الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
49

ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة

الجزء التاسع 3 عنصر صفحة 308
ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة ص 308

ففيها وقع طاعون بالشام، وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل وهو نائب الحرمين والطائف. والنواب في سائر البلاد هم المذكورون في التي قبلها والله أعلم.

أبو جعفر الباقر ص 308

وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن على، وهو تابعي جليل، كبير القدر كثيرا، أحد أعلام هذه الأمة علما وعملا وسيادة وشرفا، وهو أحد من تدعي فيه طائفة الشيعة أنه أحد الأئمة الاثني عشر، ولم يكن الرجل على طريقهم ولا على منوالهم، ولا يدين بما وقع في أذهانهم وأوهامهم وخيالهم، بل كان ممن يقدم أبا بكر وعمر، وذلك عنده صحيح في الأثر، وقال أيضا: ما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما رضى الله عنهما. وقد روى عن غير واحد من الصحابة، وحدث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم. فممن روى عنه ابنه جعفر الصادق، والحكم بن عتيبة، وربيعة، والأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، والأوزاعي والأعرج، وهو أسن منه، وابن جريج وعطاء وعمرو بن دينار والزهري.

وقال سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق قال: حدثني أبى وكان خير محمدي يومئذ على وجه الأرض، وقال العجلي: هو مدني تابعي ثقة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكانت وفاته في هذه السنة في قول وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها أو في التي هي بعدها وبعد بعدها والله أعلم.

وقد جاوز السبعين وقيل لم يجاوز الستين فالله أعلم.

فصل ص 308

أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبى طالب، كان أبوه على زين العابدين، وجده الحسين قتلا شهيدين بالعراق. وسمى الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم، كان ذاكرا خاشعا صابرا وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب عالى الحسب، وكان عارفا بالخطرات، كثير البكاء والعبرات معرضا عن الجدال والخصومات.

قال أبو بلال الأشعري: حدثنا محمد بن مروان عن ثابت عن محمد بن على بن الحسين في قوله تعالى: أولئك يجزون الغرفة بما صبروا 25: 75 قال: الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في الدنيا. وقال عبد السلام بن حرب عن زيد بن خيثمة عن أبى جعفر قال: الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن، ولا تصيب الذاكر. قلت: وقد روى نحو هذا عن ابن عباس قال: لو نزل من السماء صواعق عدد النجوم لم تصب الذاكر. وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن على: يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب. قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافى دين الله عز وجل شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركبا ركبته؟ أو ثوبا لبسته؟ أو امرأة أصبتها؟ يا جابر! إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الأبرار. إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله، قطعوا لمحبة ربهم عز وجل، ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم، وتوحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم، وعلموا أن ذلك من أمر خالقهم، فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه، وكماء أصبته في منامك فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شيء، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته. وقال خالد بن يزيد: سمعت محمد بن على يقول: قال عمر بن الخطاب: إذا رأيتم القارئ يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا، وإذا رأيتموه يلزم السلطان فهو لص. وكان أبو جعفر يصلى كل يوم وليلة بالمكتوبة. وروى ابن أبى الدنيا عنه قال: سلاح اللئام قبيح الكلام. وروى أبو الأحوص عن منصور عنه قال: لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان. وقال لابنه: إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل خبيثة، إنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق. وقال: أشد الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال. وقال خلف بن حوشب: قال أبو جعفر: الايمان ثابت في القلب، واليقين خطرات، فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد، ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية، وما دخل قلب عبد شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدره أو أكثر منه. وقال لجابر الجعفي: ما يقول فقهاء العراق في قوله تعالى: لولا أن رأى برهان ربه 12: 24؟ قال: رأى يعقوب عاضا على إبهامه. فقال: لا! حدثني أبى عن جدي على بن أبى طالب أن البرهان الذي رآه أنها حين همت به وهم بها أي طمع فيها، قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض خشية أن يراها، أو استحياء منه. فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت إلهي أستحى

منه أن يراني على هذه الصورة. فقال يوسف: تستحين من صنم لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، أفلا أستحى أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: والله لا تنالين منى أبدا. فهو البرهان. وقال بشر بن الحارث الحافى: سمعت سفيان الثوري يقول: سمعت منصورا يقول: سمعت محمد بن على يقول: الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أوطناه. وقال: إن الله يلقى في قلوب شيعتنا الرعب، فإذا قام قائمنا، وظهر مهديننا كان الرجل منهم أجرأ من ليث وأمضى من سيف. وقال: شيعتنا من أطاع الله عز وجل واتقاه. وقال: إياكم والخصومة فإنها تفسد القلب، وتورث النفاق، وقال: الذين يخوضون في آيات الله هم أصحاب الخصومات. وقال عروة بن عبد الله: سألت أبا جعفر محمد بن على عن حلية السيف فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. قال: قلت: وتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة. وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن على: يا جابر! بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر ويزعمون أنى أمرتهم بذلك، فأبلغهم عنى أنى إلى الله منهم بريء، والذي نفس محمد بيده- يعنى نفسه- لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم، لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم إن لم أكن أستغفر لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما وسابقتهما، فأبلغهم أنى بريء منهم وممن تبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وقال: من لم يعرف فضل أبى بكر وعمر فقد جهل السنة. وقال في قوله تعالى: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا 5: 55 الآية، قال: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال: قلت: يقولون: هو على قال: على من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبى جعفر محمد بن على، قال: رأيت الحكم عنده كأنه متعلم، وقال: كان لي أخ في عيني عظيم، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وقال جعفر بن محمد: ذهبت بغلة أبى فقال: لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما كان بأسرع من أن أتى بها بسرجها لم يفقد منها شيء، فقام فركبها، فلما استوى عليها وجمع إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد على ذلك، فقيل له في ذلك، فقال:

فهل تركت أو أبقيت شيئا؟ جعلت الحمد كله لله عز وجل. وقال عبد الله بن المبارك: قال محمد بن على: من أعطى الخلق والرفق فقد أعطى الخير والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرمهما كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية، إلا من عصمه الله. وقال: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد تاما إلا قال: فلستم إخوانا كما تزعمون، وقال: اعرف مودة أخيك لك بماله في قلبك من المودة

فان القلوب تتكافأ. وسمع عصافير يصحن فقال: أتدري ماذا يقلن؟ قلت: لا!! قال: يسبحن الله ويسألنه رزقهن يوما بيوم. وقال: تدعو الله بما تحب، وإذا وقع الذي تكره لم تخالف الله عز وجل فيما أحب. وقال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى الله عز وجل من أن يسأل. وما يدفع القضاء إلا الدعاء. وإن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه، وأن يؤذى جليسه بما لا يعنيه. هذه كلمات جوامع موانع لا ينبغي لعاقل أن يفعلها. وقال القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق. وقال أبو جعفر: صحب عمر بن الخطاب رجل إلى مكة فمات في الطريق، فاحتبس عليه عمر حتى صلى عليه ودفنه، فقل يوم إلا كان عمر يتمثل بهذا البيت:

وبالغ أمر كان يأمل دونه ... ومختلج من دون ما كان يأمل

وقال أبو جعفر: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد. وقال: ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فان سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، وما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة فان الله يكفر بها بحور الخطايا، ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمة رحم الله تلك الأمة. وقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا. قلت: البيت الذي كان يتمثل به قبله بيتان وهو ثالثهما، وهذه الأبيات تتضمن حكما وزهدا في الدنيا قال:

لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها متحول

فساخط أمر لا يبدل غيره ... وراض بأمر غيره سيبدل

وبالغ أمر كان يأمل دونه ... ومختلج من دون ما كان يأمل] [1]

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.