ص 379
ذكر توجيه الأمين الجيوش إلى طاهر وعودهم من غير قتال )
في هذهالسنة سن الامين أسد بم يزيد بن مزيد وسير عمه أحمد بن مزيد وعبد الله بن حميد بن قحطبة إلى حلوان لحرب طاهر وكان سبب ذلك ما ذكره أسد قال أنه لما قتل عبد الرحمن أرسل إلي الفضل بن الربيع يستدعيني فجئته ودخلت عليه وهو قاعد بيده رقعة وقد قرأها وقد احمرت عيناه فاشتد غضبه وهو يقول ينام نوم الطائر وينتبه انتباه الذئب همه بطنه يقاتل الرعاء والكلاب ترصده لا يفكر في زال نعمة ولا يروي في امضاء رأي قد ألهاه كأسه وشغله قدحه فهو يجزي في لهوه والايام توضع في هلاكه قد شمر له عبد الله عن ساق وفوق له أصوب أسهمه يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد وقد عبى له المنايا على ظهور الخيل وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف ثم استرجع وتمثل بشعر البعيث
( ومجدولة جدل العنان خريدة % لها شعر جعد ووجه مقسم )
( وثغر نقي اللون عذب مذاقه % يضيء له الظلماء ساعة تبسم )
( وثديان كالحقين والبطن ضامر % خميص ووجه ناره تتضرم )
( لهوت بها ليل التمام ابن خالد % وأنت بمرو الروذ غيظا تجرم )
( أظل أناغيعا وتحت ابت خالد % أمية نهد المركلين عثمثم )
( طواه طراد الخيل في كل غارة % لها عارض فيه الأسنة ترزم )
( يقارع أتراك ابن خاقان ليله % إلى أن يرى الاصباح ما يتلعثم )
( فيصبح من طول الطراد وجسمه % نحيل واضحى في النعيم أصم )
( أبا كرها صهباء كالمسك ريحها % لها أرج في دنها حين يرسم )
( فشتان ما بيني وبين ابن خالد % أمية في الرزق الذي الله يقسم )
ثم التفت إلي فقال أبا الحرث أنا وإياك نجري إلى غاية إن قصرنا عنها ذممنا وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا وإنما نحن شعب من أصل إن قوي قوينا وإن ضعف ضعفنا ان هذا الرجل قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء يشاور النساء ويعتزم على الرؤيا وقد أمكن ما معه من أهل الللهو والجسارة فهم يعدونه الظفر ويمنونه عقب الأيام والهلاك أسرع اليه من السيل إلى قيعان الوحل وقد خضيت والله أن نهلك بهلاكه ونعطب بعطبه وأنت فارس العرب وابن فارسها وقد فزع اليك في هذا الأمر ولقاء هذا الرجل وأطمعه فيما قبلك أمران أحدهما صدق الطاعة وفضل النصيحة والثاني يمن نقيبتك وشدة بأسك وقد أمرني بازاحة ما عليك وبسط يدك فيما أحببت غير أن الاقتصاد رأس النصيحة ومفتاح اليمن والبركة أنجز حوائجك وعجل المبادرة إلى عدوك فإني أرجو أن يوليك الله شرف هذا الفتح ويلم بك شعث هذه الخلافة والدولة فقلت أنا لطاعة أمير المؤمنين وطاعتك مقدم ولكل ما دخل فيه الوهن على عدوه وعدوك حريص غير أن المحارب لا يعمل بالغدر ولا يفتح أمره بالتقصير والخلل وإنما مالك المحارب الجنود وملاك الجنود المال والذي سأل أن يؤمر لاصحابي برزق سنة وتحمل معهم أرزاق سنة وتحض أهل الغناء والبلاء وأبدل من فيهم من الضعفى وأحمل الف رجل ممن يعي على الخيل ولا أسأل عن محاسبة ما افتتحت من المدن والكور فقال قد أشططت ولا بد من مناظرة أمير المؤمنين
ثم ركب وركبت معه فدخل قبلي الأمين وأذن لي فدخلت فما كان إلا كلمتان حتى غضب وأمر بحبسي وقيل إنه طلب أن يدفع ولدي المأمون فإن أطاعه وإلا قتلتهما فقال الأمين أنت أعربي مجنون أدعوك إلى ولاية أعنة العرب والعجم وأطعمك خراج كور الجبال إلى خراسان وارفع منزلتك على نظرائك من أبناء القواد والملوك وتدعوني إلى قتل ولدي وسفك دماء أهل بيتي إن هذا للخرق والتخليط
وكان ببغداد ابنان للمأمون مع أمهما أم عيسى ابنة الهادي وقد طلبهما المأمون من أخيه في حال السلام فمنعهما من المال الذي كان له فلما حبس أسدا قال هل في أهل بيته من يقوم مقامه فإني أكره أن أفسدهم مع نباهتهم وما تقدم من طاعتهم ونصيحتهم قالوا نعمم عمه أحمد بن مزيد وهو أحسنهم طريقة له بأس ونجدة وبصر بسياسة الحرب فأنفذ إليه أحضره
فأتى الفضل فدخل عليه وعنده عبد الله بن حميد بن قحطبة وهو يريده على المسير إلى طاهر وعبد الله يشط قال أحمد فلما رآني الفضل رحب بي ورفعني إلى صدر المجلس ثم أقبل على عبد الله يداعبه ثم قال
( إنا وجدنا إذ رث حبلكم % من آل شيبان أما دونكم وأبا )
( الأكثرون إذا عد الحصى عددا % والأقربون إلينا منكم نسبا )
فقال عبد الله أقسم أنهم لكذلك وفيهم سد الخلل ونكاء العدو ودفع معرة أهل المعصية عن أهل الطاعة فقال له الفضل ان أمير المؤمنين أجرى ذكرك فوصفتك له بحسن الطاعة والشدة على أهل المعصية فأحب اصطناعك والتنويه باسمك وأن يرفعك إلى منزلة لم يبلغها أحد من أهل بيتك ثم مضى ومضيت معه إلى الأمين فدخلنا عليه فقال لي في حبس أسد واعتذر إلي وأمرني بالمسير إلى حرب طاهر فقلت يأبذل في طاعة أمير المؤمنين مهجتي وأبلغ في جهاد عدوه أفضل ما أمله عندي ورجاه من غنائي وكفايتي إن شاء الله تعالى
فأمر الفضل بأن يمكنه من العساكر يأخذ منهم من أراد وأمره بالجد في المسير والتجهز فأخذ من العسكر عشرين ألف فارس وسار معه عبد الله بن حميد بن قحطبة في عشرين ألفا من الابناء وسار بهم إلى حلوان وشفع في أسد ابن أخيه فأطلقه وأقام أحمد وعبد الله بخانقين وأقام طاهر بموضعه ودس الجواسيس والعيون وكانوا يرجفون في عسكر أحمد وعبد الله ويخبرونهم أن الأمين قد وضع العطاء لأصحابه وأمر لهم بالأرزاق الوافرة ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف بينهم حتى اختلفوا وانتقض أمرهم وقاتل بعضهم بعضا ورجعوا عن خانقين من غير أن يلقوا طاهرا
وتقدم طاهر فنزل حلوان فلما نزلها لم يلبث إلا يسيرا حتى أتاه هرثمة في جيش من عند المأمون ومعه كتاب إلى طاهر يأمره بتسليم ما حوى من المدن والكور إلى هرثمة ويتوجه هو إلى الأهواز ففعل ذلك وأقام هرثمة بحلوان وحصنها وسار طاهر إلى الأهواز
ذكر الفضل بن سهل
ص 382
في هذه السنة خطب للمأمون بإمرة المؤمنين ورفع منزلة الفضل بن سهل وسبب ذلك أنه لما أتاه خبر قتل ابن ماهان وعبد الرحمن بن جبلة وصح عنده الخبر بذلك أمر أن يخطب له ويخاطب بأمير المؤمنين ودعا الفضل بن سهل وعقد له على المشرق من جبل همذان إلى التبت طولا ومن بحر فارس إلى بحر الديلم وجرجان عرضا وجعل له عمالة ثلاثة آلاف الف درهم وعقد له لواء على سنان ذي شعبتين ولقبه ذا الرياستين رياسة الحرب والقلم وحمل اللواء علي بن هشام وحمل القلم نعيم بن حازم وولى الحسن بن سهل ديوان الحراج
ذكر عبد الملك بن صالح بن علي وموته
ص 382
قد ذكرنا قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه إياه فلم يزل محبوسا حتى مات الرشيد فأخرجه الأمين من الحبس في ذي القعدة سنة ثلاث وتسعين وأحسن إليه فشكر عبد الملك ذلك له
فلما كان من طاهر ما كان دخل عبد الملك على الأمين فقال له يا أمير المؤمنين أرى الناس قد طمعوا فيك وجندك قد أعيتهم الهوام وأضعفتهم الحروب وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم فإن سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحرب وأدبتهم الشدائد وكلهم منقاد إلي متنازع إلى طاعتي وإن وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا يعظم نكايتهم في عدوه فولاه الأمين الشام والجزيرة وقواه بمال ورجال وسيره سيرا حثيثا فسار حتى نزل الرقة وكاتب رؤساء أهل الشام وأهل القوة والجلد والبأس فأتوه رئيسا بعد رئيس وجماعة بعد جماعة فأكرمهم ومناهم وخلع عليهم وكثر جمعه فمرض واشتد مرضه
ثم ان بعض جنود خراسان المقيمين في عسكر الشام رأى دابة كانت أخذت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل من أهل الشام أيضا فتعلق بها واجتمع جماعة من الزواقيل والجند فتضاربوا واجتمعت الابناء وتألبوا وأتوا الزواقيل وهم غارون فوضعوا فيهم السيوف فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وتنادى الزواقيل فركبوا خيولهم ونشبت الحرب بينهم وبلغذ لك عبد الملك فوجه إليهم يأمرهم بالكف فلم يفعلوا واقتتلوا يومهم ذلك قتالا شديدا وأكثرت الأبناء القتل في الزواقيل فأخبر عبد الملك بذلك وكان مريضا مدنفا فضرب بيده على يد وقال واذلاه تستضام العرب في دورها وبلادها فغضب من كان أمسك عن الشر من الأبناء وتفاقم الأمر فيما بينهم وقام بأمر الأبناء الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان
وأصبح الزواقيل فاجتمعوا بالرقة واجتمع الابناء وأهل خراسان بالرافقة وقام رجل من أهل حمص فقال يا أهل حمص الهرب أهون من العطب والموت أهون من الذل إنكم قد بعدتم عن بلادكم ترجون الكثرة بعد القلة والعزة بعد الذلة ألا وفي الشر وقعتم وفي حومة الموت أنختم إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم النفير النفير قبل ا ينقطع السبيل وينزل الأمر الجليل ويفوت المطلب ويعسر المهرب
وقام رجل من طلب في غرز ناقته فقال نحوا من ذلك ثم قال ألا وإني سائر فمن أراد الانصراف فلسنرصف معي ثم سار معه عامة أهل الشام وأحرقت الزواقيل ما كان التجار قد جمعوه من الاعلاق وأقبل نصر بن شبث العقيلي ثم حمل وأصحابه فقاتل قتالا شديدا وصبر الجند لهم وكان أكثر القتل في الزواقيل لكثير بن قادرة وأبي القيل وداود بن موسى بن عيسى الخراساني وانهزمت الزواقيل وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو بن عبد العزيز السلمي والعباس بن زفر الكلابي ثم توفي عبد الملك بن صالح بالرقة في هذه السنة
ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون وعود الأمين إلى الخلافة
ص 384
فلما مات عبد الملك بن صالح نادى الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان في الجند فجعل الرجالة في السفن وسار الفرسان على الظهر في رجب فلما قدم بغداد لقيه القواد وأهل بغداد وعملت له القباب ودخل منزله فلما كان جوف الليل بعث إليه الأمين يأمره بالركوب إليه فقال للرسول ما أنا بمغن ولا مسامر ولا مضحك ولا وليت له عملا ولا ملأ فلأي شيء يردني هذه الساعة انصرف فإذا أصبحت غدوت إليه إن شاء الله
وأصبح الحسين فوافى باب الجسر واجتمع إليه الناس فقال يا معشر الابناء إن خلافة الله ل ا تجاور بالبطر ونعمته لا تستصحب بالتجبر وان محمدا يريد أن يوقع إذلالكم وينقل عزكم إلى غيركم وهو صاحب الزواقيل بالأمس وبالله ان طالت بعد مدة ليرجعن وبال ذلك عليكم فاقطعوا أثره قبل أن يقطع ثاركم وضعوا عزه قبل أن يضع عزكم فوالله لا ينصره ناصر منكم إلا خذل وما عند الله عز وجل لأحد هوادة ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنث بايمانه
ثم أمر الناس بعبور الجسر فعبروا وصاروا إلى سكة باب خراسان وتسرعت خيول الأمين إلى الحسين فقاتلوه قتالا شديدا فانهزم أصحاب الأمين وتفرقوا فخلع الحسين الأمين يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب وأخذ البيعة للمأمون من الغد يوم الاثنين فلما كان يوم الثلاثاء وثب العباس بن موسى بن عيسى بالأمين فأخرجه من قصر الخلد وحبيه بقصر المنصور وأخرج أمه زبيدة أيضا فجعلها مع ابنها فلما كان يوم الأربعاء طالب الناس الحسين بالأرزاق وماج بعضهم في بعض فقام محمد بن خالد بباب الشام فقال أيها الناس والله ما أدري بأي سبب تأمر الحسين بن علي علينا وتولى هذا الأمر دوننا ما هو بأكبرنا سنا وما هو بأكبر منا حسبا ولا بأعظمنا منزلة وغنى وإني أولكم أنقض عهده وأظهر الانكار لفعله فمن كان على رأيي فليعتزل معي
وقال أسد الحربي يا معشر الحربية هذا يوم له ما بعده إنكم قد نمتم فطال نومكم وتأخرتم فتقدم عليكم غيركم وقد ذهب أقوام بخلع الأمين فاذهبوا أنتم بذكر فكه وإطلاقه
وأقبل شيخ على فرس فقال ايها الناس هل تعتدون على محمد بقطع أرزاقكم قالوا لا قال فهل قصر بأحد من رؤسائكم وعزل أحدا من قوادكم قالوا لا قال فما بالكم خذلتموه وأعنتم عدوه على أسره وايم الله ما قتل قوم خليفتكم إلا سلط الله عليهم السيف انهضوا إلى خليفتكم فقاتلوا عنه من أراد خلعه فنهضوا وتبعهم أهل الأرباض فقاتلوا الحسين قتالا شديدا فأسر الحسين بن علس ودخل الأسد الحربي على الأمين فكسر قيوده وأقعده في مجلس الخلافة ورأى الأمين أقواما ليس عليهم لباس الجند فأمرهم بأخذ الساتح فانتهبه الغوغاء ونهبوا غيره وحمل إليه الحسين أسيرا فلامه فاعتذر له الحسين فاطلقه وأمره بجمع الجند ومحاربة أصحاب المأمون وخلع عليه وولاه ما وراء بابه وأمره بالمسير إلى حلوان فوقف الحسين باب الجسر والناس يهنونه فلما خف عنه الناس قطع الجسر وهرب فنادى الأمين في الجند يطلبه فربكوا كلهم فادركوا بمسجد كوثر على فرسخ من بغداد فقاتلهم فعثر به فرسه فسقط عنه فقتل وأخذوا رأسه وقيل إن الأمين كان استوزره وسلم اليه خاتمه وجدد الجند البيعة للأمين بعد قتل الحسين بيوم وكان قتله خامس عشر رجب فلما قتل الحسين بن علي هرب الفضل بن الربيع واختفى
ذكر ما فعله طاهر بالأهواز
ص 385
لما نزل طاهر بشلاشان وجه الحسين بن عمر الرستمي إلى الأهواز وأمره بالحذر فلما توجه أتت طاهرا عيونه فأخبروه أن محمد بن يزيد بن حاتم المهلبي وكان عاملا للأمين على الأهواز قد توجه في جمع عظيم يريد جند يسابور ليحمي الأهواز من أصحاب طاهر فدعا طاهر عدة من أصحابه منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخار اخذاه وغيرهم وأمرهم أن يجدوا السير حتى يتصل أولهم بآخر أصحاب الرستمي فإن احتاج إلى مدد أمدوه فساروا حتى شارفوا الأهواز ولم يلقوا أحدا وبلغ خبرهم محمد بن يزيد فسار حتى نزل عسكر مكرم وصير العمران والماء وراء ظهره وتخوف طاهر أن يعجل إلى أصحابه فأمدهم بقريش بن شبل وتوجه هو بنفسه حتى كان قريبا منهم
وسير الحسين بن علي المأموني إلى قريش والرستمي فسارت تلك العساكر حتى أشرفوا على محمد بن يزيد بعسكر مكرم فاستشار أصحابه في المطاولة والمناجزة فأشاروا عليه بالرجوع إلى الأهواز والنحصن نبها وأن يستعدي الجند من البصرة وقومه الأزد ففعل ذلك فسير طاهر وراءه قريش بن شبل وأمره بمبادرته قبل أن يتحصن بالأهواز فسبقه محمد بن يزيد ووصل بعده بيوم قريش فاقتتلوا قتالا شديدا فالتفت محمد إلى من معه من مواليه وكان أصحابه قد رجعوا معه فقال لمواليه ما رأيكم إني أرى من معي قد انهزم ولست آمن خذلانهم ولا أرجو رجعتهم وقد عزمت على النزول والقتا بنفسي حتى يقضي الله بما أحب فمن أراد الانصراف فلينصرف فوالله لئن تبقوا أحب إلي من أن تموتوا فقالوا والله ما أنصفناك إذا تكون قد اعتقتنا من الرق ورفعتنا من الضعة واغنيتنا بعد القلة ثم نخذلك على هذه الحال فلعن الله الدنيا والعيش بعدك ثم نزلوا فعرقبوا دوابهم وحملوا على أصحاب قريش حمله منكرة فأكثروا فيهم القتل وقتل محمد بن يزيد المهلبي واستولى طاهر على الأهواز وأعمالها واستعمل العمال على اليمامة والبحرين وعمان وجرح في تلك الوقعة عدة جراحات وقطعت يده وقال بعض المهالبة
( فما لمت نفسي غير أني لم أطق % حراكا وأني كنت بالضرب مثخنا )
( ولو سلمت كفاي فاتلت دونه % وضاربت عنه الطاهري الملعنا )
( فتى لا يرى أن يخذل السيف في الوغى % إذا ادرع الهيجاء في النقع واكتنى )
ولما دخل ابن عيينة المهلبي على طاهر ومدحه فحين انتهى إلى قوله
( ما ساء ظني إلا بواحدة % في الصدر محصورة عن الكلم )
تبسم طاهر ثم قال أما والله ساءني من ذلك ما ساءك وآلمني ما آلمك ولقد كنت كارها لما كان غير أن الحتف واقع والمنايا نازلة ولا بد من قطع الأواصر والشكر للأقارب في تأكيد الخلافة والقيام بحق الطاعة فظن من حضر أنه أراد محمد بن يزيد بن حاتم
ذكر استيلاء طاهر على واسط وغيرها
ص 387
ثم سار طاهر من الأهواز إلى واسط وبها السندي بن يحيى الحرشي والهيثم بن شعبة خليفة خزيمة بن خازم فجعل طاهر كلما تقدم نحوهم تقوضت المسالح والعمال بين يديه حتى أتى واسط فهرب السندي والهيثم بن شعبة عنها
واستولى طاهر على واسط ووجه قائدا من قواده إلى الكوفة وعليها العباس بن موسى الهادي فلما بلغه الخبر خلع الأمين وبايع للمأمون وكتب بذلك إلى طاهر ونزلت خيل طاهر فم النيل وغلب على ما بين واسط والكوفة وكتب المنصور بن المهدي وكان عاملا للأمين على البصرة إلى طاهر ببيعته وطاعته
وأتته بيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون وخلع الأمين وكان هذا جميعه في رجب من هذه السنة فأقرهم طاهر على أعمالهم وولى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة واستعمل يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري البجلي على اليمن ووجه الحرث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة واقام طاهر بجرجرايا
فلما بلغ الأمين خبر عامله بالكوفة وخلعه والبيعة للمأمون وجه محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربري وأمرهما أن يبيتا الحرث بن هشام وداود بالقصر فبلغ الحرث الخبر فركب هو وداود فعبرا في مخاضة في سوراء إليهم فأوقعا بهم وقعة شديدة فاقتتلوا قتالا شديدا وانهزم أهل بغداد ووجه الأمين أيضا الفضل بن عيسى الهاشمي عاملا على الكوفة في خيل فبلغ طاهرا الخبر فوجه محمد بن العلاء في جيش إلى طريقه فلقي الفضل بقرية الاعراب فبعث إليه الفضل أنس سامع مطيع وإنما كان مخرجي كيدا مني لمحمد الامين فقال له ابن العلاء لست أعرف ما تقول فإن أردت طاهرا فارجع وراءك فهو اسهل الطريق فرجع الفضل فقال محمد بن العلاء كونوا على حذر فلا آمن مكروه ثم إن الفضل رجع إلى ابن العلاء وهو يظن أنه على غير أهبة متيقظا حذرا فاقتتلوا قتالا شديدا كأشد ما يكون من القتال فانهزم الفضل وأصحابه
ذكر استيلاء طاهر على المدائن ونزوله بصرصر
ص 388
ثم إن طاهرا سار إلى المدائن وبها جيش كثير للأمين عليهم البرمكي قد تحصن بها والمدد يأتيه كل يوم والخلع والصلات من قبل محمد فلما قرب طاهر منه وجه قريش بن شبل والحسين بن علي المأموني في مدقمته فلما سمع أصحاب البرمكي طبول طاهر أسرجوا وركبوا وأخذ البرمكي في التعبية فكان كلما سوى صفا انتفض واضطرب وانضم أولهم إلى آخرهم فقال اللهم إنا نعوذ بك من الخذلان ثم قال لصاحب ساقته حل سبيل الناس فلا خير عندهم فركب بعضهم بعضا نحو بغداد فنزل طاهر المدائن واستولى على تلك النواحي ثم سار إلى صرصر فعقد بها جسرا ونزلها
ذكر البيعة للمأمون بمكة والمدينة
ص 388
وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الأمينوهو عامله على مكة والمدينة وبايع للمأمون وكان سبب ذلك أنه لما بلغه ما كان من الأمين والمأمون وما فعل طاهر وكان للأمين قد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع المأمون وبعث أخذ الكتابين من الكعبة كما تقدم فلما فعل ذلك جمع داود وجوه الناس ومن كان شهد في الكتابين
وكان داود أحدهم فقال لهم قد علمتم ما أخذ الرشيد علينا وعليكم من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام لابنيه لنكونن مع المظلوم منهما على ظالمه ومع المغدور به على الغادر وقد رأينا ورأيتم أن محمدا قد بدأ بالظلم البغي والغدر والنكث على أخويه المأمون والمؤتمن وخلعهما عاصيا لله وبايع لابنه طفل صغير رضيع لم يفطم وأخذ الكتابين من الكعبة فخرقهما ظالما فقد رأيت خلعه والبيعة للمأمون إذ كان مظلوما مبغيا عليه فأجابوه إلى ذلك فنادى في شعاب مكة فاجتمع الناس فخطبهم بين الركن والمقام وخلع محمدا وبايع للمأمون وكتب إلى ابنه سليمان وهو عامله على المدينة يأمره أن يفعل مثل ما فعل فخلع سليمان الأمين وبايع للمأمون فلما أتاه الخبر بذلك سار من مكة على طريق البصرة ثم إلى فارس ثم إلى كرمان حتى صار إلى المأمون بمرو فأخبره بذلك فسر المأمون بذلك سرورا شديدا وتيمن ببركة مكة والمدينة وكانت البيعة بهما في رجب سنة ست وتسعين ومائة واستعمل داود على مكة والمدينة وأضاف إليه ولاية عك وأعطاه خمسمائة ألف درهم معونة وسير معه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى وجعله على الموسم فسارا حتى أتيا طاهرا ببغداد فاكرمهما وقربهما ووجه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسري البجلي عاملا على اليمن وبعث معه خيلا كثيفة فلما قدم اليمن دعا أهلها إلى خلع الأمين والبيعة للمأمون ووعدهم العدل والاحسان وأخبرهم بسيرة المأمون فأجابوه إلى ما طلب وخلعوا محمدا وبايعوا للمأ / ون وكتب بذلك إلى طاهر وإلى المأمون وسار فيهم أحسن سيرة وأظهر العدل
ذكر ما فعله الامين
ص 389
وفي هذه السنة عقد محمد الامين في رجب وشعبان نحوا من أربعمائة لواء لقواد شتى وأمر عليهم علي بن محمد بن عيسى بن نهيك وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين فساروا إليه فالتقوا بنواحي النهروان في رمضان فانهزموا وأسر علي بن محمد بن عيسى فسيره هرثمة إلى المأمون ورحل هرثمة فنزل النهروان
ذكر وثوب الجند بطاهر والأمين ونزوله بغداد
ص 389
وأقام طاهر بصرصر مشمرا في محاربة الأمين وكان لا يأتيه جيش إلا هزمه وبذل الأمين الأموال فاشتد ذلك على أصحاب طاهر فسار إليه منهم خمسة آلاف فسر بهم الأمين ووعدهم ومناهم وفرق فيهم مالا عظيما وغلف لحاهم بالغالية فسموا قواد الغالية وقود الجماعة من الحربية ووجههم إلى مسكرة الملك والنهروان فلم يكن بينهم قتال كثير وندب جماعة من قواد بغداد ووجههم إلى الياسرية والكوثرية وفرق الجواسيس في أصحاب طاهر ودس إلى رؤساء الجند فأطمعهم ورغبهم فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى الأمين فانضموا إلى عسكره وساروا حتى أتوا صرصرا
فعبى طاهر أصحابه كراديس وسار فيهم يمنيهم ويحرضهم ويعدهم النصر ثم تقدم فاقتتلوا مليا من النهار ثم انهزم أصحاب الأمين وغنم عسكر طاهر ما كان لهم من السلاح والدواب وغير ذلك وبلغ ذلك الأمين فأخرج الأموال وفرقها وجمع أهل الأرباض وقود منهم جماعة وفرق فيهم الأموال وأعطى كل قائد منهم قارورة غالية ولم يفرق في أجناد القواد وأصحابهم شيئا
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.