ذكر ظهور الخلف بين قرواش وأخيه أبي كامل وصلحهما
ص 286
في هذه السنة ظهر الخلف بين معتمد الدولة قرواش وبين أخيه زعيم الدولة أب يكامل ظهورا آل إلى المحاربة وقد تقدم سبب ذلك فلما اشتد الأمر وفسد الحال فسادا لا يمكن إصلاحه جمع كل مهما جمعا لمحاربة صاحبه وسار قرواش في المحرم وعبر دجلة بنواحي بلد وجاءه سليمان بن نصر الدولة بن مروان وأبو الحسن بن عيسكان الحميدي وغيرهما من الأكراد وساروا إلى معلثابا فأخربوا المدينة ونهبوها ونزلوا بالمغيثة وجاء أبو كامل فيمن معه من العرب وآل المسيب فنزلوا بمرج بابنيثا وبين الطائفتين نحو فرسخ واقتتلوا يوم السبت ثاني عشر المحرم وافترقوا من غير ظفر
ثم اقتتلوا يوم الأحد كذلك ولم يلابس الحر ب سليمان بن مروان بل كان ناحية ووافقه أبو الحسن الحميدي وساروا عن قرواش وفارقه جمع من العرب وقصدوا أخاه فضعف أمر قرواش وبقي في حلته وليس معه إلا نفر يسير فركبت العرب من أصحاب أبي كامل لقصده فمنعهم وأسفر الصبح يوم الاثنين وقد تسرع بعضهم ونهب بعضا من عرب قرواش وجاء أبو كامل إلى قرواش واجتمع به ونقله إلى حلته وأحسن عشرته ثم أنفذه إلى الموصل محجورا عليه وجعل معه بعض زوجاته في دار وكان مما فت في عضد قرواش وأضعف نفسه أنه كان قد قبض على قوم من الصيادين بالأنبار لسوء طريقهم وفسادهم فهر ب الباقون منهم وبقي بعضهم بالسندية فلما كان الآن سار جماعة منهم إلى الأنبار وتسلقوا السور ليلة خامس المحرم من هذه السنة وقتلوا حارسه وفتحوا الباب ونادوا بشعار أبي كامل فانضاف إليهم أهلوهم وأصدقاؤهم ومن له هوى في أبي كامل فكثروا وثار بهم أصحاب قرواش فاقتتلوا وظفروا وقتلوا من أصحاب معتمد الدولة قرواش جماعة وهرب الباقون فبلغه هرب استيلاء أخيه ولم يبلغه عود أصحابه ثم إن المسيب وأمراء العرب كاتبوا أبا أبا كامل ما يعجز عنه واشتطوا عليه فخاف أن يؤول الأمر بهم إلى طاعة قرواش وإعادته إلى مملكته فبادرهم إليه وقيل وقبل يده وقال له إنني وأن كنت اخاك فإنني عبدك وما جرى هذا إلا بسبب من أفسد رأيك في وأشعرك الوحشة مني والآن فأنت الأمير وأنا الطائع لأمرك والتابع لك
فقال له قرواش بل أنت الأخ والأمر لك مسلم وأنت أقوم به مني
وصلح الحال بينهما وعاد قرواش إلى التصرف على حكم اختياره وكان أبو كامل قد أقطع بلال بن غريب بن مقن حربي وأوان فلما اصطلح أبو كامل وقرواش أرسلا إلى حربي من منع بلالا عنها فتظاهر بلال بالخلاف عليهما وجمع إلى نفسه جمعا وقتل أصحاب قرواش وأخذ حربي وأوانا بغير اختيارهما فانحدر قرواش من الموصل إليها
وحصرها وأخذها
ذكر مسير الملك الرحيم إلى شيراز وعوده عنها
ص 287
في هذه السنة في المحرم سار الملك الرحيم من الأهواز إلى بلاد فارس فوصلها وخرج عسكر شيراز إلى خدمته ونزل بالقرب من شيراز ليدخل البلد ثم إن الأتراك الشيرازيين والبغداديين اختلفوا وجرى بينهم مناوشه استظهر فيها البغداديون وعادوا إلى العراق فاضطر الملك الرحيم إلى المسير معهم لأنه لم يكن يثق إلى الأتراك الشيرازية وكان ديلم بلاد فارس قد مالوا إلى أخيه فولاستون وهو بقلعة اصطخر فهو أيضا منحرف عنهم فاضطر إلى صحبه البغدادين فعاد في ربيع الأول في هذه السنة إلى الأهواز وقام بها واستخلف بارجان أخويه أباسعد وأبا طالب ووقع الخلف بفارس فإن الأمير أبا منصور فولاستون كان قد خلص وصار بقلعة اصطخر واجتمع معه جماعة من أعيان العسكر الفارسي فلما عاد الملك الرحيم إلى الأهواز انبسط في البلاد وقصده كثير من العساكر واستولى على بلاد فارس ثم سار إلى أرجان عازما على قصد الأهواز وأخذها
ذكر حب بين البساسيري وعقيل
ص 288
في هذه السنة سار جمع من بني عقيل إلى بلد العجم من أعمال العراق وبادوريا فنهبوهما وأخذوا من أموال الكثير وكانا في إقطاع البساسيري فسار من بغداد بعد عوده من فارس إليهم فالتقوا هم وزعيم الدولة أبو كامل بن المقلد واقتتلوا قتالا شديدا أبلى الفريقان فيه بلاء حسنا وصبر صبرا جميلا وقتل جماعة من الفريقين
ذكر الوحشة بين طغرلبك وأخيه إبراهيم ينال
ص 288
في هذه السنة استوحش إبراهيم ينال من أ خيه السلطان طغرلبك وكان سبب ذلك أن طغرلبك طلب من إبراهيم ينال أن يسلم إليه مدينة همدان والقلاع التي بيده من بلد والقلاع التي بيده من بلد الجبل فامتنع من ذلك وأتهم وزبره أبا علي بالسعي بينهما في الفساد فقبض عليه وأمر به فضرب بين يديه وسمل إحدى عينيه وقطع شفتيه وسار ع طغرلبك وجمع جمعا من عسكره والتقيا وكان بين العسكرين قتال شديد انهزم ينال وعاد منهزما فسار طغرلبك في أثره فملك قلاعه وبلاده جميعها وتحصن إبراهيم ينال بقلعة سرماج وامتنع على أخيه فحصره طغرلبك فيها وكانت عساكره قد بلغت مائة ألف من أنواع العسكر وقاتله فملكها في أربعة أيام وهي من أحصن القلاع وأمنعها واستنزل ينال منها مقهورا وأرسل إلى نصر الدولة بن مروان يطلب منه إقامة الخطبة له في بلاده فأطاعه وخطب له في سائر ديار بكر وراسل ملك الروم ظغرلبك وأرسل إليه هدية عظيمة وطلب منه المعاهدة فأجابه إلى ذلك وأرسل ملك الروم إلى ابن مروان يسأله أن يسعى في فداء ملك الأبخاز المقدم ذكره فأرسل نصر الدولة شيخ الإسلام أبا عبد الله بن مروان في المعنى إلى السلطان طغرلبك فأطلقه بغير فداء فعظم ذلك عنده وعند ملك الروم وأرسل عوضه من الهدايا شيئا كثيرا وعمروا مسجد القسطنطينية وأقاموا فيه الصلاة والخطبة لطغرلبك ودان حينئذ الناس كلهم له وعظم شأنه وتمكن ملكه وثبت ولما نزل ينال إلى طغرلبك أكرمه وأحسن إليه ورد عليه كثيرا مما أخذ منه وخيره بين أن يقطعه بلادا يسيرا إليها وبين أن يقيم معه فاختار المقام معه
ذكر الحرب بين دبيس بن مزيد وعسكر واسط
ص 288
في هذه السنة كانت حرب شديدة بين نور الدولة دبيس بن مزيد وبين الأتراك الواسطيين وسبب ذلك أن الملك الرحيم أقطع نور الدولة حماية نهر الصلة ونهر الفضل وهما من أقطاع الواسطيين فسار إليها ووليها فسمع واسط ذلك فسخطوه واجتمعوا وساروا إلى نور الدولة ليقاتلوه ويدفعوه عنها وأرسلوا إليه يتهددونه فأعاد الجواب يقول إن الملك أقطعني هذا فنرسل إليه أنا وأنتم فبأي شيء أمر رضينا به فسبوه وساروا مجدين إليه فأرسل إلى طريقهم طائفة من عسكره فلقوهم وكمن لهم فلما التقوا استجرهم العرب إلى أن جاوزوا الكمين وخرج عليهم الكمين فأوقعوا بهم وقتلوا منهم جماعة كثيرة وأسروا كثيرا وجرح مثلهم وتمت الهزيمة على الواسطيين وغنم نور الدولة أموالهم ودوابهم وساروا إلى واسط فنزلوا بالقرب منها وأرسل الواسطيون إلى بغداد يستنجدون جندها ويبذلون للبساسيري أن يدفع عنهم نور الدولة ويأخذ نهر الصلة ونهر الفضل لنفسه
ذكر وفاة مودود بن مسعود وملك عمه عبد الرشيد
ص 289
في هذه السنة في العشرين من رجب توفي أبو الفتح مودود بن مسعود بن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وعمره تسع وعشرون سنة وملكه تسع سنين وعشرة أشهر وكان موته بغزنة وكان قد كاتب أصحاب الأطراف في سائر البلاد ودعاهم إلى نصرته وإمداده بالعساكر وبذل لهم الأموال الكثيرة وتفويض أعمال خراسان ونواحيها إليهم على قدر مراتبهم فأجابوا إلى ذلك منهم أبو كاليجار صاحب أصبهان فإنه جمع عساكره وسار في المفازة فهلك كثير من عسكره ومرض وعاد ومنهم خاقان ملك الترك فإنه سار إلى ترمذ ونهب وخرب وصادر أهل تلك الأعمال وسارت طائفة أخرى مما وراء النهر إلى خوارزم وسار مودود من غزنة فلم يسر غير مرحلة واحدة حتى عارضه قولنج اشتد عليه فعاد إلى غزنة مريضا وسير وزيره أبا الفتح عبد الرزاق بن أحمد الميمندي إلى سجستان في جيش كثيف لأخذها من الغز واشتدت العلة بمودود فتوفي وقام في الملك بعده ولده فبقي خمسة أيام ثم عدل الناس عنه إلى عمه علي بن مسعود وكان مودودا لما ملك قبض على عمه عبد الرشيد بن محمود وسجنه في قلعة ميدين بطريق بست فلما توفي كان وزيره قد قارب هذه القلعة فنزل عبد الرشيد إلى العسكر ودعاهم إلى طاعته فأجابوه وعادوا معه إلى غزنة فلما قاربها هرب عنها علي بن مسعود وملك عبد الرشيد واستقر الأمر له ولقب شمس دين الله سيف الدولة وقيل جمال الدولة ودفع الله شر مودود عن داود
وهذه السعادة التي تقتل الأعداء بغير سلاح ولا أجناد
ذكر استيلاء البساسيري على الأنبار
ص 290
في هذه السنة أيضا في ذي القعدة ملك البساسيري الأنبار ودخلها أصحابه وكان سبب ملكها أن قرواشا أساء السيرة في أهلها ومد يده إلى أموالهم فسار جماعة من أهلها إلى البساسيري ببغداد وسألوه أن ينفذ معهم عسكرا يسلمون إليه الأنبار فأجابهم إلى ذلك وسير معهم جيشا فتسلموا الأنبار ولحقهم البساسيري وأحسن إلى أهلها وعدل فيهم ولم يمكن أحدا من أصحابه أن يأخذ الرطل الخبز بغير ثمنه وأقام فيها إلى أن أصلح حالها وقرر قواعدها وعاد إلى بغداد
ذكر انهزام الملك الرحيم من عسكر فارس
ص 290
في هذه السنة عاد الملك الرحيم من الأهواز إلى رامهرمز في ذي القعدة فلما وصل إلى وادي الملح لقيه عسكر فارس واقتتلوا قتالا شديدا فغدر بالملك الرحيم بعض عسكره وانهزم هو وجميع العسكر ووصل إلى بصنا ومعه أخواه أبو سعد وأبو طالب وسار منها إلى واسط وسار عسكر فارس إلى الأهواز فملكوها وخيموا بظاهرها
ذكر عذة حوادث
ص 290
وفيها وصل عسكر من مصر إلى حلب وبها صاحبها ثمال بن صالح بن مرداس فخافهم لكثرتهم فانصرف عنها فملكها المصريون
وفيها في ذي القعدة ارتفعت سحابة سوداء مظلمة ليلا فزادت ظلمتها على ظلمة الليل وظهر في جوانب السماء كالنار المضطرمة وهبت معها ريح شديدة قلعت رواشن دار الخليفة وشاهد الناس من ذلك ما أزعجهم وخوفهم فلزموا الدعاء والتضرع فانكشفت في باقي الليل وفيها في شعبان سار البساسيري من بغداد إلى طريق خراسان وقصد ناحية الدزدار وملكها وغنم ما فيها وكان سعدي بن أبي الشوك قد ملكها وقد عمل لها سورا وحصنها وجعلها معقلا يتحصن فيه ويدخر بها كل ما يغنمه فأخذ البساسيري جميعه
وفيها منع أهل الكرخ من النوح وفعل ما جرت عادتهم بفعله يوم عاشوراء فلم يقبلوا وفعلوا ذلك فجرى بينهم وبين السنية عظيمة قتل فيها وجرح كثير من الناس ولم ينفصل الشر بينهم حتى عبر الأتراك وضربوا خيامهم عندهم فكفوا حينئذ ثم شرع أهل الكرخ في بناء سور على الكرخ فلما رآهم السنية من القلائين ومن يجري مجراهم شرعوا في بناء سور على سوق القلائين وأخرج الطائفتين في العمارة مالا جليلا وجرت بينهما فتن كثيرة وبطلت الأسواق وزاد الشر حتى انتقل كثير من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي فأقاموا به
وتقدم الخليفة إلى أبي محمد بن النسوي بالعبور وإصلاح الحال وكف الشر فسمع أهل الجانب الغربي ذلك فاجتمع السنية والشيعة على المنع منه وأذنوا في القلائين وغيرها بحي على خير العمل وأذنوا في الكرخ الصلاة خير من النوم وأظهروا الترحم على الصحابة فبطل عبوره
وفيها توفي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ كان إماما صحب عبد الغني بن سعيد وتخرج به ومن تلامذته الخطيب أبو بكر
وفيها توفي الملك العزيز أبو بكر منصور بن جلال الدولة وقد ذكرنا تنقل الأحوال فيما تقدم وله شعر حسن
وفيها توفي أحمد بن محمد بن أحمد أبو الحسن العتيقي نسب إلى جد له يسمى عتيقا ومولده سنة سبع وستين وثلاثمائة وفيها توفي أبو القاسم عبد الوهاب بن أقضى القضاة أبي الحسن الماوردي وكانت شهادته سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة وقبلها القاضي في بيت النوبة ولم يفعل ذلك مع غيره وإنما فعل معه هذا احتراما لأبيه
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.