ذكر ايقاع الرشيد بالبرامكة $
ص 326
وفي هذه السنة أوقع الرشيد بالبرامكة وقتل جعفر بن يحيى وكان سبب ذلك أن الرشيد كان لا يصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهدي وكان يحضرهما إذا جلس للشرب فقال لجعفر أزوجكها ليحل لك النظر اليها ولا تقربها فإني لا أطيق الصبر عنها فأجابه إلى ذلك فزوجها منه وكانا يحضران معه ثم يقوم عنهما وهما شابان فجامعهما جعفر فحملت منه فولدت له غلاما فخافت الرشيد فسيرته مع حواضن له إلى مكة فأعطته الجواهر والنفقات ثم إن عباسة وقع بينها وبين بعض جواريها شر فأنهت أمرها وأمر الصبي إلى الرشيد وأخذت علما بمكانه
فحج هارون هذه السنة وبحث عن الأمر فعلمه وكان جعفر يصنع للرشيد طعاما بعسفان إذا حج فصنع ذلك ودعاه فلم يحضر عنده فكان ذلك أول تغير أمرهم
وقيل كان سب ذلك أن الرشيد دفع يحيى بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي إلى جعفر بن يحيى بن خالد فحبسه ثم دعا به ليلة وسأله عن بعض أمره فقال له اتق الله في أمري ولا تتعرض أن يكون غدا خصمك محمد فوالله ما أحدثت حدثا ولا آويت محدثا فرق له وقال اذهب حيث شئت من بلاد الله قال فكيف أذهب ولا آمن أن أؤخذ بعد قليل فوجه معه من أداه إلى مأمنه وبلغ الخبر الفضل بن الربيع من عين كانت له من خواص جعفر فرفعه إلى الرشيد فقال ما أنت وهذا فعله عن أمري ثم أحضر جعفرا للطعام فجعل يلقمه ويحادثه ثم سأله عن يحيى فقال هو بحاله في الحبس الضيق والأكبال فقال بحياتي ففطن جعفر وكان من أدق الخلق ذهنا وأصحهم فكرا فهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره فقال لا وحياتك وقص عليه أمره وقال علمت أنه لا مكروه عنده فقال نعم ما فعلت ما عدوت ما في نفسي فلما قام عنه قال قتلني الله إن لم أقتلك فكان من أمره ما كان
وقيل كان من الأسباب أن جعفرا ابتنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم فرفع ذلك إلى الرشيد وقيل هذه غرامته على دار فما ظنك بنفقاته وصلاته وغير ذلك فاستعظمه وكان من الأسباب أيضا ما لا تعدهع العامة سببا وهو أقوى الأسباب ما سمع من يحيى بن خالد وهو يقول وقد تعلق بأستار الكعبة في حجته هذه اللهم إن كان رضاك أن تسلبني نعمك عندي فاسلبني اللهم إن كان رضاك أن تسلبني مالي وأهلي وولدي فاسلبني إلا الفضل ثم ولى فلما كان عند باب المسجد رجع فقال مثل ذلك وجعل يقول اللهم إنه سمج بمثلي أن يستثني عليك اللهم والفضل وسمع أيضا يقول في ذلك المقام اللهم إن ذنوبي جمة عظيمة لا يحصيها غيرك اللهم إن كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي بذلك في الدنيا وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري وولدي ومالي حتى يبلغ رضاك ولا تجعل عقوبتي في الآخرة فاستجيب له فلما انصرفوا من الحج ونزلوا الأنبار ونزل الرشيد العمر نكبهم
وكان أول ما ظهر من فساد حالهم أن علي بنت عيسى بن ماهان سعى بموسى بن يحيى بن خالد واتهمه في أمر خراسان وأعلم الرشيد أنه يكاتبهم ليسير اليهم ويخرجهم عن الطاعة فحبسه ثم أطلقه
وكان يحيى بن خالد يدخل على الرشيد بغير إذن فدخل عليه يوما وعنده جبرائيل بن بختيشوع الطبيب فسلم فرد الرشيد ردا ضعيفا ثم أقبل الرشيد على جبرائيل فقال أيدخل عليك منزلك أحد بغير إذن فقال لا قال فما بالنا يدخل علينا بغير إذن فقال يحيى يا أمير المؤمنين ما ابت ات ذلك الساعة ولكن أمير المؤمنين خصني به حتى إن كنت لأدخل وهو في فراشه مجردا حينا وحينا في بعض إزاره وما علمت أن أمير المؤمنين كره ما كان يحب فإذا قد علمت فإني سأكون عنده في الطبقة التي يجعلني فيها فاستحيى هارون وكان من أرق الخلفاء وجها وعيناه في الأرض ما يرفع إليه طرفه وقال ما أردت ما تكره
وكان يحيى إذا دخل على الرشيد قام له الغلمان فقال الرشيد لمسرور مر الغلمان لا يقومون ليحيى إذا دخل الدار فدخلها فلم يقوموا فتغير لونه وكانوا بعد ذلك إذا رأوه أعرضوا عنه
فلما رجع الرشيد من الحج نزل العمر الذي عند الأنبار سلخ المحرم وأرسل مسرورا الخادم ومعه جماعة من الجند إلى جعفر ليلا وعنده ابن بختيشوع الطبيب وأبو زكار المغني وهو في لهوه وابو زكار يغني
( فلا تبعد فكل فتى سيأتي % عليه الموت يطرق أو يغادي )
( وكل ذخيرة لا بد يوما % وإن كرمت تصير إلى نفاد )
قال مسرور فقلت له يا أبا الفضل الذي جئت له هو والله ذاك قد طرقت أجب أمير المؤمنين فوقع على رجلي يقبلها وقال حتى أدخل فأوصي
فقلت أما الدخول فلا سبيل إليه وأما الوصية فاصنع ما شئت فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه وأتتني رسل الرشيد تستحثني فمضيت به إليه فأعلمته وهو في فراشه فقال ائتني برأسه فأتيت جعفرا فأخبرته فقال الله الله والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران فدافع حتى أصبح أو راجعه في ثانية فعدت لأراجعه فلما سمع حسي قال يا ملص بظر أمه ائتني برأسه
فرجعت إليه فأخبرته فقال آمره فرجعت فحذفني بعمود كان في يده وقال نفيت من المهدي إن لم تأتني برأسه لاقتلنك قال فخرجت فقتلته وحملت رأسه إليه وأمر بتوجيه من أحاط بيحيى وولده وجميع أسبابه وحول الفضل بن يحيى ليلا فحبس في بعض منازل الرشيد وحبس يحيى في منزله وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك وأرسل من ليلته إلى سائر البلاد في قبض أموالهم ووكلائهم ورقيقهم وأسبابهم وكل مالهم فلما أصبح أرسل جيفة جعفر إلى بغداد وأمر أن ينصب رأسه على جسر ويقطع بدنه قطعتين تنصب كل قطعة على جسر
ولم يتعرض الرشيد لمحمد بن خالد بن برمك وولده وأسبابه لأنه علم براءته فلما دهل فيه أهله وقيل كان يسعى بهم ثم حبس يحيى وبنيه الفضل ومحمدا وموسى محبسا سهلا ولم يفرق بينهم وبين عدة من خدمهمولا ما يحتاجون إليه من جارية وغيرها ولم تزل حالهم سهلة حتى قبض الرشيد على عبد الملك بن صالح فعمهم بسخطه وجدد له ولهم التهمة عند الرشيد فضيق عليهم ولما قتل جعفر بن يحيى قيل لأبيه قتل الرشيد ابنك قال كذلك يقتل ابنه قيل وأقد أخرب ديارك قال كذلك تخرب دياره فلما بلغ ذلك الرشيد قال قد خفت أن يكون ما قاله لأنه ما قال شيئا إلا ورأيت تأويله
قال سلام الأبرش دخلت على يحيى وقت قبضه وقد هتكت الستور وجمع المتاع فقال هكذا تقوم القيامة قال فحدثت الرشيد فأطرق مفكرا وكان قتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر وكان عمره سبعا وثلاثين سنة وكانت الوزارة إليهم سبع عشرة سنة ولما نكبوا قال الرقاشي وقيل أبو نواس
( الآن استرحنا واستراحت ركابنا % وأمسك من يحدي ومن كان يحتدي )
( فقل للمطايا قد أمنت من السرى % وطي الفيافي فدفا بعد فدفد )
( وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر % ولن تظفري من بعده بمسود )
( وقل للعطايا بعد فضل تعطلي % وقل للرزايا كل يوم تجددي )
( ودونك سيفا برمكيا مهندا % أصيب بسيف هاشمي مهند )
وقال يحيى بن خحالد لما نكب الدنيا والمال عارية ولنا بمن قبلنا اسوة وفينا لمن بعدنا عبرة ووقع يحيى على قصة محبوس العدوان أوبقه والتوبة تطلقه وقال جعفر بن يحيى الخط سمط الحكمة به تفصل شذورها وينظم منثورها قال نمامة قلت لجعفر ما البيان قال أن يكون الاسم محيطا بمعناك مخبرا عن مغزاك مخرجا من الشركة غير مستعان عليه بالفكرة
ذكر القبض على عبد الملك بن صالح
ص 329
وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس وكان سبب ذلك أنه كان له ولدا اسمه عبد الرحمن وبه كان يكنى وكان من رجل الناس فسعى بأبيه هو وقمامة كاتب أبيه وقالا للرشيد إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع واحضره يوما حين سخط عليه وقال له أكفرا بالنعمة وجحودا لجليل المنة والتكرمة فقال يا أمير المؤمنين لقد بؤت إذا بالندم وتعرضت لاستحلال النقم وما ذاك إلا بغي حاسد نافسني فيك مودة القرابة وتقديم الولاية إنك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله على أمته وأمينه على عترته لك عليها فرض الطاعة وأداء النصيحة ولها عليك العدل في حكمها والغفران لذنوبها والتثبت في حادثها فقال له الرشيد أتضع لي من لسانك وترفع لي من جنانك هذا كاتبك قمامة يخبر بغلك وفساد نيتك فاسمع كلامه فقال عبد الملك أعطلك ما ليس في عقده ولعله لا يقدر أن يعضهني أو يبهتني بما لم يعرفه مني فأحضر قمامة فقال له الرشيد تكلم غير هائب ولا خائف فقال أقول إنه عازم على الغدر بك والخلاف عليك فقال عبد الملك كيف لا يكذب علي من خلفي من يبهتني في وجهي فقال الرشيد فهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوك وفساد نيتك ولو أردت أن أحتج عليك لم أجد أعدل من هذين الاثنين لك فلم تدفعهما عنك فقال عبد الملك هو مأمور أو عاق مجبور فإن كان مأمورا فمعذور وإن كان عاقا ففاجر كفور أخبر الله عز وجل بعداوته وحذر منه بقوله إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم فنهض الرشيد وهو يقول ما أمرك إلا قد وضح ولكني لا أعجل حتى أعلم الذي يرضي الله عز وجل فيك فإنه الحكم بيني وبينك فقال عبد الملك رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما فإني أعلم أنه لن يؤثر هواه على رضا ربه وأحضره الرشيد يوما آخر فكان مما قال له
( أريد حياته ويريد قتلي % عذيرك من خليلك من مراد )
ثم قال أما واللخ 9 لكأني أنظر إلى شؤبوبها قد همع وعارضها قد بلع وكأني بالوعيد قد أورى زنادا يسطع فاقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم فمهلا مهلا بني هاشم فبي والله سهل لكم الوعر وصفا لكم الكدر وألقت اليكم الأمور أزمتها فنذار لكم نذار قبل حلول داهية خبوط باليد لبوط بالرجل
فقال عبد الملك انق الله يا أمير المؤمنين فيما ولاك من رعيته التي استرعاك ولا تجعل الكفر مكان الشكر ولا العقاب موضع الثواب فقد نحلت لك النصيحة ومحضت لك الطاعة وشددت أواخي ملكك بأثقل من ركني يلملم وتركت عدوك مشتغلا فالله الله في دمي إلى رحمك أن تقطعه بعد أن وصلته بظن أوضح الكتاب بعضه أو ببغي باغ ينهس اللحم ويلغ الدم فقد والله سهلت لك والأعور وذللت لك الأمور وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور فكم ليل تمام فيك كابدته ومقام ضيق قمته كنت فيه كما قال أخو بني جعفر بن كلاب يعني لبيدا
( ومقام ضيق فرجته % ببناني ولساني وجدل )
( لو يقوم الفيل أو فياله % زل عن مثل مقامي وزحل )
فقال له الرشيد والله لولا إبقائي على بني هاشك لضربت عنقك ثم أعاده إلى محبسه فدخل عبد الله بن مالك على الرشيد وكان على شرطته فقال له والله العظيم يا أمير المؤمنين ما علمت عبد الملك إلا ناصحا فعلام حبسته فقال بلغني عنه ما أوحشتني ولم آمنه أن يضرب بين ابني هذين يعني الأمين والمأمون فإن كنت ترى أن نطلقه من الحبس أطلقناه فقال أما إذا حبسته فلست أرى في قرب المدة أن تطلقه ولكن تحبسه محبسا كريما قال فإني أفعل
فأمر الفضل بن الربيع أن يمضي إليه وينظر ما يحتاج إليه فيوظفه له ففعل
ولم يزل عبد الملك محبوسا حتى مات الرشيد فأخرجه الأمين واستعمله على الشام فأقام بالرقة وجعل لمحمد الامين عهد الله لئن قتل وهو حي لا يعطي المأمون طاعة أبدا فمات قبل الأمين
وكان ما قال للأمين إن خفت فالجأ إلي فوالله لأصوننك
وقال الرشيد يوما لعبد الملك ما أنت لصالح قال فلمن أنا قال لمروان الجعدي قال ما أبالي أي الفحلين غلب علي
وأرسل الرشيد يوما إلى يحيى بن خالد بن برمك أن عبد الملك أراد الخروج علي ومنازعتي في الملك وعلمت ذلك فاعلمني ما عندك فيه فإنك إن صدقتني أعدتك إلى حالك فقال والله ما اطلعت من عبد الملك على شيء من هذا ولو اطلعت عليه لكنت صاحبه دونك لأن ملكك كان ملكي وسلطانك كان سلطاني والخير والشر كان فيه علي ولي وكيف يطمع عبد الملك في ذلك مني وهل كان إذا فعلت به ذلك يفعل معي أكثر من فعلك وأعيذك بالله أن تظن بي هذا الظن ولكنه كان رجلا محتملا يسرني أن يكون في أهلك مثله فوليته لما حمدت أثره ومذهبه وملت إليه لأدبه واحتماله فلما أتاه الرسول بهذا أعاده عليه فقال له إن أنت لم تقر عليه قتلت الفضل ابنك فقال له أنت مسلط علينا فافعل ما أردت فأخذ الرسول الفضل فأقامه فودع أباه وقال له ألست راضيا عني قال بلى فرضي الله عنك ففرق بينهما ثلاثة أيام فلما لم يجد عندهما في ذلك شيئا جمعهما
ذكر غزو الروم
ص 332
وفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان فأناخ على قرة وحصرها ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث فحصر حصن سنان حتى جهد اهلها فبعث إليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين على أن يرحل عنهم فأجابهم ورحل عنهم صلحا
ومات علي بن عيسى في هذه الغزاة بأرض الروم وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني فخلعتها الروم وملكت نقفور وتزعم الروم أنه من أولاد جفنة بن غسان وكان قبل أن يملك يلي ديوان الخراج وماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلعها فلما استوثقت الروم لنقفور كتب إلى الرشيد من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ وأقامت نفسها مقام البيدق فحملت اليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها إليها لكن ذلك لضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من اموالها وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك حفلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب حتى لم يقدر أحد أن ينظر اليه دون أن يخاطبه وتفرق جلساؤه فدعا بداوة وكتب على ظهر الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم قد قرأت كتابك يابن الكافرة والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام
ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة ففتح وغنم وأحرق وخرب فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله كل سنة فأجابه إلى ذلك فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد وكان البرد شديدا فأمن رجعة الرشيد خوفا على أنفسهم من العود في مثل ذلك البرد واشفاقا من الرشيد فاحتيل له بشاعر من أهل جنده وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف وقيل هو الحجاج بن يوسف التيمي فقال أبياتا منها
( نقض الذي أعطيته نقفور % فعليه دائرة البوار تدور )
( أبشر امير المؤمنين فإنه % فتح أتاك به الإله كبير )
( فتح يزيد على الفتوح يؤمنا % بالنصر فيه لواؤك المنصور )
في أبيات غيرها فلما سمع الرشيد ذلك قال أوقد فعل ذلك نقفور وعلم أن الوزراء قد احتالوا له في ذلك فرجع إلى بلاد الروم في أشد زمان وأعظم كلفة حتى بلغ بلادهم فأقام بها حتى شفي واشتفى وبلغ ما أراد
ذكر قتل إبراهيم بن عثمان بن نهيك
ص 333
وفيها قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك وسبب قتله أنه كان كثيرا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة ويبكي عليهم إلى أن خرج من البكاء إلى حد طالبي الثار فكان إذا شرب النبيذ مع جواريه أخذ سيفه ويقول واجعفراه واسيداه والله لأقتلن قاتلك ولأثأرن بدمك فلما كثر هذا منه داء ابنه فأعلم الرشيد هو وخصي كان لاإبراهيم فأحضر إبراهيم وسقاه النبيذ فلما أخذ منه النبيذ قال له إني قد ندمت على قتل جعفر بن يحيى وودت أني خرجت من ملكي وأنه كان بقي له فما وحدت طعن النوم مذ فارقته ولا لذة العيش منذ قتلته فلما سمعها إبراهيم أسبل دموعه وقال رحم الله أبا الفضل والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله وأوطأت العشوة في أمره وأين توجد في الدنيا مثله فقال الرشيد قم عليك لعنة الله يا بن اللخناء فقام وما يعقل ما يطأ فما كان بين هذا وبين أن دخل عليه ابنه وضربه بالسيق إلا ليال قلائل
ذكر ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلس
ص 334
في هذه السنة ملك الفرنج مدينة تطيلة بالأندلس وسبب ذلك أن الحكم صاحب الأنلدس استعمل على ثغور الأندلس قائدا كبيرا من أجناده اسمه عمروس بن يوسف فاستعمل ابنه يوسف على تطيلة وكان قد انهزم من الحكم أهل بيت من الأندلس أولو قوة وبأس لأنهم خرجوا عن طاعته فالتحقوا بالمشركين فقوي أمرهم واشتدت شوكتهم وتقدموا إلى مدينة تطيلة فحصروها وملكوها من المسلمين فأسروا أميرها يوسف بن عمروس وسجنوه بصخرة قيس واستقر عمروس بن يوسف بمدينة سرقسطة ليحفظها من الكفار وجمع العساكر وسيرها مع ابن عم له فلقي المشركين وقاتلهم ففض جمعهم وهزمهم وقتل أكثرهم ونجا الباقون منكوبين وسار الجيش إلى صخرة قيس فحصروها وافتتحوها ولم يقدر المشركون على منعها منهم لما نالهم من الوهن بالهزيمة ولما فتحها المسلمون خلصوا يوسف بن عمروس أمير الثغر وسيروه إلى أبيه وعظم أمر عمروس عند المشركين وبعد صوته فيهم وأقام في الثغر أميرا عليه
ذكر ايقاع الحكم باهل قرطبة
ص 334
كان الحكم في صدر ولايته تظاهر بشرب الخمر والانهماك في اللذات وكانت قرطبة دار علم وبها فضلاء في العلم والورع منهم يحيى بن يحيى الليثي راوي موطأ مالك عنه وغيره فثار أهل قرطبة وأنكروا فعله ورجموع بالحجارة وأرادوا قتله فامتنع منهم بمن حضر من الجند وسكن الحال
ثم بعد أيام اجتمع وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها وحضروا عند محمد بن القاسم القرشي المرواني عم هشام بن حمزة وأخذوا له البيعة على أهل البلد وعرفوه أن الناس قد ارتضوه كافة فاستنظر ليلة ليرى رأيه ويستخير الله سبحانه وتعالى فانصرفوا فحضر عند الحكم وأطلعه على الحال وأعلمه أنه على بيعته فطلب الحكم تصحيح الحال عنده فأخذ معه بعض ثقات الحكم وأجلسه في قبة في داره وأخفى أمره وحضر عنده القوم يستعلمون منه هل تقلد أمرهم أم لا فأراهم المخافة على نفسه وعظم الخطب عليهم وسألهم تعداد اسمائهم ومن معهم فذكروا له جميع من معهم من أعيان البلد وصاحب الحكم يكتب أسماؤهم فقال لهم محمد بن القاسم يكونو هذا الأمر يوم الجمعة إن شاء الله في المسجد الجامع ومشى إلى الحكم مع صاحبه
فاعلماه جلية الحال وكان ذلك يوم الخميس فما أتى عليه الليل حتى حبس الجماعة المذكورين عن آخريهم ثم أمر بهم بعد ايام فصلبوا عند قصره وكانوا اثننين وسبعين رجلا ومنهم أخو يحيى بن يحيى ة ابن أبي كعب وكان يومهم يوما شنيعا فتمكنت عداوة الناس للحكم
ذكر عدة حوادث
ص 335
في هذه السنة هاجت العصبية بالشام بين المضرية واليمانية فارسل الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح يينهم وفيها زلزت المصيصة فنهدم سورها ونضب ماؤها ساعة من الليل وفيها خرج عبد السلام بآمد فحكم فقتله يحيى بن سعيد العقيلي وفيها أغزى الرشيد ابنه القاسم الصائفة وهبه وجعله قربانا له وولاه العواصم
وحج بالناس هذه السنة عبد الله بن العباس بن محمد بن علي وفيها توفي الفضيل بن عياض الزاهد وكان مولده بسمرقند وانتقل إلى مكة فمات بها وفيها توفي المعمر بن سليمان بن طرخان التيمي أبو محمد البصري وكان مولده سنة ست أو سبع ومائة وعمر بن عبيد الطنافسي الكوفي وفيها توفي أبو مسلم معاذ الهراء النحوي وقيل كنيته أبو علي وعنه أخذ الكسائي النحو وولد أيام يزيد بن عبد الملك
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.