الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الشفا بتعريف حقوق المصطفى / الجزء الثاني / الباب الثالث في حكم من سب الله تعالى وملائكته وأنبياء وكتبه وآل النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحبه وفيه عشرة فصول
13

الباب الثالث في حكم من سب الله تعالى وملائكته وأنبياء وكتبه وآل النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحبه وفيه عشرة فصول

الجزء الثاني 10 عنصر صفحة 580
الفصل الأول حكم ساب الله تعالى وحكم استتابته ص 581

قال القاضي أبو الفضل:

لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم، واختلف في استتابته.

فقال ابن «1» القاسم في المبسوط، وفي كتاب ابن «2» سحنون ومحمد «3» ورواه ابن القاسم عن مالك «4» في كتاب إسحق «5» بن يحيى من سب الله تعالى من المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افتراء على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره فيستتاب.. وإن لم يظهره لم يستتب.

وقال في المبسوطة مطرف «1» وعبد «2» الملك مثله.. وقال المخزومي «3» ومحمد بن «4» مسلمة وابن «5» أبي حازم: لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب «6» ، وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم، وإن لم يتوبوا فتلوا. ولا بد من الاستتابة، وذلك كله كالردة، وهو الذي حكاه القاضي ابن نصر «7» عن المذهب.

وأفتى أبو محمد «8» بن أبي زيد فيما حكي عنه في رجل لعن رجلا ولعن الله فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني فقال:

يقتل بظاهر كفره، ولا يقبل عذره، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فمعذور.

واختلف فقهاء قرطبة في مسألة هارون «9» بن حبيب أخي عبد الملك الفقيه وكان ضيق الصدر كثير التبرم، وكان قد شهد عليه

بشهادات منها أنه قال عند استقلاله «1» من مرض: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر «2» وعمر «3» لم أستوجب هذا كله.

فأفتى إبراهيم «4» بن حسين بن خالد بقتله، وأن مضمن قوله تجوير «5» لله تعالى وتظلم منه، والتعريض فيه كالتصريح «6» .

وأفتى أخوه عبد الملك «7» بن حبيب، وإبراهيم «8» بن حسين بن عاصم، وسعيد بن «9» سليمان القاضي يطرح القتل عنه إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل في الحبس والشدة في الأدب لاحتمال كلامه وصرفه إلى التشكي.

فوجه من قال في ساب الله بالاستتابة أنه كفر وردة محضة، لم يتعلق بها حق لغير الله فأشبه قصد الكفر بغير سب الله وإظهار الانتقال إلى دين آخر من الأديان المخالفة للإسلام.

ووجه ترك استتابته: أنه لما ظهر منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه وظننا أن لسانه لم ينطق به إلا وهو معتقد له.. إذ لا يتساهل في هذا أحد، فحكم له بحكم الزنديق، ولم تقبل توبته وإذا انتقل من دين إلى دين آخر وأظهر السب بمعنى الارتداد فهذا قد أعلم أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه، بخلاف الأول المستمسك به وحكم هذا حكم المرتد يستتاب على مشهور مذاهب أكثر العلماء «1» .

وهو مذهب مالك وأصحابه على ما بيناه قبل وذكرنا الخلاف في فصوله.

***

الفصل الثاني حكم إضافة ما لا يليق به تعالى عن طريق الاجتهاد والخطأ ص 585

وأما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به. ليس على طريق السب ولا الردة وقصد الكفر.. ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى الهوى والبدعة.. من تشبيه، أو نعت بجارحة، أو نفي صفة كمال.

فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير «1» قائله ومعتقده واختلف قول مالك «2» وأصحابه في ذلك ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا «3» فئة.. وأنهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا.

وإنما اختلفوا في المنفرد منهم. فأكثر قول مالك وأصحابه ترك

القول بتكفيرهم «1» ، وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم، وإطالة سجنهم حتى يظهر إقلاعهم، وتستبين توبتهم.

كما فعل عمر «2» رضي الله عنه بصبيغ «3» وهذا قول محمد بن «4» المواز في الخوارج «5» وعبد الملك بن «6» الماجشون وقول سحنون «7» في جميع أهل الأهواء وبه فسر قول مالك في الموطأ وما رواه عن عمر بن «8» عبد العزيز وجده «9» وعمه «10» من قولهم في القدرية «11» : يستتابون، فإن تابوا وإلا قتلوا.

وقال عيسى «1» عن ابن «2» القاسم: في أهل الأهواء من الإباضية «3» والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب الله.. يستتابون.. أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا، وميراثهم لورثتهم.

وقال مثله أيضا ابن «4» القاسم في كتاب محمد «5» في أهل القدر وغيرهم قال: واستتابتهم أن يقال لهم: أتركوا ما أنتم عليه.

ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع قال:

وهم مسلمون.. وإنما قتلوا لرأيهم السوء.

وبهذا عمل عمر بن «6» عبد العزيز. وقال ابن القاسم: من قال: إن الله لم يكلم موسى تكليما.. استتيب فإن تاب وإلا قتل.

وابن «7» حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم وتكفير

أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة «1» .

وقد روي أيضا عن سحنون «2» مثله.. فيمن قال: ليس لله كلام.. أنه كافر.

واختلفت الروايات عن مالك «3» . فأطلق في رواية الشاميين أبي «4» مسهر ومروان بن «5» محمد الطاطري الكفر عليهم..

وقد شوور «6» في زواج القدري.. فقال: لا تزوجه. قال الله تعالى.. «ولعبد مؤمن خير من مشرك «7» » .

وروي عنه أيضا: «أهل الأهوا كلهم كفار» وقال: «من وصف شيئا من ذات الله تعالى وأشار إلى شيء من جده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه. لأنه شبه الله بنفسه» .

وقال: فيمن قال «القرآن مخلوق» كافر فاقتلوه. وقال أيضا في رواية ابن «1» نافع: يجلد ويوجع ضربا ويحبس حتى يتوب.

وفي رواية بشر «2» بن بكر التنيسي عنه: يقتل ولا تقبل توبته قال القاضي أبو عبد الله «3» البرتكاني والقاضي أبو عبد «4» الله التستري من أئمة العراقيين «5» : جوابه مختلف.. يقتل المستبصر «6» الدعية وعلى هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم «7» .

وحكى ابن «8» المنذر عن الشافعي «9» : لا يستتاب القدري وأكثر أقوال السلف تكفيرهم.

وممن قال به الليث «10» ، وابن عينية «11» ، وابن لهيعة «12» ، وروي

عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن وقاله ابن «1» المبارك، والأودي «2» ، ووكيع «3» ، وحفص «4» بن غياث، وأبو إسحاق «5» الفزاري، وهشيم «6» ، وعلي «7» بن عاصم في آخرين

وهو من قول أكثر المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين فيهم، وفي الخوارج، والقدرية، وأهل الأهواء المضلة، وأصحاب البدع المتأولين.

وهو قول أحمد «8» بن حنبل. وكذلك قالوا في الواقفة «9» والشاكة في هذه الأصول.

وممن روي عنه معنى القول الآخر بترك تكفيرهم علي بن «1» أبي طالب وابن «2» عمر، والحسن «3» البصري وهو رأي جماعة من الفقهاء «4» النظار «5» والمتكلمين «6» .

واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين، ورثة أهل حروراء «7» ومن عرف بالقدر ممن مات منهم، ودفنهم في مقابر المسلمين وجري أحكام الإسلام عليهم.

قال إسماعيل «8» القاضي: وإنما قال مالك «9» في القدرية وسائر أهل البدع يستتابون. فإن تابوا وإلا قتلوا، لأنه من الفساد في الأرض. كما قال في المحارب إن رأى الإمام قتله، وإن لم يقتل قتله.. وفساد المحارب إنما هو في الأموال ومصالح الدنيا وإن كان قد يدخل أيضا في أمر الدين من سبيل الحج والجهاد.. وفساد أهل البدع معظمه على الدين.. وقد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين المسلمين من العداوة.

الفصل الثالث في تحقيق القول في إكفار المتأولين ص 592

قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأولين.. ممن قال قولا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه. وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك.

فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين «1» ، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين.

وقالوا هم فساق عصاة ضلال، ونورثهم من المسلمين وتحكم لهم بأحكامهم.

ولهذا قال سحنون «1» : «لا إعادة على من صلى خلفهم» . قال- وهو قول جميع أصحاب مالك «2» ، المغيرة «3» ، وابن «4» كنانة وأشهب «5» قال: لأنه مسلم، وذنبه لم يخرجه من الإسلام.

واضطرب آخرون في ذلك ووقفوا عن القول بالتكفير أو ضده. واختلاف قولي مالك «2» في ذلك وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه.

وإلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر «6» إمام أهل التحقيق والحق وقال إنها من المعوصات «7» ، إذ القوم لم يصرحوا باسم الكفر، وإنما قالوا قولا يؤدي إليه.

واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه «8» مالك «2» بن أنس.

حتى قال في بعض كلامه إنهم على رأي من كفرهم بالتأويل لا

تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، ولا الصلاة على ميتهم، ويختلف في موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد.

وقال أيضا: «نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ولا نورثهم من المسلمين» .. وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل.

وكذلك اضطرب فيه قول شيخه أبي «1» الحسن الأشعري وأكثر قوله ترك التكفير.. وأن الكفر خصلة واحدة وهو الجهل بوجود الباري تعالى.

وقال مرة: «من اعتقد أن الله جسم، أو المسيح أو بعض من يلقاه في الطرق فليس بعارف به وهو كافر» .

ولمثل هذا ذهب أبو «2» المعالي رحمه الله في أجوبته لأبي «3» محمد عبد الحق وكان سأله عن المسألة فاعتذر له بأن الغلط فيها يصعب..

لأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين.

وقال غيرهما من المحققين: «الذي «4» يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل، فإن استباحة دماء المصلين «5» الموحدين خطر..

والخطأ في ترك «1» ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة «2» من دم مسلم واحد.

وقد قال صلى الله عليه وسلم «3» : «فإذا قالوها- يعني الشهادة «4» - عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله..»

فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه.. وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل.. فما جاء منها في التصريح بكفر القدرية، وقوله: «لا سهم لهم في الإسلام» وتسميته الرافضة بالشرك، وإطلاق اللعنة عليهم.. وكذلك في الخوارج وغيرهم من أهل الأهواء، فقد يحتج بها من يقول بالتكفير.

وقد يجيب الاخر بأنه قد ورد مثل هذه الألفاظ في الحديث في غير الكفرة على طريق التغليظ «5» .. وكفر «6» دون كفر، وإشراك دون إشراك.

وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين، والزوج، والزور

وغير معصية «1» .. وإذا كان محتملا للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع.

وقوله «2» في الخوارج: «هم من شر البرية..» وهذه صفة الكفار «3» وقال: «شر قبيل «4» تحت أديم «5» السماء، طوبى «6» لمن قتلهم «7» أو قتلوه..»

وقال «8» : «فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد «9» .» وظاهر هذا الكفر، لا سيما مع تشبيههم بعاد فيحتج به من يرى تكفيرهم.

فيقول له الآخر، إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين، وبغيهم عليهم، بدليله من الحديث نفسه «يقتلون أهل الإسلام» .

فقتلهم ههنا حد لا كفر.. وذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا للمقتول وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره، ويعارضه بقول خالد «10»

في الحديث «1» : «دعني أضرب عنقه «2» يا رسول الله» فقال:

«لعله يصلي» ..

فإن احتجوا

بقوله صلى الله عليه وسلم «3» : «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم «4» .»

فأخبر أن الإيمان لم يدخل قلوبهم.

وكذلك قوله: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية «5» ثم لا يعودون إليه حتى يعود «6» السهم على «7» فوقه «8» »

وبقوله «9» : «سبق الفرث «10» والدم..» يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشيء.

أجابه الآخرون: إن معنى «لا يجاوز حناجرهم» لا يفهمون معانيه بقلوبهم، ولا تنشرح له صدورهم ولا تعمل به جوارحهم.

وعارضوهم بقوله «ويتمارى في الفوق «1» » وهذا يقتضي التشكك في حاله.

وإن احتجوا بقول أبي سعيد «2» الخدري في هذا الحديث:

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج في هذه الأمة..» ولم يقل «من هذه» وتحرير أبي سعيد الرواية وإتقانه اللفظ.

أجابهم الآخرون: بأن العبارة «بفي» لا تقتضي تصريحا بكونهم من غير الأمة، بخلاف لفظة «من» التي هي للتبعيض، وكونهم من الأمة.. مع أنه قد روي عن أبي ذر «3» وعلي «4» ، وأبي «5» أمامة وغيرهم في هذا الحديث: «يخرج من أمتي» و «سيكون من أمتي» وحروف المعاني مشتركة فلا تقويل على إخراجهم من الأمة ب «في» ولا على إدخالهم فيها ب «من» .

لكن أبا سعيد «6» رضي الله عنه أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه عليه.. وهذا مما يدل على سعة فقه الصحابة، وتحقيقهم للمعاني،

واستنباطها من الألفاظ، وتحريرهم لها، وتوقيهم في الرواية «1» .

- هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة ولغيرهم من الفرق فيها مقالات كثيرة مضطربة سخيفة.

أقربها قول جهم «2» ، ومحمد بن «3» شبيب: «إن الكفر بالله الجهل به. لا يكفر أحد بغير ذلك» «4» .

وقال أبو الهذيل «5» : «إن كل متأول كان تأويله تشبيها لله بخلقه وتجويرا «6» له في فعله، وتكذيبا لخبره فهو كافر.. وكل من أثبت شيئا قديما لا يقال له الله فهو كافر» .

وقال بعض المتكلمين: «إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه، وكان فيما هو من أوصاف الله فهو كافر، وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق، إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو مخطىء غير كافر» .

وذهب عبيد الله «1» بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل، وفارق في ذلك فرق الأمة.. إذ أجمعوا- سواه- على أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطىء فيه آثم عاص فاسق.. وإنما الخلاف في تكفيره.

وقد حكى القاضي أبو بكر «2» الباقلاني مثل قول عبيد «1» الله عن داوود «3» الأصبهاني.

قال: وحكى قوم عنهما «4» أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا، أو من غيرهم.

وقال نحو هذا القول الجاحظ «1» ، وثمامة «2» ، في أن كثيرا من العامة، والنساء، والبله. ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم.. إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال «3»

وقد نحا «4» الغزالي «5» قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة «6»

وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شك.

قال القاضي أبو «1» بكر.. لأن التوقيف «2» والإجماع اتفقا على كفرهم، فمن وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف، أو شك فيه. والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر.

الفصل الرابع في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر ص 603

اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع، ولا مجال للعقل فيه.

والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر.. كمقالة الدهرية «1» وسائر فرق أصحاب الاثنين «2» من الديصانية «3»

والمانوية «1» وأشباههم من الصابئين «2» والنصارى والمجوس «3» والذين أشركوا بعبادة الأوثان، أو الملائكة أو الشياطين، أو الشمس، أو النجوم، أو النار أو أحد غير الله من مشركي العرب وأهل الهند والصين، والسودان، وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب.

وكذلك القرامطة «4» وأصحاب الحلول «5» ، والتناسخ «6» من الباطنية «7» ، والطيارة «8» من الروافض، والبيانية «9» والغرابية «10» وكذلك من اعترف بإلاهية الله ووحدانيته، ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم، وأنه محدث، أو مصور، أو ادعى له ولدا، أو صاحبة

أو والدا أو أنه متولد من شيء، أو كائن عنه، أو أن معه في الأزل شيئا قديما «1» غيره، أو أن ثم صانعا للعالم سواه.. أو مدبرا غيره.. فذلك كله كفر بإجماع المسلمين.

كقول الإلهيين من الفلاسفة «2» والمنجمين «3» والطبائعيين «4» وكذلك من ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة «5» والباطنية، والنصارى، والقرامطة، وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه، أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية، أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبها أو

تنعهما فيها بحسب «1» زكائها وخبثها وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النبوة من أصلها عموما. أو نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصا، أو أحد من الأنبياء الذين نص الله عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب.

كالبراهمة «2» ، ومعظم اليهود، والأروسية من النصارى والغرابية من الروافض الزاعمين أن عليا كان المبعوث إليه جبريل، وكالمعطلة «3» ، والقرامطة، والإسماعيلية «4» والعنبرية من الرافضة، وإن كان بعض هؤلاء قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم.

وكذلك من دان بالوحدانية وصحة النبوة ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به. ادعى في ذلك المصلحة- بزعمه- أو لم يدعها فهو كافر بإجماع كالمتفلسفين، وبعض الباطنية. والروافض، وغلاة المتصوفة، وأصحاب الإباحة «5» فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة، والحشر، والقيامة، والجنة، والنار، ليس منها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها.

وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم.. إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم، فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر، والنواهي، وتكذيب الرسل، والارتياب فيما أتوا به..

وكذلك من أضاف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه، أو قال: إنه لم يبلغ أو استخف به، أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم.. أو آذاهم.. أو قتل نبيا، أو حاربه.. فهو كافر بإجماع.

- وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرا ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود وغير ذلك، ويحتج بقوله تعالى «وإن من أمة إلا خلا فيها نذير «1» » إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصب المنيف ما فيه.. مع إجماع المسلمين على خلافه. وتكذيب قائله.

- وكذلك نكفر من اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن قال: كان أسود أو مات قبل أن يلتحي، أو ليس الذي كان بمكة، والحجاز، أو ليس بقرشي.. لأن

وصفه بغير صفاته المعلومة نفي له وتكذيب به.. وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده كالعيسوية «1» من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب، وكالخرمية «2» القائلين بتواتر الرسل، وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم وبعده.. فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة.. وكالبزيعية «3» والبيانية منهم القائلين بنبوة بزيع وبيان «4» وأشباه هؤلاء أو من ادعى النبوة لنفسه.. أو جوز.

اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة

- وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه، وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء. ويدخل الجنة، ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين.. فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم.. لأنه

أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين، لا نبي بعده.. وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس، وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعا إجماعا وسمعا.

- وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا على نقله مقطوعا به، مجمعا على حمله على ظاهره، كتكفير الخوارج بإبطال «1» الرجم. ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل.. أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم.. وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه.. فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك.

- وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة، وتكفير جميع الصحابة.. كقول الكميلية «2» من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ لم تقدم عليا «3» .. وكفرت عليا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم.

- فهؤلاء قد كفروا من وجوه، لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن، إذ ناقلوه كفرة على زعمهم.

وإلى- هذا- والله أعلم- أشار مالك «1» في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة.

- ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي رضي الله عنه وهو يعلم أنه يكفر بعده- على قولهم- لعنة الله عليهم-. وصلى الله على رسوله وآله.

- وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل..

كالسجود للصنم، وللشمس، والقمر، والصليب، والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها، والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص «2» الرؤوس.

فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر، وإن صرح فاعلها بالإسلام.

- وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل،

أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة «1» .

- وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ووقع الإجماع المتصل عليه. كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس، وعدد ركعاتها وسجداتها ويقول: إنما أوجب الله علينا في كتابه الصلاة على الجملة وكونها خمسا.. وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي، والخبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم خبر واحد..

- وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج إن الصلاة طرفي النهار.

- وعلى تكفير الباطنية في قولهم إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم.. والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم.

وقول بعض المتصوفة.. إن العبادة. وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها وإباحة كل شيء لهم ورفع عهد الشرائع عنهم.

- وكذلك إن أنكر منكر مكة، أو البيت، أو المسجد الحرام أو صفة الحج.. أو قال: الحج واجب في القرآن واستقبال القبلة كذلك، ولكن كونه على هذه الهيأة المتعارفة، وأن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام لا أدري هل هي تلك أو غيرها! ولعل الناقلين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بهذه التفاسير غلطوا ووهموا.

فهذا ومثله لامرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك، وممن خالط المسلمين وامتدت صحبته لهم.. إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام فيقال له: سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين، فلا تجد بينهم خلافا، كافة عن كافة إلى معاصر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمور كما قيل لك، وأن تلك البقعة هي مكة..

والبيت الذي فيها هو الكعبة، والقبلة التي صلى لها الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون وحجوا إليها وطافوا بها، وأن تلك الأفعال هي صفات عبادة الحج والمراد به.. وهي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون.

وأن صفات الصلوات المذكورة.. هي التي فعل النبي صلى الله عليه وسلم،

وشرح مراد الله بذلك، وأبان حدودها.. فيقع لك العلم كما وقع لهم.. ولا ترتاب بذلك بعد.. والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث وصحبة المسلمين كافر باتفاق ولا يعذر بقوله «لا أدري» ، ولا يصدق فيه.. بل ظاهره التستر عن التكذيب، إذ لا يمكن أنه لا يدري وأيضا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما نقلوه من ذلك وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله وتفسير مراد الله به أدخل الاسترابة في جميع الشريعة. إذ هم الناقلون لها وللقرآن، وانحلت عرى الدين كرة.. ومن قال هذا كافر.

- وكذلك من أنكر القرآن أو حرفا منه، أو غير شيئا منه، أو زاد فيه- كفعل الباطنية والإسماعيلية- أو زعم أنه ليس بحجة للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ليس فيه حجة ولا معجزة.

كقول هشام «1» الفوطي، ومعمر «2» الصيمري إنه لا يدل على الله ولا حجة فيه لرسوله، ولا يدل على ثواب ولا عقاب ولا حكم.. ولا محالة في كفرهما بذلك القول.

- وكذلك نكفر هما بإنكار هما أن يكون في سائر معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حجة له، أو في خلق السموات والأرض «1» دليل على الله لمخالفتهم الإجماع والنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم باحتجاجه بهذا كله، وتصريح القرآن به.

- وكذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس، ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلا به، ولا قريب عهد بالإسلام، واحتج لإنكاره إما بأنه لم يصح النقل عنده، ولا بلغه العلم به، أو لتجويز الوهم على ناقله، فنكفره بالطريقين المتقدمين «2» لأنه مكذب للقرآن، مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه تستر بدعواه.. وكذلك من أنكر الجنة، أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة، فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا.

- وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار، والحشر والنشر، والثواب والعقاب، معنى غير ظاهره، وإنها لذات روحانية، ومعان باطنة كقول النصارى، والفلاسفة،

والباطنية، وبعض المتصوفة «1» ، وزعم أن معنى القيامة الموت أو فناء محض، وانتقاض هيئة الأفلاك، وتحليل العالم.. كقول بعض الفلاسفة.

- وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء. فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد، لا يرجع إلى إبطال شريعة ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك «2» ، أو مؤتة «3» ، أو وجود أبي «4» بكر، وعمر «5» ، أو قتل عثمان «6» ، أو خلافة علي «7» مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكاره جحد شريعة فلا سبيل إلى تكفيره. بجحد ذلك وإنكار وقوع العلم له إذ ليس في ذلك أكثر

من المباهتة.. كإنكار هشام «1» وعباد «2» وقعة الجمل «3» ومحاربة علي من خالفه.

- فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة الناقلين ووهم المسلمين أجمع.. فنكفره بذلك لسريانه «4» إلى إبطال الشريعة.

فأما من أنكر الإجماع «5» المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع، فأكثر المتكلمين من الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموما.

وحجتهم قوله تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى.» «1» الآية

وقوله صلى الله عليه وسلم «2» : «من خالف الجماعة قيد «3» شبر فقد خلع ربقة «4» الإسلام من عنقه.»

وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع وذهب آخرون إلى الوقف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع الذي يختص بنقله العلماء.

وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائن عن نظر، كتكفير النظام «5» بإنكاره الإجماع لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به خارق للإجماع.

قال القاضي «6» أبو بكر: القول عندي أن الكفر بالله هو

الجهل بوجوده والإيمان بالله هو العلم بوجوده. وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأي إلا أن يكون هو الجهل بالله فإن عصى بقول، أو فعل نص الله ورسوله، أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر.. أو يقوم دليل على ذلك فقد كفر.

ليس لأجل قوله أو فعله. لكن لما يقارنه من الكفر فالكفر بالله لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور:

أحدها: الجهل بالله تعالى.

والثاني: أن يأتي فعلا، أو يقول قولا يخبر الله ورسوله أو يجمع المسلمون أن ذلك لا يكون إلا من كافر كالسجود للصنم، والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم. أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم بالله.. قال: فهذان الضربان وإن لم يكونا جهلا بالله، فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان.

فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية، أو جحدها مستبصرا في ذلك كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم

وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها.

وعلى هذا حمل قول سحنون «1» من قال: «ليس لله كلام فهو كافر» وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه.

فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا فكفره بعضهم وحكي ذلك عن أبي «2» جعفر الطبري وغيره

وقال به أبو الحسن «3» الأشعري مرة

وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان.. وإليه رجع الأشعري قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه، ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق.

واحتج هؤلاء بحديث السوداء «4» وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب منها التوحيد لا غير.

وبحديث القائل «1» : لئن قدر الله علي- وفي رواية فيه- لعلي أضل الله- ثم قال- فغفر الله له

قالوا: ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها، لما وجد من يعلمها إلا الأقل.

وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه:

منها: أن «قدر» بمعنى «قدر» ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع، ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه حينئذ كفرا فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول.. أو يكون «قدر» بمعنى «ضيق» ويكون ما فعله بنفسه إزراء عليها، وغضبا لعصيانها.

وقيل: «قال ما قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه من الجزع والخشية التي أذهبت لبه فلم يؤاخذ به»

وقيل: «كان هذا في زمن الفترة. وحيث ينفع مجرد التوحيد» وقيل: (بل هذا من مجاز «1» كلام العرب الذي صورته الشك ومعناه التحقيق.. وهو يسمى تجاهل العارف.. وله أمثلة في كلامهم.

كقوله تعالى: «لعله يتذكر أو يخشى «2» »

وقوله: «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين «3» » ) فأما من أثبت الوصف، ونفى الصفة «4» فقال: أقول عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له. وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة. فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره.. لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم.. إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم.

وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة، والقدرية، وغيرهم، ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم.

قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا: لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمال الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر. بل نقول: إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه.

فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل.

وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك.

والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الختم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحاتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر معاملاتهم. لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب. وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم.

وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم.

فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه

الأقوال من القدر، ورأي الخوارج والاعتزال «1» ، فما أزاحوا لهم قبرا، ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا، لكنهم هجروهم. وأدبوهم بالضرب. والنفي، والقتل، على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم، خلافا لمن رأى غير ذلك، والله الموفق للصواب.

قال القاضي أبو بكر «2» : وأما مسائل الوعد والوعيد «3» ، والرؤية «4» والمخلوق «5» ، وخلق الأفعال، وبقاء الأعراض «6» ،

والتولد «1» ، وشبهها من الدقائق، فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح.. إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل بالله تعالى.. ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها. وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى.

الفصل الخامس حكم الذمي إذا سب الله تعالى ص 625

هذا حكم المسلم الساب لله تعالى.

وأما الذمي

فروي عن عبد «1» الله بن عمر في ذمي «2» تناول من حرمة الله تعالى غير ما هو عليه من دينه وحاج فيه.. فخرج ابن عمر عليه بالسيف فطلبه فهرب.

وقال مالك «3» في كتاب ابن «4» حبيب والمبسوطة وابن القاسم «5» في المبسوط، وكتاب محمد «6» وابن سحنون «7» : «من شتم الله من

اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفر به قتل ولم يستتب.»

قال ابن القاسم إلا أن يسلم. قال في المبسوطة طوعا.

قال أصبغ «1» : «لأن الوجه الذي به كفروا هو دينهم وعليه عوهدوا من دعوى الصاحبة والشريك والولد وأما غير هذا من الفرية والشتم فلم يعاهدوا عليه فهو نقض للعهد» .

قال ابن القاسم في كتاب محمد «2» : «ومن شتم من غير أهل الأديان الله تعالى بغير الوجه الذي ذكر في كتابه قتل إلا أن يسلم.

وقال المخزومي «3» في المبسوطة.، ومحمد بن «4» مسلمة وابن «5» أبي حازم: «لا يقتل حتى يستتاب، مسلما كان أو كافرا فإن تاب وإلا قتل» .

وقال مطرف «6» وعبد «7» الملك: مثل قول مالك «8» وقال

أبو محمد «1» بن أبي زيد: «من سب الله تعالى بغير الوجه الذي به كفر قتل إلا أن يسلم» .

وقد ذكرنا قول ابن الجلاب «2» قبل. وذكرنا قول عبيد «3» الله، وابن «4» لبابة، وشيوخ الأندلسيين في النصرانية، وفتياهم بقتلها لسبها- بالوجه الذي كفرت به- الله والنبي وإجماعهم على ذلك وهو نحو القول الآخر فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم منهم بالوجه الذي كفر به.

ولا فرق في ذلك بين سب الله وسب نبيه لأنا عاهدناهم على أن لا يظهروا لنا شيئا من كفرهم وأن لا يسمعونا شيئا من ذلك، فمتى فعلوا شيئا منه فهو نقض لعهدهم.

واختلف العلماء في الذمي إذا تزندق فقال مالك ومطرف، وابن «5» عبد الحكم، وأصبغ «6» : «لا يقتل لأنه خرج من كفر إلى كفر» .

وقال عبد الملك «1» بن الماجشون: «يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد.. ولا يؤخذ عليه جزية» .

قال ابن «2» حبيب: «وما أعلم من قاله غيره» .

***

الفصل السادس حكم ادعاء الإلهية أو الكذب والبهتان على الله ص 629

هذا حكم من صرح بسبه وإضافة ما لا يليق بجلاله وإلهيته.

فأما مفتري الكذب عليه تبارك وتعالى بادعاء الإلهية أو الرسالة، أو النافي أن يكون الله خالقه، أو ربه.. أو قال: «ليس لي رب» ، أو المتكلم بما لا يعقل من ذلك في سكره، أو غمرة جنونه، فلا خلاف في كفر قائل ذلك ومدعيه مع سلامة عقله كما قدمناه. لكنه تقبل توبته على المشهور، وتنفعه إنابته، وتنجيه من القتل فيأته، لكنه لا يسلم من عظيم النكال، ولا يرفه «1» عن شديد العقاب، ليكون ذلك زجرا لمثله عن قوله، وله عن العودة لكفره أو جهله إلا من تكرر منه ذلك وعرف استهانته بما أتى به، فهو دليل على

سوء طويته، وكذب توبته،، وصار كالزنديق الذي لا نأمن باطنه، ولا نقبل رجوعه.. وحكم السكران في ذلك حكم الصاحي.. وأما المجنون والمعتوه فما علم أنه قاله من ذلك في حال غمرته، وذهاب ميزه بالكلية فلا نظر فيه، وما فعله من ذلك في حال ميزه وإن لم يكن معه عقله وسقط تكليفه أدب على ذلك لينزجر عنه كما يؤدب على قبائح الأفعال ويوالى أدبه على ذلك حتى ينكف عنه، كما تؤدب البهيمة على سوء الخلق حتى تراض.

- وقد أحرق علي «1» بن أبي طالب رضي الله عنه من ادعى «2» له الإلهية.

- وقد قتل عبد الملك «3» بن مروان الحارث «4» المتنبي وصلبه وفعل ذلك غير واحد من الخلفاء والملوك بأشباههم وأجمع علماء

وقتهم على صواب فعلهم.. والمخالف في ذلك من كفرهم كافر.

وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر «1» من المالكية، وقاضي قضاتها أبو عمر «2» المالكي على قتل الحلاج «3» وصلبه لدعواه الإلهية «4» ، والقول بالحلول «5» وقوله «أنا الحق» مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته.

وكذلك حكموا في ابن أبي «1» الفراقيد، وكان على نحو مذهب الحلاج بعد هذا أيام الراضي «2» بالله.. وقاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين بن «3» أبي عمر المالكي.

وقال ابن عبد «4» الحكم في المبسوط: «من تنبأ قتل» .

وقال أبو حنيفة «5» وأصحابه: «من جحد أن الله تعالى خالقه أو ربه أو قال: ليس لي رب فهو مرتد» .

وقال ابن القاسم «6» في كتاب ابن «7» حبيب ومحمد «8» في

العتبية فيمن تنبأ يستتاب أسر ذلك أو أعلنه، وهو كالمرتد..

وقاله سحنون «1» وغيره وقاله أشهب «2» في يهودي تنبأ وادعى أنه رسول إلينا.. إن كان معلنا بذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل.

وقال أبو محمد «3» بن أبي زيد فيمن لعن بارئه وادعى أن لسانه زل.. وإنما أراد لعن الشيطان يقتل بكفره ولا يقبل عذره، وهذا على القول الآخر من أنه لا تقبل توبته.

وقال أبو الحسين «4» القابسي في سكران قال: أنا الله أنا الله.

إن تاب أدب فإن عاد إلى مثل قوله طولب مطالبة الزنديق لأن هذا كفر المتلاعبين.

الفصل السابع حكم من تعرض بساقط قوله وسخيف لفظه لجلال ربه دون قصد ص 634

وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه وأهمل لسانه بما يقتضي الاستخفاف بعظمة ربه، وجلالة مولاه..

أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم الله من ملكوته.. أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد للإلحاد.

فإن تكرر هذا منه، وعرف به دل على تلاعبه بدينه، واستخفافه بحرمة ربه، وجهله بعظيم عزته وكبريائه.

- وهذا كفر لامرية فيه. وكذلك إن كان ما أورده يوجب الاستخفاف والتنقص لربه.

وقد أفتى ابن حبيب «1» وأصبغ «2» بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بابن أخي عجب «3» ، وكان خرج يوما فأخذه المطر فقال: «بدأ الخراز «4» يرش جلوده» .

وكان بعض الفقهاء بها.. أبو زيد «5» صاحب الثمانية «6» ، وعبد الأعلى «7» بن وهب، وأبان «8» بن عيسى. وقد توقفوا عن سفك دمه، وأشاروا إلى أنه عبث من القول. يكفي فيه الأدب.

وأفتى بمثله القاضي حينئذ موسى «9» بن زياد. فقال ابن حبيب:

دمه في غيض.. أيشتم رب عبدناه ثم لا ننتصر له.. إنا إذا لعبيد سوء ما نحن له بعابدين وبكى. ورفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن «1» بن الحكم الأموي وكانت عجب «2» عمة هذا المطلوب من حظاياه «3» ، وأعلم باختلاف الفقهاء فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن «4» حبيب وصاحبه وأمر بقتله، فقتل وصلب بحضرة الفقيهين.. وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة.

ووبخ بقية الفقهاء وسبهم.

- وأما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة، والفلتة الشاردة ما لم يكن تنقصا وإزراء فيعاقب عليها، ويؤدب بقدر مقتضاها، وشنعة معناها، وصورة حال قائلها، وشرح سببها ومقارنها.

وقد سئل ابن «5» القاسم رحمه الله عن رجل نادى رجلا باسمه

فأجابه لبيك اللهم لبيك. قال: فإن كان جاهلا، أو قاله على وجه سفه فلا شيء عليه.

قال القاضي أبو «1» الفضل: وشرح قوله أنه لا قتل عليه. والجاهل يزجر ويعلم. والسفيه يؤدب. ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه لكفر. هذا مقتضى قوله.

وقد أسرف كثير من سخفاء الشعراء ومتهميهم في هذا الباب واستخفوا عظيم هذه الحرمة فأتوا من ذلك بما ننزه كتابنا ولساننا وأقلامنا عن ذكره، ولولا أنا قصدنا نص مسائل حكيناها لما ذكرنا شيئا مما يثقل ذكره علينا مما حكيناه في هذه الفصول. وأما ما ورد في هذا من أهل الجهالة وأغاليط اللسان كقول بعض الأعراب

رب العباد ما لنا ومالكا ... قد كنت تسقينا فما بدا لكا

أنزل علينا الغيث لا أبا لكا.

في أشباه لهذا من كلام الجهال، ومن لم يقومه ثقاف «2» تأديب الشريعة والعلم في هذا الباب. فقلما يصدر إلا من جاهل يجب تعليمه وزجره والإغلاظ له عن العودة إلى مثله.

قال أبو سليمان «1» الخطابي: وهذا تهور من القول. والله منزه عن هذه الأمور.

وقد روينا عن عون «2» بن عبد الله أنه قال: «ليعظم أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شيء. حتى لا يقول. أخزى الله الكلب.

وفعل به كذا وكذا» .

وكان بعض من أدركنا من مشايخنا قلما يذكر اسم الله تعالى إلا فيما يتصل بطاعته.

وكان يقول للإنسان: جزيت خيرا. وقلما يقول: جزاك الله خيرا. إعظاما لاسمه تعالى أن يمتهن في غير قربة.

وحدثنا الثقة «3» أن الإمام أبا بكر «4» الشاشي كان يعيب على

أهل الكلام كثرة خوضهم فيه تعالى وفي ذكر صفاته إجلالا لاسمه تعالى.

ويقول: هؤلاء يتمندلون «1» بالله عز وجل.. وينزل الكلام في هذا الباب تنزيله في باب ساب النبي صلى الله عليه وسلم. على الوجوه التي فصلناها.. والله الموفق.

الفصل الثامن حكم سب بقية الأنبياء والملائكة ص 640

وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته واستخف بهم، أو كذبهم فيما أتوا به، أو أنكرهم وجحدهم.. حكم نبينا صلى الله عليه وسلم على مساق ما قدمناه.

قال الله تعالى: «إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله. «1» » الآية

وقال تعالى: «قولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم. «2» » الآية إلى قوله «لا نفرق بين أحد منهم «3» »

وقال: «كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله «4» »

قال مالك «1» في كتاب ابن حبيب «2» ومحمد «3» ، وقال ابن القاسم «4» وابن الماجشون «5» ، وابن «6» عبد الحكم، وأصبغ «7» وسحنون «8» فيمن شتم الأنبياء أو أحدا منهم أو تنقصه قتل ولم يستتب. ومن سبهم من أهل الذمة قتل إلا أن يسلم.

وروى سحنون عن ابن القاسم: «من سب الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر فاضرب عنقه إلا أن يسلم» .

وقد تقدم الخلاف في هذا الأصل.. وقال القاضي بقرطبة سعيد بن «9» سليمان في بعض أجوبته: «من سب الله وملائكته قتل» .

وقال سحنون «10» : «من شتم ملكا من الملائكة فعليه القتل» .

وفي النوادر «1» عن مالك «2» : «فيمن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما كان النبي علي بن «3» أبي طالب. استتيب فإن تاب وإلا قتل» .

ونحوه عن سحنون. وهذا قول الغرابية «4» من الروافض..

سموا بذلك لقولهم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بعلي من الغراب بالغراب»

وقال أبو حنيفة «5» وأصحابه على أصلهم: «من كذب بأحد من الأنبياء أو تنقص أحدا منهم أو برىء منه فهو مرتد» .

وقال أبو الحسن «6» القابسي: في الذي قال لآخر: كأنه وجه مالك «7» الغضبان.. لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل.

قال القاضي أبو «8» الفضل: وهذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه

على جملة الملائكة والنبيين، أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة والنبيين ممن نص الله عليه في كتابه، أو حققنا علمه بالخبر المتواتر والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع، كجبريل «1» وميكائيل ومالك، وخزنة الجنة، وجهنم والزبانية وحملة العرش المذكورين في القرآن من الملائكة ومن سمي فيه من الأنبياء، وكعزرائيل، وإسرافيل ورضوان، والحفظة ومنكر ونكير «2» من الملائكة المتفق على قبول الخبر بهما.. فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه كهاروت وماروت في الملائكة، والخضر «3» ولقمان «4» وذي القرنين «5» ومريم «6» وآسية «7» وخالد بن «8» سنان (المذكور أنه نبي أهل

الرس) وزرادشت «1» الذي تدعي المجوس والمؤرخون نبوته، فليس الحكم في سابهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه.. إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة.. ولكن يزجر من تنقصهم وآذاهم، ويؤدب بقدر حال المقول فيه، لا سيما من عرفت صديقيته وفضله منهم وإن لم تثبت نبوته.

وأما إنكار نبوتهم، أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك من أهل العلم فلا حرج، لاختلاف العلماء في ذلك، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا. فإن عاد أدب إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا.

وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العلم، فكيف للعامة!

الفصل التاسع الحكم بالنسبة للقرآن ص 645

واعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده، أو حرفا منه، أو آية أو كذب به، أو بشيء منه.. أو بشيء مما صرح به فيه من حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته.. على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع.

قال الله تعالى: «وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. «1» »

عن أبي «2» هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «3» : «المراء «4» في القرآن كفر» تؤول بمعنى «الشك» وبمعنى «الجدال»

وعن ابن عباس «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم «2» : «من جحد آية من كتاب الله من المسلمين فقد حل ضرب عنقه..»

وكذلك إن جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة أو كفر بها، أو لعنها، أو سبها، أو استخف بها فهو كافر.

وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول (الحمد لله رب العالمين «3» ) إلى آخر (قل أعوذ برب الناس) أنه كلام الله، ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.. وأن جميع ما فيه حق. وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع الإجماع عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا. أنه كافر

ولهذا رأى مالك «4» قتل من سب عائشة «5» رضي الله عنها بالفرية لأنه خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل.. أي لأنه كذب بما فيه.

وقال ابن «1» القاسم: «من قال إن الله تعالى لم يكلم موسى تكليما يقتل» .

وقاله عبد الرحمن «2» بن مهدي. وقال محمد بن «3» سحنون:

فيمن قال: «المعوذتان ليستا من كتاب الله يضرب عنقه إلا أن يتوب وكذلك كل من كذب بحرف منه» .

قال: «وكذلك إن شهد شاهد على من قال: إن الله لم يكلم موسى تكليما، وشهد آخر عليه أنه قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا لأنهما اجتمعا على أنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم» .

وقال أبو عثمان «4» الحداد: «جميع من ينتحل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من التنزيل كفر» .

وكان أبو «5» العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل له: ليس كما قرأت ويقول: أما أنا فأقرأ كذا. فبلغ ذلك إبراهيم «6» فقال:

أراه سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كلية.

وقال عبد الله بن «1» مسعود «2» : من كفر باية من القرآن فقد كفر به كله.

وقال أصبغ بن «3» الفرج: من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله ومن كذب به فقد كفر به، ومن كفر به فقد كفر بالله.

وقد سئل القابسي «4» عمن خاصم يهوديا فحلف له بالتوراة..

فقال الآخر: لعن الله التوراة، فشهد عليه بذلك شاهد ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية فقال إنما لعنت توراة اليهود.. فقال أبو الحسن: الشاهد الواحد لا يوجب القتل، والثاني علق الأمر بصفة تحتمل التأويل.. إذ لعله لا يرى اليهود متمسكين بشيء من عند الله لتبديلهم، وتحريفهم، ولو اتفق الشاهدان على لعن التوراة مجردا لضاق التأويل.

وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ «5» المقرىء أحد

أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد «1» لقراءته وإقراءه بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف.. وعقدوا عليه- بالرجوع عنه، والتوبة منه- سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي علي بن «2» مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمئة.

وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر «3» الأبهري وغيره وأفتى أبو محمد «4» بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي: لعن الله معلمك وما علمك.. وقال: أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن قال أبو محمد وأما من لعن المصحف فإنه يقتل.

الفصل العاشر الحكم في سب آل البيت والأزواج والأصحاب ص 650

وسب آل بيته وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه صلى الله عليه وسلم وثنقصها حرام ملعون فاعله.

عن عبد الله بن «1» مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.. ومن آذى الله يوشك أن يأخذه..»

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.»

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فإنه يجيء قوم في آخر الزمان يسبون أصحابي فلا تصلوا عليهم، ولا تصلوا معهم، ولا تناكحوهم، ولا تجالسوهم، وإن مرضوا فلا تعودوهم.»

وعنه صلى الله عليه وسلم: «من سب أصحابي فاضربوه.» وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن سبهم وأذاهم يؤذيه وأذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام»

فقال: «لا تؤذوا أصحابي، ومن آذاهم فقد آذاني..

وقال: «لا تؤذوني في عائشة «1» .» وقال في فاطمة «2» : «بضعة مني يؤذيني ما آذاها «3» ..»

وقد اختلف العلماء في هذا فمشهور مذهب مالك «4» في ذلك:

الاجتهاد والأدب الموجع قال مالك رحمه الله: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ومن شتم أصحابه أدب.

وقال أيضا: من شتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر «5»

أو عمر «1» ، أو عثمان «2» ، أو معاوية «3» ، أو عمرو «4» بن العاص فإن قال: كانوا على ضلال وكفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا.

وقال ابن «5» حبيب: من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه، ويطال جنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال سحنون «6» : من كفر أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عليا «7» أو عثمان، أو غيرهما يوجع ضربا.

وحكى أبو محمد «8» بن أبي زيد عن سحنون فيمن قال في أبي بكر، وعمر وعثمان وعلي إنهم كانوا على ضلال وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكل النكال الشديد.

وروي عن مالك: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة «1» قتل.. قيل له: لم؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن.

وقال ابن «2» شعبان عنه: لأن الله يقول «يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين «3» » فمن عاد لمثله فقد كفر.

وحكى أبو الحسن «4» الصقلي أن القاضي أبا بكر بن «5» الطيب قال: إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله: «وقالوا اتخذ الرحمن ولدا «6» » في آي كثيرة، وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: «ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك «7» » سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من السوء، وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة.

ومعنى هذا- والله أعلم- أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه وكان سبها سبا لنبيه، وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذي نبيه كذلك كما قدمناه.

- وشتم رجل عائشة بالكوفة، فقدم إلى موسى «1» بن عيسى العباسي فقال: من حضر هذا؟ فقال ابن أبي «2» ليلى: أنا..

فجلد ثمانين، وحلق رأسه وأسلمه للحجامين.

وروي «3» عن عمر بن «4» الخطاب أنه نذر قطع لسان عبيد «5» الله بن عمر إذ شتم المقداد «6» بن الأسود. فكلم في ذلك..

فقال: دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحد بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

وروى أبو ذر «7» الهروي أن عمر بن الخطاب أتي بأعرابي

يهجو الأنصار فقال: لولا أن له صحبة لكفيتكموه قال مالك «1» :

من انتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس له في هذا الفيء حق.. قد قسم الله الفيء في ثلاثة أصناف فقال: «للفقراء المهاجرين «2» » الاية ثم قال: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم «3» » الآية وهؤلاء هم الأنصار.. ثم قال: «والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.. «4» » الآية فمن تنقصهم فلا حق له في فيء المسلمين.

وفي كتاب ابن «5» شعبان: من قال في واحد منهم إنه ابن زانية وأمه مسلمة حد عند بعض أصحابنا حدين.. حدا له وحدا لأمه ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره.

ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من سب أصحابي فاجلدوه» .

قال: ومن قذف أم أحدهم وهي كافرة حد حد الفرية لأنه سب له.. فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيا قام بما يجب

له، وإلا فمن قام من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه.

قال: وليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء بنبيهم صلى الله عليه وسلم ولو سمعه الإمام وأشهد عليه كان ولي القيام به قال: ومن سب غير عائشة «1» من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ففيها قولان.

أحدهما: يقتل لأنه سب النبي صلى الله عليه وسلم يسب حليلته «2»

والآخر: أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري

قال: وبالأول أقول.

وروى أبو «3» مصعب عن مالك «4» .: فيمن سب من انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يضرب ضربا وجيعا، ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته، لأنه استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم

وأفتى أبو المطرف «5» الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تحليف

امرأة بالليل وقال: لو كانت بنت أبي بكر «1» الصديق ما حلفت إلا بالنهار.

وصوب قوله بعض المتسمين بالفقه فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل.

والفقيه الذي صوب قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه فيتقدم إليه في ذلك ويزجر ولا تقبل فتواه، ولا شهادته، وهي جرحة ثابتة فيه، ويبغض في الله.

وقال أبو «2» عمران في رجل قال: لو شهد علي أبو بكر الصديق أنه إن كان أراد أن شهادته في مثل هذا لا يجوز فيه الشاهد الواحد فلا شيء عليه.

وإن كان أراد غير هذا فيضرب ضربا يبلغ به حد الموت وذكروها رواية.

قال القاضي أبو «3» الفضل: هنا انتهى القول بنا فيما حررناه وانتجز الغرض الذي انتحيناه، واستوفي الشرط الذي شرطناه مما

أرجو أن في كل قسم منه للمريد مقنع وفي كل باب منهج إلى بغيته ومنزع.

وقد سفرت فيه عن نكت تستغرب وتستبدع، وكرعت في مشارب من التحقيق لم يورد لها قبل في أكثر التصانيف مشرع وأودعته غير ما فصل وددت لو وجدت من بسط قبلي الكلام فيه، أو مقتدى يفيد فيه عن كتابه أو فيه «1» ، لأكتفي بما أرويه

وإلى الله تعالى جزيل الضراعة والمنة بقبول ما منه لوجهه، والعفو عما تخلله من تزين وتصنع لغيره، وأن يهب لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه، لما أودعناه من شرف مصطفاه وأمين وحيه وأسهرنا به جفوننا لتتبع فضائله، وأعملنا فيه خواطرنا من إبراز خصائصه ووسائله، ويحمي أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا كريم عرضه، ويجعلنا ممن لا يذاد إذا ذيد المبدل عن حوضه، ويجعله لنا ولمن تهمم باكتتابه، واكتسابه سببا يصلنا بأسبابه، وذخيرة نجدها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه، ويخصنا بخصيص زمرة نبينا وجماعته، ويحشرنا في الرعيل الأول، وأهل الباب الأيمن ومن أهل شفاعته.

ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه، وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع، فهو الجواد الذي لا يخيب من أمله ولا ينتصر من خذله.. ولا يرد دعوة القاصدين، ولا يصلح عمل المفسدين.

وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا.

والحمد لله رب العالمين..

النص من طبعة دار الفيحاء بعمّان لكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض اليحصبي، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.