجرمي قال: سمعت أبا ذر يقول: ما يؤسني رقة عظمي ولا بياض شعري أن ألقى عيسى ابن مريم.

قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا موسى بن عبيدة عن عبد الله بن خراش قال: رأيت أبا ذر في مظلة وتحته امرأة سحماء.

قال محمد بن سعد: وقال غير عبيد الله في هذا الحديث مظلة شعر.

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا محمد بن دينار قال: حدثنا يونس عن محمد قال: سألت ابن أخت لأبي ذر: ما ترك أبو ذر؟ فقال: ترك أتانين وعفوا وأعنزا وركائب. قال: العفو الحمار الذكر.

قال: أخبرنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا سعيد بن أبي أيوب عن عبد الله بن أبي جعفر القرشي عن سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه عن أبي ذر أنه قال: قال [لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم] .

قال: أخبرنا خالد بن مخلد البجلي قال: حدثني سليمان بن بلال قال: حدثني يحيى بن سعد قال: أخبرني الحارث بن يزيد الحضرمي أن أبا ذر سأل رسول

الله - صلى الله عليه وسلم - الإمارة فقال: [إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها] .

قال: أخبرنا كثير بن هشام قال: حدثنا جعفر بن برقان قال: حدثنا غالب بن عبد الرحمن قال: لقيت رجلا قال: كنت أصلي مع أبي ذر في بيت المقدس فكان إذا دخل خلع خفيه فإذا بزق أو تنخع تنخع عليهما. قال ولو جمع ما في بيته لكان رداء هذا الرجل أفضل من جميع ما في بيته. قال جعفر: فذكرت هذا الحديث لمهران بن ميمون فقال: ما أراه كان ما في بيته يسوي درهمين.

قال: أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي قال: [حدثنا مسعود بن سعد الجعفي عن الحسن بن عبيد الله عن رياح بن الحارث عن ثعلبة بن الحكم عن علي أنه قال: لم يبق اليوم أحد لا يبالي في الله لومة لائم غير أبي ذر ولا نفسي. ثم ضرب بيده إلى صدره] .

قال: أخبرنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: أخبرني أبو حرب بن أبي الأسود عن أبي الأسود. قال ابن جريج ورجل عن زاذان قالا: سئل علي عن أبي ذر [فقال: وعى علما عجز فيه وكان شحيحا حريصا. شحيحا على دينه حريصا على العلم. وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع. أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ] .

فلم يدروا ما يريد بقوله وعى علما عجز فيه. أعجز عن كشف ما عنده من العلم أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -

قال: أخبرنا عفان بن مسلم وعمرو بن عاصم الكلابي قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: حدثنا عبد الله بن الصامت قال: دخلت مع أبي ذر في رهط من غفار على عثمان بن عفان من الباب الذي لا يدخل عليه منه. قال:

وتخوفنا عثمان عليه. قال: فانتهى إليه فسلم عليه. قال: ثم ما بدأه بشيء إلا أن قال: أحسبتني منهم يا أمير المؤمنين؟ والله ما أنا منهم ولا أدركهم. لو أمرتني أن آخذ بعرقوتي قتب لأخذت بهما حتى أمرت. قال ثم استأذنه إلى الربذة. قال فقال: نعم نأذن لك ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة فتصيب من رسلها. فقال فنادى أبو ذر:

دونكم معاشر قريش دنياكم فاعذموها لا حاجة لنا فيها. قال فما نراه بشيء. قال فانطلق وانطلقت معه حتى قدمنا الربذة. قال: فصادفنا مولى لعثمان غلاما حبشيا

يؤمهم فنودي بالصلاة فتقدم فلما رأى أبا ذر نكص. فأومأ إليه أبو ذر: تقدم فصل.

فصلى خلفه أبو ذر.

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا وهيب بن خالد قال: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم. يعني ابن الأشتر. أن أبا ذر حضره الموت وهو بالربذة فبكت امرأته فقال: وما يبكيك؟ فقالت: أبكي أنه لا يد لي بتغييبك وليس عندي ثوب يسعك كفنا. فقال: لا تبكي فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين قال: فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية فلم يبق منهم غيري وقد أصبحت بالفلاة أموت. فراقبي الطريق فإنك سوف ترين ما أقول لك فإني والله ما كذبت ولا كذبت. قالت: وأنى ذلك وقد انقطع الحاج؟ قال: راقبي الطريق. فبينا هي كذلك إذا هي بالقوم تجد بهم رواحلهم كأنهم الرخم. قال عفان: هكذا قال:

تجد بهم. والصواب تخد بهم رواحلهم. فأقبل القوم حتى وقفوا عليها قالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه. قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا سياطهم في نحورها يبتدرونه فقال: أبشروا أنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال. أبشروا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

يقول: [ما من امرأين من المسلمين هلك بينهما ولدان أو ثلاثة فاحتسباه وصبرا فيريان النار أبدا. ثم قال: قد أصبحت اليوم حيث ترون ولو أن ثوبا من ثيابي يسعني لم أكفن إلا فيه أنشدكم الله إلا يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو بريدا. فكل] القوم كان نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا صاحبك.

ثوبان في عيبتي من غزل أمي وأحد ثوبي هذين اللذين علي. قال: أنت صاحبي فكفني. قال: أخبرنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال: حدثنا يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه أنه لما حضر أبا ذر الموت بكت امرأته فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: أبكي لأنه لا يدان لي بتغييبك وليس لي ثوب يسعك. قال: فلا تبكي [فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لنفر أنا فيهم: ليموتن منكم رجل بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين] . وليس من أولئك النفر رجل إلا قد مات في قرية وجماعة من المسلمين وأنا الذي أموت بفلاة والله ما كذبت

ولا كذبت فأبصري الطريق. فقالت: أنى وقد انقطع الحاج وتقطعت الطرق؟ فكانت تشد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه فتمرضه ثم ترجع إلى الكثيب. فبينا هي كذلك إذا هي بنفر تخد بهم رواحلهم كأنهم الرخم على رحالهم. فألاحت بثوبها فاقبلوا حتى وقفوا عليها فقالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه.

قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إليه حتى جاؤوه فقال: أبشروا. فحدثهم الحديث الذي [قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيحتسبان ويصبران فيريان النار] . أنتم تسمعون. لو كان لي ثوب يسعني كفنا لم أكفن إلا في ثوب هو لي. أو لامرأتي ثوب يسعني لم أكفن إلا في ثوبها. فأنشدكم الله والإسلام ألا يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا أو بريدا. فكل القوم قد كان قارف بعض ذلك إلا فتى من الأنصار قال: أنا أكفنك. فإني لم أصب مما ذكرت شيئا. أكفنك في ردائي هذا الذي علي وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي. قال: أنت فكفني. قال فكفنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه. منهم حجر بن الأدبر ومالك الأشتر في نفر كلهم يمان.

قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره ولم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعينونا على دفنه.

فلما مات فعلا ذلك به. ثم وضعاه على قارعة الطريق. وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمارا فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل أن تطأها. فقام إليه الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعينونا على دفنه. [فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله. تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك] ... ثم نزل هو وأصحابه فواروه. ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسيره إلى تبوك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذر أنه رآه في نمرة مؤتزرا بها قائما يصلي فقلت: يا أبا ذر أما لك ثوب غير

هذه النمرة؟ قال: لو كان لي لرأيته علي. قلت: فإني رأيت عليك منذ أيام ثوبين.

فقال: يا ابن أخي أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني. قلت: والله إنك لمحتاج إليهما. قال: اللهم غفرا. إنك لمعظم للدنيا. أليس ترى علي هذه البردة ولي أخرى للمسجد ولي أعنز نحلبها ولي أحمرة نحتمل عليها ميرتنا وعندنا من يخدمنا ويكفينا مهنة طعامنا فأي نعمة أفضل مما نحن فيه؟

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا سفيان الثوري عن عمار الدهني عن أبي شعبة قال: جاء رجل من قومنا أبا ذر يعرض عليه فأبى أبو ذر أن يأخذ وقال: لنا أحمرة نحتمل عليها وأعنز نحلبها ومحررة تخدمنا وفضل عباءة عن كسوتنا وإني لأخاف أن أحاسب بالفضل.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا يزيد بن علي الأسلمي قال: حدثني عيسى بن عميلة الفزاري قال: أخبرني من رأى أبا ذر يحلب غنيمة له فيبدأ بجيرانه وأضيافه قبل نفسه. ولقد رأيته ليلة حلب حتى ما بقي في ضروع غنمه شيء إلا مصرة. وقرب إليهم تمرا وهو يسير. ثم تعذر إليهم وقال: لو كان عندنا ما هو أفضل من هذا لجئنا به. قال وما رأيته ذاق تلك الليلة شيئا.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا خالد بن حيان قال: كان أبو ذر وأبو الدرداء في مظلتين من شعر بدمشق.

قال: أخبرنا محمد بن عمر عن موسى بن عبيدة قال: حدثني عبد الله بن خراش الكعبي قال: وجدت أبا ذر في مظلة شعر بالربذة تحته امرأة سحماء فقلت: يا أبا ذر تزوج سحماء! قال: أتزوج من تضعني أحب إلي ممن ترفعني. ما زال لي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك لي الحق صديقا.

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا همام بن يحيى قال: حدثنا قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي أنه دخل على أبي ذر وهو بالربذة وعنده امرأة له سوداء مشنفة ليس عليها أثر المجاسد ولا الخلوق. قال فقال: ألا تنظرون ما تأمرني به هذه السويداء؟ تأمرني أن آتي العراق فإذا أتيت العراق مالوا علي بدنياهم. ألا وإن خليلي عهد إلي أن دون جسر جهنم طريقا ذا دحض ومزلة. وإنا أن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار أحرى أن ننجو من أن نأتي عليه ونحن مواقير.

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا عاصم

الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: رأيت أبا ذر يميد على راحلته وهو مستقبل مطلع الشمس فظننته نائما فدنوت منه فقلت: أنائم أنت يا أبا ذر؟ فقال: لا بل كنت أصلي.

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا أبو عقيل قال: حدثنا يزيد بن عبد الله أن أبا ذر تبعته جويرية سوداء فقيل له: يا أبا ذر هذه ابنتك؟ قال: تزعم أمها ذاك.

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرة بن خالد قال: حدثنا عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: كسي أبو ذر بردين فأتزر بأحدهما وارتدى بشملة وكسا أحدهما غلامه. ثم خرج على القوم فقالوا له: لو كنت لبستهما جميعا كان أجمل. قال: أجل ولكني [سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تكسون] .

قال: أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرة بن خالد قال: حدثنا بديل بن ميسرة عن مطرف عن رجل من أهل البادية قال: صحبت أبا ذر فأعجبتني أخلاقه كلها إلا خلق واحد. قلت: وما ذاك الخلق؟ قال: كان رجلا فطنا فكان إذا خرج من الخلاء انتضح.

433- الطفيل بن عمرو ص 178

بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون الدوسي وكان له حلف في قريش قال: كان الطفيل بن عمرو

الدوسي رجلا شريفا شاعرا مليئا كثير الضيافة فقدم مكة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بها فمشى إليه رجال من قريش فقالوا: يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا وفرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه وبين الرجل وبين أخيه وبين الرجل وبين زوجته. إنا نخشى عليك وعلى قومك مثل ما دخل علينا منه فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال الطفيل: فو الله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه. فغدوت إلى المسجد وقد حشوت أذني كرسفا. يعني

قطنا. فرقا من أن يبلغني شيء من قوله حتى كان يقال لي ذو القطنتين. قال فغدوت يوما إلى المسجد فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريبا منه فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي: وا ثكل أمي.

والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح فما يمنعني من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته وإن كان قبيحا تركته.

فمكثت حتى انصرف إلى بيته ثم اتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت معه فقلت: يا محمد إن قومك قالوا لي كذا وكذا للذي قالوا لي. فو الله ما تركوني يخوفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لأن لا أسمع قولك. ثم إن الله أبى إلا أن يسمعنيه فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك. فعرض عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الإسلام وتلا عليه القرآن فقال: لا والله ما سمعت قولا قط أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه. فأسلمت وشهدت شهادة الحق فقلت: يا نبي الله إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام فادع الله أن يكون لي عونا عليهم فيما أدعوهم إليه. [فقال: اللهم اجعل له أية] . قال فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح فقلت: اللهم في غير وجهي فإني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراق دينهم. فتحول النور فوقع في رأس سوطي فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق. فدخل بيته قال: فأتاني أبي فقلت له: إليك عني يا أبتاه فلست مني ولست منك. قال: ولم يا بني؟ قلت: إني أسلمت واتبعت دين محمد. قال: يا بني ديني دينك. قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك. ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني فلست منك ولست مني. قالت: ولم بأبي أنت؟ قلت: فرق بيني وبينك الإسلام. إني أسلمت وتابعت دين محمد. قالت: فديني دينك. قلت: فاذهبي إلى حسي ذي الشرى فتطهري منه. وكان ذو الشرى صنم دوس. والحسي حمى له يحمونه. وبه وشل من ماء يهبط من الجبل. فقالت: بأبي أنت أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئا؟ قلت: لا. أنا ضامن لما أصابك. قال فذهبت فاغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت. ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا علي. ثم جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة فقلت: يا رسول الله قد غلبتني دوس فادع الله عليهم. فقال: [اللهم اهد دوسا] .

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني معمر عن الزهري عن أبي سلمة قال:

قال أبو هريرة قيل يا رسول الله ادع الله على دوس [فقال: اللهم اهد دوسا وأت بها] رجع الحديث إلى حديث الطفيل قال: [فقال لي رسول الله. ص: اخرج إلى قومك فادعهم وارفق بهم] . فخرجت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوها حتى هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة. ومضى بدر وأحد والخندق. ثم قدمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

بمن أسلم من قومي. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس. ثم لحقنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين وقلنا: يا رسول الله اجعلنا ميمنتك واجعل شعارنا مبرورا. ففعل. فشعار الأزد كلها إلى اليوم مبرور. قال الطفيل: ثم لم أزل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى فتح الله عليه مكة فقلت:

يا رسول الله ابعثني إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه. فبعثه إليه فأحرقه. وجعل الطفيل يقول وهو يوقد النار عليه وكان من خشب:

يا ذا الكفين لست من عبادك ... ميلادنا أقدم من ميلادك

أنا حششت النار في فؤادك

قال: أخبرنا عارم بن الفضل قال: حدثنا حماد بن زيد عن محمد بن إسحاق أن الطفيل بن عمرو كان له صنم يقال له ذو الكفين فكسره وحرقه بالنار وقال:

يا ذا الكفين لست من عبادك ... ميلادنا أقدم من ميلادك

أنا حشوت النار في فؤادك

رجع الحديث إلى حديث الطفيل الأول. قال فلما أحرقت ذا الكفين بان لمن بقي ممن تمسك به أنه ليس على شيء فأسلموا جميعا. ورجع الطفيل بن عمرو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان معه بالمدينة حتى قبض. فلما ارتدت العرب خرج مع المسلمين فجاهد حتى فرغوا من طليحة وأرض نجد كلها. ثم سار مع المسلمين إلى اليمامة ومعه ابنه عمرو بن الطفيل. فقتل الطفيل بن عمرو باليمامة شهيدا وجرح ابنه عمرو بن الطفيل وقطعت يده. ثم استبل وصحت يده. فبينا هو عند عمر بن الخطاب إذ أتي بطعام فتنحى عنه فقال عمر: ما لك لعلك تنحيت لمكان يدك؟ قال: أجل.

قال: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك. فو الله ما في القوم أحد بعضه في الجنة غيرك.

ثم خرج عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب فقتل شهيدا.

434- ضماد الأزدي ص 181

من أزد شنوءة.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني خارجة بن عبد الله وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: قدم رجل من أزد شنوءة يقال له ضماد مكة معتمرا. فسمع كفار قريش يقولون: محمد مجنون. فقال: لو أتيت هذا الرجل فداويته. فجاءه فقال له: يا محمد إني أداوي من الريح فإن شئت داويتك لعل الله ينفعك. فتشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحمد الله وتكلم بكلمات فأعجب ذلك ضمادا فقال: أعدها علي. فأعادها عليه فقال: لم أسمع مثل هذا الكلام قط. لقد سمعت كلام الكهنة والسحرة والشعراء فما سمعت مثل هذا قط. لقد بلغ قاموس البحر. يعني قعره. فأسلم وشهد شهادة الحق وبايعه على نفسه وعلى قومه. فخرج علي بن أبي طالب بعد ذلك في سرية إلى اليمن فأصابوا إداوة فقال: ردوها فإنها إداوة قوم ضماد. ويقال بل أصابوا عشرين بعيرا بموضع فاستوفوها فبلغ عليا أنها لقوم ضماد فقال: ردوها إليهم. فردت إليهم.

435- بريدة بن الحصيب ص 181

بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى. وأسلم فيمن انخزع من بطون خزاعة هو وأخواه مالك

وملكان ابنا أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو ماء السماء. وكان بريدة يكنى أبا عبد الله. وأسلم حين مر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للهجرة.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني هاشم بن عاصم الأسلمي عن أبيه قال: لما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة فانتهى إلى الغيم أتاه بريدة بن الحصيب

فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإسلام فأسلم هو ومن معه. وكانوا زهاء ثمانين بيتا. فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء فصلوا خلفه.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني هاشم بن عاصم الأسلمي قال: حدثني المنذر بن جهم قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد علم بريدة بن الحصيب ليلتئذ صدرا من سورة مريم. وقدم بريدة بن الحصيب بعد أن مضت بدر وأحد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فتعلم بقيتها. وأقام مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان من ساكني المدينة وغزا معه مغازيه بعد ذلك.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي جهم قال: أمر رسول الله بأسارى المريسيع فكتفوا وجعلوا ناحية. واستعمل بريدة بن الحصيب عليهم.

قال محمد بن عمر: وعقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة فتح مكة لواءين فحمل أحدهما بريدة بن الحصيب وحمل الآخر ناجية بن الأعجم.

وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بريدة بن الحصيب على أسلم وغفار يصدقهم. وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أراد غزوة تبوك إلى أسلم يستفزهم إلى عدوهم. ولم يزل بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقيما بالمدينة حتى فتحت البصرة ومصرت فتحول إليها واختط بها ثم خرج منها غازيا إلى خراسان فمات بمرو في خلافة يزيد بن معاوية. وبقي ولده بها. وقدم منهم قوم فنزلوا بغداد فماتوا بها.

قال: أخبرنا هاشم بن القاسم أبو النضر الكناني قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا محمد بن أبي يعقوب الضبي قال: حدثني من سمع بريدة الأسلمي من وراء نهر بلخ وهو يقول: لا عيش إلا طراد الخيل الخيل.

قال: أخبرنا فهد بن حيان أبو بكر القيسي قال: حدثنا قرة بن خالد السدوسي عن أبي العلاء بن الشخير عن رجل من بكر بن وائل لم يسمه لنا قال: كنت مع بريدة الأسلمي بسجستان. قال فجعلت أعرض بعلي وعثمان وطلحة والزبير لأستخرج رأيه. قال فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال: اللهم اغفر لعثمان واغفر لعلي بن أبي طالب واغفر لطلحة بن عبيد الله واغفر للزبير بن العوام. قال ثم أقبل علي فقال لي: لا أبا لك أتراك قاتلي؟ قال فقلت: والله ما أردت قتلك ولكن هذا أردت منك. قال: قوم سبقت لهم من الله سوابق فإن يشأ يغفر لهم بما سبق لهم فعل وإن يشأ يعذبهم بما أحدثوا فعل. حسابهم على الله.

436- مالك. ص 183

و

437- نعمان ابنا خلف ص 183

بن عوف بن دارم بن عنز بن وائلة بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة.

قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي بأسمائهما ونسبهما هكذا.

وقال: كانا طليعتين للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد فقتلا يومئذ فدفنا في قبر واحد.

438- أبو رهم الغفاري. ص 183

واسمه كلثوم بن الحصين بن خلف بن عبيد بن معشر بن زيد بن أحيمس بن غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. أسلم بعد قدوم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وشهد معه أحدا ورمي يومئذ بسهم فوقع في نحره فجاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبسق عليه فبرأ. فكان أبو رهم يسمى المنحور.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحارث عن عبيد بن أبي عبيد عن أبي رهم الغفاري قال: كنت ممن أسوق الهدي وأركب على البدن في عمرة القضية.

قال محمد بن عمر: وبينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسير من الطائف إلى الجعرانة وأبو رهم الغفاري إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ناقة له وفي رجليه نعلان له غليظتان. إذ زحمت ناقته ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو رهم. فوقع حرف نعلي على [ساقه فأوجعه فقال رسول الله. ص: أوجعتني أخر رجلك. وقرع رجلي بالسوط] .

قال فأخذني ما تقدم من أمري وما تأخر وخشيت أن ينزل في قرآن لعظيم ما صنعت.

فلما أصبحنا بالجعرانة خرجت أرعى الظهر وما هو يومي فرقا أن يأتي للنبي.

ع. رسول يطلبني. فلما روحت الركاب سألت فقالوا: طلبك النبي - صلى الله عليه وسلم -

فقلت: إحداهن والله. فجئته وأنا أترقب فقال: [إنك أوجعتني برجلك فقرعتك بالسوط وأوجعتك فخذ هذه الغنم عوضا من ضربتي] . قال أبو رهم: فرضاه عني كان أحب إلي من الدنيا وما فيها. قال وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا رهم حين أراد الخروج إلى تبوك إلى قومه يستنفرهم إلى عدوهم وأمره أن يطلبهم ببلادهم. فأتاهم إلى مجالهم فشهد تبوك منهم جماعة كثيرة. ولم يزل أبو رهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة

يغزو معه إذا غزا. وكان له منزل ببني غفار. وكان أكثر ذلك ينزل الصفراء وغيقة وما والاها. وهي أرض كنانة.

439- عبد الله. ص 184

و

440- عبد الرحمن ابنا الهبيب ص 184

من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وأمهما أم نوفل بنت نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي. أسلما قديما وشهدا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا. وقتلا يومئذ شهيدين في شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة.

441- جعال بن سراقة الضمري. ص 184

ويقال ثعلبي. ويقال إنه عديد لبني سواد من بني سلمة من الأنصار. وكان من فقراء المهاجرين. وكان رجلا صالحا دميما قبيحا وأسلم قديما وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال جعال بن سراقة وهو يتوجه إلى أحد: يا رسول الله إنه قيل لي إنك تقتل غدا. وهو يتنفس مكروبا. [فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده في صدره وقال: أليس الدهر كله غدا؟] .

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يحيى بن عبد العزيز عن عاصم ابن عمر بن قتادة قال: كان جعيل بن سراقة رجلا صالحا. وكان دميما قبيحا. وكان يعمل مع المسلمين في الخندق فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد غير اسمه يومئذ فسماه عمرا. فجعل المسلمون يرتجزون ويقولون:

سماه من بعد جعيل عمر ... وكان للبائس يوما ظهر

فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقول من ذلك شيئا إلا أن يقول عمر.

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: فحدثني يزيد بن فراس الليثي عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: وجعل جعيل يقول مع المسلمين: سماه من بعد جعيل عمر.

وهو يضحك مع المسلمين فعرفوا أنه لا يبالي.

قال محمد بن عمر: هو جعال بن سراقة فصغر فقيل جعيل. وسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرا ولكن هكذا جاء الشعر عمر. وشهد أيضا جعال المريسيع والمشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المؤلفة قلوبهم بالجعرانة من غنائم خيبر فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وأشباههما مائة مائة من الإبل وتركت جعيل بن سراقة الضمري.

[فقال رسول الله. ص: أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه] .

قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا عبد الملك بن محمد بن عبد الرحمن عن عمارة بن غزية قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعال بن سراقة بشيرا إلى المدينة بسلامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين في غزوة ذات الرقاع.

442- وهب بن قابوس المزني. ص 185

أقبل ومعه ابن أخيه الحارث بن عقبة بن قابوس بغنم لهما من جبل مزينة فوجدا المدينة خلوفا فسألا: أين الناس؟ فقالوا: بأحد. خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتل المشركين من قريش فقالا: لا نسأل أثرا بعد عين. فأسلما ثم خرجا حتى أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - بأحد فيجدان القوم يقتتلون والدولة لرسول الله وأصحابه.

فأغاروا مع المسلمين في النهب. وجاءت الخيل من ورائهم خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل فاختلطوا فقاتلا أشد القتال. فانفرقت فرقة من المشركين فقال [رسول الله. ص: من لهذه الفرقة؟ فقال وهب بن قابوس: أنا يا رسول الله. فقام فرماهم بالنبل حتى انصرفوا ثم رجع. فانفرقت فرقة أخرى فقال رسول الله. ص: من لهذه الكتيبة؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله. فقام فذبها بالسيف حتى ولوا ثم رجع المزني. ثم طلعت كتيبة أخرى فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فقال المزني: أنا يا رسول الله. فقال: قم وأبشر بالجنة. فقام المزني مسرورا يقول: والله لا أقيل ولا أستقيل.

فقام فجعل يدخل فيهم فيضرب بالسيف حتى يخرج من أقصاهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -

والمسلمون ينظرون إليه. ورسول الله يقول: اللهم ارحمه] . فما زال كذلك وهم محدقون به حتى اشتملت عليه أسيافهم ورماحهم فقتلوه فوجد به يومئذ عشرون طعنة

برمح كلها قد خلصت إلى مقتل. ومثل به يومئذ أقبح المثل. ثم قام ابن أخيه الحارث من عقبه فقاتل كنحو من قتاله حتى قتل. فوقف عليهما رسول الله وهما مقتولان [فقال: رضي الله عنك فإني عنك راض] . يعني وهبا. ثم قام على قدميه وقد ناله. ع. من الجراح ما ناله وإن القيام ليشق عليه فلم يزل قائما حتى وضع المزني في لحده عليه بردة لها أعلام حمر. فمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البردة على رأسه فخمره وأدرجه فيها طولا وبلغت نصف ساقيه. وأمرنا فجمعنا الحرمل فجعلناه على رجليه وهو في اللحد. ثم انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص يقولان: فما حال نموت عليها أحب إلينا من أن نلقى الله على حال المزني.

443- عمرو بن أمية ص 186

بن خويلد بن عبد الله بن إياس بن عبد بن ناشرة بن كعب بن جدي بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة. وكانت عنده سخيلة بنت عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي فولدت له نفرا. وشهد عمرو بن أمية

بدرا وأحدا مع المشركين ثم أسلم حين انصرف المشركون عن أحد. وكان رجلا شجاعا له إقدام ويكنى أبا أمية. وهو الذي يروي عنه أبو قلابة الجرمي عن أبي أمية.

قال: أخبرنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة في [حديث رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعمرو بن أمية الضمري يا أبا أمية] .

قال محمد بن عمر: فكان أول مشهد شهده عمرو بن أمية مسلما بئر معونة في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة فأسرته بنو عامر يومئذ فقال له عامر بن الطفيل: إنه قد كان على أمي نسمة فأنت حر عنها. وجز ناصيته وقدم المدينة فأخبر رسول الله بقتل من قتل من أصحابه ببئر معونة. [فقال رسول الله. ص: أنت من بينهم. يعني أفلت ولم تقتل كما قتلوا.] ولما دنا عمرو من المدينة منصرفا من بئر معونة لقي رجلين من بني كلاب فقاتلهما ثم قتلهما. وقد كان لهما من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

أمان فوداهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهما القتيلان اللذان خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسببهما

إلى بني النضير يستعينهم في ديتهما.

قال: وبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية ومعه سلمة بن أسلم بن حريش الأنصاري سرية إلى مكة إلى أبي سفيان بن حرب فعلم بمكانهما فطلبا فتواريا. وظفر عمرو بن أمية في تواريه ذلك في الغار بناحية مكة بعبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي فقتله. وعمد إلى خبيب بن عدي وهو مصلوب فأنزله عن خشبته. وقتل رجلا من المشركين من بني الديل. أعور طويلا. ثم قدم المدينة فسر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدومه ودعا له بخير. وبعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي بكتابين كتب بهما إليه في أحدهما أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب. وفي الآخر يسأله أن يحمل إليه من بقي عنده من أصحابه. فزوجه النجاشي أم حبيبة وحمل إليه أصحابه في سفينتين. وكانت لعمرو بن أمية دار بالمدينة عند الحداكين. يعني الخراطين. ومات بالمدينة في خلافة معاوية بن أبي سفيان.

444- دحية بن خليفة ص 187

بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج. وهو زيد مناة بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر ابن عوف بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. وأسلم دحية بن خليفة

قديما ولم يشهد بدرا وكان يشبه بجبرائيل.

قال: أخبرنا يعلى بن عبيد وعبيد الله بن موسى والفضل بن دكين قالوا: حدثنا زكرياء بن أبي زائدة عن عامر الشعبي قال: شبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[ثلاثة نفر من أمية

فقال: دحية الكلبي يشبه جبرائيل. وعروة بن مسعود الثقفي يشبه عيسى ابن مريم.

وعبد العزى يشبه الدجال] .

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا أبو عوانة عن مغيرة عن يزيد بن الوليد عن أبي وائل قال: كان دحية الكلبي يشبه بجبرائيل. وكان عروة بن مسعود مثله كمثل صاحب يس. وكان عبد العزى بن قطن يشبه بالدجال.

قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن ابن شهاب قال:

[قال رسول الله. ص: أشبه من رأيت بجبرائيل دحية الكلبي] .

قال: أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن سويد عن يحيى بن يعمر عن ابن عمر عن النبي قال: [كان جبرائيل يأتي النبي في صورة دحية الكلبي] .

قال: أخبرنا خالد بن مخلد قال: حدثنا عبد الله بن عمر عن يحيى بن سعد عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: وثب رسول الله وثبة شديدة فنظرت فإذا معه رجل واقف على برذون وعليه عمامة بيضاء قد سدل طرفها بين كتفيه. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع يده على معرفة برذونه فقلت: يا رسول الله لقد راعتني وثبتك. من [هذا؟ قال: ورأيته؟ قلت: نعم: قال: ومن رأيت؟ قلت: رأيت دحية الكلبي.

قال: ذاك جبرائيل. ع] .

قال: أخبرنا وكيع بن الجراح عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دحية الكلبي سرية وحده.

قال: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري عن أبيه عن صالح بن كيسان قال: قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله. ع. كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام وبعث بكتابه مع دحية الكلبي وأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر. فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر.

قال محمد بن عمر: لقيه بحمص فدفع إليه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك في المحرم سنة سبع من الهجرة. وشهد دحية مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشاهد بعد بدر وبقي إلى خلافة معاوية بن أبي سفيان.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق محمد عبد القادر عطا) لكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.