[ قال شيخنا الإمام شيخ الإسلام ، ملك العلماء الأعلام ، حافظ العصر وممليه ، وحامل لواء السنة فيه ، إمام المعدلين والمخرجين : أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد ابن محمد بن علي بن أحمد بن حجر العسقلاني الشافعي ، أبقاه الله في خير وعافية ] :
الحمد لله الذي أحصى كل شيء عددا ، ورفع بعض خلقه على بعض ، فكانوا طرائق قددا . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ولا يكون أبدا ؛ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وخليله ، أكرم به عبدا سيدا ، وأعظم به حبيبا مؤيدا ؛ فما أزكاه أصلا ومحتدا ، وأطهره مضجعا ومولدا ، وأكرمه أصحابا ، كانوا نجوم الاهتداء ، وأئمة الاقتداء ؛ صلى الله عليه وعليهم صلاة خالدة ، وسلاما مؤبدا [ وسلم تسليما ] .
أما بعد ؛ فإن من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبوي ، ومن أجل معارفه تمييز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن خلف بعدهم .
وقد جمع في ذلك جمع من الحفاظ تصانيف بحسب ما وصل إليه اطلاع كل منهم ؛ فأول من عرفته صنف في ذلك أبو عبد الله البخاري ؛ أفرد في ذلك تصنيفا ؛ ينقل منه أبو القاسم البغوي وغيره ، وجمع أسماء الصحابة مضموما إلى من بعدهم جماعة من طبقة مشايخه ؛ كخليفة بن خياط ، ومحمد بن سعد ، ومن قرنائه كيعقوب ابن سفيان ، وأبي بكر بن [ أبي ] خيثمة ، وصنف في ذلك جمع بعدهم كأبي القاسم البغوي ، وأبي بكر بن أبي داود ، وعبدان ؛ ومن قبلهم بقليل كمطين ، ثم كأبي علي بن السكن ، وأبي حفص بن شاهين ، وأبي منصور الماوردي ، وأبي حاتم ابن حبان ، وكالطبراني ضمن معجمه الكبير ، ثم كأبي عبد الله بن منده ، وأبي نعيم ؛ ثم كأبي عمر بن عبد البر ، وسمى كتابه الاستيعاب ؛ لظنه أنه استوعب ما في كتب من قبله ؛ ومع ذلك ففاته شيء كثير ؛ فذيل عليه أبو بكر بن فتحون ذيلا حافلا ، وذيل عليه جماعة في تصانيف لطيفة ، وذيل أبو موسى المديني على ابن منده ذيلا كبيرا .
وفي أعصار هؤلاء خلائق يتعسر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضا إلى أن كان في أوائل القرن السابع ، فجمع عز الدين بن الأثير كتابا حافلا سماه ' أسد الغابة ' جمع فيه كثيرا من التصانيف المتقدمة ، إلا أنه تبع من قبله : فخلط من ليس صحابيا بهم ، وأغفل كثيرا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم ؛ ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد الله الذهبي ، وعلم لمن ذكر غلطا ولمن لا تصح صحبته ؛ ولم يستوعب ذلك ولا قارب .
وقد وقع لي بالتتبع كثير من الأسماء التي ليست في كتابه ، ولا أصله على شرطهما ؛ فجعت كتابا كبيرا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم ؛ ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعا الوقوف على العشر من أسامي الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازي ؛ قال : توفي النبي صلى الله عليه وسلم ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة ، كلهم قد روى عنه سماعا أو رؤية .
قال ابن فتحون في ذيل ' الاستيعاب ' - بعد أن ذكر ذلك : أجاب أبو زرعة بهذا سؤال من سأله عن الرواة خاصة ، فكيف بغيرهم ؟ ومع هذا فجميع من في الاستيعاب - يعني ممن ذكر فيه باسم أو كنية ، وهما ثلاثة آلاف وخمسمائة ؛ وذكر أنه استدرك عليه على شرطه قريبا ممن ذكره .
قلت : وقرأت بخط الحافظ الذهبي من ظهر كتابه ' التجريد ' : لعل الجميع ثمانية آلاف إن لم يزيدوا لم ينقصوا ؛ ثم رأيت بخطه أن جميع من في ' أسد الغابة ' سبعة آلاف وخمسمائة [ وأربعة وخمسون نفسا ] .
ومما يؤيد قولي أبي زرعة ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك في قصة تبوك : والناس كثير لا يحصيهم ديوان .
وثبت عن الثوري فيما أخرجه الخطيب بسنده الصحيح إليه ، قال : من قدم عليا على عثمان فقد أزرى على اثني عشر ألفا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض ؛ فقال النووي : وذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم باثني عشر عاما بعد أن مات في خلافة أبي بكر في الردة والفتوح - الكثير ممن لم يضبط أسماؤهم ؛ ثم مات في خلافة عمر في الفتوح وفي الطاعون العام وعمواس وغير ذلك من لا يحصي كثرة .
وسبب خفاء أسمائهم أن أكثرهم أعراب ، وأكثرهم حضروا حجة الوداع . والله أعلم .
وقد كثر سؤال جماعة من الإخوان في تبييضه ، فاستخرت الله تعالى في ذلك ، ورتبته على أربعة أقسام في كل حرف منه :
فالقسم الأول - فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره ، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة ، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان .
وقد كنت أولا رتبت هذا القسم الواحد على ثلاثة أقسام ، ثم بدا لي أن أجعله قسما واحدا . وأميز ذلك في كل ترجمة .
القسم الثاني - من ذكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لبعض الصحابة من النساء والرجال ، ممن مات صلى الله عليه وسلم وهو في دون سن التمييز ؛ إذ ذكر أولئك في الصحابة ، إنما هو على سبيل الإلحاق : لغلبة الظن على أنه صلى الله عليه وسلم رآهم لتوفر دواعي أصحابه على إحضارهم أولادهم عنده عند ولادتهم ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم ؛ والأخبار بذلك كثيرة شهيرة : ففي صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم .
وأخرجه الحاكم في كتاب الفتن في المستدرك عن عبد الرحمن بن عوف قال : ما كان يولد لأحد مولود إلا أتي به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدعا له - الحديث . وأخرج ابن شاهين في كتاب الصحابة في ترجمة محمد بن طلحة بن عبد الله من طريق محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن ظئر محمد بن طلحة ، قال : لما ولد محمد ابن طلحة أتيت به النبي صلى الله عليه وسلم ليحنكه ويدعو له ، وكذلك كان يفعل بالصبيان ؛ لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل المراسيل عند المحققين من أهل العلم بالحديث ؛ ولذلك أفردتهم عن أهل القسم الأول .
القسم الثالث - فيمن ذكر في الكتب المذكورة من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، ولا رأوه ، سواء أسلموا في حياته أم لا ؛ وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق أهل العلم بالحديث ، وإن كان بعضهم قد ذكر بعضهم في كتب معرفة الصحابة فقد أفصحوا بأنهم لم يذكروهم إلا بمقاربتهم لتلك الطبقة ، لا أنهم من أهلها .
وممن أفصح بذلك ابن عبد البر ، وقبله أبو حفص بن شاهين ، فاعتذر عن إخراجه ترجمة النجاشي بأنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وغير ذلك ، ولو كان من هذا سبيله يدخل عنده في الصحابة ما احتاج إلى اعتذار .
وغلط من جزم في نقله عن ابن عبد البر بأنه يقول بأنهم صحابة ؛ بل مراد ابن عبد البر بذكرهم واضح في مقدمة كتابه بنحو مما قررناه ، وأحاديث هؤلاء عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلة بالاتفاق بين أهل العلم بالحديث ؛ وقد صرح ابن عبد البر نفسه بذلك في التمهيد وغيره من كتبه .
القسم الرابع - فيمن ذكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط ؛ وبيان ذلك البيان الظاهر الذي يعول عليه على طرائق أهل الحديث ، ولم أذكر فيه إلا ما كان الوهم فيه بينا . وأما مع احتمال عدم الوهم فلا ، إلا إن كان ذلك الاحتمال يغلب على الظن بطلانه .
وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه ، ولا من حام طائر فكره عليه ؛ وهو الضالة المطلوبة في هذا الباب الزاهر ، وزبدة ما يمخضه [ من هذا ] الفن اللبيب الماهر .
والله تعالى أسأل أن يعين على إكماله ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، ويجازيني به خير الجزاء في دار إفضاله ؛ إنه قريب مجيب .
وقبل الشروع في الأقسام المذكورة أذكر فصولا مهمة يحتاج إليها في هذا النوع .
