بلغت حياة النبي صلى الله عليه وسلم من السمو غاية ما يستطيع انسان ان يبلغ، وكانت حياته قبل الرسالة مضرب المثل في الصدق والكرامة والأمانة، كما كانت بعد الرسالة كلها تضحية، وصبر، وجهاد في سبيل الله، تضحية استهدفت حياته للموت مرات، ولولا صدق محمد في تبليغ رسالة ربه، وإيمانه بما ابتعثه الله به ويقينه المطلق برسالته، لرأينا الحياة على كر الدهور تنفي مما قال شيئا.
عن ابن عباس قال: لما أنزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الصفا فقال: «يا معشر قريش» فقالت قريش: محمد على الصفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا فقالوا: مالك يا محمد؟ قال:
«أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل، أكنتم تصدقوني» ؟
قالوا: نعم، أنت عندنا غير متهم، وما جربنا عليك كذبا قط. قال:
«فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، يا بني عبد المطلب، يا بني عبد مناف، يا بني زهرة، حتى عدد الأفخاذ من قريش:
«إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين. وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا، إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله» .
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين أنزل الله عز وجل: وأنذر عشيرتك الأقربين. قال: يا معشر قريش، أو كلمة نحوها، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» .
تتحدث كتب السيرة عن سعي قريش إلى أبي طالب، لينهى محمدا صلى الله عليه وسلم عن الاستمرار في الدعوة.
ولما التقى القرشيون به، قالوا: يا أبا طالب، ان ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه- فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه- فنكفيكه؟ قال لهم أبو طالب، قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما هو عليه: «يظهر دين الله، ويدعو اليه.
ثم شرى الأمر بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال، وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها، فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه، ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا. وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله، لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو تنازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له. ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه.
فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبق علي، وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.
فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه قد بدا لعمه فيه فدو، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عم، والله، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر- حتى يظهره الله أو أهلك فيه- ما تركته» .
قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكى، ثم قام. فلما ولى، ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يا ابن أخي، قال: فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال:
اذهب يا ابن أخي، فقل ما أحببت، فو الله، لا أسلمك لشيء أبدا.
