في هذه السنة أول رجب وصل خوارزم شاه محمد إلى مدينة هراة فحصرها وبها ألب غازي ابن اخت شهاب الدين الغوري ملك غزنة بعد مراسلات جرت بينه وبين شهاب الدين في الصلح فلم يتم وكان شهاب الدين قد سار عن غزنة إلى لهاوور عازما على غزو الهند فأقام خوارزم شاه على حصار هراة إلى سلخ شعبان وكان القتال دائما والقتل من الفريقين كثير وممن قتل رئيس خراسان وكان كبير القدر يقيم بمشهد طوس وكان الحسين بن خرميل بكرزيان وهي أقطاعه فأرسل إلى خوارزم شاه يقول له ارسل إلي عسكرا لنسلم إليهم الفيلة وخزانة شهاب الدين فأرسل إليه ألف فارس من أعيان عسكره إلى كرزيان فخرج عليه هو والحسين بن محمد الميرغني فقتلوهم إلا القليل فبلغ الخبر إلى خوارزم شاه فسقط ما في يديه وندم على إنفاذ العسكر وأرسل إلى ألب غازي يطلب منه أن يخرج إليه من البلد ويخدمه خدمة سلطانية ليرحل عنه فلم يجبه إلى ذلك فاتفق أن ألب غازي مرض واشتد مرضه فخاف أن يشتغل بمرضه فيملك خوارزم شاه البلد فأجاب إلى ما طلب منه واستحلفه على الصلح وأهدى له هدية جليلة وخرج من البلد ليخدمه فسقط إلى الأرض ميتا ولم يشعر أحد بذلك وارتحل خوارزم شاه عن البلد وأحرق المجانيق وسار إلى سرخس فأقام بها
ثم دخلت سنة ستمائة
في هذه السنة في رمضان عاد شهاب الدين الغوري إلى خراسان من قصد الهند وسبب ذلك أنه بلغه حصر خوارزم شاه هراة وموت ألب غازي نائبه بها فعاد حنقا على خوارزم شاه فلما بلغ ميمند عدل إلى طريق أخرى قاصدا إلى خوارزم فأرسل خوارزم شاه يقول له ارجع إلي لأحاربك وإلا سرت إلى هرة ومنها إلى غزنة وكان خوارزم شاه قد سار من سرخس إلى مرو فأقام بظاهرها فأعاد إليه شهاب الدين جوابه لعلك تنهزم كما فعلت تلك الدفعة لكن خوارزم تجمعنا ففرق خوارزم شاه عساكره وأحرق ما جمعه من العلف ورحل يسابق شهاب الدين إلى خوارزم فسبقه إليها فقطع الطريق وأجرى المياه فيها فاعذر على شهاب الدين سلوكها وأقام أربعين يوما يصلحها حتى أمكنه الوصول إلى خوارزم والتقى العسكران بسوقرا ومعناه الماء الأسود فجرى بينهم قتال شديد كثرت القتلى فيه بين الفريقين وممن قتل من الغورية الحسين المرغني وغيره وأسر جماعة من الخوارزمية فأمر شهاب الدين بقتلهم فقتلوا
وأرسل خوارزم شاه إلى الأتراك الخطا يستنجدهم وهم حينئذ أصحاب ما وراء النهر فاستعدوا وساروا إلى بلاد الغورية فلما بلغ شهاب الدين ذلك عاد عن خوارزم فلقي أوائلهم في صحراء اندخوي أول صفر سنة إحدى وستمائة فقتل فيهم وأسر كثيرا فلما كان اليوم الثاني دهمه من الخطا ما لا طاقة له بهم
فانهزم المسلمون هزيمة قبيحة وبقي شهاب الدين في نفر يسير وقتل بيده أربعة أفيال له لأنها أعيت وأخذ الكفار فيلين ودخل شهاب الدين اندخوي فيمن معه وحصره الكفار ثم صالحوه على أن يعطيهم فيلا آخر ففعل وخلص ووقع الخبر في جميع بلاده بأنه قد عدم وكثرت الأراجيف بذلك ثم وصل إلى الطالقان في سبعة نفر وقد قتل أكثر عسكره ونهبت خزائنه جميعها فلم يبق منها شيء فأخرج له الحسين بن خرميل صاحب الطالقان خياما وجميع ما يحتاج إليه وسار إلى غزنة وأخذ معه الحسين بن خرميل لأنه قيل له عنه إنه شديد الخوف لانهزامه وانه قال إذا سار السلطان هربت إلى خوارزم شاه فأخذه معه وجعله أمير حاجب ولما شرع الخبر بقتل شهاب الدين جمع تاج الدين الدز وهو مملوك اشتراه شهاب الدين أصحابه وقصد قلعة غزنة ليصعد اليها فمنعه مستحفظها فعاد إلى داره فأقام بها وأفسد الخلج وسائر المفسدين في البلاد وقطعوا الطرق وقتلوا كثيرا فلما عاد شهاب الدين إلى غزنة بلغه ما فعله الدر فأراد قتله فشفع فيه سائر المماليك فأطلقه ثم اعتذر وسار شهاب الدين في البلاد فقتل من المفسدين من تلك الأمم نفرا كثيرا وكان له ايضا مملوك آخر اسمه أيبك بال تر فسلم من المعركة ولحق بالهند ودخل المولتان وقتل نائب السلطان بها وملك البلد وأخذ الأموال السلطانية وأساء السيرة في الرعية وأخذ أموالهم وقال قتل السلكان وأنا السلطان وكان يحمله على ذلك ويحسنه له إنسان اسمه عمر بن يزان وكان زنديقا ففعل ما أمره وجمع المفسدين وأخذ الأموال فأخاف الطريق فبلغ خبره إلى شهاب الدين فسار إلى الهند وأرسل إليه عسكرا فأخذوه ومعه عمر بن يزان فقتلهما أقبح قتلة وقتل من وافقهما في جمادى الآخرة من سنة إحدى وستمائة ولما رأهم قتل قرأ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا الآية وأمر شهاب الدين في جميع بلاده بالتجهز لقتال الخطا وغزوهم والأخذ بثارهم وقيل كان سبب انهزامه أنه لما عاد إلى الخطا من خوارزم فرق عسكره في المفازة التي في طريقه لقلة الماء وكان الخطا قد نزلوا على طرف المفازة فكلما خرج من أصحابه طائفة فتكوا فيهم بالقتل والأسر ومن سلم من عسكره انهزم نحو البلاد ولم يرجع إليه أحد يعلم الحال وجاء شهاب الدين في ساقة العسكر في عشرين ألف فارس ولم يعلم الحال فلما خرج من البرية لقيه الخطا مستريحين وهو ومن معه قد تعبوا وأعيوا وكان الخطا اضعاف أصحابه فقاتلهم عامة نهاره وحمى نفسه منهم وحصروه في اندخوي فجرى بينهم في عدة أيام ربعة عشر مصافا منها مصاف واحد كان من العصر إلى بكرة الغد ثم إنه بعد ذلك سير طائفة من عسكره ليلا سرا وأمرهم أن يرجعوا إليه بكرة كأنهم قد أتوه مددا من بلاده فلما فعلوا ذلك خافه الخطا وقال لهم صاحب سمرقند وكان مسلما وهو في طاعة الخطا وقد خاف على الإسلام والمسلمين ان هم ظفروا بشهاب الدين فقال لهم إن هذا الرجل لا نجد قط أضعف منه لما خرج من المفازة ومع ضعفه وتعبه وقلة من معه لم نظفر به والأمداد أتته وكأنكم بعساكره وقد أقبلت من كل طريق وحينئذ نطلب الخلاص منه فلا نقدر عليه والرأي لنا الصلح معه فأجابوا إلى ذلك فأرسلوا إليه في الصلح وكان صاحب سموقند قد أرسل إليه وعرفه الحال سرا وأمره بإظهار الامتناع من الصلح أولا والاجابة اليه اخيرا فلما أتته الرسل امتنع واظهر القوة بانتظار الأمداد وطال الكلام فاصطلحوا على أن الخطا لا يعبرون النهر إلى بلاده ولا يعبر إلى بلادهم ورجعوا عنه وخلص هو وعاد إلى بلاده والباقي نحو ما تقدم
في هذه السنة وصل رسول إلى شهاب الدين الغوري من عند مقدم الاسماعيلية بخراسان برسالة أنكرها فأمر علاء الدين محمد بن أبي علي متولي بلاد الغورية بالمسير إليهم ومحاصرة بلادهم فسار في عساكر كثيرة إلى قهستان وسمع به صاحب زوزن فقصده وسار معه وفارق خدمة خوارزم شاه ونزل علاء الدين على مدينة قاين وهي للاسماعيلية وحصرها وضيق على أهلها ووصل خبر قتل شهاب الدين على ما نذكره فصالح أهلها على ستين ألف دينار ركنية ورحل عنهم وقصد حصن كاخك فأخذوه وقتل المقاتلة وسبى الذرية ورحل إلى هراة ومنها إلى فيروزكوه
في هذه السنة في شعبان ملك الفرنج مدينة القسطنطينية من الروم وأزالوا ملك الرزم عنها وكان سبب ذلك أن ملك الروم بها تزوج أخت ملك إفرنسيس وهو من أكبر ملوك الفرنج فرزق منها ولدا ذكرا ثم وثب على الملك أخ له فقبض عليه وملك البلد منه وسمل عينيه وسجنه فهرب ولده ومضى إلى خاله مستنصرا به على عمه فاتفق ذلك وقد اجتمع كثير من الفرنج ليخرجوا إلى بلاد الشام لاستنقاذ البيت المقدس فأخذوا ولد الملك معهم وجعلوا طريقهم على القسطنطينية قصدا لإصلاح الحال بينه وبين عمه ولم يكن له طمع في سوى ذلك فلما وصلوا خرج عمه في عسكر الروم محاربا لهم فوقع القتال بينهم في ذي القعدة سنة تسع وتسعين وخمسمائة فانهزمت الروم ودخلوا البلد فدخله الفرنج معهم فهرب ملك الروم إلى أطراف البلاد وقيل إن ملك الروم لم يقاتل الفرنج بظاهر البلد وإنما حصروه فيها وكان بالقسطنطينية من الروم من يريد الصبي فألقوا النار في البلد فاشتغل الناس بذلك ففتحوا بابا من أبواب المدينة فدخلها الفرنج وخرج ملكها هاربا وجعل الفرنج الملك في ذلك الصبي وليس له من الحكم شيء وأخرجوا أباه من السجن إنما الفرنج هم الحكام في البلد فثقلوا الوطأة على أهله وطلبوا منهم أموالا عجزوا عنها وأخذوا أموال البيع وما فيها من ذهب ونقرة وغير ذلك حتى ما على الصلبان وهو على صورة المسيح عليه السلام والحواريين وما على الأناجيل من ذلك أيضا فعظم ذلك على الروم وحملوا منه خطبا عظيما فعمدوا إلى ذلك الصبي الملك فقتلوه وأخرجوا الفرنج من البلد وأغلقوا الأبواب واستحضروا ذلك وكان ذلك في جمادى الأولى سنة ستمائة فأقام الفرنج بظاهره محاصرين للروم وقاتلوهم ولازموا قتالهم ليلا ونهارا وكان الروم قد ضعفوا ضعفا كثيرا فأرسلوا إلى السلطان ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان صاحب قونية وغيرها من البلاد يستنجدونه فلم يجد إلى ذلك سبيلا وكان بالمدينة كثير من الفرنج مقيمين يقاربون ثلاثين ألفا ولعظم البلد لا يظهر أمرهم فتواضعوا هم والفرنج الذين بظاهر البلد ووثبوا فيه وألقوا النار مرة ثانية فاحترق نحو ربع البلد وفتحوا الأبواب فدخلوها ووضعوا السيف ثلاثة أيام وفتكوا بالروم قتلا ونهبا فأصبح الروم كلهم ما بين قتيل أو فقير لا يملك شيئا ودخل جماعة من أعيان الروم الكنيسة العظمى التي تدعى سوفيا فجاء الفرنج إليها فخرج إليهم جماعة من القسيسين والأساقفة والرهبان بأيديهم الإنجيل والصليب يتوسلون بها إلى الفرنج ليبقوا عليهم فلم يلتفتوا إليهم وقتلوهم أجمعين ونهبوا الكنيسة وكانوا ثلاثة مملوك ودوقس البنادقة وهو صاحب المراكب البحرية وفي مراكبه ركبوا إلى القسطنطينية وهو شيخ أعمى إذا ركب تقاد فرسه والآخر يقال له المركيس وهو مقدم الإفرنسيس والآخر يقال له كند أفلند وهو أكثرهم عددا فلما استولى على القسطنطينية اقترعوا على الملك فخرجت القرعة على كند أفلند فأعادوا القرعة ثانية وثالثة فخرجت عليه فملكوه والله يؤتي ملكه من يشاء وينزعه ممن يشاء فلما خرجت القرعة عليه ملكوه عليها وعلى ما يجاورها وتكون لدوقس البنادقة الجزائر البحرية مثل جزيرة إقريطش وجزيرة رودس وغيرهما ويكون لمركيس الإفرنسيس البلاد التي هي شرقي الخليج مثل أزنيق ولاذيق فلم يحصل لأحد منهم شيء غير الذي أخذ القسطنطينية وأما الباقي فلم يسلم من به من الروم وأما البلاد التي كانت لملك القسطنطينية شرقي الخليج المجاورة لبلاد ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان ومن جملتها أزنيق ولاذيق فإنها تغلب عليها بطريق الروم اسمه لشكري وهي بيده إلى أن توفي
في هذه السنة في العشرين من شوال انهزم نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل من العساكر العادلية وسبب ذلك أن نور الدين كان بينه وبين عمه قطب الدين محمد بن زنكي صاحب سنجار وحشة مستحكمة أولا فاتفقا وسار معه إلى ميافارقين سنة خمس وتسعين وقد ذكرناه فلما كان الآن أرسل الملك العادل أبو بكر بن أيوب صاحب مصر ودمشق وبلاد الجزيرة إلى قطب الدين واستماله فمال إليه وخطب له فلما سمع نور الدين ذلك سار إلى مدينة نصيبين سلخ شعبان وهي لقطب الدين فحصرها وملك المدينة وبقيت القلعة فحصرها عدة أيام فبينما هو يحاصرها وقد أشرف على أن يتسلمها أتاه الخبر أن مظفر الدين بوكبري زين الدين على صاحب إربل قد قصد أعمال الموصل فنهب نينوى وأحرق غلاتها فلما بلغه ذلك من نائبه المرتب بالموصل يحفظها سار عن نصيبين إلى الموصل على عزم العبور إلى إربل ونهبه جزاء بما فعل صاحبها ببلده فوصل إلى مدينة بلد وعاد مظفر الدين إلى بلده وتحقق نور الدين أن الذي قيل له وقع فيه زيادة فسار إلى تل أعفر من بلد وهب لصاحب سنجار وحصرها وأخذها ورتب أمورها وأقام عليها سبعة عشر يوما وكان الملك الأشرف موسى بن الملك العادل بن أيوب قد سار من مدينة حران إلى رأس عين نجدة لقطب الدين صاحب سنجار ونصيبين وقد اتفق هو ومظفر الدين صاحب إربل وصاحب الحصن وآمد وصاحب جزيرة ابن عمر وغيرهم على ذلك وعلى منع نور الدين من أخذ شيء من بلاده وكلهم خائفون منه ولم يمكنهم الاجحتماع وهو على نصيبين فلما فارقها نور الدين سار الأشرف إليها وأتاه أخوه نجم الدين صاحب ميافارقين وصاحب الحصن وصاحب الجزيرة وصاحب دارا وساروا عن نصيبين نحو بلد البقا قريبا من بوشري وسار نور الدين من تل أعفر إلى كفر زمار وعزم على المطاولة ليتفرقوا فأتاه كتاب من بعض مماليكه يسمى جرديك وقد أرسله يتجسس أحبارهم فيقللهم في عينه ويطمعه فيهم ويقول إن أذنت لي لقيتهم بمفردي فسار حينئذ نور الدين إلى بوشري فوصل إليها من الغد الظهر وقد تعبت دوابه وأصحابه ولقوا شدة من الحر فنزل بالقرب منهم أقل من ساعة وأتاه الخبر أن عساكر الخصم قد ركبوا فركب هو وأصحابه وساروا نحوهم فلم يروا لهم أثرا فعاد إلى خيامه ونزل هو وعساكره وتفرق كثير منهم في القرى لتحصيل العلوفات وما يحتاجون إليه فجاءه من أخبره بحركة الخصم وقصده فركب نور الدين وعسكره وتقدموا إليهم وبينهم نحو فرسحين فوصلوا وقد زاد تعبهم والخصم مستريح فالتقوا واقتتلوا فلم يطل الحرب بينهم حتى انهزم عسكر نور الدين وانهزم هو أيضا وطلب الموصل فوصل إليها في أربعة أنفس وتلاحق الناس وأتى الأشرف ومن معه فنزلوا في كفر زمار ونهبوا البلاد نهبا قبيحا وأهلكوا ما لم يصلح لهم لا سيما مدينة بلد فإنهم أفحشوا في نهبها ومن أعجب ما سمعنا أن امرأة كانت تطبخ فرأت النهب فألقت سوارين كانتا في يديها في النار وهربت فجاء بعض الجند ونهب ما في البيت فرأى فيه بيضا فأخذه وجعله في النار ليأكله فحرك فرأى السوارين فيها فأخذهما وطال مقامهم والرسل تتردد في الصلح فوقف الأمر على إعادة تل أعفر ويكون الصلح على القاعدة الأولى وتوقف نور الدين في إعادة تل أعفر فلما طال الأمر سلمها إليهم وصطلحوا أوائل سنة إحدى وستمائة وتفرقت العساكر من البلاد
في هذه السنة خرج كثير من الفرنج في البحر إلى الشام وسهل الأمر عليهم بذلك لملكهم قسطنطينية وأرسوا بعكا وعزموا على قصد البيت المقدس حرسه الله واستنقاذه من المسلمين فلما استراحوا بعكا ساروا فنهبوا كثيرا من بلاد الإسلام بنواحي الأردن وسبوا وفتكوا في المسلمين وكان الملك العادل بدمشق فأرسل في جمع العساكر من بلاد الشام ومصر وسار فنزل عند الطور بالقرب من عكا لمنع الفرنج من قصد بلاد الإسلام ونزل الفرنج بمرج عكا واغاروا على كفر كنا فأخذوا كل من بها وأموالهم والأمراء يحثون العادل على قصد بلادهم ونهبها فلم يفعل فبقوا كذلك إلى أن انقضت السنة وذلك سنة إحدى وستمائة فاصطلح هو والفرنج على دمشق وأعمالها وما بيد العادل من الشام ونزل لهم عن كثير من المناصفات في الرملة وغيرها وأعطاهم ناصرة وغيرها وسار نحو الديار المصرية فقصد الفرنج مدينة حماة فلقيهم صاحبها ناصر الدين محمد بن تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب فقاتلهم وكان في قلة فهزموه إلى البلد فخرج العامة إلى قتالهم فقتل الفرنج منهم جماعة وعاد الفرنج
قد ذكرنا قبل تغلب كوكجة مملوك البهلوان على الري وهمذان وبلد الجبل وبقي الآن وكان قد اصطنع مملوكا آخر كان للبهلوان اسمه أيتغمش وقدمه وأحسن إليه ووثق به فجمع أيتغمش الجوع من المماليك وغيرهم ثم قصد كوكجة فتصافا واقتتل الفريقان فقتل كوكجة في الحرب واستولى أيتغمش على البلاد وأخذ معه أوزبك بن البهلوان له اسم الملك وأيتغمش هو المدبر له والقيم بأمر المملكة وكان شهما شجاعا ظالما وكان كوكجة عادلا حسن السيرة رحمه الله
وفي هذه السنة سادس ذي القعدة توفي ركن الدين سليمان بن قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش بن سجلوق صاحب ديار الروم ما بين ملطية وقونية وكان موته بمرض القولنج في سبعة أيام وكان قبل مرضه بخمسة أيام قد غدر بأخيه صاحب أنكورية وتسمى أيضا أنقرة وهي مدينة منيعة وكان مشاققا لركن الدين فحصره عدة سنين حتى ضعف وقلت الأقوات عنده فأذعن بالتسليم على عوض يأخذه فعوضه قلعة في أطراف بلده وحلف له عليها فنزل أخوه عن مدينة أنقرة وسلمها ومعه ولدان له فوضع ركن الدين عليه من أخذه وأخذ أولاده معه فقتله فلم يمض غير خمسة أيام حتى أصابه القولنج فمات واجتمع الناس بعده على ولده قلج أرسلان وكان صغيرا فبقي في الملك إلى بعد سنة إحدى وستمائة وأخذ منه على ما نذكره هناك وكان ركن الدين شديدا على الأعداء قيما بأمر الملك إلا أن الناس كانوا ينسبون إلى فساد الإعتقاد كان يقال إنه يعتقد أن مذهبه مذهب الفلاسفة وكان كل من يرمى بهذا المذهب يأوي إليه ولهذه الطائفة منه إحسان كثير إلا أنه كان عاقلا فلا يحب ستر هذا المذهب لئلا ينفر الناس عنه
حكي لي عنه أنه كان عنده إنسان وكان يرمي بالزندقة ومذهب الفرسفة وهو قريب منه فحضر يوما عنده فقيه فتناظرا فأظهر شيئا من اعتقاد الفلاسفة فقام الفقيه إليه ولطمه وشتمه بحضرة ركن الدين وركن الدين ساكت وخرج الفقيه فقال لركن الدين يجري علي مثل هذا في حضرتك ولا تنكره
فقال لو تكلمت لقتلنا جميعا ولا يمكن إظهار ما تريده أنت
قي هذه السنة في رمضان قتل الباطنية بواسط وسبب كونهم بها وقتلهم أنه ورد إليها رجل يعرف بالركم محمد بن طالب بن عصية وأصله من القاروب من قرى واسط وكان باطنيا ملحدا ونزل مجاورا لدور بني الهروي وغشيه الناس وكثر أتباعه وكان ممن يغشاه رجل يعرف بحسن الصابوني فاتفق أنه اجتاز بالسويقة فكلمه رجل نجار في مذهبهم فرد عليه الصابوني ردا غليظا فقام إليه النجار وقتله وتسامع الناس بذلك فوثبوا وقتلوا من وجدوا ممن ينتسب إلى هذا المذهب وقصدوا دار ابن عصية وقد اجتمع إليه خلق من أصحابه وأغلقوا الباب وصعدوا إلى سطحها ومنعوا الناس عنهم فصعدوا إليهم من بعض الدور من على السطح وتحصن من بقي في الدار بإغلاق الأبواب والممارق فكسروها ونزلوا فقتلوا من وجدوا في الدار وأحرقوا وقتل ابن عصية وفتح الباب وهرب منهم فقتلوا وبلغ الخبر إلى بغداد وانحدر فخر الدين أبو البدر بن أمسينا الواسطي لإصلاح الحال وتسكين الفتنة
في هذه السنة استولى إنسان اسمه محمود بن محمد الحميري على مدينة مرباط وظفار وغيرهما من حضرموت وكان ابتداء أمره أنه له مركب يكريه في البحر للتجار ثم وزر لصاحب مرباط وفيه كرم وشجاعة وحسن سيرة فلما توفي صاحب مرباط ملك المدينة بعده وأطاعه الناس محبة له لكرمه وسيرته ودامت أيامه بها فلما كان سنة تسع عشرة وستمائة خرب مرباطا وظفارا وبنى مدينة جديدة على ساحل البحر بالقرب من مرباط وعندها عين عذبة كبيرة أجراها إلى المدينة وعمل عليها سورا وخندقا وحصنها وسماها الأحمدية وكان يحب الشعر ويكثر الجائزة عليه
في هذه السنة خرج أسطول من الفرنج إلى الديار المصرية فنهبوا مدينة فوة وأقاموا خمسة أيام يسبون وينهبون وعساكر مصر مقابلهم بينهم النيل ليس لهم وصول إليهم لأنهم لم تكن لهم سفن
وفيها كانت زلزلة عظيمة عمت أكثر البلاد مصر والشام والجزيرة وبلاد الروم وصقلية وقرس ووصلت إلى الموصل والعراق وغيرها وخربت من مدينة صور سورها وأثرت في كثير من الشام
وفيها في رجب اجتمع جماعة من الصوفية برباط شيخ الشيوخ ببغداد وفيهم صوفي اسمه أحمد بن إبراهيم الداري ومن أصحاب شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل رحمهم الله ومعهم مغن يغنى بقول الشعر
( أعاذلتي أقصري كفى بمشيبي عذل % شباب كأن لم يكن وشيب كأن لم يزل )
( وحق ليالي الوصال وآخرها والأول % وصفرة لون المحب عند استماع العذل )
( لئن عاد عيشي بكم حلا العيش لي واتصل % )
فتحرك الجماعة عادة الصوفية في السماع وطرب الشيخ المذكور وتواجد ثم سقط مغشيا عليه فحركوه فإذا هو ميت فصلي عليه ودفن وكان رجلا صالحا
وفيها توفي أبو الفتوح أسعد بن محمود العجلي الفقيه الشافعي بأصفهان في صفر وكان إماما فاضلا
وفي رمضان منها توفي هراة عمدة الدين الفضل بن محمود بن صاعد الساوي وولي بعده ابنه صاعد
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.
