أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني قال: حدثنا الحسن بن الجهم قال: حدثنا الحسين بن الفرج، قال: حدثنا الواقدي، قال: وغزوة الرجيع كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا.
والرجيع على سبعة أميال من عسفان.
قال الواقدي: فحدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحاب الرجيع عيونا إلى مكة ليخبروه [خبر قريش، فسلكوا على النجدية، حتى كانوا بالرجيع فاعترضت لهم بنو لحيان] [ (2) ] .
أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن إبراهيم الإسماعيلي قال: أخبرني الهيثم الدوري وحدثنا المنيعي قال:
حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدثنا إبراهيم بن سعد (ح) .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل ابن محمد البيهقي، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله المديني، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي- حليف لبني زهرة- وكان من أصحاب أبي هريرة، أن أبا هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة [رهط] [ (3) ] عينا وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكة، ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه، فقالوا: نوى يثرب فاتبعوا آثارهم، فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا، فقال عاصم بن ثابت، وهو أمير القوم: أما أنا فو الله لا أنزل في ذمة مشرك [ (4) ] ، اللهم أخبر عنا نبيك صلى الله عليه وسلم فرموهم بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة من أصحابه، ونزل إليهم ثلاثة على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة، ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى، فجروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم، فقتلوه.
وانطلقوا بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باغوهما بمكة بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف: خبيبا، وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر بن نوفل يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا، حتى أجمعوا على قتله، فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحد بها للقتل فأعارته،
فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك، فقالت: والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يأكل قطفا من عنب وإنه لموثق بالحديد، وما بمكة من ثمرة، فكانت تقول: إنه لرزق رزقه الله خبيبا، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحد قال لهم خبيب: دعوني أركع [ (5) ] ركعتين، فتركوه فركع ركعتين ثم قال: والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزعا من القتل لزدت، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا.
فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي جنب كان والله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشاء ... يبارك في أوصال شلو ممزع
ثم قام إليه أبو سروعة: عقبة بن الحارث، فقتله، وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبرا: الصلاة، واستجاب الله لعاصم يوم أصيب، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أصيبوا خبرهم، وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا منه بشيء يعرف، وكان قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله- عز وجل- على عاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا منه شيئا.
رواه البخاري في الصحيح، عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد [ (6) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو جعفر البغدادي، قال:
حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة، قال حدثنا أبو الأسود، عن عروة بن الزبير (ح) .
وأخبرنا أبو الحسين بن القطان، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب، قال:
حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس، قال:
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة قالا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخا بني عمرو بن عوف، ومرثد بن أبي مرثد في أصحاب لهما، منهم: خبيب بن عدي أخو بني جحجبا وزيد بن الدثنة أخو بياضة عينا إلى مكة يتخبرون خبر قريش، فسلكوا النجدية حتى إذا كانوا بالرجيع، فذكر قصة من قتل منهم ومن أسر ثم قيل بنحو مما روينا فيه حديث أبي هريرة يزيدان وينقصان، فما زاد عروة قول خبيب اللهم إني لا أنظر إلا في وجه عدو، اللهم إني لا أجد رسولا إلى رسولك صلى الله عليه وسلم فبلغه عني السلام، فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ذلك [ (7) ] .
وفي رواية موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو جالس في ذلك اليوم الذي قتلا فيه: وعليكما أو عليك السلام خبيب قتلته قريش ولا أدري أذكر زيد بن الدثنة معه أم لا، قال: وزعموا أنهم رموا ابن الدثنة بالنبل وأرادوا فتنته، فلم يزدد إلا إيمانا وتثبيتا.
وزاد عروة وموسى جميعا أنهم لما رفعوا خبيبا على الخشبة نادوه يناشدوه أتحب أن محمدا مكانك؟ قال: لا والله العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة
يشاكها في قدميه فضحكوا منه وزاد أبياتا قالها ونحن نذكرها في رواية ابن إسحاق إن شاء الله [ (8) ] .
قال موسى بن عقبة: ويقال كان أصحاب الرجيع ستة نفر، منهم:
عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، وخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة البياضي، وعبد الله بن طارق حليف لبني ظفر، وخالد بن البكير الليثي، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة بن عبد المطلب، وكان من شأنهم أن نفرا من عضل والقارة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن فينا مسلمين فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم حتى نزلوا بالرجيع استصرخوا عليهم هذيلا فلم يرع القوم إلا والقوم مصلتون عليهم بالسيوف وهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، فقالت هذيل: إنا لا نريد قتالكم، فأعطوهم عهدا وميثاقا لا يريبونهم، فاستسلم لهم خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق، ولم يستسلم عاصم بن ثابت، ولا خالد بن البكير، ولا مرثد بن أبي مرثد، ولكن قاتلوهم حتى قتلوا، وخرجت هذيل بالثلاثة الذين استلموا لهم حتى إذا كانوا [بمر] [ (9) ] بالظهران [ (10) ] نزع عبد الله بن طارق يده من قرانه [ (11) ] ثم أخذ سيفا فرموه بالحجارة حتى قتلوه، وقدموا بخبيب بن عدي، وزيد بن الدثنة مكة، فأما خبيب فابتاعه آل حجير بن أبي إهاب فقتلوه بالحارث بن عامر وابتاع صفوان بن أمية: زيد بن الدثنة فقتله بأبيه، قتله نسطاس مولاه قال: وزعموا أن عمرو بن أمية دفن خبيبا [ (12) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، قال: حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة: أن نفرا من عضل والقارة، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بعد أحد، فقالوا: إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرؤننا القرآن، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم خبيب بن عدي، فذكرهم، وذكر قصتهم بمعنى ما ذكره موسى بن عقبة آخرا، وزاد، قال: وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن الشهيد، وقد كانت نذرت حين أصيب ابناها بأحد: لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعتهم الدبر [ (13) ] فلما حالت بينهم وبينه، قالوا: دعوه حتى يمس فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما، فذهب به وقد كان عاصم أعطى الله عهدا لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته، قال ابن إسحاق: فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: يحفظ الله عز وجل المؤمن فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منهم في حياته [ (14) ] .
وبإسناده عن ابن إسحاق، قال: وقال خبيب عند صلب المشركين إياه:
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا ... قبائلهم واستجمعوا كل مجمع [ (15) ]
وكلهم مبدي العداوة جاهد ... علي لأني في وثاق مضيع [ (16) ]
وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم ... وقربت من جذع طويل ممنع
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي ... وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي [ (17) ]
فذا العرش صبرني على ما يراد بي ... فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي [ (18) ]
وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزع [ (19) ]
وقد خيروني الكفر والموت دونه ... وقد هملت عيناي من غير مجزع [ (20) ]
وما بي حذار الموت إني لميت ... ولكن حذاري جحم نار ملفع [ (21) ]
فو الله ما أرجو إذا مت مسلما ... على أي جنب كان في الله مصرعي [ (22) ]
فلست بمبد للعدو تخشعا ... ولا جزعا إني إلى الله مرجعي [ (23) ]
قال: وجعل عاصم يحمل عليهم ويزمجر، وهو يقول [ (24) ] :
ما علتي وأنا جلد نابل ... والقوس فيها وتر عنابل [ (25) ]
تزل عن صفحتها المعابل ... الموت حق والحياة باطل [ (26) ]
وكل ما حم الإله نازل ... بالمرء والمرء إليه آئل [ (27) ]
إن لم أقاتلكم فأمي هابل [ (28) ]
وزاد موسى بن عقبة:
ترأس القوم ولا يقاتل.
ثم ذكر ابن إسحاق وموسى بن عقبة أبياتا قالها حسان بن ثابت في حديثهم وفيها كثرة [ (29) ] .
وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن إسحاق، قال: حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، قال: حدثنا أحمد ابن عيسى قال: حدثنا عبد الله بن وهب، قال: حدثنا عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن عبد الله الزهري أخبره، عن بريدة بن سفيان الأسلمي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عاصم بن ثابت إلى بني لحيان بالرجيع، فذكر قصتهم وذكر فيها فأرادوا ليحتزوا رأسه ليذهبوا به إليها، فبعث الله عز وجل رجلا من دبر فحمته، فلم يستطيعوا أن يحتزوا رأسه.
وذكر في شأن خبيب بن عدي أنه قال: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك [ (30) ] عني السلام، فبلغ رسولك مني السلام، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حينئذ:
وعليه السلام، قال أصحابه: يا نبي الله! من؟ قال: أخوكم خبيب بن عدي يقتل، فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء،
قال رجل: فلما رأيته يدعوا ألبدت بالأرض، فلم يحل الحول ومنهم أحد غير ذلك الرجل الذي ألبد بالأرض.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح، عن ماوية مولاة جحير بن أبي إهاب قالت: حبس خبيب بمكة في بيتي فلقد اطلعت عليه يوما وإن في يده لقطفا من عنب أعظم من رأسه يأكل منه، وما في الأرض يومئذ حبة عنب [ (31) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا أحمد، قال: حدثنا يونس، عن إبراهيم بن إسماعيل، قال: حدثنا جعفر بن عمرو بن
أمية الضمري: أن أباه حدثه عن جده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه عينا وحده، وقال: جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون، فأطلقته، فوقع بالأرض، ثم اقتحمت فانتبذت قليلا، ثم التفت فكأنما ابتلعته الأرض [ (32) ] .
وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق قال: أخبرنا عبد الله بن يعقوب، قال:
حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا جعفر بن عون، عن إبراهيم بن إسماعيل، فذكره بمعناه إلا أنه قال: فانتبذت غير بعيد فلم أر خبيبا فكأنما ابتلعته الأرض، فلم يذكر لخبيب رمة حتى الساعة [ (33) ] .
