ذكر الحرب بين السلطان سنجر وخوارزم شاه
ص 308
في هذه السنة في المحرم سار السلطان سنجر إلى خوارزم شاه وهو ابن ملكشاه محاربا لخوارزم شاه اتسز بن محمد وسبب ذلك أن سنجر بلغه أن اتسز يحدث نفسه بالامتناع عليه وترك الخدمة له وأن هذا الأمر قد ظهر على كثير من أصحابه وأمرائه فأوجب ذلك قصده وأخذ خوارزم شاه فجمع عساكره وتوجه نحوه فلما قرب من خوارزم شاه في عساكره خرج خوارزم شاه إليه في عساكره فلقيه وعني كل واحد منهما عساكره وأصحابه فاقتتلوا فلم يكن للخوارزمية قوة بالسلطان فلم يثبتوا وولوا منهزمين وقتل منهم خلق كثير ومن جملة القتلى ولد لخوارزم شاه فحزن عليه أبوه حزنا عظيما ووجد وجدا شديدا وملك سنجر خوارزم وأقطعها غياث الدين سليمان شاه ولد أخيه محمد ورتب له وزيرا وأتابكا وحاجبا
وقرر قواعده وعاد إلى مرو في جمادى الآخرة من هذه السنة فلما فارق خوارزم عائدا انتهز خوارزم شاه الفرصة فرجع إليها وكان أهلها يكرهون العسكر السنجري ويؤثرون عودة خوارزم شاه فلما عاد أعانوه على ملك البلد ففارقها سليمان شاه واختلفا بعد الاتفاق ففعل خوارزم شاه في خراسان سنة ست وثلاثين وخمسمائة ما نذكر إن شاء الله
ذكر قتل محمود صاحب دمشق وملك أخيه محمد
ص 308
في هذه السنة في شوال قتل شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن طغدكين صاحب دمشق على فراشه غيلة قتله ثلاثة من غلمانه خواصه وأقرب الناس إليه في خلوته وجلوته وكانوا ينامون عنده فقتلوه وخرجوا من القلعة وهربوا فنجا أحدهم وأخذ الآخران فصلبا
وكتب معين الدين أنز من دمشق إلى أخيه جمال الدين محمد بن بوري صاحب بعلبك وهو بها بصورة الحال واستدعاه ليملك بعد أخيه فحضر في أسرع وقت فلما دخل البلد جلس للعزاء بأخيه وحلف له الجند وأعيان الرعية وسكن الناس وفوض أمر دولته إلى معين الدين أنز مملوك جده وزاد في علو مرتبته وصار هو الجملة والتفصيل وأقطعه بعلبك وزوجه بأمه وكان أنز خيرا عاقلا حسن السيرة فجرت الأمور عنده على أحسن نظام
ذكر ملك زنكي بعلبك
ص 309
في هذه السنة في ذي القعدة سار عماد الدين أتابك زنكي بن آقسنقر إلى بعلبك فحصرها ثم ملكها وسبب ذلك أن محمودا صاحب دمشق لما قتل كانت والدته زمرد خاتون عند أتابك زنكي بحلب قد تزوجها فوجدت لقتل ولدها وجدا شديدا وحزنت عليه وأرسلت إلى زنكي وهو بديار الجزيرة تعرفه الحادثة وتطلب منه أن يقصد دمشق ويطلب بثأر ولدها
فلما وقف على هذه الرسالة بادر في الحال من غير توقف ولا تريث وسار مجدا ليجعل ذلك طريقا إلى ملك البلد وعبر الفرات عازما على قصد دمشق فاحتاط من بها واستعدوا واستكثروا من الذخائر ولم يتركوا شيئا مما يحتاجون إليه إلا وبذلوا الجهد في تحصيله وأقاموا ينتظرون وصوله إليهم فتركهم وسار إلى بعلبك وقيل كان السبب في ملكها أنها كانت لمعين الدين أنز كما ذكرناه وكان له جارية يهواها فلما تزوج أم جمال الدين سيرها إلى بعلبك فلما سار زنكي إلى الشام عازما على قصد دمشق سير إلى أنز يبذل له البذول العظيمة ليسلم إليه دمشق فلم يفعل وسار أتابك إلى بعلبك فوصل إليها في العشرين من ذي الحجة في السنة فنازلها في عساكره وضيق عليها وجد في محاربتها ونصب عليها من المنجنيقات أربعة عشر عددا ترمي ليلا ونهارا فأشرف من بها على الهلاك وطلبوا الأمان وسلموا إليه المدينة وبقيت القلعة وبها جماعة من الشجعان شجعان الأتراك فقاتلهم فلما أيسوا من معين ونصير طلبوا الأمان فأمنهم فسلموا إليه القلعة فلما نزلوا منها وملكها غدر بهم وأمر بصلبهم فصلبوا ولم ينج إلا القليل
فاستقبح الناس ذلك من فعله واستعظموه وخافه غيرهم وحذروه لا سيما أهل دمشق فقالوا لو ملكنا لفعل بنا مثل فعله بهؤلاء فازدادوا نفورا وجدوا في محاربته ولما ملك زنكي بعلبك أخذ الجارية التي كانت لمعين الدين أنز بها فتزوجها بحلب فلم تزل بها إلى أن قتل فسيرها ابنه نور الدين محمود إلى معين الدين أنز وهي كانت أعظم الأسباب في المودة بين نور الدين وبين أنز والله أعلم
ذكر استيلاء قراسنقر على بلاد فارس وعوده عنها
ص 310
وفي هذه السنة جمع أتابك قراسنقر صاحب أذربيجان عساكر كثيرة وسار طالبا بثأر أبيه الذي قتله بوزابة في المصاف المقدم ذكره فلما قارب السلطان مسعودا أرسل إليه يطلب منه قتل وزيره الكمال فقتله كما ذكرناه فلما قتل سار قراسنقر إلى بلاد فارس فلما قاربها تحصن بوزابة منه في القلعة البيضاء ووطئ قراسنقر البلاد وتصرف فيها وليس له دافع ولا مانع إلا أنه لم يمكنه المقام وملك المدن التي في فارس فسلم إلى الملك سلجوق شاه بن السلطان محمود وقال له هذه البلاد لك فاملك الباقي
وعاد إلى أذربيجان فنزل حينئذ بوزابة من القلعة سنة أربع وثلاثين وهزم سلجوق شاه وملك البلاد وأسر سلجوق شاه وسجن في قلعة بفارس
ذكر عدة حوادث
ص 310
في هذه السنة في صفر توفي الوزير شرف الدين أنو شروان بن خالد معزولا ببغداد وحضر جنازته وزير الخليفة فمن دونه ودفن في داره ثم نقل إلى الكوفة فدفن في مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكان فيه تشيع وهو كان السبب في عمل المقامات الحريرية وكان رجلا عاقلا شهما دينا خيرا وزر للخليفة المسترشد وللسلطان محمود وللسلطان مسعود وكان يستقيل من الوزارة فيجاب إلى ذلك ثم يخطب إليها فيجب كارها
وفيها قدم السلطان مسعود بغداد في ربيع الأول وكان الزمان شتاء وصار يشتي بالعراق ويصيف بالجبال ولما قدمها أزال المكوس وكتب الألواح بإزالتها ووضعت على أبواب الجوامع والأسواق وتقدم أن لا ينزل جندي في دار عامي من أهل بغداد إلا بإذن فكثر الدعاء له والثناء عليه وكان السبب في ذلك الكمال الخازن وزير السلطان
وفيها في صفر كانت زلازل كثيرة هائلة بالشام والجزيرة وكثير من البلاد وكان أشدها بالشام وكانت متوالية عشر ليال كل ليلة عشر دفعات فخرب كثير من البلاد ولا سيما حلب
فإن أهلها لما كثرت عليهم فارقوا البلاد والبيوت وخرجوا إلى الصحراء وعدوا ليلة واحدة جاءتهم ثمانين مرة ولم تزل بالشام تتعاهدهم من رابع صفر إلى تاسع عشرة وكان معها صوت وهزة شديدة
وفيها أغار الفرنج على أعمال بانياس فسار عسكر دمشق في أثرهم فلم يدركوهم فعادوا
وفيها توفي أبو القاسم طاهر بن طاهر الشجاعي النيسابوري بها ومولده سنة ست وأربعين وأربعمائة وكان إماما في الحديث مكثرا عالي الإسناد
وتوفي عبد الله بن أحمد بن عبد القاهر بن محمد بن يوسف أبو القاسم بن أبي الحسين البغدادي بها ومولده سنة اثنتين وخميبن وأربعمائة
وعبد العزيز بن عثمان بن إبراهيم بن محمد الأسدي البخاري كان قاضي بخارى وكان من الفقهاء أولاد الأئمة حسن السيرة
وتوفي محمد بن شجاع بن أبي بكر بن علي بن إبراهيم اللفتواني الأصفهاني بأصفهان في جمادى الآخرة ومولده سنة ست وتسعين وأربعمائة وسمع الحديث الكثير بأصفهان وبغداد وغيرهما
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.