في هذه السنة أوقع بغراخان صاحب ما وراء النهر بجمع كثير من الإسماعيلية وكان سبب ذلك أن نفرا منهم قصدوا ما وراء النهر ودعوا إلى طاعة المستنصر بالله العلوي صاحب مصر فتبعهم جمع كثير وأظهروا مذاهب أنكرها أهل تلك البلاد وسمع ملكها بغراخان خبرهم وأراد الإيقاع بهم فخاف أن يسلم منه بعض من أجابهم أهل تلك البلاد فأظهر لبعضهم أنه يميل إليهم ويريد الدخول في مذاهبهم وأعلمهم ذلك وأحضرهم مجالسه ولم يزل حتى علم جميع من أجابهم إلى مقالتهم فحينئذ قتل من بحضرته منهم وكتب إلى سائر البلاد بقتل من فيها ففعل بهم ما أمر وسلمت تلك البلاد منهم
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وأربعمائة
قد ذكرنا لما توفي الملك خلال الدولة ما كان من مراسلة الجند الملك أبا كاليجار والخطبة له فلما استقرت القواعد بينه وبينهم أرسل أموالا فرقت على الجند ببغداد وعلى أولادهم وأرسل عشرة آلاف دينار للخليفة ومعها هدايا كثيرة فخطب له ببغداد في صفر وخطب له أيضا أبو الشوك في بلاده ودبيس بن مزيد ببلاده ونصر الدولة بن مروان بديار بكر ولقبه الخليفة محي الدين وسار إلى بغداد في مائة فارس من أصحابه لئلا تخافه الأتراك فلما وصل إلى النعمانية لقيه دبيس بن مزيد ومضى إلى زيارة المشهدين بالكوفة وكربلاء ودخل إلى بغداد في شهر رمضان ومعه وزيره ذو السعادات أبو الفرج محمد بن جعفر بن محمد بن فسابحس ووعده الخليفة القائم بأمر الله أن يستقبله فاستعفى من ذلك وأخرج عميد الدولة أبا سعد بن عبد الرحيم وأخاه كمال الملك وزيري جلال الدولة من بغداد قضى أبو سعد إلى تكريت وزينت بغداد لقدومه وأمر فخلع على أصحاب الجيوش وهم البساسيري والنشاووري والهمام أبو اللقاء وجرى من ولاة العرض تقديم لبعض الجند وتأخير فشغب بعضعهم وقتلوا واحدا من ولاة العرض بمرأى من الملك أبي كاليجار فنزل في سميرية بمنكور وانحدر خوفا من انخراق الهيبة وأصعد بفم الصلح وفي رمضان منها توفي أبو القاسم علي بن أحمد الجرجراي وزير الظاهر والمستنصر الخليفتين وكان فيه كفاية وشهامة وأمانة وصلى عليه ا لمستنصر بالله
في هذه السنة نزل الأمير أبو كاليجار كرشاسف بن علاء الدولة من كنكور وقصد همذان فملكها وأزاح عنها نواب السلطان طغرلبك وخطب للملك أبي كاليجار وصار في طاعته وفيها أمر الملك أبو كاليجار ببناء سور مدينة شيراز فبني وأحكم بناؤه وكان دوره اثني عشر ألف ذراع وعرضه ثمانية أذرع وله أحد عشر بابا وفرغ منه سنة أربعين وأربعمائة
وفيها نقل تابوت جلال الدولة من داره إلى مشهد باب التبن إلى تربة له هناك وفيها استوزر السلطان طغرلبك وزيره أبا القاسم علي بن عبد الله الجويني وهو أول وزير وزر له ثم وزر له بعده رئيس الرؤساء أبو عبد الله الحسين بن علي بن ميكائيل ثم وزر له بعده نظام الملك أبو محمد الحسن بن محمد الدهستاني وهو أول من لقب نظام الملك ثم وزر له بعده عميد الملك الكندري وهو أشهرهم وإنما اشتهر لأن طغرلبك في أيامه عظمت دولته ووصل إلى العراق وخطب له بالسلطنة وسيرد من أخباره ما فيه الكفاية فلا حاجة إلى ذكرها ههنا
وفيها توفي الشريف المرتضى أبو القاسم علي أخو الرضى في آخر ربيع الأول ومولده سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وولي نقابة العلويين بعده أبو أحمد عدنان ابن أخيه الرضى
وفيها توفي القاضي أبو عبد الله الحسين بن علي بن محمد الصيمري وهو شيخ أصحاب أبي حنيفة في زمانه ومن جملة تلامذته القاضي أبو عبد الله الدامغاني ومولده سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة وولي بعده قضاء الكرخ القاضي أبو الطيب الطبري مضافا إلى ما كان يتولاه من القضاء بباب الطاق وفيها توفي القاضي أبو الحسن عبد الوهاب بن منصور بن المشتري قاضي خوزستان وفارس وكان شافعي المذهب وفيها أيضا توفي أبو الحسين محمد بن علي البصري المتكلم صاحب التصانيف المشهورة
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
