الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء الرابع / باب ما جاء في غزوة مؤتة [ (1) ] وما ظهر في تأمير النبي صلى الله عليه وسلم أمراءها ثم في إخباره عن الوقعة قبل مجيء خبرها من آثار النبوة
74

باب ما جاء في غزوة مؤتة [ (1) ] وما ظهر في تأمير النبي صلى الله عليه وسلم أمراءها ثم في إخباره عن الوقعة قبل مجيء خبرها من آثار النبوة

الجزء الرابع 1 عنصر صفحة 357
ص 357

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرة القضاء المدينة في ذي الحجة فأقام [ (2) ] في المدينة

حتى بعث إلى مؤتة في جمادى [الأولى] [ (3) ] من سنة ثمان، قال وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس في مؤتة زيد بن حارثة، ثم قال: فإن أصيب زيد فجعفر فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا فليجعلوه عليهم [ (4) ] .

فتجهز الناس وتهيئوا للخروج، فودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم فلما ودعوا عبد الله بن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة، فقال: أما والله ما بي حب للدنيا، ولا صبابة إليها ولكني سمعت الله يقول:

وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا [ (5) ] فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين، ودفع عنكم. فقال ابن رواحة.

لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا [ (6) ]

أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا [ (7) ]

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي ... أرشده الله من غاز وقد رشدا [ (8) ]

ثم أتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه، فقال:

وثبت الله ما آتاه من حسن ... تثبت موسى ونصرا كالذي نصرا [ (9) ]

إني تفرست فيك الخير نافلة ... والله يعلم أني ثابت البصر [ (10) ]

أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر [ (11) ]

ثم خرج القوم حتى نزلوا معان، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمأرب في مائة، ألف من الروم وماية ألف من المستعربة فأقاموا بمعان يومين فقالوا نبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بكثرة عدونا، فإما أن يمدنا، وإما أن يأمرنا أمرا، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، فقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم لها إياها تطلبون: الشهادة، وما تقاتل الناس بعدد ولا كثرة وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فإن يظهرنا الله به فربما فعل وإن تكن الأخرى فهي الشهادة وليست بشر المنزلين، فقال الناس: والله لقد صدق ابن رواحة فانشمر الناس وهم ثلاثة آلاف حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها شراف ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة قرية فوق أحساء [ (12) ] .

أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عبدان، قال: أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، قال: حدثنا عباس الأسفاطي، قال: حدثنا ابن كاسب قال حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع، عن ابن عمر، قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فإن قتل زيد فجعفر،

وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، قال ابن عمر: كنت معه في تلك الغزوة ففتشناه فوجدنا فيما أقبل من جسده بضعا وسبعين [بين] [ (13) ] طعنة ورمية.

وأخبرنا أبو عبد الله محمد الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع، عن ابن عمر قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن قتل زيد فجعفر، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة، قال عبد الله بن عمر كنت معهم في تلك الغزوة.

وأخبرنا أبو عمرو الأديب، قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال: أنبأنا الهيثم الدوري قال حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا أحمد بن أبي بكر الزهري قال أنبأنا مغيرة بن عبد الرحمن فذكره بإسناده مثله وزاد فالتمسنا جعفرا فوجدنا في جسده بضعا وتسعين أو بضعا وسبعين من بين طعنة ورمية.

أخرجه في الصحيح هكذا البخاري في رواية، وفي رواية بضعا وتسعين وكذلك قال إبراهيم بن حمزة عن المغيرة [ (14) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني، قال:

حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي، قال: حدثنا ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم عن أبيه، قال: جاء النعمان بن مهص اليهودي فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الناس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل

جعفر فعبد لله ابن رواحة، فإن قتل عبد الرحمن بن رواحة فليرتضي المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم،

فقال النعمان: أبا القاسم! إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم فقالوا إن أصيب فلان ففلان فلو سموا مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل اليهودي يقول لزيد اعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان محمد نبيا قال زيد فأشهد أنه نبي صادق [ (15) ] بار صلى الله عليه وسلم [ (16) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، قال: مضى الناس فتعبأ [ (17) ] لهم المسلمون فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال عباية ابن مالك فالتقى الناس.

وأخبرنا أبو عبد الله، قال: أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني، قال: حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال حدثنا الواقدي، قال: حدثنا ربيعة بن عثمان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال شهدت مؤتة فلما رآنا المشركون رأينا ما لا قبل لأحد به من العدة والسلاح والكراع والديباج [ (18) ] والحرير والذهب فبرق بصري فقال لي ثابت بن أقرم: مالك يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة قلت نعم قال تشهد معنا بدرا إنا لم ننصر بالكثرة [ (19) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد ابن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس عن ابن إسحاق، قال: حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، قال: فاقتتل الناس قتالا شديدا حتى قتل زيد بن حارثة، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل بها حتى قتل.

قال ابن إسحاق فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: حدثنا أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف، قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة حين التحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.

قال ابن إسحاق فهو أول من عقر في الإسلام وهو يقول.

يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة باردة شرابها

والروم روم قد دنا عذابها ... علي إن لاقيتها ضرابها [ (20) ]

فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة.

قال ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فالتوى بها بعض الالتواء ثم تقدم بها على فرسه فجعل يستنزل نفسه ويتردد بها بعض التردد.

قال ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن عبد الله بن رواحة قال عند ذلك. [رضي الله تعالى عنه] [ (21) ] .

أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه

أن أنجلب الناس وشدوا الرنه ... مالي أراك تكرهين الجنة [ (22) ]

قد طال ما قد كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنه

ثم نزل فقاتل حتى قتل قال ابن إسحاق وقال أيضا.

يا نفس إلا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقد أعطيتي ... إن تفعلي فعلهما هديت

وإن تأخرت فقد شقيتي

يريد جعفرا وزيدا، ثم نزل فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق لحم [ (23) ] ، فقال: شد بها صلبك فإنك قد لقيت يومك هذا ما لقيت، فأخذه منه فنهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، قال: وأنت في الدنيا فألقاه من يده، ثم أخذ بسيفه فتقدم فقاتل حتى قتل [ (24) ] .

قال ابن إسحاق حدثنا محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم، أخو بني العجلان، فقال: اصطلحوا يا معشر المسلمين على رجل، فقالوا: أنت لها فقال لا ولكن اصطلحوا على رجل فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فجاس بالناس فدافع وانحاز وانحيز عنه ثم انصرف بالناس [ (25) ] .

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال: حدثنا القاسم الجوهري، قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم

إلى المدينة، فمكث بها ستة أشهر ثم بعث جيشا إلى مؤتة، وأمر عليهم زيد بن حارثة فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب أميرهم فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة أميرهم فانطلقوا حتى لقوا ابن أبي سبرة الغساني بمؤتة وبها جموع من نصارى العرب والروم تنوخ وبهراء فأغلق ابن أبي سبرة دون المسلمين الحصن ثلاثة أيام، ثم خرجوا فالتقوا على ذرع أحمر فاقتتلوا قتالا شديدا فأخذ اللواء زيد ابن حارثة، فقتل، ثم أخذه جعفر بن أبي طالب فقتل، ثم أخذه عبد الله بن رواحة فقتل ثم اصطلحوا المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله العدو وأظهر المسلمين، ونعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مر علي جعفر بن أبي طالب في الملائكة يطير مع الملائكة كما يطيرون له جناحان قال وزعموا والله أعلم أن يعلى بن منية قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شئت فأخبرني وإن شئت أخبرتك، قال: أخبرني [ (26) ] يا رسول الله قال فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله ووصفه [ (27) ] لهم فقال والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره وإن أمرهم كلما ذكرت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تبارك وتعالى رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم.

أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أنبأنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا يعقوب بن سفيان قال: حدثنا سليمان بن حرب (ح) .

وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقبري الأسفرايني، قال:

أنبأنا الحسن بن محمد بن إسحاق قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي قال:

حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك قال:

نعى النبي صلى الله عليه وسلم جعفرا وزيد بن حارثة نعاهم قبل أن يجيء خبرهم نعاهم وعيناه تذرفان وفي رواية يعقوب أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى جعفرا وزيدا.

رواه البخاري في الصحيح عن سليمان بن حرب [ (28) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله، محمد بن يعقوب، قال: حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا حماد ابن زيد (ح) .

وأخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله البسطامي، قال: حدثنا أبو بكر الإسماعيلي قال: حدثنا الهسنجاني وأخبرني الحسن بن سفيان، قالا: حدثنا محمد بن عبيد بن حسان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن حميد ابن هلال عن، أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيدا وجعفرا وعبد الله بن رواحة ودفع الراية إلى زيد فأصيبوا جميعا قال أنس: فنعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس قبل أن يجيء الخبر قال: أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب ثم أخذ الراية بعد سيف من سيوف الله خالد بن الوليد قال: فجعل يحدث الناس وعيناه تذرفان لفظ حديث البسطاني.

رواه البخاري في الصحيح عن أحمد بن واقد عن حماد بن زيد [ (29) ] .

أخبرنا أبو عمرو الأديب، قال: أخبرنا أبو بكر الإسماعيلي، قال: حدثنا المنيعي، قال: حدثنا داود بن رشيد، قال: وحدثنا القاسم يعني ابن زكرياء قال: حدثنا أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي ويعقوب قالوا أخبرنا [ (30) ] إسماعيل

ابن علية، قال: حدثنا أيوب عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد من غير إمرة ففتح عليه، قال: وإن عينيه لتذرفان، قال: ما سرني أنهم عندنا أو سرهم أنهم عندنا شك أيوب لفظ المنيعي وقال: الآخر وما يسرهم أو يسرني أنهم عندنا وإن عينيه لتذرفان.

رواه البخاري في الصحيح عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي [ (31) ] .

أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة قال: أخبرنا أبو عمرو ابن مطر، قال: أخبرنا أبو خليفة الفضل بن حباب الجمحي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح الأنصاري، وكانت الأنصار تفقهه فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه من الناس، فقال: حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء، وقال عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فوثب جعفر فقال:

يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا علي، قال: امض فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فأمر فنودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أخبركم عن جيشكم هذا أنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا فاستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا شهد له بالشهادة واستغفر له ثم أخذ اللواء، [عبد الله] [ (32) ] ، ابن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمر نفسه ثم قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره. فمن يومئذ سمي خالد سيف الله [ (33) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: فلما أصيب القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيما بلغني أخذ زيد ابن حارثة الراية فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا» ، ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الأنصار، وظنوا أنه كان في عبد الله بن رواحة، ما يكرهون فقال: ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل شهيدا، ثم لقد رفعوا إلي في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت عم هذا فقيل لي مضيا وتردد عبد الله بعض التردد ثم مضى [ (34) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن بطة، قال: حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال:

حدثنا الواقدي قال: حدثنا بكير بن مسمار وابن أبي سبرة عن عمارة بن غزية أحدهما يزيد على صاحبه في الحديث، قال: لما التقى المسلمون والمشركون وكان الأمراء يومئذ يقاتلون على أرجلهم أخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل الناس معه والمسلمون على صفوفهم فقتل زيد بن حارثة، قال الواقدي: قال محمد بن كعب القرظي: أخبرني من حضر يومئذ، قال: ما قتل إلا طعنا بالرماح.

قال الواقدي: فحدثني محمد بن صالح التمار عن عاصم بن عمر

ابن [ (35) ] قتادة قال: وحدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم زاد أحدهما على صاحبه في الحديث قالا: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخذ الراية زيد بن حارثة فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا فقال الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين يحبب إلي الدنيا فمضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى [ (36) ] » .

قال الواقدي: حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا ثم مضى قدما حتى استشهد فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له وقال استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة، قال: ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد، ثم دخل الجنة معترضا، فشق ذلك على الأنصار فقيل يا رسول الله ما اعتراضه قال: لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فتشجع فاستشهد فدخل الجنة فسري عن قومه [ (37) ] .

وبإسناده قال: حدثنا الواقدي، قال: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل، عن أبيه، قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الآن حمي الوطيس» [ (38) ] ،

قال: فحدثني العطاف بن خالد، قال: لما قتل

ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنة فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا قد جاءهم مدد فرعبوا فانكشفوا منهزمين فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم [ (39) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أم عيسى الجزار، عن أم جعفر عن جدتها أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب جعفر وأصحابه دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عجنت عجيني وغسلت بني ودهنتهم ونظفتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ائتيني ببني جعفر» ، فأتيته بهم، فشمهم فدمعت عيناه فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك أبلغك عن جعفر وأصحابه؟ فقال: نعم أصيبوا هذا اليوم، فقمت أصيح واجتمع النساء، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: لا تغفلوا آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم [ (40) ] .

قال ابن إسحاق: سمعت عبد الله بن أبي بكر، يقول: لقد أدركت الناس بالمدينة إذا مات لهم ميت تكلف جيرانهم يومهم ذلك طعامهم فلكأني أنظر إليهم قد خبزوا خبزا صغارا وصنعوا لحما فجعل في جفنة ثم يأتون به أهل الميت وهم يبكون على ميتهم مشتغلين فيأكلونه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله حين أصيب جعفر: لا تغفلوهم أن تصنعوا لهم طعاما يومهم هذا ثم إن الناس تركوا ذلك.

هذا لفظ حديث أبي عبد الله ولم يذكر القاضي حكاية عبد الله بن أبي بكر بعد الخبر.

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي قال: حدثنا محمد بن مسلم عن يحيى بن أبي يعلى قال: سمعت عبد الله بن جعفر، يقول أنا أحفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمي فنعى لها أبي فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهراقان الدموع، حتى تقطر لحيته، ثم قال: اللهم إن جعفرا قد قدم إليك إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته، ثم قال يا أسماء ألا أبشرك؟ قالت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله ... إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة، قالت: فأعلم الناس ذلك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقي على المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى والحزن يعرف عليه، فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد وقد جعل له جناحان يطير بهما في الجنة، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيته وأدخلني معه، فأمر بطعام فصنع لأهلي وأرسل إلى أخي فتغدينا عنده غداء طيبا مباركا، عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته ثم نسفته ثم أنضجته وأدمته بزيت وجعلت عليه فلفلا فتغديت أنا وأخي معه فأقمنا ثلاثة أيام في بيته ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أساوم شاة أخ لي، فقال: اللهم بارك له في صفقته، قال عبد الله: فما بعت شيئا ولا اشتريت شيئا إلا بورك لي فيه [ (41) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن يعقوب

الثقفي قال: حدثنا يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال:

حدثنا عمر بن علي عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر، قال: كان ابن عمر إذا حيا ابن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين.

رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن أبي بكر [ (42) ] .

وذلك يصحح ما روينا. عن أهل المغازي في أمر الجناحين ويؤكده.

أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرئ، قال: أخبرنا الحسن ابن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد، يقول أخبرتني عمرة قالت: سمعت عائشة تقول لما جاء قتل جعفر، وابن حارثة، وعبد الله بن رواحة، جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد يعرف فيه الحزن فقالت عائشة وأنا أطلع من شق الباب، فأتاه رجل فقال يا رسول الله إن نساء جعفر وذكر بكاهن فأمره أن ينهاهن. [فذهب الرجل] [ (43) ] . ثم أتى فقال [يا رسول الله والله] [ (44) ] . [قد نهيتهن وذكر أنهن لم يطعنه فأمره الثانية أن ينهاهن فذهب] [ (45) ] ثم أتى فقال: والله لقد غلبننا فزعمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

فاحث في أفواههن التراب قالت عائشة: قالت: أرغم الله أنفك تريد الرجل ما أنت تفعل وما تركت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العناء.

وأخبرنا أبو عمرو الأديب قال: أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي، قال: أنبأنا الحسن بن سفيان قال: حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي

فذكره بإسناده نحوه لم يقل المسجد.

رواه البخاري ومسلم في الصحيح عن محمد بن المثنى [ (46) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [وأبو بكر أحمد] [ (47) ] بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، قال: سمعت خالد بن الوليد يقول: لقد اندق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية.

أخرجه البخاري في الصحيح من وجهين آخرين عن إسماعيل [ (48) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني، قال:

حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج قال: حدثنا الواقدي قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله، قال: أصيب بها ناس من المسلمين وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين فكان مما غنموا خاتم جاء به رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قتلت صاحبه يومئذ فنفله رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه [ (49) ] .

وقال عوف بن مالك الأشجعي: لقيناهم في جماعة من قضاعة وغيرهم من نصارى العرب فصافوا فجعل رجل من الروم يشتد على المسلمين وهو على فرس أشقر عليه سلاح مذهب وسرج مذهب فجعلت أقول في نفسي من لهذا وقد رافقني رجل من أمداد حمير كان معنا في مسيرنا ذلك ليس معه إلا السيف إذ

نحر رجل من القوم جزورا فسأله المددي طائفة من جلده فوهبه منه فجعله في الشمس وأوتد على أطرافه أوتادا، فلما جف اتخذ منه مقبضا وجعله درقة، فلما رأى المددي ما يفعل ذلك الرومي بالمسلمين كمن له خلف صخرة فلما مر به خرج عليه فعرقب فرسه فقعد الفرس على رجليه وخر عنه العلج [ (50) ] فشد عليه فعلاه بالسيف فقتله [ (51) ] .

قال: وحدثني بكير بن مسمار عن عمار بن خزيمة بن ثابت عن أبيه قال:

حضرت مؤتة فبارزني رجل منهم يومئذ فأصبته وعليه بيضة له فيها ياقوتة فلم تكن همتي إلا الياقوت فأخذتها فلما انكشفنا فانهزمنا رجعت إلى المدينة فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفلنيها يعني فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة نخل [ (52) ] .

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق [ (53) ] ، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن عروة، قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله.

وبإسناده عن ابن إسحاق [ (54) ] ، قال: حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عامر بن عبد الله بن الزبير أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، قالت لامرأة سلمة بن

هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين، قالت: والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس يا فرار فررتم في سبيل الله حتى قعد في بيته فلم يخرج وكان في غزاة مؤتة.

قلت قد اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم منهم من ذهب إلى ذلك ومنهم من زعم أن المسلمين ظهروا على المشركين وانهزم المشركون وحديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخذها خالد ففتح عليه يدل على ظهوره عليهم والله [تعالى] أعلم [ما الصواب] [ (55) ] .

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.