أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك رحمه الله، أنبأنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذ إلى اليمن، فقال لهما: «تطاوعا ويسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا» .
أخرجاه في الصحيح، واستشهد البخاري برواية أبي داود الطيالسي [ (1) ] .
أخبرنا أبو علي الروذباري، حدثنا أبو بكر بن داسة، حدثنا أبو داود.
(ح) وأنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر: أحمد بن سليمان الفقيه، حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، حدثنا أحمد بن حنبل، ومسدد، قالا: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا قرة بن خالد، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا أبو بردة، قال: قال أبو موسى: أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين أحدهما عن يميني
والآخر عن شمالي وكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فقال: ما تقول يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس؟ قلت: والذي بعثك بالحق! ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، قال: «لن نستعمل أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس» ، فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل، قال: فلما قدم عليه معاذ قال: انزل وألقى له وسادة، وإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديا فأسلم، ثم رجع دينه دين السوء، قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء الله ورسوله، قال: نعم اجلس، قال: لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله، ثلاث مرات فأمر به فقتل، ثم تذاكرا قيام الليل، فقال معاذ، أما أنا فأنام وأقوم أو أقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي [ (2) ] .
رواه البخاري في الصحيح عن مسدد، ورواه مسلم عن أبي قدامة وغيره عن يحيى القطان.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو عمرو بن السماك، أنبأنا عبد الرحمن بن محمد الحارثي، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، فذكره بنحوه إلا أنه قال: عن أبي موسى، وقال: «إنا لا نستعمل» ، وقال: فلما قدم عليه ألقى وسادة، وقال: انزل، وقال: ثم راجع دينه من دين السوء فتهود.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن بعث كل واحد منهما على مخلافه، قال: واليمن مخلافان [ (3) ] فقال لهما يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا فانطلق كل واحد منهما في عمله فكان إذا سار كل واحد منهما في أرض وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا وسلم عليه.
قال أبو موسى: فسار معاذ بن جبل في أرضه، وكان قريبا من أبي موسى، فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه وهو جالس وقد اجتمع الناس إليه، فإذا هو برجل عنده قد جمعت يداه إلى عنقه، فقال: بماذا يا عبد الله بن قيس؟ قال أبو موسى: فقلت رجل كفر بعد إسلامه، فقال معاذ: ما أنا بنازل حتى يقتل، فقال: انزل فإنما جيء به لذلك، فقال: ما أنا بنازل حتى يقتل، قال فقتل، ونزل.
فقال معاذ لأبي موسى كيف تقرأ القرآن يا عبد الله؟ فقال: أتفوقه تفوق [ (4) ] القدح قال فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل نومة ثم أقوم وقد قضيت جزئي [ (5) ] من النوم فأقرأ ما كتب الله لي وأحتسب [ (6) ] نومتي.
رواه البخاري في الصحيح عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة [ (7) ] .
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله البسطامي، أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرني أبو يعلى، حدثنا العباس بن الوليد: حدثنا عبد الواحد، [قال] : [ (8) ] حدثنا أيوب بن عائذ، [قال] : حدثنا قيس بن مسلم، قال: سمعت طارق بن شهاب، يقول: حدثنا [ (9) ] أبو موسى الأشعري، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض قومي فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالأبطح، فسلمت عليه، فقال:
«أحججت يا عبد الله بن قيس؟» قلت: نعم يا رسول الله، قال: «كيف قلت» ، قال: قلت: لبيك إهلالا كإهلالك، فقال: «أسقت هديا؟» ، قلت: لا، لم أسق هديا، قال: «فطف بالبيت واسع بين الصفا والمروة، ثم حل» ، قال: ففعلت حتى مشطتني امرأة من نساء بني قيس، قال: فمكثنا بذلك حتى استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذكر الحديث.
رواه البخاري في الصحيح عن عباس بن الوليد [ (10) ] .
وفي هذا دلالة على أن أبا موسى رجع إلى مكة في حجة الوداع وأما معاذ ابن جبل فالأشبه أنه لم يرجع حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل، أنبأنا أبو عمرو عثمان بن أحمد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني، أن معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فخرج النبي صلى الله عليه وسلم يوصيه ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فلما فرغ، قال: «يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري» فبكى معاذ خشعا لفراق النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبك يا معاذ، البكاء، أو إن البكاء من الشيطان» [ (11) ] .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، [قال] [ (12) ] : أنبأنا عبد الله بن جعفر، [قال] : حدثنا يعقوب بن سفيان، [قال] : حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني، [قال] : حدثنا ابن [ (13) ] [قال] ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل رجلا سمحا شابا حليما من أفضل شباب قومه حتى إذا كان عام فتح مكة، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على طائفة من اليمن أميرا فمكث حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم ثم قدم في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وخرج إلى الشام كذا في هذه الرواية، وقد مضى في هذا الكتاب ما دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف معاذا على مكة عام فتحها مع عتاب ابن أسيد ليعلم أهلها ثم كان معه في غزوة تبوك فالأشبه أنه بعثه إلى اليمن بعد ذلك.
وقد أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري عن ابن كعب بن مالك، قال: كان معاذ بن جبل شابا جميلا سمحا من خير شباب قومه لا يسأل شيئا إلا أعطاه حتى دان عليه دينا أغلق ماله، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكلم غرماءه ففعل، فلم يضعوا له شيئا فلو ترك لأحد بكلام أحد لترك لمعاذ بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فلم يبرح أن باع ماله وقسمه بين غرمائه، قال: فقام معاذ ولا مال له، قال: فلما حج النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن يستجيره قال: فكان أول من تجر
في هذا المال معاذ، قال: فقدم على أبي بكر رضي الله عنه من اليمن وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه عمر فقال: هل لك أن تطيعني تدفع هذا المال إلى أبي بكر فإن أعطاكه فاقبله، قال: فقال معاذ لم أدفعه إليه وإنما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجيرني، فلما أبى عليه انطلق عمر إلى أبي بكر فقال: أرسل إلى هذا الرجل فخذ منه ودع له، فقال أبو بكر: ما كنت لأفعل، إنما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجيره فلست بآخذ منه شيئا، قال: فلما أصبح معاذ انطلق إلى عمر فقال: ما أراني إلا فاعلا الذي قلت، رأيتني البارحة في النوم- أحسب عبد الرزاق قال:
أجر إلى النار وأنت آخذ بحجزتي، قال: فانطلق إلى أبي بكر بكل شيء جاء به حتى جاء بسوطه، وحلف له أنه لم يكتمه شيئا، قال: فقال أبو بكر رضي الله عنه: هو لك لا آخذ منه شيئا، كذا في هذه الرواية، فلما حج ويحتمل أن بكون أراد فلما أراد أن يحج والله أعلم [ (14) ] .
ولرؤيا معاذ بن جبل هذا شاهد آخر.
حدثنا أبو عبد الله الحافظ [قال] [ (15) ] : حدثنا [ (16) ] أبو القاسم الحسن بن محمد السكوني بالكوفة، حدثنا عبيد بن غنام بن حفص بن ابن غياث النخعي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله، قال:
لما قبض النبي صلى الله عليه وسلم واستخلفوا أبا بكر رضي الله عنه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث معاذا إلى اليمن فاستعمل أبو بكر عمر على الموسم، فلقي معاذا بمكة ومعه رقيق،
فقال: ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء أهدوا لي، وهؤلاء لأبي بكر- رضي الله عنه- فقال له عمر: إني أرى لك أن تأتي أبا بكر، قال، فلقيه من الغد فقال: يا ابن الخطاب لقد رأيتني البارحة وأنا أنزو إلى النار وأنت آخذ بحجزتي وما أراني إلا مطيعك، قال: فأتى بهم أبا بكر رضي الله عنه، فقال: هؤلاء أهدوا لي وهؤلاء لك، قال: فإنا قد سلمنا لك هديتك، فخرج معاذ إلى الصلاة فإذا هم يصلون خلفه فقال معاذ لمن تصلون، قالوا: الله، قال: فأنتم له فأعتقهم [ (17) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو سعد أحمد بن يعقوب بن أحمد الثقفي، حدثنا محمد بن أيوب، أنبأنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون أن معاذا لما قدم اليمن صلى بهم صلاة الصبح فقرأ واتخذ الله إبراهيم خليلا فقال رجل من القوم لقد قرت عين إبراهيم.
رواه البخاري في الصحيح عن سليمان بن حرب [ (18) ] .
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وقت خروج معاذ بن جبل إلى اليمن بأبين مما مضى.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسولهم إليه بإسلامهم: الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان، قيل ذي رعين، وهمدان، ومعافر، وبعث إلى زرعة ذي يزن: مالك بن مرة
الرهاوي بإسلامهم ومفارقتهم الشرك، وأهله، فكتب إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحارث بن عبد كلال، وإلى نعيم بن عبد كلال، وإلى النعمان قيل ذي رعين، ومعافر وهمدان، أما بعد ذلكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو» فذكر ما في الكتاب من ذكر إسلامهم وأمره إياهم بالصلاة والزكاة وغيرهما وذكر في الكتاب رسالة معاذ بن جبل وعبد الله بن زيد ومالك بن عبادة ومالك بن مرة وذكر أن أميرهم معاذ بن جبل، وقال في آخر الكتاب وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم وآمركم بهم خيرا فإنهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته [ (19) ] .
