الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
2

منهج التأليف

الجزء الأول 1 عنصر صفحة 5
ص 5

فلما رأيت الأمر كذلك شرعت في تأليف تاريخ جامع لأخبار ملوك الشرق والغرب وما بينهما ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان وآتي فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان متتابعة يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا .

ولا أقول إني أتيت على جميع الحوادث المتعلقة بالتاريخ فإن من هو بالموصل لا بد أن يشذ عنه ما هو بأقصى الشرق والغرب ولكن أقول إني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد ومن تأمله علم صحة ذلك فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم أخل بترجمة واحدة منها وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد كل رواية منها مثل التي قبلها أو أقل منها وربما زاد الشيء اليسير أو نقصه فقصدت أتم الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها وأودعت كل شيء مكانه فجاء جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقا واحدا على ما تراه

فلما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه ووضعت كل شيء منها موضعه إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئا إلا ما فيه زيادة بيان أو اسم إنسان أو ما لا يطعن على أحد منهم ف ينقله وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن حقا الجامع علما وصحة اعتقاد وصدقا على اني لم أنقل الا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه وصحة ما دونوه ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي ولا كمن يجمع الحصباء والآلئ

ورأيتهم أيضا يذكرون الحادثة الواحدة في سنسن ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يحصل منها على غرض ولا تفهم الا بعد إمعان النظر فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت كل شيء منها في أي شهر أو سنة كانت فأتت متناسقة متتابعة قد أخذ بعضها برقاب بعض

وذكرت في كل سنة لكل حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصها فأما الحوادث الصغار التي لا يحتمل منها كل شيء ترجمة فإنني أفردت لجميعها ترجمة واحدة في آخر كل سنة فأقول ذكر عدة حوادث وإذا ذكرت بعض من تبع وملك في قطر من البلاد ولم تطل أيامه فإني أذكر جميع حاله من أوله إلى آخره عند ابتداء أمره لأنه إذا تفرق خبره لم يعرف للجهل به وذكرت في آخر كل سنة من توفي فيها من مشهوري العلماء والأعيان والفضلاء وضبطت الأسماء المشتبهة المؤتلفة في الخط المختلفة في اللفظ الواردة فيه بالحروف ضبطا يزيل الإشكال ويغني عن النقاط والأشكال

فلما جمعت اكثره أعرضت عنه مدة طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعددت ولأن معرفتي بهذا النوع كملت وتمت ثم إن نفرا من إخواني وذوي المعارف والفضائل من خلاني ممن أرى محادثتهم نهاية أوطاري وأعدهم من أماثل مجالسي وسماري رغبوا إلي في أن يسمعوه مني ليرووه فاعتذرت بالإعراض عنه وعدم الفراغ منه فإنني لم أعاود مطالعة مسودته ولم أصلح ما أصلح فيها من غلط وسهو ولا اسقطت منها ما يحتاج إلى إسقاط ومحو وطالت المراجعة مدة وهم للطلب ملازمون وعن الاعراض معرضون وشرعوا في سماعه قبل إتمامه وإصلاحه وإثبات ما تمس الحاجة إليه وحذف ما لا بد من اطراحه والعزم على إتمامه فاتر والعجر ظاهر للاشتغال بما لا بد منه لعدم المعين والمظاهر ولهموم توالت ونوائب تتابعت فأنا ملازم الإهمال والتواني فلا أقول إني لأسير اليه سير الشواني

فبينما الأمر كذلك اذ برز أمر من طاعته فرض واجب واتباع أمره حكم لازب من أعلاق الفضل باقباله عليها نافقة وأرواح الجهل باعراضه عنها نافقة من أحيا المكارم وكانت أمواتا وأعادها خلقا جديدا بعد أن كانت رفاتاص من عم رعيته عدله ونواله وشملهم إحسانه وإفضاله مولانا مالك الملك الرحيم العالم المؤيد المنصور والمظفر بدر الدين ركن الاسلام والمسلمين محيي العدل في العالمين خلد الله دولته

فحينئذ أقيت عني جلباب المهل وأبطلت رداء الكسل وألفت الدواة وأصلحت القلم وقلت هذا أوان الشد فاشتدي زيم وجعلت الفراغ أهم مطلب وإذا أراد الله أمرا هيأ له السبب وشرعت في أتمامه مسابقا ومن العجب ان السكيت يروم أن يجيء سابقا ونصبت نفسي غرضا للسهام وجعلتها مظنة لأقوال اللوام لأن المآخذ اذا كانت تتطرق إلى التصنيف المهذب والاستدراكات تتعلق بالمجموع المرتب الذي تكررت مطالعته وتنقيحه وأجيد تأليفه وتصحيحه فهي بغيره أولى وبه أحرى على أني مقر بالتقصير فلا أقول ان الغلط سهو جرى به القلم بل اعترف بان ما أجهل اكثر مما أعلم

وقد سميته اسما يناسب معناه وهو الكامل في التاريخ

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (تحقيق عبد الله القاضي) لكتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.