أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر: أحمد بن الحسن الحربي [ (3) ] قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: [ (4) ] حدثنا أحمد بن عبد
الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، أنهما حدثاه جميعا، قالا: كان في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية بينه وبين قريش أنه [ (5) ] من شاء يدخل في عقد محمد وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل، فتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة والثمانية عشر شهرا، ثم إن بني بكر الذين كانوا دخلوا في عقد قريش وعهدهم. [وثبوا] [ (6) ] على خزاعة الذين دخلوا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ليلا بماء لهم يقال له: «الوتير» [ (7) ] قريب من مكة، فقالت قريش: ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد، فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، فقاتلوهم معه للطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن عمر بن سالم ركب، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ما كان من أمر خزاعة وبني بكر بالوتير حتى قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر وقد قال أبيات شعر،
فلما قدم على رسول الله، صلى الله عليه وسلم أنشده إياها: [ (8) ] .
اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا [ (9) ]
كنا والدا وكنت ولدا ... ثم أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر رسول الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا [ (10) ]
فيهم رسول الله قد تجردا ... إن سيم خسفا وجهه تربدا [ (11) ]
في فيلق كالبحر يجري مزبدا ... إن قريشا أخلفوك الموعدا [ (12) ]
ونقضوا ميثاقك المؤكدا ... وزعموا أن لست أرجو أحدا
فهم أذل وأقل عددا ... قد جعلوا لي بكداء مرصدا [ (13) ]
هم بيتونا بالوتير هجدا ... فقتلونا ركعا وسجدا [ (14) ]
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نصرت يا عمرو بن سالم» .
فما برح رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت عنانة [ (15) ] في السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز، وكتمهم مخرجه، وسأل الله أن يعمي على قريش خبره حتى يبغتهم في بلادهم [ (16) ] .
زاد أبو عبد الله في روايته، قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلى الله عليه وسلم كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم يشد العقد ويزيد في المدة» .
قال ابن إسحاق: ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا
علي رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم ومظاهرة [ (17) ] بني بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين، حتى لقوا أبا سفيان بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليشد العقد ويزيده في المدة، وقد ترهبوا للذي صنعوا، فلما لقي أبو سفيان بديلا قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سرت في خزاعة في هذا الساحل، وفى بطن هذا الوادي، فعمد أبو سفيان إلى مبرك راحلته، فأخذ من بعدها قفته فرأى فيه النوى، فقال:
أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا.
ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فدخل على ابنته: «أم حبيبة» ، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته، فقال:
يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراشه، فقال: يا بنية والله لقد أصابك شيء بعدي، ثم خرج، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه، يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال، عمر: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم! فو الله لو لم أجد لكم إلا الذر لجاهدتكم به،
ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها حسن غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة، فلا أرجعن كما جئت خائبا، فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة، فقال: يا بنت محمد! هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟، فقالت: والله ما بلغ بنيي ذاك أن يجير بين الناس، وما يجير أحد
علي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك، فقال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا، قال: لا، والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس.
ثم ركب بعيره، فانطلق فلما قدم على قريش قالوا ما وراءك، قال: جئت محمدا فكلمته فو الله ما رد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فو الله ما وجدت فيه خيرا، ثم جئت عمر فوجدته أعدى العدو، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فو الله ما أدري هل يغني عني شيئا أم لا؟
قالوا: بماذا أمرك قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت فقالوا: هل أجاز ذلك محمد فقال: لا فقالوا: ويحك والله إن زاد الرجل على أن لعبت بك، فما يغني عنا ما قلت فقال: لا، والله ما وجدت غير ذلك [ (18) ] .
أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد ابن عبد الله بن أحمد بن عتاب، حدثنا. القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، في فتح مكة، قال [ (19) ] : ثم إن بني نفاثة من بني الدئل أغاروا على بني كعب، وهم في المدة التي بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت بنو نفاثة في صلح قريش، فأعانت بنو بكر بني نفاثة، وأعانتهم قريش بالسلاح والرقيق، واعتزلتهم بنو مدلج، ووفوا بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بني الدئل
رجلان هما سيداهم: سلم بن الأسود، وكلثوم بن الأسود، ويذكرون أن ممن أعانهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو! فأغارت بنو الدئل على بني عمرو وعامتهم- زعموا نساء وصبيان وضعفاء الرجال- فالجؤهم، وقتلوهم حتى أدخلوهم دار بديل بن ورقاء بمكة، فخرج ركب من بني كعب حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له الذي أصابهم، وما كان من قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارجعوا فتفرقوا في البلدان» وخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخوف الذي كان، فقال: يا محمد اشدد العقد، وزدنا في المدة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولذلك قدمت هل كان من حدث قبلكم؟ قال معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغير ولا نبدل، فخرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى أبا بكر فقال: جدد العقد وزدنا في المدة، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم، ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه، فقال عمر: ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله، وما كان منه مثبتا [ (20) ] فقطعه الله، وما- كان منه- مقطوعا فلا وصله الله، فقال- له أبو سفيان: جزيت من ذي رحم سوءا [ (21) ] ، ثم دخل على عثمان فكلمه فقال عثمان: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم اتبع أشراف قريش والأنصار يكلمهم، فكلهم يقول: عقدنا في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما يئس مما عندهم دخل على فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فكلمها فقالت: إنما أنا امرأة، وإنما ذاك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأمري أحد ابنيك، قالت: إنما هما صبيان ليس مثلهما يجير، قال: فكلمي عليا، قالت: أنت فكلمه، فكلم عليا، فقال: يا أبا سفيان! إنه ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتات على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوار، وأنت سيد قريش
وأكبرها وأمنعها، فأجر بين عشيرتك، قال: صدقت وأنا كذلك، فخرج فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس ولا والله لا أظن أن يخفرني أحد، ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد! قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ولا يرد جواري، فقال: أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة! فخرج أبو سفيان على ذلك فزعموا والله أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين أدبر أبو سفيان:
«اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة ولا يسمعون بنا إلا فجأة» .
وقد أبو سفيان مكة فقالت له قريش: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهده؟ قال: لا والله لقد أبى علي، وقد تتبعت أصحابه فما رأيت قوما لملك عليهم أطوع منهم له، غير أن علي بن أبي طالب قد قال لي: لم تلتمس جوار الناس على محمد، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقها أن لا يخفر جواره، فقمت بالجوار، ثم دخلت على محمد فذكرت له أن قد أجرت بين الناس، وقلت: ما أظن أن تخفرني، فقال:
أنت يا أبا حنظلة تقول ذلك؟ فقالوا مجيبين له: رضيت بغير رضا وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا، وإنما لعب بك علي لعمر الله ما جوارك بجائر، وإن إخفارك عليهم لهين، ثم دخل على امرأته فحدثها الحديث فقالت: فتح الله من وافد قوم فما جئت بخير، ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم سحابا فقال: إن هذا السحاب لينصب بنصر بني كعب.
فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يمكث بعد ما خرج من عنده أبو سفيان ثم أعذر في الجهاز، وأمر عائشة أن تجهزه وتخفي ذلك، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف، أو تنقى، فقال لها: يا بنية لماذا تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت، فقال أيريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزو؟ فصمتت، فقال: لعله
يريد بني الأصفر- وهم الروم- فذكر من ذلك أمرا فيه منهم بعض المكروه في ذلك الزمان، فصمتت، قال: [فلعله يريد أهل نجد فذكر منهم نحوا من ذلك فصمتت] [ (22) ] قال: فلعله يريد قريشا وإن لهم مدة فصمتت قال: فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أتريد أن تخرج مخرجا قال: نعم قال: لعلك تريد بني الأصفر قال: لا قال: أفتريد أهل نجد، قال: لا قال: فلعل تريد قريشا، قال: نعم، قال أبو بكر: يا رسول الله! أليس بينك وبينهم مدة؟
قال: ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بالغزو، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش وأطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على الكتاب وذكر القصة [ (23) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا:
حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال حدثنا محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تغربل حنطة لها، فقال: ما هذا أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز، فقالت: نعم فتجهز، فقال: وإلى أين؟ قالت: ما سمى لنا شيئا، غير أنه قد أمرنا بالجهاز.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا أحمد قال:
حدثنا يونس عن ابن إسحاق بعد قصة أبي سفيان قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز وأمر أهله أن يجهزوه، وأعلم الناس أنه سائر إلى مكة. وذكر ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت في نقض قريش عهدهم [ (24) ] .
أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا العباس الأسفاطي، قال: حدثنا علي بن عثمان، قال:
حدثنا حماد بن سلمة، قال: حدثنا محمد بن عمرو [ (25) ] ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قالت خزاعة:
اللهم إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا
