الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / الكامل في التاريخ / الجزء الأول / ذكر طسم وجديس وكانوا أيام ملوك الطوائف
58

ذكر طسم وجديس وكانوا أيام ملوك الطوائف

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 270
ص 270

كان طسم بن لوذ بن أزهر بن سام بن نوح وجديس بن عامر بن أزهر بن سام ابني عم وكانت مساكنهم موضع اليمامة وكان اسمها حينئذ ( جوا ) وكانت من أخصب البلاد وأكثرها خيرا وكان ملكهم أيام ملوك الطوائف عمليق وكان ظالما قد تمادى في الظلم والغشم والسيرة الكثيرة القبح وإن امرأة من جديس يقال لها ( هزيلة ) طلقها زوجها وأراد أخذ ولدها منها فخاصمته إلى عمليق وقالت أيها الملك حملته تسعا ووضعته دفعا وأرضعته شفعا حتى إذا تمت أوصاله ودنا فصاله أراد أن يأخذه مني كرها ويتكرني بعده ورها

فقال زوجها أيها الملك إنها أعطت مهرها كاملا ولم أصب منها طائلا إلا وليدا خاملا فافعل ما كنت فاعلا فأمر الملك بالغلام فصار في غلمانه وأن تباع المرأة وزوجها فيعطى زوجها خمس ثمنها وتعطى المرأة عشر ثمن زوجها فقالت هزيلة

( أتينا أخا طسم ليحكم بيننا % فأنفذ حكما في هزيلة ظالما )

( لعمري لقد حكمت لا متورعا % ولا كنت فيمن يبرم الحكم عالما )

( ندمت ولم أندم وإني بعثرتي % وأصبح بعلي في الحكومة نادما )

فلما سمع عمليق قولها أمر أن لا تزوج بكر من جديس وتهدي إلى زوجها حتى يفترعها فلقوا من ذلك بلاء وجهدا وذلا ولم يزل يفعل ذلك حتى زوجت الشموس وهي عفيرة بنت عباد أخت الأسود فلما أرادوا حملها إلى زوجها انطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله ومعها الفتيان فلما دخلت عليه افترعها وخلى سبيلها فخرجت إلى قومها في دمائها وقد شقت درعها من قبل ودبر والدم يبين وهي في اقبح منظر تقول

( لا أحد أذل من جديس % أهكذا يفعل بالعروس )

( يرضى بذا يا قوم بعل حر % أهدى وقد أعطى وثيق المهر )

وقالت أيضا لتحرض قومها

( أيجمل ما يؤتى إلى فتياتكم % وأنتم رجال فيكم عدد النمل )

( وتصبح تمشي في الدماء عفيرة % جهارا وزفت في النساء إلى بعل )

( ولو أننا كنا رجالا وكنتم % نساءا لكنا لا نقر لذا الفعل )

( فموتوا كراما أو أميتوا عدوكم % وذبوا لنار الحرب بالحطب الجزل )

( وإلا فخلوا بطنها وتحملوا % إلى بلد قفر وموتوا من الهزل )

( فللبين خير من مقام على الأذى % وللموت خير من مقام على الذل )

( وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه % فكونوا نساء لا تعيب من الكحل )

( ودونكم طيب النساء فانما % خلقتم لأثواب العروس وللغسل )

( فبعدا وسحقا للذي ليس دافعا % ويختال يمشي بيننا مشية الفحل )

فلما سمع أخوها الأسود قولها وكان سيدا مطاعا قال لقومه يا معشر جديس إن هؤلاء القوم ليسوا بأعز منكم في داركم إلا بملك صاحبهم علينا وعليهم ولولا عجزنا لما كان له فضل علينا ولو امتنع لانتصفنا منه فأطيعوني فيما آمركم فإنه عز الدهر وقد حمى جديس لما سمعوا من قولها فقالوا نطيعك ولكن القوم أكثر منا قال فإني أصنع للملك طعاما وأدعوه وأهله إليه فإذا جاؤوا يرفلون في الحلل أخذنا سيوفنا وقتلناهم فقالوا افعل

فصنع طعاما فأكثر وجعله بظاهر البلد ودفن هو وقومه سيوفهم في الرمل ودعا الملك وقومه فجاؤوا يرفلون في حللهم فلما أخذوا مجالسهم ومدوا أيديهم يأكلون أخذت جديس سيوفهم من الرمل وقتلوهم وقتلوا ملكهم وقتلوا بعد ذلك السفلة

ثم إن بقية طسم قصدوا حسان بن تبع ملك اليمن فاستنصروه فسار إلى اليمامة فلما كان منها على مسيرة ثلاث قال له بعضهم إن لي أختا متزوجة في جديس يقال لها اليمامة تبصر الراكب من مسيرة ثلاث وإني أخاف أن تنذر القوم بك فمر أصحابك فليقطع كل رجل منهم شجرة فليجعلها أمامه

فأمرهم حسان بذلك فنظرت اليمامة فأبصرتهم فقالت لجديس لقد سارت إليكم حمير قالوا وما ترين قالت أرى رجلا في شجره معه كتف يتعرقها أو نعل يخصفها وكان كذلك فكذبوها فصبحهم حسان فأبادهم وأتى حسان باليمامة ففقأ عينها فإذا فيها عروق سود فقال ما هذا قالت حجر أسود كنت أكتحل به يقال له الإثمد وكانت أول من اكتحل به وبهذه اليمامة سميت وقد أكثر الشعراء ذكرها في أشعارهم

ولما هلكت جديس هرب الأسود قالت عمليق إلى جبلي طيئ فأقام بهما وذلك قبل أن تنزلهما طيئ وكانت طيئ تنزل الجرف من اليمن وهو الآن لمراد وهمدان وكان يأتي إلى طيئ بعير أزمان الخريف عظيم السمن ويعود عنهم ولم يعلموا من أين يأتي ثم إنهم اتبعوه يسيرون بسيره حتى هبط بهم على أجا وسلمى جبلي طيئ وهما بقرب فيد فرأوا فيه النخل والمراعي الكثيرة ورأوا الأسود بن عفار فقتلوه وأقامت طيئ بالجبلين بعده فهم إلى الآن وهذا أول مخرجهم إليهما

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.