الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء العاشر / ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
11

ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة

الجزء العاشر 4 عنصر صفحة 84
ذكر انهزام صلاح الدين بالرملة ص 84

في هذه السنة في جمادى الأولى سار صلاح الدين يوسف بن أيوب من مصر إلى ساحل الشام لقصد غزاة بلاد الفرنج وجمع معه عساكره وجنوده فلم يزالوا يجدون السير حتى وصلوا إلى عسقلان في الرابع والعشرين منه فنهبوا وأسروا وقتلوا وأحرقوا وتفرقوا في تلك الأعمال مغيرين فلما رأوا أن الفرنج لم يظهر لهم عسكرا ولا اجتمع لهم من يحمي البلاد من المسلمين طمعوا وانبسطوا وساحوا في الأرض آمنين

وصل صلاح الدين إلى الرملة عازما على أن يقصد بعض حصونهم ليحصره فوصل إلى نهر فازدحم الناس للعبور فلم يرعهم إلا والفرنج قد أشرفت عليهم بأطلابها وأبطالها وكان مع صلاح الدين بعض العسكر لأن أكثرهم تفرقوا في طلب الغنيمة فلما رآهم وقف لهم فيمن معه وتقدم بين يديه محمد ابن أخي صلاح الدين فباشر القتال بنفسه بين يدي عمه فقتل من أصحابه جماعة وكذلك من الفرنج وكان لتقي الدين ولد اسمه أحمد وهو من أحسن الشباب أول ما تكاملت لحيته فأمره أبوه بالحملة عليهم فحمل عليهم وقاتلهم وعاد سالما قد أثر فيهم أثرا كثيرا فأمره بالعودة إليهم ثانية فحمل عليهم فقتل شهيدا ومضى حميدا رحمه الله ورضي عنه وكان أشد الناس قتالا ذلك اليوم الفيه عيسى رحمه الله وتمت الهزيمة على المسلمين وحمل بعض الفرنج على صلاح الدين فقاربه حتى كاد يصل إليه فقتل الفرنجي بين يديه وتكاثر الفرنج عليه فمضى منهزما يسير قليلا ويقف ليلحقه العسكر إلى أن دخل الليل فسلك البرية إلى أن مضى في نفر يسير إلى مصر ولقوا في طريقهم مشقة شديدة وقل عليهم القوات والماء وهلك كثير من دواب العسكر جوعا وعطشا وسرعة سير

وأما العسكر الذي كانوا دخلوا بلاد الفرنج في الغارة فإن أكثرهم ذهب ما بين قتيل وأسير وكان من جملة من أسر الفقيه عيسى الهكاري وهو من أعيان الأسدية وكان جمع العلم والدين والشجاعة وأسر ايضا أخوه الظهير وكانا قد سارا منهزمين فضلا الطريق فأخذا ومعها جماعة من أصحابهما وبقوا سنين في الأسر فافتدى صلاح الدين الفقيه عيسى بستين الف دينار وجماعة كثيرة من الأسرى ووصل صلاح الدين إلى القاهرة نصف جمادى الآخرة ورأيت كتابا كتبه صلاح الدين بخط يده إلى أخيه شمس الدولة تورانشاه وهو بدمشق يذكر الوقعة وفي أوله

( ذكرتك والخطي يخطر بيننا % وقد نهلت منا المثقفة السمر )

ويقول فيه لقد اشرفنا على الهلاك غير مرة وما أنجانا الله سبحانه منه إلا لأمر يريد سبحانه

( وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر % )

ذكر حصر الفرنج مدينة حماة ص 85

في هذه السنة في جمادى الأولى حصر الفرنج أيضا مدينة حماة وسبب ذلك أنه وصل من البحر إلى الساحل الشامي كند كبير من الفرنج من أكبر طواغيتهم فرأى صلاح الدين بمصر وقد عاد منهزما فاغتنم خلو البلاد لأن شمس الدولة بن أيوب كان بدمشق ينوب عن صلاح الدين وليس عنده كثير من العسكر زكان أيضا كثير الانهماك في اللذات مائلا إلى الراحات فجمع ذلك الكند الفرنجي من بالشام من الفرنج وفرق فيهم الأموال وسار إلى مدينة حماة فحصرها وبها صاحبها شهاب الدين محمود الحارمي خال صلاح الدين وهو مريض شديد المرض وكان طائفة من العسكر الصلاحي بالقرب منها فدخلوا إليها وأغاثوا من بها وقاتل الفرنج على البلد قتالا شديدا وهجموا بعض الأيام على طرف منه وكادوا يملكون البلد قهرا وقسرا فاجتمع أهل البلد مع العسكر إلى تلك الناحية واشتد القتال وعظم الخطب على الفريقين واستقتل المسلمون وحاموا عن الأنفس والأهل والمال فأخرجوا الفرنج من البلد إلى ظاهرة ودام القتال ظاهر البلد ليلا ونهارا وقويت نفوس المسلمين حين أخرجوهم من البلد وطمعوا فيهم وأكثروا فيهم القتل فرحل الفرنج حينئذ خائبين وكفى الله المسلمين شرهم فساروا إلى حارم فحصروها وكان مقامهم على حماة أربعة أيام ولما رحل الفرنج عن حماة مات صاحبها شهاب الدين الحارمي وكان له ابن من أحسن الناس شبابا مات قبله بثلاثة أيام

ذكر قتل كمشتكين وحصر الفرنج حارم ص 86

في هذه السنة قبض الملك الصالح بن نور الدين على سعد الدين كمشتكين وكان المتولي لأمر دولته والحاكم فيها وسبب قبضه أنه كان بحلب إنسان من أعيان أهلها يقال له أبو صالح بن العجمي وكان مقدما عند نور الدين محمود فلما مات نور الدين تقدم أيضا في دولة ولده الملك الصالح وصار بمنزلة الوزير الكبير المتمكن لكثرة أتباعه بحلب وصار كل من كان يحسد كمشتكين انضم إلى صالح وقووا جنانه وكثروا سواده وكان عنده إقدام وجراءة فصار واحد الدولة بحلب ومن يصدر الجماعة عن رأيه وأمره فبينما هو في بعض الأيام في الجامع وثب به الباطنية فقتلوه ومضى شهيدا وتمكن بعده سعد الدين وقوى حاله فلما قتل أحال الجماعة قتله على سعد الدين وقالوا هو وضع الباطنية عليه حتى قتلوه وذكروا ذلك للملك الصالح ونسبوه إلى العجز وأنه ليس له حكم وأن سعد الدين قد تحكم عليه واحتقره واستصغره وقتل وزيره ولم يزالوا به حتى قبض عليه وكانت قلعة حارم لسعد الدين قد أقطعه اياها الملك الصالح فامتنع من بها بعد قبضه وتحصنوا فيها فسير سعد الدين إليها تحت الاستظهار ليأمر اصحابه بتسليمها إلى الملك الصالح فأمرهم بذلك فامتنعوا فعذب كمشتكين وأصحابه يرونه ولا يرحمونه فمات في العذاب وأصر أصحابه على الامتناع والعصيان

فلما رأى الفرنج ذلك ساروا إلى حارم من حماة في جمادى الأولى على ما نذكره ظنا منهم أنهم لا ناصر لهم وان الملك الصالح صبي قليل العسكر وصلاح الدين بمصر فاغتنموا هذه الفرصة ونازلوها وأطالوا المقام عليها مدة أربعة أشهر ونصبوا عليها المنجنيقات والسلالم فلم يزالوا كذلك إلى أن بذل لهم الملك الصالح مالا وقال لهم أن صلاح الدين واصل إلى الشام وربما يسلم القلعة من بها إليه فأجابوه حينئذ إلى الرحيل عنها فلما رحلوا عنها سير إليها الملك الصالح جيشا فحصروها وقد بلغ الجهد منهم بحصار الفرنج وصاروا كأنهم طلائع وكان قد قتل من أهلها وجرح كثير فسلموا القلعة إلى الملك الصالح فاستناب بها مملوكا كان لأبيه اسمه سرخك

ذكر عدة حوادث ص 87

في هذه السنة في المحرم خطب للسلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد ابن ملكشاه المقيم عند أيلدكز بهمذان وكان ابوه أرسلان قد توفي

وفيها سابع شوال هبت ببغداد ريح عظيمة فزلزلت الأرض واشتد الأمر على الناس حتى ظنوا أن القيامة قد قامت فبقي ذلك ساعة ثم انجلت وقد وقع كثير من الدور ومات فيها جماعة كثيرة

وفيها رابع ذي القعدة قتل عضد الدين أبو الفرج محمد بن عبد الله بن هبة الله ابن المظفر ابن رئيس الرؤساء أبي القاسم بن المسلمة وزير الخليفة وكان قد عزم على الحج فعبر دجلة ليسير وعبر معه أرباب المناصب وهو في موكب عظيم وتقدم إلى أصحابه أن لا يمنعوا عنه أحدا فلما وصل إلى باب قطيبا لقيه كهل فقال أنا مظلوم وتقدم ليسمع الوزير كلامه فضربه بسكين في خاصرته فصاح الوزير قتلني ووقع من الدابة وسقطت عمامته فغطى رأسه بكمه وضرب الباطني بسيف وعاد إلى الوزير فضربه وأقبل حاجب الباب ابن المعوج لينصر الوزير فضربه الباطني بسكين وقيل بل ضربه رفيق كان للباطني ثم قتل الباطني ورفيقه وكان لهما رفيق ثالث فصاح وبيده سكين فقتل ولم يعمل شيئا وأحرقوا ثلاثتهم وحمل الوزير إلى دار له هناك وحمل حاجب الباب مجروحا إلى بيته فمات هو والوزير وحمل الوزير فدفن عند أبيه بمقبرة الرباط عند جامع المنصور وكان الوزير قد رأى في المنام أنه معانق عثمان بن عفان وحكى عنه والده أنه اغتسل قبل خروجه وقال هذا غسل الإسلام وأنا مقتول بلا شك وكان مولده في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وخمسمائة وكان أبوه استاذ دار المقتفي لأمر الله فلما مات ولى هو مكانه كذلك إلى أن مات المقتفي فأقره المستنجد على ذلك ورفع قدره فلما ولى المستضيء استوزره وكان حافظا للقرآن سمع الحديث وله معروف كثير وكانت داره مجمعا للعلماء وختمت أعماله بالشهادة وهو على قصد الحج

وفيها كانت فتنة ببغداد وسببها أنه حضر قوم من مسلمي المدائن إلى بغداد فشكوا من يهودها وقالوا لنا مسجد نؤذن فيه ونصلي وهو مجاور الكنيسة فقال لنا اليهود قد آذيتمونا بكثرة الأذان فقال المؤذن ما نبالي بذلك فاختصموا وكانت فتنة استظهر فيها اليهود فجاء المسلمون يشكون منهم فأمر ابن العطار وهو صاحب المخزن بحبسهم ثم أخرجوا فقصدوا جامع القصر واستغاثوا قبل صلاة الجمعة فخفف الخطيب الخطبة والصلاة فعادوا يستغيثون فأتاهم جماعة من الجند ومنعوهم فلما رأى العامة ما فعل بهم غضبوا نصرة للإسلام فاستغاثوا وقالوا أشياء قبيحة وقلعوا طوابيق الجامع ورجموا الجند فهربوا ثم قصد العامة دكاكين المخلطين لأن أكثرهم يهود فنهبوها واراد حاجب الباب منعهم فرجموه فهرب منهم وانقلب البلد وخربوا الكنيسة التي عند دار البساسيري وأحرقوا التوراة وأمر الخليفة أن تنقض الكنيسة التي بالمدائن وتجعل مسجدا وتصب بالرحبة أخشاب ليصلب عليها قوم من المفسدين فظنها العامة نصبت تخويفا لهم لأجل ما فعلوا فعلقوا عليها في الليل جرذانا ميتة وأخرج جماعة من الحبس لصوص فصلبوا عليها

وفيها في شعبان قبض سيف الدين غازي صاحب الموصل على وزيره جلال الدين علي بن جمال الدين لغير جرم ولا عجز ولا لتقصير بل لعجز سيف الدين فإن جلال الدين كان بينه وبين مجاهد الدين قايماز مشاحنة فقال مجاهد الدين لسيف الدين لا بد من قبض الوزير فقبض عليه كارها لذلك ثم شفع فيه ابن رئيس آمد لصهورة بينهما فأخرج وسار إلى آمد فمرض بها وعاد إلى دنيسر فمات سنة خمس وسبعين وعمره سبع وعشرين سنة وحمل إلى مدينة النبي فدفن عند والده في الرباط الذي بناه بها وكان رحمه الله من محاسن الدنيا جمع كرما وعلما ودينا وعفة وحسن سيرة واستحلفه سيف الدين أنه لا يمضي إلى صلاح الدين لأنه خاف أن يمضي إليه للمودة التي كانت بين جمال الدين وبين نجم الدين أيوب وأسد الدين شيركوه فبلغني أن صلاح الدين طلبه فلم يقصده لليمين

وفيها اجتمع الفرنج طائفة منهم وقصدوا اعمال حمص فنهبوها وغنموا وأسروا وسبوا فسار ناصر الدين محمد بن شيركوه صاحب حمص وسبقهم ووقف على طريقهم وكمن لهم فلما وصلوا إليه خرج إليه هو والكمين ووضعوا السيف فيهم فقتل أكثرهم وأسر جماعة من مقدميهم ومن سلم منهم لم يفلت إلا وهو مثخن بالجراح واسترد منهم جميع ما غنموا فرده على أصحابه

وفيها في ربيع الآخر توفي صدقة بن الحسين الحداد الذي ذيل تاريخ الزغواني ببغداد

وفيها في جمادى الأولى توفي محمد بن أحمد بن عبد الجبار الفقيه الحنفي المعروف بالمشطب ببغداد

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.