الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
51

ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة

الجزء التاسع 5 عنصر صفحة 312
ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة ص 312

فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام. وفيها بعث مروان بن محمد- وهو مروان الحمار- وهو على إرمينية بعثين ففتح حصونا من بلاد اللان، ونزل كثير منهم على الإيمان: وفيها عزل هشام عاصم بن عبد الله الهلالي الذي ولاه في السنة قبلها خراسان مكان الجنيد، فعزله عنها وضمها إلى عبد الله بن خالد القسري مع العراق معادة إليه جريا على ما سبق له من العادة، وكان ذلك عن كتاب عاصم بن عبد الله الهلالي المعزول عنها، وذلك أنه كتب إلى أمير المؤمنين هشام: إن ولاية خراسان لا تصلح إلا مع ولاية العراق، رجاء أن يضيفها إليه، فانعكس الأمر عليه فأجابه هشام إلى ذلك قبولا إلى نصيحته، وأضافها إلى خالد القسري.

قتادة بن دعامة السدوسي ص 312

أبو الخطاب البصري الأعمى، أحد علماء التابعين، والأئمة العاملين، روى عن أنس بن مالك وجماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، والبصري، وأبو العالية، وزرارة بن أوفى، وعطاء ومجاهد، ومحمد بن سيرين، ومسروق، وأبو مجلز وغيرهم، وحدث عنه جماعات من الكبار كأيوب وحماد بن مسلمة، وحميد الطويل، وسعيد بن أبي عروبة، والأعمش، وشعبة، والأوزاعي، ومسعر، ومعمر، وهمام. قال ابن المسيب: ما جاءني عراقي أفضل منه. وقال بكر المزني: ما رأيت أحفظ منه. وقال محمد بن سيرين: هو من أحفظ الناس، وقال مطر: كان قتادة إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل حتى يحفظه، وقال الزهري: هو أعلم من مكحول. وقال معمر: ما رأيت أفقه من الزهري وحماد وقتادة. وقال قتادة: ما سمعت شيئا إلا وعاه قلبي. وقال أحمد بن حنبل: هو أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئا إلا حفظه. وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها. وذكر يوما فأثنى على علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك، وقال أبو حاتم: كانت وفاته بواسط

في الطاعون- يعني في هذه السنة- وعمره ست أو سبع وخمسون سنة.

[قال قتادة: من وثق بالله كان الله معه، ومن يكن الله معه تكن معه الفئة التي لا تغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، والعالم الذي لا ينسى. وقال. في الجنة كوة إلى النار فيقولون: ما بال الأشقياء دخلوا النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم، فقالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر، وننهاكم ولا ننتهي. وقال: باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح دينه وصلاح الناس، أفضل من عبادة حول كامل. وقال قتادة: لو كان يكتفى من العلم بشيء لا كتفي موسى عليه السلام بما عنده، ولكنه طلب الزيادة] [1] وفيها توفي: أبو الحباب سعيد بن يسار والأعرج، وابن أبي مليكة، وعبد الله بن أبى زكريا الخزاعي، وميمون بن مهران بن موسى بن وردان

فصل ص 313

فأما سعيد بن يسار فكان من العباد الزهاد، روى عن جماعة من الصحابة، وكذلك الأعرج وابن أبى مليكة. وأما ميمون بن مهران فهو من أجلاء علماء التابعين وزهادهم وعبادهم وأئمتهم. كان ميمون إمام أهل الجزيرة. روى الطبراني عنه أنه قيل له: مالك لا يفارقك أخ لك عن قلى؟ قال:

لأني لا أماريه ولا أشاريه. قال عمر بن ميمون: ما كان أبى يكثر الصلاة ولا الصيام، ولكن كان يكره أن يعصى الله عز وجل. وروى ابن أبى عدي عن يونس عنه قال: لا تمارين عالما ولا جاهلا، فإنك إن ماريت عالما خزن عنك علمه، وإن ماريت جاهلا خشن بصدرك. وقال عمر بن ميمون:

خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررنا بجدول فلم يستطع الشيخ أن يتخطاه، فاضطجعت له فمر على ظهري، ثم قمت فأخذت بيده. ثم دفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسية، فقالت: من هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن، فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قلت لها: نعم! قالت: يا شقي ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء؟:

قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا ثم دخلا، فقال ميمون: يا أبا سعيد! إني قد أنست من قلبي غلظة فاستكن لي منه، فقرأ الحسن: أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون. ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون 26: 205- 207 فسقط الشيخ مغشيا عليه، فرأيته يفحص برجليه كما تفحص الشاة إذا ذبحت، فأقام طويلا ثم جاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا، فأخذت بيد أبى فخرجت فقلت: يا أبت أهذا هو الحسن؟ قال: نعم. قلت: قد كنت أحسب في

نفسي أنه أكبر من هذا، قال: فوكز في صدري وكزة ثم قال: يا بنى لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لألفيت لها فيه كلوما.

وروى الطبراني عنه أنه قال: ما أحب أنى أعطيت درهما في لهو وأنى لي مكانه مائة ألف، أخشى أن تصيبني هذه الآية: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله 31: 6 الآية وقال جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فلما قمت قال عمر:

إذا ذهب هذا وأضرابه لم يبق من الناس إلا مجاجة وروى الامام أحمد عن معمر بن سليمان الرقى عن فرات بن سليمان عن ميمون بن مهران قال:

ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك إلى ذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك من هواه. وروى عبد الله بن أحمد عنه في قوله تعالى: إن جهنم كانت مرصادا 78: 21 وإن ربك لبالمرصاد 89: 14 فقال: التمسوا لهذين المرصادين جوازا. وفي قوله تعالى: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون 14: 42 فيها وعيد شديد للظالم، وتعزية للمظلوم. وقال: لو أن أهل القرآن صلحوا لصلح الناس. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا عيسى بن سالم الشاشي حدثنا أبو المليح قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: لا خير في الدنيا إلا رجلين، رجل تائب- أو قال: يتوب- من الخطيئات، ورجل يعمل في الدرجات، فلا خير في العيش والبقاء في الدنيا إلا لهذين الرجلين، رجل يعمل في الكفارات ورجل يعمل في الدرجات، وبقاء ما سواهما وبال عليه. وقال جعفر بن برقان: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن هذا القرآن قد خلق في صدور كثير من الناس فالتمسوا ما سواه من الأحاديث، وإن فيمن يتبع هذا العلم قوما يتخذونه بضاعة يلتمس بها الدنيا، ومنهم من يريد أن يمارى به، وخيرهم من يتعلمه ويطيع الله عز وجل به. وقال: من اتبع القرآن قاده القرآن حتى يحل به الجنة، ومن ترك القرآن لم يدعه القرآن يتبعه حتى يقذفه في النار.

وقال الإمام أحمد: حدثنا خالد بن حيان حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال:

لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال. وقال ميمون: من كان يريد أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر في عمله فإنه قادم عليه كائنا ما كان. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل:

حدثنا يحيى بن عثمان الحربي حدثنا أبو المليح عن ميمون بن مهران. قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلى فأخفى الصلاة فعاتبه، فقال: إني ذكرت ضيعة لي. فقال: أكبر الضيعة أضعته.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا جعفر بن محمد الدسعنى حدثنا أبو جعفر النفيلى حدثنا عثمان ابن عبد الرحمن عن طلحة بن زيد قال قال ميمون: لا تعرف الأمير ولا تعرف من يعرفه. وروى

عبد الله بن أحمد عنه أيضا قال: لأن أوتمن على بيت مال أحب إلى من أن أؤتمن على امرأة.

وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا هاشم بن الحارث حدثنا أبو المليح الرقى عن حبيب بن أبى مرزوق قال قال ميمون: وددت أن إحدى عيني ذهبت وبقيت الأخرى أتمتع بها، وأنى لم أل عملا قط.

قلت: ولا لعمر بن عبد العزيز؟ قال: ولا لعمر بن عبد العزيز، لا خير في العمل لا لعمر ولا لغيره.

وقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب حدثنا سفيان حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: ما عرضت قولي على عملي إلا وجدت من نفسي اعتراضا. وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود حدثنا على بن معبد حدثنا خالد بن حيان حدثنا جعفر عن ميمون قال: قال لي ميمون: قل لي في وجهي ما أكره، فان الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره. وروى عبد الله ابن أحمد عنه في قوله تعالى: خافضة رافعة 56: 3 قال: تخفض أقواما وترفع آخرين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني عيسى بن سالم حدثنا أبو المليح حدثنا بعض أصحابى قال: كنت أمشى مع ميمون فنظر فرأى علي ثوب كتان فقال: أما بلغك أنه لا يلبس الكتان إلا غنى أو غاو؟ وبهذا الاسناد سمعت ميمون بن مهران يقول: أول من مشت الرجال معه وهو راكب الأشعث بن قيس الكندي، ولقد أدركت السلف وهم إذا نظروا إلى رجل راكب ورجل يحضر معه، قالوا: قاتله جبار.

وقال عبد الله بن أحمد: بلغني عن عبد الله بن كريم بن حبان- وقد رأيته- حدثنا أبو المليح قال قال ميمون: ما أحب أن لي ما بين باب الرها إلى حوران بخمسة دراهم. وقال ميمون: يقول أحدهم: اجلس في بيتك وأغلق عليك بابك وانظر هل يأتيك رزقك؟ نعم والله لو كان له مثل يقين مريم وإبراهيم عليهما السلام، وأغلق عليه بابه، وأرخى عليه ستره، لجاءه رزقه. وقال: لو أن كل إنسان منا يتعاهد كسبه فلم يكسب إلا طيبا، فأخرج ما عليه، ما احتيج إلى الأغنياء، ولا احتاج الفقراء. وقال أبو المليح عن ميمون قال: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا كان إسقاط المكروه عنه أحب إلى من تخفيفه عليه، فان قال: لم أقل، كان قوله لم أقل أحب إلى من ثمانية يشهدون عليه، فان قال: قلت ولم يعتذر، أبغضته من حيث أحببته. وقال: سمعت ابن عباس يقول: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل، إن كان فوقى عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به. هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فان أرض الله واسعة.

وقال أبان بن أبى راشد القشيري: كنت إذا أردت الصائفة أتيت ميمون بن مهران أو دعه، فما يزيدني على كلمتين. اتق الله ولا يغرنك طمع ولا غضب. وقال أبو المليح عن ميمون قال: العلماء هم ضالتي في كل بلدة، وهم أحبتى في كل مصر، ووجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء. وقال في قوله

تعالى: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب 39: 10 قال: عزقا. وقال: لأن أتصدق بدرهم في حياتي أحب إلى من أن أتصدق بمائة درهم بعد موتى. وقال: كان يقال: الذكر ذكران، ذكر الله باللسان، وأفضل من ذلك أن تذكره عند ما أحل وحرم، وعند المعصية فتكف عنها وقد أشرفت.

وقال: ثلاث الكافر والمؤمن فيهن سواء، الأمانة تؤديها إلى من ائتمنك عليها من مسلم وكافر، وبر الوالدين وإن كانا كافرين، والعهد تفي به للمؤمن والكافر. وقال صفوان عن خلف بن حوشب عن ميمون قال: أدركت من لم يكن يملأ عينيه من السماء فرقا من ربه عز وجل.

وقال أحمد بن بزيغ: حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا هارون أبو محمد البربري أن عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها، فمكث حينا ثم كتب إلى عمر يستعفيه عن ذلك، وقال: كلفتني ما لا أطيق، أقضى بين الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق فكتب إليه عمر: أجب من الخراج الطيب، واقض بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إلي، فان الناس لو كان إذا كبر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا.

وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا كثير بن هشام حدثنا جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجليا مثل المرآة، ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره، وأما الذي يتتابع في الذنوب فإنه كلما أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من أين يأتيه. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن ثابت حدثنا جعفر عن ميمون قال: ما أقل أكياس الناس: ألا يبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس وإلى ما أدوا به، وإلى ما قد أكبوا عليه من الدنيا، فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر، لا هم لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر إلى نفسه فقال:

والله إني لأرانى من شرهم بعيرا واحدا. وبهذا الإسناد عنه: ما من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائر. وقال: لا تعذب المملوك ولا تضربه على كل ذنب، ولكن احفظ ذلك له، فإذا عصى الله عز وجل فعاقبه على معصية الله وذكره الذنوب التي أذنب بينك وبينه. وقال قتيبة: حدثنا جعفر بن برقان سمعت ميمون بن مهران يقول: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، حتى يعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، أمن حلال ذلك أم من حرام؟.

وقال أبو زرعة الدارمي: حدثنا سعيد بن حفص النفيلى حدثنا أبو المليح عن ميمون قال: الفاسق بمنزلة السبع فإذا كلمت فيه فخليت سبيله فقد خليت سبعا على المسلمين. وقال جعفر بن برقان:

قلت لميمون بن مهران: إن فلانا يستبطئ نفسه في زيارتك، قال: إذا ثبتت المودة في القلوب فلا

بأس وإن طال المكث. وقال أحمد: حدثنا ميمون الرقى حدثنا الحسن أبو المليح عن ميمون قال:

لا تجد غريما أهون عليك من بطنك أو ظهرك. وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن ميمون حدثنا الحسن عن حبيب بن أبى مرزوق قال: رأيت على ميمون جبة صوف تحت ثيابه فقلت له:

ما هذا؟ قال: نعم! فلا تخبر به أحدا. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني يحيى بن عثمان حدثنا أبو المليح عن ميمون قال: من أساء سرا فليتب سرا، ومن أساء علانية فليتب علانية، فان الله يغفر ولا يعير، وإن الناس يعيرون ولا يغفرون.

وقال جعفر قال ميمون: في المال ثلاث آفات، إن نجا صاحبه من واحدة لم ينج من اثنتين، وإن نجا من اثنتين كان قمينا أن لا ينجو من الثالثة، ينبغي أن يكون حلالا طيبا، فأيكم الذي يسلم كسبه فلم يدخله إلا طيبا؟ فان سلم من هذه فينبغي أن يؤدى الحقوق التي تلزمه في ماله، فان سلم من هذه فينبغي أن يكون في نفقته ليس بمسرف ولا مقتر. وقال: سمعت ميمونا يقول: أهون الصوم ترك الطعام والشراب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا يحيى بن عثمان الحربي حدثنا أبو المليح عن ميمون ابن مهران قال: ما نال رجل من جسيم الخير نبي أو غيره إلا بالصبر. وبهذا الاسناد قال: الدنيا حلوة خضرة قد حفت بالشهوات، والشيطان عدو حاضر، فيظن أن أمر الآخرة آجل، وأمر الدنيا عاجل.

وقال يونس بن عبيدة: كان طاعون قبل بلاد ميمون بن مهران، فكتبت إليه أسأله عن أهله، فكتب إلى: بلغني كتابك تسألنى عن أهلي، وانه مات من أهلي وخاصتي سبعة عشر إنسانا، وإني أكره البلاء إذا أقبل، فإذا أدبر لم يسرني أنه لم يكن، وأما أنت فعليك بكتاب الله، فان الناس قد بهتوا عنه- يعنى أيسوا- واختاروا الأحاديث، أحاديث الرجال، وإياك والمرائي في الدين. قال أبو عبيد في الغريب بهئوا به مهموزا، ومعناه: أنسوا به.

وقال عمر بن ميمون: كنت مع أبى ونحن نطوف بالكعبة فلقى أبى شيخ فعانقه، ومع الشيخ فتى نحو منى، فقال له أبى: من هذا؟ قال: ابني. فقال: كيف رضاك عنه؟ فقال: ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه، إلا واحدة. قال: وما هي؟ قال: أن يموت فأوجر فيه- أو قال فأحتسبه- ثم فارقه أبى، فقلت: من هذا الشيخ؟ فقال: مكحول. وقال: شر الناس العيابون، ولا يلبس الكتان إلا غنى أو غوى.

وروى الامام أحمد عنه قال: يا ابن آدم خفف عن ظهرك فان ظهرك لا يطيق كل هذا الذي يحمل، من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وغشم هذا، وكل هذا على ظهرك تحمله، فخفف عن ظهرك.

وقال: إن أعمالكم قليلة فأخلصوا هذا القليل. وقال: ما أتى قوم في ناديهم المنكر إلا حق هلاكهم.

وروى عبد الله بن أحمد عنه أنه قرأ وامتازوا اليوم أيها المجرمون 36: 59 ثم فارق حتى بكى، ثم قال:

ما سمع الخلائق بنعت قط أشد منه. وقال أبو عوانة: حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا خالد عن حصين بن عبد الرحمن عن ميمون قال: أربع لا تكلم فيهم: على، وعثمان، والقدر، والنجوم. وقال: احذروا كل هوى يسمى بغير الإسلام.

وروى شبابة عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون أعلى أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟

فارتعد حتى سقطت عصاه من يده ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى الى زمان يعدل بهما غيرهما، إنهما كانا رداءي الإسلام، ورأس الإسلام، ورأس الجماعة. فقلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أم على؟

فقال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم زمن بحيرا الراهب حين مر به، وكان أبو بكر هو الذي يختلف بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد على، وكان صاحبه وصديقه قبل ذلك. وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قل ما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال، أو أخ يوثق به» . وروى عن ابن عمر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شر المال في آخر الزمان المماليك» . وروى ابن أبى الدنيا عنه قال: من طلب مرضاة الاخوان بلا شيء فليصادق أهل القبور. وقال: من ظلم أحدا ففاته أن يخرج من مظلمته فاستغفر له دبر كل صلاة خرج من مظلمته. وهذا إن شاء الله يدخل فيه الأعراض والأموال وسائر المظالم. وقال ميمون: القاتل والآمر والمأمور والظالم والراضي بالظلم، كلهم في الوزر سواء. وقال: أفضل الصبر الصبر على ما تكره نفسك. من طاعة الله عز وجل.

روى ميمون عن جماعة من الصحابة، وكان يسكن الرقة، رحمه الله تعالى] [1]

نافع مولى ابن عمر ص 318

أبو عبد الله المدني أصله من بلاد المغرب، وقيل من نيسابور، وقيل من كابل، وقيل غير ذلك.

روى عن مولاه عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة، مثل رافع بن خديج، وأبي سعيد وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة وغيرهم: وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، وكان من الثقات النبلاء، والأئمة الأجلاء، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال غيره. كان عمر بن عبد العزيز قد بعثه إلى مصر يعلم الناس السنن، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه ومات في هذه السنة على المشهور] [2]

ذو الرمة الشاعر ص 318

واسمه غيلان بن عتبة بن بهيس، من بني عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، أبو الحارث أحد فحول الشعراء، وله ديوان مشهور، وكان يتغزل في مى بنت مقاتل بن طلبة بن قيس

ابن عاصم المنقري، وكانت جميلة، وكان هو دميم الخلق أسود اللون، ولم يكن بينهما فحش ولا خنا ولم يكن رآها قط ولا رأته، وإنما كانت تسمع به ويسمع بها، ويقال: إنها كانت تنذر إن هي رأته أن تذبح جزورا، فلما رأته قالت: وا سوأتاه وا سوأتاه، ولم تبد له وجهها قط إلا مرة واحدة، فأنشأ

يقول: على وجه مى لمحة من حلاوة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا

قال فانسلخت من ثيابها فقال:

ألم تر أن الماء يخبث طعمه ... وإن كان لون الماء أبيض صافيا

فقالت: تريد أن تذوق طعمه؟ فقال: إي والله، فقالت: تذوق الموت قبل أن تذوقه.

فأنشأ يقول:

فوا ضيعة الشعر الذي راح وانقضى ... بمي ولم أملك ضلال فؤاديا

قال ابن خلكان: ومن شعره السائر بين الناس ما أنشده:

إذا هبت الأرياح من نحو جانب ... به أهل مي هاج شوقي هبوبها

هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس أين حل حبيبها

وأنشد عند الموت:

يا قابض الأرواح في جسمي إذا احتضرت ... وغافر الذنب زحزحني عن النار

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.