في هذه السنة في شعبان قدم ايتغمش صاحب همذان وأصفهان والري وما بينهما من البلاد إلى بغداد هاربا من منكلي وسبب ذلك أن ايتغمش كان قد تمكن في البلاد وعظم شأنه وانتشر صيته وكثر عسكره حتى إنه حصر صاحبه أبا بكر بن البهلوان صاحب هذه البلاد أذربيجان وأران كما ذكرناه فلما كان الآن خرج عليه مملوك اسمه منكلي ونازعه في البلاد وكثر اتباعه واطاعه المماليك البهلوانية فاستولى عليها وهرب منه شمس الدين أيتغمش إلى بغداد فلما وصل اليها أمر الخليفة بالاحتفال به في اللقاء فخرج الناس كافة وكان يوم وصوله مشهودا ثم قدمت زوجته في رمضان في محمل فأكرمت وأنزلت عند زوجها وأقام ببغداد إلى سنة عشر وستمائة فسار عنها فكان من أمره ما نذكره
ثم دخلت سنة ثمان وستمائة
وفي هذه السنة نهب الحاج بمنى وسبب ذلك أن باطنيا وثب على بعض أهل الأمير قتادة صاحب مكة فقتله بمنى ظنا منه أنه قتادة فلما سمع قتادة ذلك جمع الأشراف والعرب والعبيد وأهل مكة وقصدوا الحاج ونزلوا عليهم من الجبل ورهوهم بالحجارة والنبل وغير ذلك وكان أمير الحاج ولد الأمير ياقوت المقدم ذكره وهو صبي لا يعرف كيف يفعل فخاف وتحير وتمكن أمير مكة من نهب الحاج فنهبوا منهم من كان في الأطراف واقاموا على حالهم إلى الليل فضطرب الحاج وباتوا بأسوأ حال من شدة الخوف من القتل والنهب فقال بعض الناس لأمير الحاج لينتقل بالحجاج إلى منزلة حجاج الشام فأمر بالرحيل فرفعوا أثقالهم على الجمال واشتغل الناس بذلك فطمع العدو فيهم وتمكن من النهب والتحق من سلم بحجاج الشام فاجتمعوا بهم ثم رحلوا إلى الزاهر ومنعوا من دخول مكة ثم اذن لهم في ذلك فدخوها وتمموا حجتهم وعادوا ثم ارسل قتادة ولده وجماعة من اصحابه إلى بغداد فدخلوها ومعهم السيوف مسلولة والأكفان فقبلوا العتبة واعتذروا مما جرى على الحجاج
في هذه السنة اظهر الاسماعيلية ومقدمهم جلال الدين بن فلان بن حسن بن الصباح الانتقال عن فعل المحرمات واستحلالها وأمر باقامة الصلوات وشرائع الإسلام ببلادهم من خراسان والشام ولأرسل مقدمهم رسلا إلى الخليفة وغيره من ملوك الإسلام يخبرهم بذلك وأرسل والدته إلى الحج فأكرمت ببغداد إكراما عظيما وكذلك بطريق مكة
وفيها سلخ جمادى الآخرة توفي أبو حامد محمد بن يونس بن ميعة الفقيه الشافعي بمدينة الموصل وكان إماما فاضلا إليه انتهت رياسة الشافعية لم يكن في زمانه مثله وكان حسن الاخلاق كثير التجاوز عن الفقهاء والإحسان اليهم رحمه الله
وفيها في شهر ربيع الأول توفي القاضي أبو الفضائل علي بن يوسف بن أحمد بن الأمدي الواسطي قاضيها وكان نعم الرجل
وفيها في شعبان توفي المعين أبو الفتوح عبد الواحد بن أحمد بن علي الأمين شيخ الشيوخ ببغداد وكان موته بجزيرة كاس مضى اليها رسولا من الخليفة وكان من اصدقائنا وبيننا وبينه مودة متأكدة وصحبة كثيرة وكان من عباد الله الصالحين رحمه الله ورضي عنه وله كتابة حسنة وشعر جيد وكان عالما بالفقه وغيره ولما توفي رتب أخوه زين الدين عبد الرزاق بن أبي أحمد وكان ناظرا على المارستان العضدي فتركه واقتصر على الرباط
وفيها في ذي الحجة توفي محمد بن يوسف بن محمد بن عبيد الله النيسابوري الكاتب الحسن الخط وكان يؤدي طريقة ابن البواب وكان فقيها حاسبا متكلما وفيها توفي عمر بن مسعود أبي العز أبو القاسم البزار البغدادي بها وكان من الصالحين يجتمع إليه الفقراء كثيرا ويحسن اليهم وتوفي أيضا أبو سعيد الحسن بن محمد بن الحسن بن حمدون الثعلبي العدوي وهو ولد مصنف التذكرة وكان عالما
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
