الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة / الجزء الرابع / باب ذكر إسلام عمرو بن العاص وما ظهر له على لسان النجاشي وغيره من آثار صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في الرسالة
69

باب ذكر إسلام عمرو بن العاص وما ظهر له على لسان النجاشي وغيره من آثار صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في الرسالة

الجزء الرابع 1 عنصر صفحة 342
ص 342

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني قال:

حدثنا الحسن بن الجهم، قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي، قال: أخبرنا عبد الحميد بن جعفر عن، أبيه قال: قال عمرو بن العاص: كنت للإسلام مجانبا معاندا، حضرت بدرا مع المشركين فنجوت، ثم حضرت أحدا فنجوت، ثم حضرت الخندق فنجوت، فقلت في نفسي: كم أوضع الله ليظهرن محمدا على قريش فلحقت بمالي بالرهط [ (1) ] وأقللت من الناس، يقول: أقللت من لقائهم، فلما حضر الحديبية، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح ورجعت قريش إلى مكة جعلت أقول: يدخل محمد قابلا مكة بأصحابه، ما مكة بمنزل، ولا الطائف، وما شيء خير من الخروج، وأنا بعد ناء عن الإسلام، أرى لو أسلمت قريش كلها لم أسلم، فقدمت مكة، فجمعت رجالا من قومي وكانوا يرون رأيي ويسمعون مني ويقدموني فيما نابهم، فقلت لهم: كيف أنا فيكم؟ فقالوا: ذو رأينا ومد رهنا في [ (2) ] يمن نقيبة وبركة أمر،

قال: قلت: تعلمون أني والله لا أرى أمر محمد أمرا يعلوا الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت رأيا. قالوا: وما هو؟ قال: نلحق بالنجاشي فنكون معه فإن يظهر محمد كنا عند النجاشي فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا أن نكون تحت يد محمد، وإن تظهر قريش فنحن من قد عرفوا، قالوا: «هذا الرأي» قال: فاجمعوا ما تهدونه له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشي فو الله إنا لعنك إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه إليه بكتاب كتبه يزوجه أم حبيبة ابنة أبي سفيان، فدخل عليه ثم خرج من عنده فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية، ولو قد دخلت على النجاشي قد سألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك سررت قريشا، وكنت قد أجزأت [ (3) ] عنها حين قلت رسول محمد [صلى الله عليه وسلم] [ (4) ] فدخلت على النجاشي فسجدت كما كنت أصنع فقال مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا قلت: نعم أيها الملك أهديت لك أدما كثيرا، ثم قربته، إليه فأعجبه، ففرق منه أشياء بين بطارقته، وأقر بسائره فأدخل في موضع وأمر أن يكتب ويحتفظ به فلما رأيت طيب نفسه، قلت: أيها الملك إني قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول عدو لنا، قد وترنا، وقتل أشرافنا وخيارنا، فأعطنيه فأقتله، فغضب فرفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فابتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي فأصابني من الذل ما لو انشقت لي الأرض دخلت فيها فرقا منه.

ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه، قال:

واستحيا وقال: يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى والذي كان يأتي عيسى عليهما السلام لتقتله! قال عمرو: وغير

الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي: عرف هذا الحق العرب والعجم، وتخالف أنت! قلت: أتشهد أيها الملك بهذا قال: نعم أشهد به عند الله [تعالى] [ (5) ] ، يا عمرو فأطعني واتبعه، فو الله إنه لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه، كما ظهر موسى عليه السلام على فرعون وجنوده، قلت: أفتيا يعني له على الإسلام، قال: نعم فبسط يده فبايعني على الإسلام ثم دعا بطست فغسل عني الدم، وكساني ثيابا وكانت ثيابي [قد] امتلأت الدم فألقيتها ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك، وقالوا: هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول أمره، وقلت أعود إليه. قالوا: الرأي ما رأيت.

ففارقتهم وكأني أعمد لحاجة، فعمدت إلى موضع السفن، فأجد سفينة قد شحنت تدفع فركبت معهم، ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعيبة [ (6) ] وخرجت من السفينة ومعي نفقة فابتعت بعيرا، وخرجت أريد المدينة، حتى خرجت على مر الظهران، ثم مضيت حتى إذا كنت بالهداة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريد أن منزلا وأحدهما داخل في خيمة، والآخر قائم يمسك الراحلتين، نظرت فإذا خالد بن الوليد، فقلت: أبا سليمان؟ قال: نعم. قلت أين تريد؟ قال: محمدا صلى الله عليه وسلم، دخل الناس في الإسلام، فلم يبق أحد به طعم والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: وأنا والله قد أردت محمدا صلى الله عليه وسلم، وأردت الإسلام. فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل، ثم رافقنا حتى قدمنا المدينة، فما أنسى قول رجل لقينا ببئر أبي عنبة يصيح: يا رباح، يا رباح فتفاءلنا بقوله، وسرنا ثم نظر إلينا فأسمعه يقول قد أعطت مكة المقادة بعد هذين! فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولى مدبرا إلى المسجد

سريعا فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا، فكان ما ظننت وأنخنا بالحرة، فلبسنا من صالح ثيابا، ونودي بالعصر، فانطلقنا حتى اطلعنا عليه وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا وتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فو الله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفع طرفي [إليه] حياء منه فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر،

فقال: إن الإسلام يجب ما كان قبله، والهجرة تجب ما كان قبلها،

فو الله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا [ (7) ] ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك الحال، وكان عمر على خالد كالعاتب.

قال عبد الحميد بن جعفر: فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب، فقال: أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أويس الثقفي، عن حبيب، عن عمرو نحو ذلك.

قال عبد الحميد: فقلت ليزيد فلم يوقت لك متى قدم عمرو وخالد، قال: لا، إلا أنه قال: قبل الفتح، قلت: إن أبي أخبرني أن عمروا وخالدا وعثمان بن طلحة قدموا المدينة لهلال صفر سنة ثمان [ (8) ] .

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا:

حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال:

حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى حبيب، عن حبيب بن أبي أوس، قال: حدثنا عمرو بن العاص قال: لما انصرفنا من الخندق جمعت رجالا من قريش فقلت: والله إني لا أرى

أمر محمد يعلو علوا منكرا، والله ما يقوم له شيء، وقد رأيت رأيا ما أدري كيف رأيكم فيه قالوا: وما هو فقلت: رأيت أن نلحق بالنجاشي على حافتنا، فإن ظفر قومنا فنحن من قد عرفوا نرجع إليهم وإن يظهر عليهم محمد، فنكون تحت يد النجاشي أحب إلينا من أن نكون تحت يدي [ (9) ] محمد فقالوا: قد أصبت قلت:

فابتاعوا له هدايا، وكان من أعجب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا أدما كثيرا وخرجنا حتى قدمنا عليه فوافقنا عنده عمرو بن أمية الضمري، قد بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي في أمر جعفر وأصحابه فلما رأيته قلت لصاحبي:

هذا رسول محمد لو قد أدخلت هداياه سألته أن يعطينيه، فأضرب عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد فلما دخلت عليه قال: مرحبا وأهلا بصديقي هل أهديت لي شيئا، فقلت: نعم فقربت إليه الهدايا، فلما تعجب لها وأخذها. قلت: أيها الملك إني قد رأيت رسول محمد دخل عليك وهو رجل قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا، فأعطنيه أضرب عنقه فغضب أشد غضب خلقه الله ثم رفع يده فضرب بها أنف نفسه [ (10) ] ظننت أنه قد كسره ولو انشقت لي الأرض دخلت فيها، فقلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره هذا لم أسألك [فقال] [ (11) ] تسئلني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر تقتله، فقلت: أيها الملك فإن ذلك لكذلك فقال نعم والله ويحك يا عمرو إني لك ناصح فاتبعه وأسلم معه فو الله ليظهرن هو ومن معه على من خالفهم، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أيها الملك فبايعني أنت له على الإسلام، فقال: نعم فبسط يده فبايعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي فقالوا: ما وراءك فقلت خيرا فلما أمسيت جلست

على راحلتي فانطلقت وتركتهم فو الله إني لأهوي إذ لقيت خالد بن الوليد فقلت له: أين يا أبا سليمان؟ فقال: أذهب والله أسلم إنه والله استقام المنسم [ (12) ] إن الرجل لنبي ما أشك فيه فقلت وأنا والله ما جئت إلا لأني مسلم فقدقنا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فتقدم خالد فبايع ثم تقدمت

فقلت يا رسول الله أبايعك على أن يغفر ما تقدم من ذنبي ولم أذكر ما تأخر فقال لي: يا عمرو بايع فإن الإسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها [ (13) ] .

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت لكتاب دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للإمام البيهقي (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.