ذكر خلاف أهل الاسكندرية
ص 475
في هذه السنة خالف أهل الاسكندرية ونقضوا صلحهم وكان سبب ذلك أن الروم عظم عليهم فتح المسلمين الاسكندرية وظنوا أنهم لا يمكنهم المقام ببلادهم بعد خروج الاسكندرية عن ملكهم فكاتبوا من كان فيها من الروم ودعوهم إلى نقض الصلح فأجابوهم إلى ذلك فسار إليهم من القسطنطينية جيش كثير وعليهم منويل الخصي فأرسلوا بها واتفق معهم من بها من الروم ولم يوافقهم المقوقس بل ثبت على صلحه فلما بلغ الخبر إلى عمرو بن العاص سار إليهم وسار الروم إليه فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم الروم وتبعهم المسلمون إلى أن أدخلوهم الاسكندرية وقتلوا منهم في البلد مقتلة عظيمة منهم منويل الخصي وكان الروم لما خرجوا من الاسكندرية قد أخذوا أموال أهل تلك القرى من وافقهم ومن خالفهم فلما ظفر بهم المسلمون جاء أهل القرى الذين خالفوهم فقالوا لعمرو بن العاص إن الروم أخذوا دوابنا وأموالنا ولم نخالف نحن عليكم وكنا على الطاعة فرد عليهم ما عرفوا من أموالهم بعد إقامة البينة وهدم عمر سور الاسكندرية وتركها بغير سور
وفيها بلغ سعد بن أبي وقاص عن أهل الري عزم على نقض الهدنة والغدر فأرسل إليهم وأصلحهم وغزا الديلم ثم انصرف
ذكر عزل سعد عن الكوفة وولاية الوليد بن عقبة
ص 475
في هذه السنة عزل عثمان بن عفان سعد بن أبي وقاص عن الكوفة في قول بعضهم واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو واسمه ذكوان بن أمية بن عبد شمس وهو أخو عثمان لأمه أمهما أروى بنت كريز وأمها البيضاء بنت عبد المطلب وسبب ذلك أن سعدا اقترض من عبد الله بن مسعود من بيت المال قرضا فلما تقاضاه ابن مسعود لم يتيسر له قضاؤه فارتفع بينهما الكلام فقال له سعد ما أراك إلا ستلقى شرا هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل فقال أجل والله إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة
وكان هاشم بن عتبة بن أبي وقاص حاضرا فقال إنكما لصاحبا رسول الله ينظر إليكما فرفع سعد يده ليدعو على ابن مسعود وكان فيه حدة فقال اللهم رب السموات والأرض فقال ابن مسعود ويلك قل خيرا ولا تلعن فقال سعد عند ذلك أما والله لولا اتقاء الله لدعوت عليك دعوة لا تخطئك
فولى عبد الله سريعا حتى خرج ثم استعان عبد الله بأناس على استخراج المال واستعان سعد بأناس على إنظاره فافترقوا وبعضهم يلوم بعضا يلوم هؤلاء سعدا وهؤلاء عبد الله فكان ذلك أول ما نزغ به بين أهل الكوفة وأول مصر نزغ الشيطان بين أهل الكوفة وبلغ الخبر عثمان فغضب عليهما فعزل سعدا وأقر عبد الله واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط مكان سعد وكان على عرب الجزيرة عاملا لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان بعده فقدم الكوفة واليا عليها وأقام عليها خمس سنين وهو من أحب الناس إلى أهلها
فلما قدم قال له سعد أكست بعدنا أم حمقنا بعدك فقال لا تجزعن يا أبا إسحاق كل ذلك لم يكن وإنما هو الملك يتغداه قوم ويتعشاه آخرون فقال سعد أراكم جعلتموها ملكا وقال له ابن مسعود ما أدري أصلحت بعدنا أم فسد الناس
ذكر أهل أرمينية وأذربيجان
ص 476
لما استعمل عثمان الوليد على الكوفة عزل عتبة بن فرقد عن أذربيجان فنقضوا فغزاهم الوليد سنة خمس وعشرين وعلى مقدمته عبد الله بن شبيل الأحمسي فأغار على أهل موقان والبير والطيلسان ففتح وغنم وسبى فطلب أهل كور أذربيجان الصلح فصالحهم على صلح حذيفة وهو ثمانمائة ألف درهم وقبض المال ثم بث سراياه وبعث سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أهل أرمينية في اثني عشر ألفا فسار في أرمينية يقتل ويسبي ويغنم ثم انصرف وقد ملأ يديه حتى أتى الوليد فعاد الوليد وقد ظفر وغنم وجعل طريقه على الموصل ثم أتى الحديثة فنزلها فأتاه بها كتاب عثمان فيه أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلي يخبرني أن الروم قد أجلبت على المسلمين في جموع كثيرة وقد رأيت أن يمدهم إخوانهم من أهل الكوفة فإذا أتاك كتابي هذا فابعث إليهم رجلا له نجدة وبأس في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف من المكان الذي يأتيك كتابي فيه والسلام
فقام الوليد في الناس وأعلمهم الحال وندبهم مع سلمان بن ربيعة الباهلي فانتدب معه ثمانية آلاف فمضوا حتى دخلوا مع أهل الشام إلى أرض الروم وعلى جند أهل الشام حبيب بن مسلمة بن خالد الفهري وعلى جند أهل الكوفة سلمان بن ربيعة فشنوا الغارات على أرض الروم فأصاب الناس ما شاؤوا من سبي ملأوا أيديهم من المغنم وافتتحوا حصونا كثيرة وقيل إن الذي أمد حبيب بن مسلمة بسلمان بن ربيعة كان سعيد بن العاص وكان سبب ذلك أن عثمان كتب إلى معاوية يأمره أن يغزي حبيب بن مسلمة في أهل الشام أرمينية فوجهه إليها فأتى قاليقلا فحصرها وضيق على من بها فطلبوا الأمان على الجلاء أو الجزية فجلا كثير منهم فلحقوا ببلاد الروم وأقام حبيب بها فيمن معه أشهرا وإنما سميت قاليقلا لأن امرأة بطريق أرميناقس كان اسمها قالي بنت هذه المدينة فسمتها قالي قلة تعني إحسان قالي فعربتها العرب فقالت قاليقلا ثم بلغه أن بطريق أرميناقس وهي البلاد التي هي الآن بيد أولاد السلطان قلج أرسلان وهي ملطية وسيواس واقصرا وقونية وما والاها من البلاد إلى خليج القسطنطينية واسمه الموريان قد توجه نحوه في ثمانين ألفا من الروم والترك فكتب حبيب بذلك إلى معاوية يخبره فكتب معاوية إلى عثمان فأرسل عثمان إلى سعيد بن العاص يأمره بإمداد حبيب فأمده بسلمان بن ربيعة في ستة آلاف وأجمع حبيب على تبييت الروم فسمعته امرأته أم عبد الله بنت يزيد الكلبية فقالت أين موعدك فقال سرادق الموريان أو الجنة
ثم بيتهم فقتل من وقف له ثم أتى السرادق فوجد امرأته قد سبقته إليه فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها حجاب سرادق ومات عنها حبيب فخلفه عليها الضحاك بن قيس فهي أم ولده ولما انهزمت الروم عاد حبيب إلى قاليقلا ثم سار منها فنزل مربالا فأتاه بطريق خلاط بكتاب عياض بن غنم بأمانه فأجراه عليه وحمل إليه البطريق وما عليه من المال ونزل حبيب خلاط
ثم سار منها فلقيه صاحب مكس وهي من البسفرجان فقاطعه على بلاده ثم سار منها إلى أزدشاط وهي القرية التي يكون فيها القرمز الذي يصبغ به فنزل على نهر دبيل وسرح الخيول إليها فحصرها فتحصن أهلها فنصب عليهم منجنيقا فطلبوا الأمان فأجابهم إليه وبث السرايا فبلغت خيله ذات اللجم وإنما سميت ذات اللجم أن المسلمين أخذوا لجم خيولهم فكبسهم الروم قبل أن يلجموها ثم ألجموها وقاتلوهم فظفروا بهم ووجه سرية إلى سراج طير وبغروند فصالحه بطريقها على إتاوة فقدم عليه بطريق البسفرجان فصالحه على جميع بلاده وأتى السيسجان فحاربه أهلها فهزمهم وغلب على حصونهم وسار إلى جرزان فأتاه رسول بطريقها يطلب الصلح فصالحه وسار إلى تفليس فصالحه أهلها وهي من جرزان وفتح عدة حصون ومدن بجوارها صلحا وسار سلمان بن ربيعة الباهلي إلى أران ففتح البيلقان صلحا على أن أمنهم على دمائهم وأموالهم وحيطان مدينتهم واشترط عليهم الجزية والخراج
ثم أتى سلمان مدينة برذعة فعسكر على الثرثور نهر بينه وبينها نحو فرسخ فقاتله أهلها أياما وشن الغارات في قراها فصالحوه على مثل صلح البيلقان ودخلها ووجه خيله ففتحت رساتيق الولاية ودعا أكراد البلاشجان إلى الإسلام فقاتلوه فظفر بهم فأقر بعضهم على الجزية وأدى بعضه الصدقة وهم قليل ووجه سرية إلى شمكور ففتحوها وهي مدينة قديمة لم تزل معمورة حتى أخربها السناوردية وهم قوم تجمعوا لما انصرف يزيد بن أسد عن أرمينية فعظم أمرهم فعمرها بغا سنة أربعين ومائتين وسماها المتوكلية نسبة إلى المتوكل وسار سلمان إلى مجمع أرس والكر ففتح قبلة وصالحه صاحب سكر وغيرها على الإتاوة وصالحه ملك شروان وسائر ملوك الجبال وأهل مسقط والشابران ومدينة الباب ثم امتنعت بعده
ذكر غزوة معاوية الروم
ص 479
وفيها غزا معاوية الروم فبلغ عمورية فوجد الحصون التي بين أنطاكية وطرطوس خالية فجعل عندها جماعة كثيرة من أهل الشام والجزيرة حتى انصرف من غزاته ثم أغزى بعد ذلك يزيد بن الحر العبسي الضائفة وأمره ففعل مثل ذلك ولما خرج هدم الحصون إلى أنطاكية
ذكر غزوة إفريقية
ص 479
في هذه السنة سير عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أطراف إفريقية غازيا بأمر عثمان وكان عبد الله من جند مصر فلما سار إليها أمده عمرو بالجنود فغنم هو وجنده فلما عاد عبد الله كتب إلى عثمان يستأذنه في غزو إفريقية فأذن له في ذلك
ذكر عدة حوادث
ص 479
وفيها أرسل عثمان عبد الله بن عامر إلى كابل وهي عمالة سجستان فبلغها في قول فكانت أعظم من خراسان حتى مات معاوية وامتنع أهلها وفيها ولد يزيد بن معاوية وفيها كانت غزوة سابور الأولة وقيل سنة ست وعشرين وقد تقدم ذلك وحج بالناس عثمان
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.