الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء السابع / باب ما جاء في تأليف القرآن [ (1) ] ، وقوله عز وجل إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون [ (2) ] وما ظهر من الآيات فيما نسخ من رسمه وفيما لم ينسخ منه
62

باب ما جاء في تأليف القرآن [ (1) ] ، وقوله عز وجل إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون [ (2) ] وما ظهر من الآيات فيما نسخ من رسمه وفيما لم ينسخ منه

الجزء السابع 1 عنصر صفحة 146
ص 146

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زياد الأديب، قال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا وهب ابن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة، عن زيد بن ثابت، قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نؤلف القرآن من الرقاع [ (3) ] .

قلت: وهذا يشبه أن يكون أراد به تأليف ما نزل من الكتاب: الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم ثم كانت مثبتة في الصدور،

مكتوبة في الرقاع، واللخاف، والعشب، فجمعها منها في صحف، بإشارة أبي بكر، وعمر، ثم نسخ ما جمعه في الصحف، في مصاحف بإشارة عثمان ابن عفان (رضي الله عنه) على ما رسم المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أخبرنا أبو سهل محمد بن نصرويه بن أحمد المروزي- قدم علينا- من أصل كتابه، قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن خنب إملاء قال: حدثنا أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت [ (4) ] ، قال:

أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة [ (5) ] فأتيته. فإذا عمر جالس عنده.

قال أبو بكر: إن عمر جاءني، فقال إن القتل قد استحر [ (6) ] يوم اليمامة بقراء القرآن [ (7) ] ، وإني أخشى إن استحر القتل بالقراء في المواطن كلها [ (8) ] ، فيذهب

قرآن كثير، وإني أرى أن نجمع القرآن، فقلت لعمر كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال عمر: هو والله خير فلم يزل عمر يراجعني في ذلك. حتى شرح الله صدري للذي شرح صدره، ورأيت في ذلك الذي رآه.

فقال أبو بكر لزيد بن ثابت: إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتتبع القرآن، فاجمعه [ (9) ] .

قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمروني به من جمع القرآن. قال: قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح صدر أبي بكر وعمر.

قال: فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع [ (10) ] والعشب [ (11) ] ، واللخاف [ (12) ] ، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة- مع خزيمة- أو أبي خزيمة [ (13) ]

الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره [ (14) ] لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم [ (15) ] . فألحقتها في سورتها، فكانت الصحف عند أبي بكر حياته، حتى توفاه الله، ثم عند عمر، حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر [ (16) ] .

قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت، قال:

فقدت آية من سورة الأحزاب، قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأها.

فالتمسوها، فوجدوها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه [ (17) ] . فألحقتها في سورتها.

قال إبراهيم بن سعد: فحدثني الزهري عن أنس بن مالك أن حذيفة [ (18) ] قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام مع أهل العراق في فتح أرمينية، وأذربيجان. قال: فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال: يا أمير المؤمنين.. أدرك هذه الأمة، قبل أن يختلفوا في الكتاب، كما اختلف اليهود والنصارى، فبعث عثمان إلى حفصة: أرسلي بالصحف، ننسخها في المصاحف، ثم نردها عليك، فبعث بها إليه، فدعا زيد بن ثابت، فأمره وعبد

الله بن الزبير، وسعيدا بن العاص، والحارث بن هشام أن ينسخوا الصحف في المصاحف. وقال: ما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، فكتبوا الصحف في المصاحف فبعث إلى كل أفق بمصحف، وأمر بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة أو صحف أن تمحى أو تحرق.

قال ابن شهاب: واختلفوا يومئذ في «التابوت» فقال زيد: «التابوة» ، وقال سعيد بن العاص وابن الزبير: «التابوت» ، فرفعوا اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوها «التابوت» ، فإنها بلسانهم.

قال: وحدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن حمزة، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد بهذا الحديث، بالأسانيد التي حدثنا بها أبو الوليد. إلا أن أبا الوليد ذكر في حديثه، أن عثمان أمر القوم أن ينسخوا الصحف في المصاحف. فذكرهم، وذكر فيهم الحارث بن هشام، وخالفه إبراهيم بن حمزة، فقال: عبد الرحمن بن الحارث، وزاد إبراهيم بن حمزة في حديثه أن عثمان، رد الصحف إلى حفصة، وفي موضع آخر رد الصحيفة إلى حفصة.

ووصل إبراهيم بن حمزة في حديثه أنهم اختلفوا، هم وزيد بن ثابت في التابوت. فقال الرهط القرشيون: التابوت. وقال زيد: «التابوه» فرفعوا اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه التابوت فإنه لسان قريش.

أخرجه البخاري في الصحيح، عن موسى بن إسماعيل، ومحمد بن عبيد الله عن إبراهيم بن سعد [ (19) ] .

قلت: والذي يعمل على أن الآيات كانت مؤلفة في سورها، ما روينا في

كتاب السنن [ (20) ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في صلاة كيت بسورة كيت، وفي صلاة كيت بسورة كيت، وأن جماعة من الصحابة حفظوا جميع القرآن، وحفظوه في صدورهم، منهم أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد رجل من الأنصار.

وذكروا معهم غيرهم، قد ذكرناهم في كتاب المدخل، وفي كل ذلك دلالة على أن آيات القرآن، كانت مؤلفة في سورها، إلا أنها كانت في صدور الرجال مثبتة، وعلى الرقاع وغيرها مكتوبة. فرأى أبو بكر، وعمر جمعها في صحف. ثم رأى عثمان نسخها في مصاحف. قال أهل العلم: إلا أن سورة براءة كانت من آخر ما نزل من القرآن، لم يبين رسول الله صلى الله عليه وسلم موضعها من التأليف، حتى خرج من الدنيا، وكانت قصتها شبيهة بالأنفال، فقرنتها الصحابة بالأنفال. وبيان ذلك في حديث ابن عباس [ (21) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن كامل القاضي، قال: حدثنا محمد بن سعد العوفي، قال: حدثنا روح بن عبادة القيسي.

(ح) وأخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هانئ، قال: حدثنا الحسين بن الفضل البجلي، قال: حدثنا هوذة بن خليفة قالا: حدثنا عوف بن أبي جميلة، قال: حدثنا يزيد بن الرقاشي قال: قال لنا ابن عباس: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال؟

وهي من المثاني وإلى براءة؟ وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم» ووضعتموها في السبع الطوال. ما حملكم على ذلك؟

فقال عثمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور، ذوات عدد، فكان إذا نزل عليه الشيء، يدعو بعض من كان يكتبه، فيقول:

ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا.

وتنزل عليه الآية فيقول: ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا] [ (22) ] . فكانت الأنفال من أوائل ما أنزل بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبين لنا أنها منها، فظننا أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم [ (23) ] .

لفظ حديث هوذة، وحديث روح قريب منه.

قلت: ويشبه أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم إنما لم يجمعه في مصحف وآخر، لأنه كان لا يأمن ورود النسخ على أحكامه ورسومه فلما ختم الله عز وجل دينه بوفاة نبيه صلى الله عليه وسلم وكان قد وعد له حفظه بقوله عز وجل: إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون [ (24) ] وفق خلفاءه لجمعه عند الحاجة إليه بين الدفتين وحفظه كما وعده، والذي روي عن ابن مسعود في المعوذتين إنما هو في إثبات رسمهما لا أنه خالف غيره في نزولهما.

والذي روي عنه عن أبي بن كعب في اختلاف القراءة، فإنما هي القراءة

الأولى، وكأنهما فيما خالفا فيه لم يشهد النسخ.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: على أقضانا، وأبي بن كعب أقرأنا، وإنا لندع كثيرا مما يقول أبي [ (25) ] . وأبي يقول: أخذته من في رسول الله صلى الله عليه وسلم فلن أدعه لشيء، والله عز وجل يقول: ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها [ (26) ] .

أخبرناه أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قال: أخبرنا أبو أحمد: حمزة ابن العباس قال: حدثنا أحمد بن الوليد الفحام، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن عمر رضي الله عنه فذكره.

أخرجه البخاري من حديث الثوري.

وروينا عن عائشة عن فاطمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه أسر إليها فقال: إن جبريل- عليه السلام- كان يعارضني بالقرآن كل عام مرة، وإنه عارضني به العام مرتين، ولا أرى أجلي إلا قد حضر.

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو عبد الله بن يعقوب، قال:

حدثنا علي بن الحسن قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق عن عائشة، فذكره.

أخرجاه في الصحيح كما مضى.

وروينا عن عبيدة السلماني أنه قال: القراءة التي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه، هذه القراءة التي يقرأها الناس.

أخبرناه محمد بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا أبو العباس الأصم،

قال: حدثنا أحمد بن عبد الحميد قال: حدثنا حسين الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن ابن جدعان، عن ابن سيرين عن عبيدة، فذكره. قلت: ولم يختلف أهل العلم في نزول «بسم الله الرحمن الرحيم» قرآنا وإنما اختلفوا في عدد النزول. وفي إثبات الصحابة رسمها، حيث كتبوها في مصاحفهم، دلالة على صحة قول من ادعى نزولها حيث كتبت والله أعلم.

وقد روينا في كتاب المدخل ما يؤكل ما ذكرنا في جمع القرآن، وبالله التوفيق.

وذكرنا فيه أيضا وجوه النسخ، وهو أن من القرآن ما نسخ حكمه، وبقي رسمه، وذكرنا مثال هذين، ومنه ما نسخ رسمه وحكمه.

وفي مثل ذلك ورد ما روينا عن أبي موسى الأشعري أنه قال: كنا نقرأ سورة، كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها غير أني حفظت منها «لو كان لابن آدم واديان من مال لا تبغي واديا ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» وكنا نقرأ سورة تشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها. غير أني قد حفظت منها، يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة.

أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن النضر الجارودي، قال: حدثنا سويد بن سعيد، قال:

حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي موسى فذكره.

رواه مسلم عن سويد بن سعيد [ (27) ] .

وفي مثل ذلك ورد ما في الحديث الذي

أخبرناه أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة أخبرناه أبو محمد أحمد بن إسحاق بن البغدادي بهراة، قال: حدثنا علي بن محمد بن عيسى، قال: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرنا أبو أمامة أن رهطا من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبروه أن رجلا قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة «قد كان وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا بسم الله الرحمن الرحيم» فأتى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أصبح، ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. ثم جاء آخر وآخر، حتى اجتمعوا فسأل بعضهم بعضا ما جمعهم، فأخبر بعضهم بعضا بشأن تلك السورة، ثم أذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه خبرهم، وسألوه عن السورة فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا ثم قال: نسخت البارحة، فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه.

قلت: ورواه عقيل عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال:

وابن المسيب جالس لا ينكر ذلك

[ (28) ] .

وفي هذا دلالة ظاهرة من دلالات النبوة.

وأما ما لم ينسخ رسمه فإنه بقي [ (29) ] ، بحمد الله، ونعمته، محفوظا إلى

الآن، ويبقى ما بقي الدهر كذلك محفوظا حتى يأتي أمر الله لا تجري عليه زيادة: ولا نقصان كما قال الله- عز وجل- لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ... [ (30) ] .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الفقيه، قال: أخبرنا أبو سهل الأسفرائيني، قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن نصر الحذاء قال: حدثنا علي ابن عبد الله المديني، قال: حدثنا علي بن نصر، عن خالد بن قيس، عن قتادة عن الحسن في قوله، وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. قال: حفظه الله من الشيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقا، ثم قرأ: إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون [ (31) ] . قال: هذه نظيرتها [ (32) ] .

أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله بن إبراهيم الهاشمي ببغداد، قال:

حدثنا أبو علي عيسى بن محمد بن أحمد بن عمر بن عبد الملك بن عبد العزيز ابن جريج الطوماري، قال: حدثنا الحسن بن فهم قال: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كان للمأمون وهو أمير إذ ذاك مجلس نظر، فدخل في مجلسة الناس رجل يهودي، حسن الثوب. حسن الوجه، طيب الرائحة، قال فتكلم.

فأحسن الكلام العبارة قال: فلما أن تقوض المجلس، دعاه المأمون فقال له إسرائيلي؟: قال نعم! قال له: أسلم حتى أفعل بك، وأصنع، ووعده، فقال: ديني، ودين آبائي، فانصرف، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلما، قال:

فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام. فلما أن تقوض [ (33) ] المجلس دعاه المأمون.

فقال له: ألست صاحبنا بالأمس؟ قال له بلى! قال: فما كان سبب إسلامك؟

قال: انصرفت من حضرتك. فأجبت أن أمتحن هذه الأديان، وأنا مع ما تراني حسن الخط فعمدت إلى التوراة. فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل. فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها، ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ، وزدت فيها ونقصت وأدخلتها [إلى] [ (34) ] الوراقين، فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة، والنقصان، رموا بها فلم يشتروها. فعلمت أن هذا كتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.

قال يحيى بن أكثم. فحججت في تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة فذكرت له الحديث فقال لي مصداق هذا في كتاب الله- عز وجل- قال: قلت: في أي موضع؟ قال: في قول الله عز وجل في التوراة، والإنجيل بما استحفظوا من كتاب الله [ (35) ] فجعل حفظه إليهم. فضاع. وقال- عز وجل- إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون [ (36) ] فحفظه الله عز وجل علينا فلم يضع.

قلت: وفي الكتاب، ثم في أخبار السلف، دلالة على أن الأمم السالفة كانوا إذا غيروا شيئا من أديانهم، غيروه أولا من كتبهم. واعتقدوا خلافه بقلوبهم، ثم أتبعوا أهواءهم، أقوالهم وأفعالهم. وفي هذه الأمة قد حفظ الله تعالى عليهم كتابه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وثبتهم على عقائدهم، حتى لا يغيروا شيئا منها. وإن كان فعلا، وقال بعضهم بشهوة أو بغفلة خلافها- والحمد لله- على حفظ دينه، وعلى ما هدانا لمعرفته ونسأله الثبات إلى الممات، والمغفرة يوم تحشر الأموات إله سميع الدعاء، فعال لما يشاء، والصلاة على نبيه محمد وعلى آله وسلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.