أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عمرو بن خالد، عن ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، قال: «ومكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يأخذوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فإما أن يقتلوه، وإما أن يحبسوه، وإما أن يخرجوه، وإما أن يوثقوه، فأخبره الله عز وجل بمكرهم:
وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [ (2) ] .
فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر من تحت الليل قبل الغار بثور، وعمد علي رضي الله عنه فرقد على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يواري عنه العيون» .
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال:
أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة.
(ح) ، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال:
حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري، وهذا لفظ حديث إسماعيل، قال: «ومكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفر، ثم إن مشركي قريش اجتمعوا أن يقتلوه أو يخرجوه حين ظنوا أنه خارج، وعلموا أن الله عز وجل قد جعل له مأوى ومنعة ولأصحابه، وبلغهم إسلام من أسلم، ورأوا من يخرج إليهم من المهاجرين، فأجمعوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو يثبتوه فقال الله عز وجل: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، وبلغه صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك اليوم الذي أتى فيه أبا بكر أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر في جوف الليل قبل الغار غار ثور، وهو الغار الذي ذكر الله عز وجل في الكتاب، وعمد علي بن أبي طالب فرقد على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يواري عنه، وباتت قريش يختلفون ويأتمرون:
أيهم يجثم على صاحب الفراش فيوثقه، فكان ذلك أمرهم حتى أصبحوا، فإذا هم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، فسألوه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرهم أنه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنه قد خرج فارا منهم، فركبوا في كل وجه يطلبونه» .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن
ابن إسحاق، قال: «فلما أيقنت قريش أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قد بويع، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان بمكة من أصحابه أن يلحقوا بإخوانهم بالمدينة تآمروا فيما بينهم، فقالوا: الآن فأجمعوا في أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فو الله لكأنه قد كر عليكم بالرجال فأثبتوه أو اقتلوه أو أخرجوه، فاجتمعوا له في دار الندوة ليقتلوه فلما دخلوا الدار اعترضهم الشيطان في صورة رجل جميل في بت له والبت:
الكساء [ (3) ] فقال: أدخل، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل نجد سمع بالذي اجتمعتم له، فأراد أن يحضره معكم، فعسى أن لا يعدمكم منه رأي ونصح، فقالوا: أجل فادخل.
فلما دخل قال بعضهم لبعض قد كان من الأمر ما قد علمتم فأجمعوا في هذا الرجل رأيا واحدا، وكان ممن اجتمع له في دار الندوة: شيبة وعتبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والنضر بن الحارث، فقال قائل منهم أرى أن تحبسوه وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء:
زهير بن أبي سلمى، والنابغة، وغيرهما.
فقال النجدي: والله ما هذا لكم برأي، والله لئن فعلتم ليخرج رأيه وحديثه حيث حبستموه إلى من وراءه من أصحابه، فأوشك أن ينتزعوه من أيديكم، ثم يغلبوكم على ما في أيديكم من أمركم، فقال قائل منهم: بل نخرجه فننفيه من بلادنا، فإذا غيب عنا وجهه وحديثه فو الله ما نبالي أين وقع من البلاد، ولئن كان أجمعنا بعد ذلك أمرنا وأصلحنا ذات بيننا، قال النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، أما رأيتم حلاوة منطقه وحسن حديثه وغلبته على من يلقاه دون من خالفه، والله لكأني به إن فعلتم ذلك قد دخل على قبيلة من قبائل
العرب، فأصفقت معه على رأيه، ثم سار بهم إليكم، حتى يطأكم بهم، فلا والله ما هذا لكم برأي.
قال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه! قالوا: وما هو؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش غلاما نهدا جلدا نسيبا وسيطا، ثم تعطوهم شفارا صارمة ثم يجتمعوا فيضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه في القبائل، فلم تدر عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، ولم يقووا على حرب قومهم، فإنما أقصرهم عند ذلك أن يأخذوا العقل فتدونه لهم [ (4) ] .
قال النجدي لله در الفتى هذا الرأي وإلا فلا شيء [ (5) ] .
فتفرقوا على ذلك واجتمعوا له وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخبر، وأمر أن لا ينام على فراشه تلك الليلة، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان يبيت، وبيت عليا في مضجعه» [ (6) ] .
وفيما ذكر أبو عبد الله الحافظ: أن محمد بن إسماعيل المقرئ، حدثه قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد: أبو عثمان، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن
عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي عن زاذان مولى أم هاني، عن عبد الله بن عباس «أن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا، فذكر معنى هذه القصة إلى أن قال: فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن الله عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة في الأنفال يذكر نعمته عليه وبلاءه عنده: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [ (7) ] . وأنزل في قوله تربصوا حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون [ (8) ] .
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس، عن ابن إسحاق، قال: «وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتظر أمر الله حتى إذا اجتمعت قريش
فمكرت به وأرادوا به ما أرادوا أتاه جبريل عليه السلام، فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، ويتسجى ببرد له أخضر ففعل، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على القوم وهم على بابه وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذرها على رؤوسهم، وأخذ الله عز وجل بأبصارهم عن نبيه وهو يقرأ: يس والقرآن الحكيم- إلى قوله- فأغشيناهم [ (9) ] فهم لا يبصرون [ (10) ] وروي عن عكرمة ما يؤكد هذا.
