أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس:
محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا أبو عبد الله:
محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، قال:
[] د وضع الله رسوله صلى الله عليه وسلم، من دينه وفرضه وكتابه الموضع الذي أبان جل ثناؤه [] جعله علما لدينه، بما افترض من طاعته وحرم من معصيته، وأبان من فضيلته بما قرن بين [ (49) ] الإيمان برسوله مع الإيمان به، فقال: فآمنوا بالله ورسوله [ (50) ] وقال: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله [ (51) ] فجعل كمال ابتداء الإيمان الذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ثم برسوله.
قال الشافعي: «أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن «مجاهد» في قوله عز وجل: ورفعنا لك ذكرك [ (52) ] قال: «لا أذكر إلا ذكرت: أشهد أن
لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله» [ (53) ] .
قال الشافعي: وفرض الله على الناس اتباع وحيه وسنن رسوله فقال في كتابه: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ (54) ] مع آي سواها ذكر فيهن الكتاب والحكمة [ (55) ] .
قال الشافعي: فذكر الله الكتاب وهو: القرآن، وذكر الحكمة: فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم [ (56) ] .
وقال: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [ (57) ] فقال بعض أهل العلم:
أولوا الأمر: أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن تنازعتم في شيء يعني اختلفتم في شيء. يعني- والله أعلم- هم وأمراؤهم الذين أمروا بطاعتهم فردوه إلى الله والرسول يعني- والله أعلم- إلى ما قاله الله والرسول.
ثم ساق الكلام إلى أن قال: فأعلمهم أن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم طاعته، فقال: فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ (58) ] .
واحتج أيضا في فرض اتباع أمره بقوله عز وجل: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا. قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ (59) ] .
وقال: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ (60) ] وغيرها من الآيات التي دلت على اتباع أمره، ولزوم طاعته.
قال الشافعي: وكان فرضه- جل ثناؤه- على من عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بعده إلى يوم القيامة- واحدا، من أن على كل طاعته ولم يكن أحد غاب عن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا بالخبر عنه.
والخبر عنه خبران:
خبر عامة، عن عامة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمل ما فرض الله سبحانه على العباد أن يأتوا به بألسنتهم وأفعالهم، ويؤتوه من أنفسهم وأموالهم. وهذا ما لا يسع جهله وما يكاد أهل العلم والعوام أن يستووا فيه، لأن كلا كلفه، كعدد الصلاة وصوم شهر رمضان وحج البيت وتحريم الفواحش، وأن لله عليهم حقا في أموالهم. وما كان في معنى هذا.
وخبر خاصة في خاص الأحكام لم يأت أكثره كما جاء الأول لم يكلفه العامة، وكلف علم ذلك من فيه الكفاية للقيام به دون العامة. وهذا مثل ما يكون منهم في الصلاة من سهو يجب به سجود أو لا يجب، وما يفسد الحج أو لا يفسده، وما تجب به الفدية وما لا تجب مما يفعله وغير ذلك. وهو الذي على العلماء فيه عندنا قبول خبر الصادق على صدقه، لا يسعهم رده بفرض الله طاعة نبيه.
قال الشيخ الإمام، رحمه الله، ونور قبره:
ولولا ثبوت الحجة بالخبر- لما
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة- بعد تعليم من شهد أمر دينهم-: ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع [ (61) ] .
وأخبرنا أبو الحسين: محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا- هريم بن سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نضر الله امرأ سمع منا حديثا فأداه كما سمعه، ورب مبلغ أوعى من سامع» [ (62) ] .
قال الشافعي: فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته وأدائها امرءا يؤديها- والإمرء [ (63) ] واحد- دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم الحجة به
على من أدى إليه [ (64) ] .
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، في آخرين، قالوا: أخبرنا أبو العباس، حدثنا الربيع، حدثنا الشافعي، حدثنا سفيان بن عيينة قال: أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه، قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه، يقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» [ (65) ] .
قال سفيان: وأخبرني ابن المنكدر مرسلا، عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
قال الشيخ: وروينا في حديث المقدام بن معد يكرب: أن النبي صلى الله عليه وسلم، حرم أشياء يوم خيبر، منها الحمار الأهلي [ (66) ] وغيره [ (67) ] . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني
وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله عز وجل» [ (68) ] .
وهذا خبر من رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يكون بعده من رد المبتدعة حديثه فوجد تصديقه فيما بعده:
أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أخبرنا أبو بكر القطان، حدثنا أبو الأزهر حدثنا محمد بن عالية الأنصاري، قال: حدثني صرد بن أبي المنازل، قال: سمعت شبيب بن أبي فضالة المالكي، قال:
لما بني هذا المسجد- مسجد الجامع- إذا «عمران بن حصين» جالس، فذكروا عند عمران الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا النجيد، إنكم لتحدثوننا بأحاديث لم نجد لها أصلا في القرآن؟ قال: فغضب عمران وقال لرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: فهل وجدت صلاة العشاء أربعا، ووجدت المغرب ثلاثا، والغداة ركعتين، والظهر أربعا، والعصر أربعا؟! قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا الشأن؟ ألستم عنا أخذتموه، وأخذنا عن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، ووجدتم في كل أربعين درهما درهما، وفي كل كذا شاة، وفي كل كذا بعيرا كذا؟ أوجدتم في القرآن هذا؟ قال: لا. قال: فعمن أخذتم هذا؟ أخذناه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخذتموه عنا.
وقال: وجدتم في القرآن: وليطوفوا بالبيت العتيق [ (69) ] أوجدتم:
فطوفوا سبعا، واركعوا ركعتين من خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟
فعمن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا، وأخذناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذتموه عنا؟ قالوا: بلى.
قال: أوجدتم في القرآن لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام؟
أوجدتم هذا في القرآن؟ قالوا: لا،
قال عمران: فإني سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول: «لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام» [ (70) ] .
قال: سمعتم الله تعالى قال في كتابه: وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ (71) ] قال عمران: فقد أخذنا عن نبي الله، صلى الله عليه وسلم أشياء ليس لكم بها علم.
قال: ثم ذكر الشفاعة، فقال: هل سمعتم الله تعالى يقول لأقوام: ما سلككم في سقر قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين [ (72) ] قال شبيب: فأنا سمعت عمران يقول: الشفاعة نافعة دون ما تسمعون.
قال الشيخ: والحديث الذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل [ (73) ] لا يصح، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان، فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن.
والحجج في تثبيت الخبر الواحد كثيرة، وهي في كتبي المبسوطة مدونة.
وفيما احتج به الشافعي في تثبيته ما انتشر واشتهر من بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم عماله واحدا واحدا، ورسله واحدا واحدا، وإنما بعث عماله ليخبروا الناس بما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرائع دينهم، ويأخذوا منهم ما أوجب الله عليهم، ويعطوهم ما لهم، ويقيموا عليهم الحدود، وينفذوا فيهم الأحكام.
ولو لم تقم الحجة عليهم بهم- إذ كانوا من كل ناحية وجهوهم إليها، أهل صدق عندهم- ما بعثهم إن شاء الله.
وساق الكلام في بعث أبي بكر، رضي الله عنه، واليا على الحج، وبعث علي، رضي الله عنه، بأول سورة براءة، وبعث معاذ، رضي الله عنه، إلى اليمن.
وبسط الكلام فيه [ (74) ] ، ثم قال:
فإن زعم- يعني من رد الحديث- أن «من جاءه معاذ» وأمراء سراياه محجوج بخبرهم، فقد زعم أن الحجة تقوم بخبر الواحد.
وإن زعم أن لم تقم عليهم الحجة فقد أعظم القول.
وإن قال: لم يكن هذا أنكر خبر العامة عمن وصفت، وصار إلى طرح خبر الخاصة والعامة.
