ذكر انهزام سيف الدين من صلاح الدين
ص 73
في هذه السنة عاشر شوال كان المصاف بين سيف الدين غازي بن مودود وبين صلاح الدين يوسف بن أيوب بتل السلطان على مرحلة من حلب على طريق حماه وانهزم سيف الدين وسبب ذلك أنه لما انهزم أخوه عز الدين مسعود من صلاح الدين في العام الماضي وصالح سيف الدين أخاه عماد الدين صاحب سنجار عاد إلى الموصل وجمع عساكره وفرق فيهم الأموال واستنجد صاحب حصن كيفا وصاحب ماردين وغيرهما فاجتمعت معه عساكر كثيرة بلغت عدتهم ستة آلاف فارس فسار إلى نصيبين في ربيع الأول من هذه السنة وأقام بها فأطال المقام حتى انقضى الشتاء وهو مقيم فضجر العسكر ونفدت نفقاتهم وصار العود إلى بيوتهم مع الهزيمة أحب إليهم من الظفر لما يتوقعونه إن ظفروا من طول المقام بالشام بعد هذه المدة ثم سار إلى حلب فنزل إليه سعد الدين كمشتكين الخادم مدبر دولة الملك الصالح ومعه عساكر حلب وكان صلاح الدين في قلة من العساكر لأنه كان صالح الفرنج في المحرم من هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله
وقد سير عساكره إلى مصر فأرسل يستدعيها فلو عالجوه لبلغوا غرضهم منه لكنهم تريثوا وتأخروا عنه فجاءته عساكره فسار من دمشق إلى ناحية حلب ليلقى سيف الدين فالتقى العسكران بتل السلطان وكان سيف الدين قد سبقه فلما وصل صلاح الدين كان وصوله العصر وقد تعب هو وأصحابه وعطشوا فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس فيهم حركة فأشار على سيف الدين جماعة بقتاهم وهو على هذا الحال فقال زلفندار ما بنا هذه الحاجة إلى قتال هذا الخارجي في هذه الساعة غدا بكرة نأخذهم كلهم فترك القتال إلى الغد فلما أصبحوا اصطفوا للقتال فجعل زلفندار وهو المدبر للعسكر السيفي أعلامهم في وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب منها فلما لم يرها الناس ظنوا أن السلطان قد انهزم فلم يثبتوا وانهزم ولم يلو أخ على أخيه ولم يقتل بين الفريقين مع كثرتهم غير رجل واحد ووصل سيف الدين إلى حلب وترك بها أخاه عز الدين مسعودا في جمع من العسكر ولم يقم هو وعبر الفرات وسار إلى الموصل وهو لا يصدق أنه ينجو وظن أن صلاح الدين يعبر الفرات ويقصده بالموصل فاستشار وزيره جلال الدين ومجاهد الدين قايماز في مفارقة الموصل والاعتصام بقلعة عقرا الحميدية فقال له مجاهد الدين أرأيت إن ملكت الموصل عليك أتقدر أن تمتنع ببعض أبراج الفصيل فقال لا فقال برج في الفصيل خير من العقر وما زال الملوك ينهزمون ويعاودون الحرب واتفق هو والوزير على شد أزره وتقوية قلبه فثبت ثم أعرض عن زلفندار وعزله واستعمل مكانه على إمارة الجيوش مجاهد الدين قايماز على ما نذكر إن شاء الله
وقد ذكر العماد الكاتب في كتاب البرق الشامي في تاريخ الدولة الصلاحية أن سيف الدين كان عسكره في هذه الوقعة عشرين ألف فارس ولم يكن كذلك وإنما كان على التحقيق يزيدون على ستة آلاف فارس أقل من خمسمائة فإنني وقفت على جريدة العرض وترتيب العسكر المصاف ميمنة وميسرة وقلبا وجاليشية وغير ذلك وكان المتولى لذلك والكاتب له أخي مجد الدين أبا السعادات المبارك بن محمد بن عبد الكريم رحمه الله إنما قصد العماد أن يعظم أمر صاحبه بأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا والحق أحق أن يتبع ثم ياليت شعري كم هي الموصل وأعمالها إلى الفرات حتى يكون لها وفيها عشرون ألف فارس
ذكر ما ملكه صلاح الدين بعد الكسرة من بلاد الصالح بن نور الدين
ص 74
لما انهزم سيف الدين وعسكره ووصلوا إلى حلب عاد سيف الدين إلى الموصل كما ذكرناه
وترك بحلب أخاه عز الدين مسعودا في طائفة من العسكر نجدة للملك الصالح وأما صلاح الدين فإنه لما استولى على أثقال العسكر الموصلي هو وعسكره وغنموها واتسعوا بها وفروا سار إلى بزاعة فحصرها وقاتله من بالقلعة ثم تسلمها وجعل فيها من يحفظها وسار إلى مدينة منبج فحصرها آخر شوال وبها صاحب قطب الدين ينال بن حسان المنبجي وكان شديد العداوة لصلاح الدين والتحريض عليه والاطماع فيه والطعن فيه فصلاح الدين حنق عليه متهدد له فأما المدينة فملكها ولم تمتنع عليه وبقي القلعة وبها صاحبها قد جمع إليها الرجال والسلاح والذخائر فحصره صلاح الدين
وضيق عليه وزحف إلى القلعة فوصل النقابون إلى السور فتقبوها وملكوها عنوة وغنم العسكر الصلاحي كل ما فيها وأخذ صاحبها أسيرا فأخذ صلاح الدين كل ماله وأصبح فقيرا لا يملك نقيرا ثم أطلقه صلاح الدين فسار إلى الموصل فأقطعه سيف الدين غازي مدينة الرقة ولما فرغ صلاح الدين من منبج سار إلى القلعة إعزاز فنازلها ثالث ذي القعدة من السنة وهي من أحصن القلاع وأمنعها فنازلها وحصرها وأحاط بها وضيق على من فيها ونصب عليها المنجنيقات وقتل عليها كثير من العسكر
فبينما صلاح الدين يوما في خيمة لبعض أمرائه يقال له جاولي وهو مقدم الطائفة الأسدية إذ وثبت عليه باطني فضر به بسكين في رأسه فجرحه فلولا أن المغفر الزرد تحت القلنسوة لقتله فأمسك صلاح الدين يد الباطني بيده إلا أنه لا يقدر على منعه من الضرب بالكلية إنما يضرب ضربا ضعيفا فبقي الباطني يضربه في رقبته بالسكين وكان عليه كزاغند فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند فتقطعه والزردية تمنعها من الوصول إلى رقبته لبعد أجله فجاء أمير من أمرائه اسمه يازكش فأمسك السكين بكفه فجرحه الباطني ولم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطني وجاء آخر من الاسماعيلية فقتل أيضا وثالث فقتل وركب صلاح الدين إلى خيمته كالمذعور لا يصدق بنجاته ثم اعتبر جنده فمن أنكره أبعده ومن عرفه أقره على خدمته ولازم حصار إعزاز ثمانية وثلاثين يوما كل يوم أشد قتالا مما قبله وكثرت النقوب فيها فأذعن من بها وسلموا القلعة إليه فتسلمها حادي عشر ذي الحجة
ذكر الفتنة بمكة وعزل أميرها وإقامة غيره
ص 76
في هذه السنة في ذي الحجة كان بمكة حرب شديدة بين أمير الحاج طاشتكين وبين الأمير مكثر بن عيسى أمير مكة وكان الخليفة قد أمر أمير الحاج بعزل مكثر وإقامة أخيه داود مقامه وسبب ذلك أنه كان قد بنى قلعة على جبل أبي قبيس فلما سار الحاج عن عرفات لم يبيتوا بالمزدلفة وإنما اجتازوا بها فلم يرموا الجمار إنما بعضهم رمى بعضها وهو سائر ونزلوا الأبطح فخرج إليهم ناس من أهل مكة فحاربوهم وقتل من الفريقين جماعة وصاح الناس الغزاة إلى مكة فهجموا عليها
فهرب أمير مكة مكثر فصعد إلى القلعة التي بناها على جبل أبي قبيس فحصروه بها
ففارقها
وسار عن مكة وولي أخوه داود الإمارة ونهب كثيرا من الحاج وأخذوا من أموال التجارة المقيمين بها شيئا كثيرا وأحرقوا دورا كثيرة ومن أعجب ما جرى فيها ان إنسانا زراقا ضرب دارا بقارورة نفط فأحرقها وكانت لأيتام فأحرقت ما فيها
ثم أخذ قارورة أخرى ليضرب بها مكانا آخر فأتاه حجر فأصاب القارورة فكسرها
فاحترق هو بها فبقي ثلاثة أيام يعذب بالحريق ثم مات
ذكر عدة حوادث
ص 77
في هذه السنة في شهر رمضان انكسفت الشمس جميعها وأظلمت الأرض حتى بقي الوقت كأنه ليل مظلم وظهرت الكواكب وكان ذلك ضحوة النهار يوم الجمعة التاسع والعشرين منه وكنت حينئذ صبيا بظاهر جزيرة ابن عمر مع شيخ لنا من العلماء أقرأ عليه الحساب فلما رأيت ذلك خفت خوفا شديدا وتمسكت به فقوى قلبي وكان عالما بالنجوم أيضا وقال لي الآن ترى هذا جميعه انصرف فانصرف سريعا
وفيها ولى الخليفة المشتضيء بأمر الله حجبة الباب أبا طالب نصر بن علي الناقد وكان يلقب في صغره قنبرا فصاروا يصيحون به ذلك إذا ركب فأمر الخليفة أن يركب معه جماعة من الأتراك ويمنعون الناس من ذلك فامتنعوا فلما كان قبل العيد خلع عليه ليركب في الموكب فاشترى جماعة من أهل بغداد من القنابر شيئا كثيرا وعزموا على إرسالها في الموكب إذ رأوا ابن الناقد فأنهى ذلك إلى الخليفة وقيل له يصير الموكب ضحكة فعزله وولى ابن المعوج
وفيها في ذي الحجة يوم العيد وقعت فتنة ببغداد بين العامة وبين الأتراك بسبب أخذ جمال النحر فقتل بينهم جماعة ونهب شيء كثير من الأموال ففرق الخليفة أموالا جليلة فيمن نهب ماله
وفيها زلزلت بلاد العجم من جهة العراق إلى ما وراء الري وهلك فيها خلق كثير وتهدمت دور كثيرة وأكثر ذلك كان بالري وقزوين
وفيها في ربيع الأخر استوزر سيف الدين غازي صاحب الموصل جلال الدين أبا الحسن بن جمال الدين محمد بن علي وكان جمال الدين وزير البيت الأتابكي وقد تقدمت أخباره وهو المشهور بالجود والإفضال ولما ولى جلال الدين الوزارة ظهرت منه كفاية عظيمة ومعرفة تامة بقوانين الوزارة وله مكاتبات وعهود حسنة مدونة مشهورة وكان جوادا فاضلا خيرا وكان عمره لما ولى الوزارة خمسا وعشرين سنة
وفيها في ذي الحجة استناب سيف الدين أيضا عنه بقلعة الموصل مجاهد الدين قايماز وفوض إليه الأمور وكان قبل ذلك إليه الأمر بمدينة إربل وأعمالها وكان رحمه الله من صالحي الأمراء وأرباب المعروف بنى كثيرا من الجوامع والخانات في الطرق والقناطر على الأنهار والربط وغير ذلك من أبواب البر وكان دائم الصدقة كثير الإحسان عادل السيرة رحمه الله
وفيها قبض الخليفة على سنجر المقتفوي أستاذ الدار ورتب مكانه أبا الفضل هبة الله بن علي بن هبة الله بن الصامت
وفيها في رمضان قدم شمس الدولة تورانشاه بن أيوب الذي ملك اليمن إلى دمشق ولما سمع أن أخاه صلاح الدين ملكها حن إلى الوطن والأتراب ففارق اليمن وسار إلى الشام وأرسل من الطريق إلى أخيه صلاح الدين يعلمه بوصوله وكتب في الكتاب شعرا من قول ابن المنجم المصري
( وإلى صلاح الدين أشكوا أنني % من بعده مضني الجوامح مولع )
( جزعا لبعد الدار منه ولم أكن % لولا هواه لبعد دار أجزع )
( فلأركبن إليه متن عزائمي % ويخب بي ركب الغرام ويوضع )
( ولأقطعن من النهار هواجرا % قلب النهار بحرها يتقطع )
( ولأسرين الليل لا يسري به % طيف الخيال ولا البروق اللمع )
( وأقدمن إليه قلبي مخبرا % أني بجسمي من قريب أتبع )
( حتى أشاهد منه أسعد طلعة % من أفقها صبح السعادة يطلع )
وفي هذه السنة في المحرم برز صلاح الدين من دمشق وقد عظم شأنه بما ملكه من بلاد الشام وبكسره عسكر الموصل فخافه الفرنج وغيرهم وعزم على دخول بلدهم ونهبه والإغارة عليه فأرسلوا إليه يطلبون الهدنة معه فأجابهم إليها وصالحهم فأمر العساكر المصرية بالعودة إلى مصر والاستراحة إلى أن يعاود طلبهم وشرط عليهم أنه متى أرسل يستدعيهم لا يتأخرون فساروا إليها وأقاموا بها إلى أن استدعاهم للحرب مع سيف الدين على ما ذكرناه
وفيها مات أبو الحسن علي بن عساكر البطائحي المقري وكان قد سمع الحديث الكثير ورواه وكان نحويا جيدا
وفي ذي الحجة منها توفي أبوسعد محمد بن سعيد بن محمد بن الرزاز سمع الحديث ورواه وله شعر جيد فمن ذلك أنه كتب إليه بعض أصدقائه مكاتبة وضمنها شعرا فأجابه
( يا من أياديه تغني من يعددها % وليس يحصي مداها من لها يصف )
( عجزت عن شكر ما أوليت من كرم % وصرت عبدا ولي في ذلك الشرف )
( أهديت منظوم شعر كله درر % فكل ناظم عقد عنده يقف )
( إذا أتيت ببيت منه كان لنا % قصرا ودر المعاني فوقه شرف )
( وإن أتيت أنا بيتا يناقضه % أتيت لكن ببيت سقفه يكف )
( ما كنت منه ولا من أهله أبدا % وإنما حين أدنو منه أقتطف )