فيمن يقبل خبره</span>
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي [ (75) ] ، رحمه الله:
ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها:
أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عاقلا لما يحدث به، عالما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ.
وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدث به على المعنى، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه- لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام، وإذا أداه [ (76) ] بحروفه لم يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث.
حافظا إن حدث [به] [ (77) ] من حفظه، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم.
بريا من أن يكون مدلسا: يحدث عمن لقي ما لم يسمع منه، أو يحدث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، مما يحدث الثقات خلافه.
ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، أو إلى من انتهي به إليه دونه، لان كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت على من حدث عنه.
قال [ (78) ] : ومن كثر غلطه من المحدثين، ولم يكن له أصل كتاب صحيح- لم يقبل حديثه. كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تقبل شهادته.
قال الشيخ: وأسامى من وجدت فيه هذه الشرائط، ومن قصر عنهم ومن رمي بالكذب في الحديث، واتهم بالوضع- مكتوبة في التواريخ، معلومة عند أهل العلم بها.
قال الشافعي: ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه إلا في الخاص القليل من الحديث.
وهذا الذي استثناه الشافعي لا يقف عليه إلا الحذاق من أهل الحفظ، فقد يزل الصدوق فيما يكتبه فيدخل له حديث في حديث، فيصير حديث روي بإسناد ضعيف مركبا على إسناد صحيح.
وقد يزل القلم، ويخطئ السمع ويخون الحفظ، فيروي الشاذ من الحديث عن غير قصد، فيعرفه أهل الصنعة الذين قيضهم الله تعالى لحفظ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، على عباده بكثرة سماعه وطول مجالسته أهل العلم به ومذاكرته إياهم.
وهو كما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني دعلج بن أحمد، حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا «نعيم بن حماد» قال: قلت «لعبد الرحمن بن مهدي» [ (79) ] : كيف تعرف صحيح الحديث من خطائه؟ قال: كما يعرف الطبيب المجنون.
وأخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني، قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا محمد بن عبد الله بن جنيد، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، قال: سمعت علي بن عبد الله [ (80) ] ، يقول:
جاء رجل إلى «عبد الرحمن بن مهدي» فقال: يا أبا سعيد، إنك تقول للشيء هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعم تقول ذلك؟.
قال عبد الرحمن: أرأيت لو أتيت الناقد فأريته دراهمك، فقال. هذا جيد وهذا ستوق وهذا بهرج، أكنت تسأل عم ذلك؟ أو كنت تسلم للأمر؟
قال: بل كنت أسلم الأمر إليه. قال: فهذا كذلك، لطول المجالسة، أو المناظرة، والخبرة [ (81) ] .
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا يحيى بن منصور القاضي، حدثنا محمد بن عمرو بن العلاء الجرجاني، حدثنا «يحيى بن معين» ، قال:
لولا الجهابذة لكثرت الستوقة والزيوف في رواية الشريعة، فمتى أحببت فهلم ما سمعت حتى أعزل لك منه نقد بيت المال، أما تحفظ قول شريح: إن للأثر جهابذة كجهابذة الورق.
