الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الشفا بتعريف حقوق المصطفى / الجزء الثاني / الباب الرابع في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته وفيه عشرة فصول
4

الباب الرابع في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته وفيه عشرة فصول

الجزء الثاني 10 عنصر صفحة 134
الفصل الأول معنى الصلاة عليه ص 135

قال الله تعالى: «إن الله وملائكته يصلون على النبي «1» » الآية قال ابن عباس «2» معناه: «إن الله وملائكته يباركون على النبي» فقيل: «إن الله يترحم على النبي، وملائكته يدعون له» .

قال المبرد «3» : «وأصل الصلاة.. الترحم.. فهي من الله رحمة ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله» .

وقد ورد «4» في الحديث «5» صفة صلاة الملائكة على من جلس ينتظر الصلاة «اللهم اغفر له اللهم ارحمه» «6» فهذا دعاء.

وقال أبو بكر «1» القشيري: «الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة، وللنبي صلى الله عليه وسلم تشريف وزيادة تكرمة» .

وقال أبو العالية «2» : «صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء» .

قال القاضي أبو الفضل «3» : وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث تعليم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة ولفظ البركة فدل أنهما بمعنيين..

وأما التسليم الذي أمر الله تعالى به عباده:

فقال القاضي أبو بكر «4» بن بكير: «نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه، وكذلك من بعدهم أمروا أن يسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم عند حضورهم قبره وعند ذكره.

وفي معنى السلام عليه ثلاثة وجوه «5» :

أحدهما: السلامة لك ومعك، ويكون السلام مصدرا

كاللذاذ واللذاذة «1» ..

الثاني: أي السلام على حفظك ورعايتك متول له وكفيل به، ويكون هنا السلام اسم الله.

الثالث: أن السلام بمعنى المسالمة له والانقياد..

كما قال: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما «2» »

***

الفصل الثاني حكم الصلاة عليه ص 139

اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض على «1» الجملة غير محدد بوقت.. لأمر الله تعالى بالصلاة عليه.. وحمل «2» الأئمة والعلماء له على الوجوب.. وأجمعوا عليه.

وحكى أبو جعفر الطبري «3» أن محمل الآية عنده على الندب، وادعى فيه الإجماع- ولعله فيما زاد على مرة.

والواجب منه الذي يسقط به الحرج ومأثم ترك الفرض مرة، كالشهادة له بالنبوة، وما عدا ذلك فمندوب مرغب فيه من سنن الإسلام، وشعار أهله.

قال القاضي أبو الحسن «1» بن القصار: «المشهور عن أصحابنا «2» أن ذلك واجب في الجملة «3» على الإنسان وفرض «4» عليه عليه أن يأتي بها مرة من دهره مع القدرة على ذلك» .

وقال القاضي أبو بكر «5» بن بكير: «افترض الله على خلقه أن يصلوا على نبيه ويسلموا تسليما ولم يجعل ذلك لوقت معلوم..

فالواجب أن يكثر المرء منها، ولا يغفل عنها» .

قال القاضي أبو محمد «6» بن نصر: «الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في الجملة» .

قال القاضي أبو عبد الله محمد «7» بن سعيد: «ذهب

مالك «1» وأصحابه وغيرهم من أهل العلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض بالجملة بقصد الإيمان، لا يتعين في الصلاة. وأن من صلى عليه مرة واحدة من عمره سقط الفرض عنه.

وقال أصحاب الشافعي «2» : «الفرض منها الذي أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هو في الصلاة» . وقالوا: «وأما في غيرها، فلا خلاف أنها غير واجبة» .

وأما في الصلاة فحكى الإمامان أبو جعفر الطبري «3» والطحاوي «4» وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة، وشذ الشافعي في ذلك فقال: «من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم من بعد التشهد الآخر قبل السلام فصلاته فاسدة «5» ، وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه» .

ولا سلف له في هذا القول، ولا سنة يتبعها، وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه.. لمخالفته فيها من تقدمته جماعة، وشنعوا

عليه الخلاف فيها. منهم الطبري «1» والقشيري «2» ، وغير واحد.

وقال أبو بكر بن المنذر «3» : «يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة مذهب مالك «4» وأهل المدينة وسفيان «5» الثوري، وأهل الكوفة من أصحاب الرأي «6» وغيرهم.. وهو قول جمل «7» أهل العلم» .

وحكي عن مالك وسفيان: «أنها في التشهد الأخير مستحبة، وأن تاركها في التشهد مسيء» وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في في الصلاة الإعادة.

وأوجب إسحق «8» الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان «9» .

وحكى أبو محمد بن أبي «1» زيد عن محمد بن المواز «2» أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فريضة

قال أبو محمد «3» : «يريد ليست من فرائض الصلاة «4» » .

وقال محمد بن عبد «5» الحكم وغيره وحكى ابن القصار «6» وعبد الوهاب «7» : «أن محمد بن الموازيراها فريضة في الصلاة كقول الشافعي «8» »

وحكى أبو يعلى «9» العبدي المالكي عن المذهب «10» فيها ثلاثة أقوال:

1-

الوجوب 2- والسنة 3- والندب.

وقد خالف الخطابي «1» من أصحاب الشافعي «2» وغيره الشافعي في هذه المسألة.

قال الخطابي «1» : «وليست بواجبة في الصلاة.. وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي «2» ولا أعلم له فيها قدوة» .

والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه، وقد شنع الناس عليه هذه المسألة جدا.

وهذا تشهد ابن «3» مسعود «4» الذي اختاره «5» الشافعي وهو الذي علمه له النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وكذلك كل من روى التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم كأبي «6» هريرة،

وابن عباس «1» ، وجابر «2» ، وابن «3» عمر، وأبي سعيد «4» الخدري، وأبي موسى «5» الأشعري وعبد الله بن الزبير «6» ، لم لم يذكروا فيه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم «7» .

وقد قال «8» ابن عباس وجابر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن» .

ونحوه عن أبي سعيد الخدري.

وقال ابن عمر: «كان «9» أبو بكر «10» يعلمنا التشهد على المنبر كما يعلمون الصبيان في الكتاب» .

وعلمه أيضا على المنبر عمر بن الخطاب «11» رضي الله عنه.

وفي الحديث «1» : «لا صلاة لمن لم يصل علي» .

قال ابن القصار «2» : معناه (كاملة) . أو لمن لم يصل علي مرة في عمره وضعف أهل الحديث كلهم هذا الحديث.

وفي حديث أبي «3» جعفر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم «4» :

«من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه» .

قال الدارقطني «5» : الصواب أنه من قول أبي جعفر «6» محمد بن علي بن الحسين: «لو «7» صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم

ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم.

***

الفصل الثالث المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام عليه ص 148

في المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم.

ويرغب من ذلك في تشهد الصلاة كما قدمناه، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء.

عن فضالة «1» بن عبيد قال «2» : «سمع النبي صلى الله عليه وسلم.. رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم.. عجل «3» هذا.. ثم دعاه فقال له ولغيره «4» .. إذا صلى أحدكم فليبدأ يتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بعد بما شاء.

ويروى من غير هذا السند «1» «بتمجيد الله» وهو أصح «2» ..

وعن عمر بن الخطاب «3» رضي الله عنه قال «4» : الدعاء والصلاة «5» معلق بين السماء والأرض فلا يصعد إلى الله منه شيء حتى يصلى «6» على النبي صلى الله عليه وسلم.

وعن علي «7» عن النبي صلى الله عليه وسلم «8» : بمعناه..

وعن علي: وعلى آل محمد..

وروي أن الدعاء محجوب حتى يصلي الداعي على النبي صلى الله عليه وسلم وعن»

ابن «10» مسعود. إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئا فليبدأ بمدحه «11» والثناء عليه بما هو أهله ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.. ثم ليسأل فإنه أجدر أن ينجح..

وعن جابر «1» رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» :

لا تجعلوني كقدح الراكب.. فإن الراكب يملأ قدحه «3» ثم يضعه ويرفع متاعه.. فإن احتاج إلى شراب شربه أو الوضوء توضأ وإلا هراقه «4» .. ولكن اجعلوني في أول الدعاء، وأوسطه وآخره..

وقال ابن عطاء «5» للدعاء أركان، وأجنحة، وأسباب، وأوقات.. فإن وافق أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز.. وإن وافق أسبابه أنجح.

- فأركانه: حضور القلب، والرقة، والاستكانة، والخشوع، وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب.

- وأجنحته: الصدق.

- ومواقيته: الأسحار.

- وأسبابه: الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم.

وفي الحديث «1» «الدعاء بين الصلاتين لا يرد» .

وفي حديث آخر «2» «كل دعاء محجوب دون السماء فإذا جاءت الصلاة علي صعد الدعاء» .

وفي دعاء ابن عباس «3» الذي رواه عنه حنش «4» فقال في آخره «5» : واستجب دعائي.. ثم تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد عبدك ونبيك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك أجمعين آمين.

ومن مواطن الصلاة عليه عند ذكره وسماع اسمه أو كتابته «6» أو عند الأذان.

وقد قال صلى الله عليه وسلم «7» : «رغم «8» أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلي

علي» وكره ابن حبيب «1» ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح «2» .

وكره سحنون «3» الصلاة عليه عند التعجب «4» .

وقال: لا يصلى عليه إلا على طريق الاحتساب وطلب الثواب وقال أصبغ «5» عن ابن «6» القاسم: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله الذبيحة والعطاس فلا تقل فيهما بعد ذكر الله.. محمد رسول الله.. ولو قال بعد ذكر الله صلى الله على محمد لم يكن

تسمية له مع الله «1» .

وقال أشهب «2» قال: ولا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه استنانا «3» .

وروى النسائي «4» عن أوس «5» بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: الأمر بالإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة.

ومن مواطن الصلاة والسلام دخول المسجد «6» .

قال ابو اسحق «1» بن شعبان: وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله ويترحم عليه، وعلى آله، ويبارك عليه وعلى آله، ويسلم تسليما ويقول: اللهم اغفرلي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.. وإذا خرج فعل مثل ذلك وجعل موضع رحمتك فضلك.

وقال عمرو «2» بن دينار في قوله تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم «3» » قال: إن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. السلام على أهل البيت ورحمة الله وبركاته.

قال «4» ابن عباس»

: المراد بالبيوت هنا المساجد.

وقال النخعي «6» : إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وعن علقمة «1» : إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، صلى الله وملائكته على محمد.

ونحوه عن كعب «2» : إذا دخل وإذا خرج ولم يذكر الصلاة.

واحتج ابن شعبان «3» لما ذكره بحديث فاطمة «4» بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.. إذا دخل المسجد.

ومثله عن أبي بكر «6» بن عمرو بن حزم وذكر السلام والرحمة وقد ذكر هذا الحديث آخر القسم والاختلاف في ألفاظه.

ومن مواطن الصلاة عليه الصلاة «7» على الجنائز. وذكر عن «8»

أبي «1» أمامة: أنها من السنة.

ومن مواطن الصلاة التي مضى عليها عمل الأمة ولم تنكرها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله في الرسائل، وما يكتب بعد البسملة، ولم يكن هذا في الصدر الأول وأحدث عند ولاية بني هاشم، فمضى به عمل الناس في أقطار الأرض.. ومنهم من يختم به أيضا الكتب.

وقال صلى الله عليه وسلم «2» : «من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» .

ومن مواطن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم: تشهد الصلاة.

عن عبد الله بن مسعود «3» عن النبي صلى الله عليه وسلم «4» قال: إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي

ورحمة الله وبركاته.. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض) هذا أحد مواطن التسليم عليه وسنته أول التشهد.

وقد روى مالك «1» عن ابن عمر «2» أنه كان يقول ذلك: إذا فرغ من تشهده وأراد أن يسلم.

واستحب مالك في المبسوط «3» أن يسلم بمثل ذلك قبل السلام «4» .

قال محمد «5» بن مسلمة: أراد ما جاء عن عائشة «6» وابن عمر أنهما كانا يقولان عند سلامهما.. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. السلام عليكم.

واستحب أهل العلم أن ينوي الإنسان حين سلامه «7» كل عبد صالح في السماء والأرض من الملائكة، وبني آدم، والجن.

قال مالك في المجموعة: وأحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته.. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. السلام عليكم..

الفصل الرابع كيفية الصلاة عليه والتسليم ص 159

عن أبي حميد «1» الساعدي: أنهم قالوا «2» : يا رسول الله..

كيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا «3» : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم.. وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

وفي رواية مالك «4» عن أبي مسعود «5» الأنصاري قال: قولوا:

اللهم صل على محمد وعلى آله، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك

على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.. والسلام كما قد علمتم..

وفي رواية «1» كعب بن عجرة «2» اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم.. وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم.. إنك حميد مجيد.

وعن عقبة «3» بن عمرو في حديثه «4» اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد..

وفي رواية أبي سعيد «5» الخدري «6» اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.. وذكر معناه.

عن علي بن أبي طالب»

قال: عدهن «8» في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال: عدهن في يدي جبريل. وقال: هكذا نزلت من عند رب العزة.. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد، كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد «1»

وعن أبي هريرة «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم «3» . من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلى على

محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

وفي رواية «1» زيد بن «2» خارجة الأنصاري سألت النبي صلى الله عليه وسلم:

كيف نصلي عليك؟ فقال: صلوا واجتهدوا في الدعاء، ثم قولوا: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

وعن سلامة الكندي «3» : كان علي «4» يعلمنا «5» الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم «6» : اللهم داحي المدحوات «7» وبارىء «8» المسموكات «9»

اجعل شرائف «1» صلواتك، ونوامي «2» بركاتك، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات «3» الأباطيل، كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك، مستوفزا «4» في مرضاتك، واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى «5» قبسا «6» لقابس آلاء «7» الله، تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات «8» الفتن والإثم، وأنهج «9» موضحات «10» الأعلام «11» ،

ونائرات «1» الأحكام، ومنيرات «2» الإسلام فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون وشهيدك «3» يوم الدين، وبعيثك «4» نعمة، ورسولك بالحق رحمة.. اللهم افسخ له في عدنك «5» ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات «6» له غير مكدرات.

من فوز ثوابك المحلول «7» ، وجزيل عطائك المعلول» .

اللهم أعل على بناء الناس بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتم له نوره، وأجزه من اتبعائك له مقبول الشهادة، ومرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخطة «9» فصل «10» ، وبرهان عظيم «11» .

وعنه «1» أيضا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم «2» : «إن الله وملائكته يصلون على النبي «3» ..» الآية لبيك «4» اللهم ربي وسعديك «5» .. صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين، على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الشاهد البشير، الداعي إليك بإذنك، السراج المنير، وعليه السلام «6» .

وعن عبد الله بن مسعود «7» .. اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير ورسول الرحمة.. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه «8» فيه الأولون والاخرون، اللهم صل على محمد وعلى

آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد.

وكان الحسن «1» البصري يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأوفى من حوض المصطفى فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آله «2» وأصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه وأمته وعلينا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين.

وعن طاوس «3» عن ابن عباس «4» أنه كان يقول «5» : اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا وآته سؤله في الآخرة والأولى كما آتيت إبراهيم وموسى..

وعن وهيب «6» بن الورد أنه كان يقول في دعائه: اللهم أعط محمدا أفضل ما سألك لنفسه، وأعط محمدا أفضل ما سألك له أحد من

خلقك، وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له إلى يوم القيامة.

وعن ابن مسعود «1» رضي الله عنه أنه كان يقول «2» : إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه وقولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون.. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على آل محمد كما باركت على إبراهيم.. إنك حميد مجيد.

وما يؤثر من تطويل الصلاة وتكثير الثناء على أهل البيت وغيرهم كثير.

وقوله «3» والسلام كما قد علمتم.. هو ما علمهم في التشهد من قوله «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وفي تشهد «1» علي: السلام على نبي الله، السلام على أنبياء الله ورسله السلام على رسول الله، السلام على محمد بن عبد الله السلام علينا وعلى المؤمنين والمؤمنات. من غاب منهم ومن شهد.. اللهم اغفر لأهل بيته، واغفرلي ولوالدي «2» وما ولدا وارحمهما..

السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

جاء في هذا الحديث عن علي: الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالغفران وفي حديث الصلاة عليه عنه أيضا قبل الدعاء له بالرحمة ولم يأت في غيره من الأحاديث المرفوعة المعروفة.

وقد ذهب أبو عمر «3» بن عبد البر وغيره، إلى أنه لا يدعى للنبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة، وإنما يدعى له بالصلاة والبركة التي تختص به، ويدعى لغيره بالرحمة والمغفرة.

وقد ذكر أبو محمد «1» بن أبي زيد في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

اللهم ارحم محمدا وآل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم ولم يأت هذا في حديث صحيح «2» وحجته قوله في السلام: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.

الفصل الخامس فضيلة الصلاة والسلام عليه والدعاء له ص 170

عن عبد الله «1» بن عمر قال «2» : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، وصلوا علي فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه عشرا.. ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو.. فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة..

وروى «3» أنس بن «4» مالك.. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات. وفي رواية «5» وكتب له عشر حسنات..

وعن «1» أنس عنه صلى الله عليه وسلم: أن جبريل ناداني فقال: من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرا، ورفعه عشر درجات..

ومن رواية عبد الرحمن»

بن عوف عنه صلى الله عليه وسلم «3» : لقيت جبريل فقال لي: إني أبشرك أن الله تعالى يقول: من سلم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه «4» ..

ونحوه من رواية أبي هريرة «5» ومالك «6» بن أوس بن الحدثان،

وعبيد «1» الله بن أبي طلحة. وعن زيد «2» بن الحباب: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من قال: اللهم صل على محمد وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي..

وعن «3» ابن مسعود «4» : أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة وعن أبي هريرة «5» عنه صلى الله عليه وسلم «6» : من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي «7» اسمي في ذلك الكتاب.

وعن عامر «8» بن ربيعة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «9» :

من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي.. فليقلل من ذلك عبد أو ليكثر..

وعن «1» أبي بن كعب «2» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع «3» الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله.. جاءت الراجفة «4» تتبعها الرادفة «5» .. جاء الموت بما فيه.. فقال أبي بن كعب:

يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟.

فقال: ما شئت.. قال: الربع؟! قال: ما شئت وإن زدت فهو خير.. قال: الثلث؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير..

قال: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير.. قال الثلثين؟

قال: ما شئت وإن زدت فهو خير.. قال يا رسول الله فأجعل صلاتي كلها لك؟!. قال: إذا تكفى «6» ويغفر ذنبك..

وعن «1» أبي طلحة «2» : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت من بشره وطلاقته ما لم أره قط، فسألته فقال: وما يمنعني؟!! وقد خرج جبريل آنفا فأتاني ببشارة من ربي عز وجل، إن الله تعالى بعثني إليك أبشرك أنه ليس أحد من أمتك يصلي عليك إلا صلى الله عليه وملائكته بها عشرا.

وعن جابر «3» بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «4» : من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما «5» محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة..

وعن «6» سعد بن أبي وقاص «7» : من قال حين يسمع المؤذن:

وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله رضيب بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا غفر له.

وروى ابن وهب «1» أن «2» النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سلم علي عشرا فكأنما أعتق رقبة.

وفي بعض الآثار ليردن علي أفوام ما أعرفهم «3» إلا بكثرة صلاتهم علي وفي آخر «4» : إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي صلاة.

وعن أبي بكر «5» الصديق: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، السلام عليه أفضل من عتق الرقاب» .

الفصل السادس ذم من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم واثمه ص 176

عن أبي هريرة «1» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : رغم «3» أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي.. رغم أنف رجل دخل رمضان ثم انسلخ «4» قبل أن يغفر له. ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة.

قال عبد الرحمن «5» وأظنه قال «6» - أو أحدهما-

وفي حديث آخر «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر «2» فقال: آمين ثم صعد فقال: آمين، ثم صعد فقال: آمين، فسأله معاذ «3» عن ذلك فقال: إن جبريل أتاني فقال: يا محمد.. من سميت بين يديه فلم يصل عليك فمات فدخل النار، فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين وقال فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه فمات مثل ذلك.. ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات مثله.

وعن علي «4» بن أبي طالب عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «5» : البخيل «6» الذي ذكرت عنده فلم يصل علي..

وعن جعفر «1» بن محمد «2» عن أبيه «3» قال «4» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ذكرت عنده فلم يصل علي أخطيء به طريق الجنة..

وعن علي «5» بن أبي طالب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» قال:

إن البخيل كل «7» البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي.

وعن أبي هريرة «8» قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم «9» : أيما «10» قوم جلسوا ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليهم من الله ترة «11» إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم..

وعن «1» أبي هريرة رضي الله عنه: «من نسي «2» الصلاة علي نسي طريق الجنة» .

وعن قتادة «3» عنه صلى الله عليه وسلم «4» : «من الجفاء أن أذكر عند الرجل «5» فلا يصلي علي» .

وعن جابر «6» عنه صلى الله عليه وسلم «7» : «ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا على غير صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا تفرقوا على أنتن من ريح الجيفة.»

وعن أبي سعيد «8» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال»

: لا يجلس قوم «10» مجلسا لا يصلون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة «11» وإن

دخلوا الجنة لما يرون من الثواب..

وحكى أبو عيسى «1» الترمذي عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجل على النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس «2» ..

***

الفصل السابع تخصيصه صلى الله عليه وسلم بتبليغ صلاة من صلى عليه أو سلم من الأنام ص 181

عن «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام «3» .

وذكر أبو بكر «4» بن أبي شيبة عن أبي هريرة «2» قال: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» «من صلى علي عند قبري سمعته «2» .. ومن صلى علي نائيا بلغته..»

وعن ابن مسعود «3» أن لله ملائكته سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي السلام «4» .

ونحوه «5» عن أبي هريرة «6» ..

وعن «7» ابن عمر «8» أكثروا من السلام على نبيكم كل جمعة فإنه يؤتى به منكم في كل جمعة «9» .

وفي رواية: فإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت صلاته علي حين يفرغ منها..

وعن الحسن «10» عنه صلى الله عليه وسلم «11» : حيثما «12» كنتم فصلوا علي

فإن صلاتكم تبلغني.. وعن «1» ابن عباس «2» ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يسلم عليه ويصلي عليه إلا بلغه.

وذكر بعضهم «3» أن العبد إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه اسمه.

وعن «4» الحسن «5» بن علي إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم.. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم..

وفي حديث أوس «6» أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي «7» .

وعن سليمان «8» بن سحيم «9» رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في

النوم «1» .. فقلت: يا رسول الله.. هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك.. أتفقه سلامهم؟ .. قال: نعم وأرد عليهم.

وعن ابن شهاب «2» : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال»

أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر فإنهما يؤديان عنكم.. وإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء.. وما من مسلم يصلي علي إلا حملها ملك حتى يؤديها إلي ويسميه حتى إنه ليقول إن فلانا يقول كذا وكذا.

***

الفصل الثامن الاختلاف في الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام ص 185

قال القاضي وفقه الله: عامة أهل العلم متفقون «1» على جواز الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

وروي «2» عن ابن عباس «3» : أنه لا تجوز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وروي «4» عنه لا تنبغي الصلاة على أحد إلا النبيين..

وقال سفيان «5» يكره أن يصلى إلا على نبي «6» .

ووجدت بخط بعض شيوخي: مذهب مالك «1» أنه لا يجوز أن يصلى على أحد من الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذا غير معروف من مذهبه.

وقد قال مالك «1» في المبسوط «2» ليحيى «3» بن اسحق: أكره الصلاة على غير الأنبياء. وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به.

قال يحيى «4» بن يحيى: لست آخذ بقوله «5» .. ولا بأس بالصلاة على الأنبياء كلهم وعلى غيرهم.. واحتج بحديث ابن «6» عمر «7» وبما جاء من حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه- وفيه- وعلى أزواجه وعلى آله «8» . وقد وجدت «9» معلقا «10» عن أبي

عمران «1» الفاسي روى عن ابن عباس «2» رضي الله عنهما كراهة الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وبه نقول «3» . ولم يكن يستعمل فيما مضى.

وقد روى عبد الرزاق «4» عن أبي هريرة «5» رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» : «صلوا على أنبياء الله ورسله..

فإن الله بعثهم كما بعثني..»

قالوا: والأسانيد عن ابن عباس «7» لينة «8» .

«والصلاة» في لسان العرب بمعنى الترحم والدعاء.. وذلك على الإطلاق حتى يمنع منه حديث صحيح أو إجماع..

وقد قال تعالى: «هو الذي يصلي عليكم وملائكته «9» ..» الاية»

وقال تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم «1» ..» الآية.

وقال: «أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة «2» ..»

وقال النبي صلى الله عليه وسلم «3» : «اللهم صل على آل أبي أوفى «4» .»

وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على فلان.

وفي حديث الصلاة «5» : «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته» .

وفي آخر «6» : «وعلى آل محمد» .. قيل: أتباعه وقيل أمته.

وقيل: آل بيته.. وقيل الأتباع والرهط»

والعشيرة..

وقيل: آل الرجل ولده، وقيل: قومه، وقيل: أهله الذين حرمت عليهم الصدقة.

وفي رواية «8» أنس «9» سئل النبي صلى الله عليه وسلم من آل محمد؟ قال:

كل تقي..

ويجيء على مذهب الحسن «1» أن المراد بآل محمد محمد نفسه، فإنه كان يقول في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد- يريد نفسه. لأنه كان لا يخل بالفرض الذي أمر الله تعالى به هو الصلاة على محمد نفسه.

وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم «2» : لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داوود- يريد من مزامير داود.

وفي حديث أبي حميد «3» الساعدي في الصلاة. اللهم صل على محمد وأزواجه، وذريته «4» .

وفي حديث ابن عمر «5» أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر «6» وعمر «7» ذكره مالك «8» في الموطأ من رواية يحيى «9»

الأندلسي والصحيح من رواية غيره ويدعو لأبي بكر وعمر.

وروى «1» ابن «2» وهب عن أنس «3» بن مالك كنا ندعو لأصحابنا بالغيب فنقول: اللهم اجعل منك على فلان صلوات قوم أبرار، الذين يقومون بالليل ويصومون بالنهار.

قال القاضي: والذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك «4» وسفيان «5» رحمهما الله.

وروي عن ابن «6» عباس واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه لا يصلى على غير الأنبياء عند ذكرهم «7» .. بل هو شيء يختص به الأنبياء توقيرا وتعزيزا، كما يخص الله تعالى عند ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم ولا يشاركه فيه غيره.

كذلك يجب تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء بالصلاة والتسليم، ولا يشارك «8» فيه سواهم، كما أمر الله به بقوله: «صلوا عليه وسلموا تسليما» «9» .. ويذكر من سواهم من الأئمة وغيرهم بالغفران والرضى.

كما قال تعالى: «يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان» «1» .

وقال: «والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم» «2» .

وأيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول كما قال أبو عمران، «3» وإنما أحدثه الرافضة «4» والمتشيعة في بعض الأئمة فشاركوهم عند الذكر لهم بالصلاة، وساووهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأيضا فإن التشبه بأهل البدع منهي عنه، فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك، ذلك، وذكر الصلاة على الآل والأزواج مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكم التبع والإضافة إليه لا على التخصيص.

قالوا: وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى عليه مجراها مجرى الدعاء والمواجهة.. ليس فيها معنى التعظيم والتوقير.

قالوا وقد قال تعالى: «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء

بعضكم بعضا «1» » .. فكذلك يجب أن يكون الدعاء له مخالفا لدعاء الناس بعضهم لبعض.

وهذا اختيار الإمام أبي المظفر «2» الإسفرائيني من شيوخنا وبه قال أبو عمر «3» بن عبد البر «4» ..

الفصل التاسع حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره وسلم عليه وكيف يسلم عليه ص 193

وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة «1» مرغب فيها.

عن ابن عمر «2» رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «3» «من

زار قبري وجبت»

له شفاعتي» .

وعن أنس «2» بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من زارني في المدينة محتسبا «3» كان في جواري، وكنت له شفيعا يوم القيامة «4» »

وفي حديث آخر «5» : «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي..» وكره مالك «6» أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم:

وقد اختلف في معنى ذلك فقيل: كراهية الاسم لما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم «7» : «لعن الله زوارات القبور» .

وهذا يروه قوله «8» : «نهيتكم عن زيارة القبور فزورها» .

وقوله «9» : «من زار قبري» .. فقد أطلق اسم الزيادة..

وقيل لأن ذلك لما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا أيضا ليس بشيء إذ ليس كل زائر بهذه الصفة، وليس هذا عموما.

وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم ولم يمنع هذا اللفظ في حقه تعالى.

وقال أبو عمران «1» رحمه الله: إنما كره مالك «2» أن يقال:

طواف الزيارة وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض وكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس بهذا اللفظ وأحب أن يخص بأن يقال: سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم..

وأيضا فإن الزيارة مباحة بين الناس.. وواجب شد المطي «3» إلى قبره صلى الله عليه وسلم. يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض.

والأولى والذي عندي أن منعه وكراهة مالك لإضافته لقبر «4»

النبي صلى الله عليه وسلم.. وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه. لقوله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدي اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد «1» .

فمحى إضافة هذا اللفظ إلى القبر، والتشبه بفعل أولئك قطعا للذريعة «2» وحسما للباب، والله أعلم.

قال اسحق «3» بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة والقصد، إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطيء قدميه، والعمود الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه.. وبمن عمره، وقصده من الصحابة، وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله.

وقال ابن أبي فديك «4» : سمعت بعض من أدركت يقول:

بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الاية «إن الله

وملائكته يصلون على النبي» «1» ثم قال: صلى الله عليك يا محمد.

من يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة «2» .

وعن يزيد «3» بن أبي سعيد المهري: قدمت على عمر «4» بن عبد العزيز فلما ودعته قال: لي إليك حاجة.. إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقره مني السلام.

قال غيره «5» وكان يبرد إليه البريد من الشام.

قال بعضهم رأيت أنس «6» بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف.

قال مالك «7» في رواية ابن وهب «8» إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم

ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده.

وقال في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ولكن يسلم ويمضي.

قال ابن أبي ملكية «1» من أحب أن يقوم «2» وجاه «3» النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر من رأسه.

وقال «4» نافع «5» : كان ابن عمر «6» يسلم على القبر.. رأيته مئة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم..

السلام على أبي بكر السلام على أبي «7» ثم ينصرف.

ورؤي»

ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من

المنبر ثم وضعها على وجهه.

وعن ابن قسيط «1» والعتبي «2» كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا «3» رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون «4» .

وفي الموطأ من رواية يحيى «5» بن الليثي أنه كان يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي على النبي وعلى أبي بكر وعمر.

وعند ابن القاسم «6» والقعنبي «7» : ويدعو لأبي بكر وعمر.

قال مالك «8» في رواية ابن وهب «9» يقول المسلم: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته..

قال في المبسوط ويسلم على أبي بكر «1» وعمر «2» ..

قال القاضي أبو الوليد «3» الباجي: وعندي أنه يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ الصلاة، ولأبي بكر «4» وعمر «5» كما في حديث ابن عمر «6» من الخلاف.

وقال ابن حبيب «7» ويقول إذا دخل مسجد الرسول: باسم الله وسلام على رسول الله.. السلام علينا من ربنا. وصلى الله وملائكته على محمد.. اللهم اغفرلي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، واحفظني من الشيطان الرجيم.

ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فيهما، وتسأله تمام ما خرجت إليه، والعون عليه.. وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك وفي الروضة أفضل. وقد قال صلى الله عليه وسلم «8» : «ما بين بيتي ومنبري

روضة من رياض الجنة.. ومنبري على ترعة «1» من ترع الجنة» .

ثم يقف بالقبر متواضعا متوقرا، فتصلي عليه وتثني بما يحضرك، وتسلم على أبي بكر «2» وعمر «3» ، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء «4» وقبور الشهداء.

قال مالك «5» في كتاب محمد «6» : ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل وخرج- يعني في المدينة- وفيما بين ذلك قال محمد: وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر.. وكذلك من خرج مسافرا.

وروى ابن وهب «1» عن فاطمة «2» بنت محمد صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «3» : «إذا دخلت المسجد فصل على النبي صلى الله عليه وسلم وقل: اللهم اغفرلي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك.. وإذا خرجت فصل على النبي صلى الله عليه وسلم وقل: اللهم اغفرلي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك:

وفي رواية أخرى «4» : «فليسلم» مكان فليصل فيه، ويقول إذا خرج: اللهم إني أسألك من فضلك.

وفي أخرى: اللهم احفظني من الشيطان الرجيم.

وعن محمد «5» بن سيرين: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد:

صلى الله وملائكته على محمد.. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.. باسم الله دخلنا وباسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا.

وكانوا يقولون إذا خرجوا: مثل ذلك.

وعن «6» فاطمة «2» أيضا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال:

صلى الله على محمد «1» وسلم ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا وفي رواية: حمد الله وسمى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم- وذكر مثله.

وفي رواية «2» باسم الله والسلام»

على رسول الله..

وعن غيرها «4» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال:

اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ويسر لي أبواب رزقك.

وعن أبي «5» هريرة: إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي «6» ..

وقال مالك «7» في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء.

وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر «8» وعمر «9» .

فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع «1» .. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما صلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده.

قال ابن القاسم «2» : ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا- قال- وذلك رأي.

قال الباجي «3» : ففرق بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء

قصدوا ذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم «1» .

وقال صلى الله عليه وسلم «2» : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد.. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد «3» .

وقال «4» لا تجعلوا قبري عيدا «5» .

ومن كتاب أحمد «6» بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به، ولا يمسه «7» ولا يقف عنده طويلا.

وفي العتبية «1» يبدأ بالركوع «2» قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي حيث العمود المخلق «3» وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف.. والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت.

الفصل العاشر آداب دخول المسجد النبوي الشريف وفضله وفضل المدينة ومكة ص 207

فيما يلزم من دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الأدب سوى ما قدمناه، وفضله، وفضل الصلاة فيه، وفي مسجد مكة.. وذكر قبره ومنبره وفضل سكنى المدينة ومكة..

قال الله تعالى: «لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه «1» » ..

روي «2» : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي مسجد هو؟ قال: مسجدي هذا. وهو قول ابن المسيب «3» وزيد «4» بن ثابت وابن عمر «5»

ومالك «1» بن أنس وغيرهم.

وعن «2» ابن عباس «3» أنه مسجد قباء «4» ..

عن أبي هريرة «5» رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «6» :

«لا تشد الرحال «7» إلا إلى ثلاث مساجد. المسجد»

الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى..»

وقد تقدمت الآثار في الصلاة والسلام «9» على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد..

وعن «10» عبد الله بن عمرو «11» بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم..»

وقال مالك «1» رحمه الله «2» : سمع عمر بن الخطاب «3» صوتا في المسجد فدعا بصاحبه فقال: ممن أنت؟ قال رجل من ثقيف «4» .

قال: لو كنت من هاتين القريتين «5» لأدبتك «6» .. إن مسجدنا لا يرفع فيه الصوت.

قال محمد بن مسلمة «7» : لا ينبغي لأحد أن يعتمد «8» المسجد برفع الصوت ولا بشيء من الأذى، وأن ينزه عما يكره.»

قال القاضي: حكى ذلك كله القاضي إسماعيل «9» في مبسوطه في باب فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.

والعلماء كلهم متفقون أن حكم سائر المساجد هذا الحكم.

قال القاضي إسماعيل «9» وقال محمد بن مسلمة: ويكره

في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر على المصلين فيما يخلط عليهم صلاتهم.

وليس مما يخص به المساجد رفع الصوت.. قد كره رفع الصوت بالتلبية في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجدنا.

وقال أبو «1» هريرة عنه صلى الله عليه وسلم «2» .. «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام»

قال القاضي: اختلف الناس في معنى هذا الاستثناء على اختلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة.

فذهب مالك «3» في رواية أشهب «4» عنه وقاله ابن «5» نافع صاحبه وجماعة أصحابه إلى أن معنى الحديث، أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون الألف.

واحتجوا بما روي عن عمر بن «6» الخطاب رضي الله عنه.

«صلاة في المسجد الحرام خير من مئة صلاة فيما سواه «1» » فتأتي فضيلة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بتسعمئة وعلى غيره بألف.

وهذا مبني على تفضيل المدينة على مكة، على ما قدمناه وهو قول عمر «2» بن الخطاب، ومالك «3» ، وأكثر المدنيين.

وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة..

وهو قول عطاء «4» ، وابن وهب «5» ، وابن حبيب «6» .

من أصحاب مالك.

وحكاه الساجي «7» عن الشافعي «8» .

وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره، وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل.

واحتجوا بحديث عبد الله «1» بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم «2» :

بمثل حديث أبي هريرة «3» - وفيه- وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمئة صلاة.

وروى قتادة «4» مثله «5» ..

فيأتي فضل الصلاة في المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد بمئة ألف..

ولا خلاف أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض» .

قال القاضي أبو الوليد «7» الباجي الذي يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة.

وذهب الطحاوي «1» : إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض.

وذهب مطرف «2» من أصحابنا: إلى أن ذلك في النافلة «3» أيضا.

قال: وجمعة خير من جمعة، ورمضان خير من رمضان.

وقد ذكر عبد الرزاق «4» في تفضيل رمضان بالمدينة وغيرها- حديثا «5» نحوه-.

قال صلى الله عليه وسلم «6» : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة..»

ومثله «7» عن أبي هريرة «8» ، وأبي سعيد «9» ، وزاد «10» - ومنبري على حوضي..

وفي حديث آخر «1» : «منبري على ترعة من ترع الجنة..»

قال الطبري «2» : فيه معنيان: أحدهما أن المراد بالبيت.. بيت سكناه على الظاهر، مع أنه روي ما يبينه «بين حجرتي ومنبري» .

والثاني: أن البيت هنا القبر وهو قول زيد بن أسلم «3» في هذا الحديث.

كما روي: «بين قبري «4» ومنبري..»

قال الطبري: وإذا كان قبره في بيته اتفقت معاني الروايات ولم يكن بينها خلاف.. لأن قبره في حجرته، وهو بيته.

وقوله: «ومنبري على حوضي» .

قيل: يحتمل أنه منبره بعينه الذي كان في الدنيا.. وهو أظهر.

والثاني: أن يكون له هناك منبر.

والثالث: أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال

الصالحة يورد الحوض، ويوجب الشرب منه. قاله الباجي «1» .

وقوله: «روضة من رياض الجنة» .. يحتمل معنيين.

أحدهما: أنه موجب لذلك.. وأن الدعاء والصلاة فيه يستحق ذلك من الثواب- كما قيل «2» - الجنة تحت ظلال السيوف.

والثاني: أن تلك البقعة ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها..

قاله الداودي «3» .

وروى ابن عمر «4» ، وجماعة من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «5» المدينة.. «لا يصبر على لأوائها «6» وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا- أو شفيعا «7» - يوم القيامة.»

وقال «1» فيمن تحمل «2» عن المدينة.. «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون.»

وقال «3» : «إنما المدينة كالكير «4» تنفي خبثها، وينصع «5» طيبها» .

وقال «6» : «لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبد لها الله خيرا منه.»

وروي عنه صلى الله عليه وسلم «7» : «من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب.»

وفي طريق آخر «8» : «بعث من الامنين يوم القيامة..»

وعن «1» ابن عمر»

: «من استصاع أن يموت «3» بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها «4» » .

وقال تعالى: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا «5» ..» إلى قوله: «آمنا»

قال بعض المفسرين: آمنا من النار.

وقيل: كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا خارجا عن الحرم ولجأ إليه في الجاهلية.

وهذا مثل قوله: «وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا «6» » على قول بعضهم «7» .

وحكي أن قوما أتوا سعدون «8» الخولاني بالمنستير «9»

فأعلموه أن كتامة «1» قتلوا رجلا وأضموا عليه النار طول الليل، فلم تعمل فيه شيئا، وبقي أبيض البدن..

فقال: لعله حج ثلاث حجج؟!!

قالوا: نعم

قال: حدثت «2» أن من حج حجة أدى فرضه ومن حج ثانية داين ربه. ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار.

ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة «3» قال «4» : «مرحبا بك من بيت.. ما أعظمك وأعظم حرمتك» .

وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يدعو الله تعالى عند الركن الأسود إلا استجاب الله له وكذلك عند الميزاب «5» » .

وعنه صلى الله عليه وسلم: «من صلى عند المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحشر يوم القيامة من الامنين «1» ..»

وعن ابن عباس «2» قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم إلا استجيب له» .

قال ابن عباس «2» : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استجيب لي..

وقال عمرو «3» بن دينار وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ابن عباس إلا استجيب.

وقال سفيان «4» : وأنا ما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من عمرو «3» إلا استجيب لي.

قال الحميدي «5» وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ

سمعت هذا من سفيان «1» إلا استجيب لي.

وقال محمد «2» بن إدريس: وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا من الحميدي «3» إلا استجيب لي.

وقال أبو الحسن «4» محمد بن الحسن: وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من محمد بن إدريس إلا استجيب لي.

قال أبو أسامة «5» : وما أذكر الحسن «6» بن رشيق قال فيه شيئا «7» - وأنا ما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحسن «6» بن رشيق إلا استجيب لي من أمر الدنيا وأنا أرجو أن يستجاب لي من أمر الآخرة.

قال العذري «8» : فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من أبي أسامة «5» إلا استجيب لي.

قال أبو علي «1» : وأنا قد دعوت الله فيه بأشياء كثيرة استجيب لي بعضها وأنا أرجو من سعة فضله أن يستجيب لي بقيتها..

قال القاضي أبو الفضل «2» : ذكرنا نبذا من هذه النكت في هذا الفصل وإن لم تكن من الباب لتعلقها بالفصل الذي قبله حرصا على تمام الفائدة والله الموفق للصواب برحمته.

النص من طبعة دار الفيحاء بعمّان لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.