الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
37

ثم دخلت سنة ثنتين ومائة

الجزء التاسع 5 عنصر صفحة 219
ثم دخلت سنة ثنتين ومائة ص 219

فيها كان اجتماع مسلمة بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب، وذلك أن يزيد بن المهلب ركب من واسط واستخلف عليها ابنه معاوية، وسار هو في جيش، وبين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب، حتى بلغ مكانا يقال له العقر، وانتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنود لا قبل ليزيد بها، وقد التقت المقدمتان أولا فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أهل البصرة أهل الشام، ثم تذامر أهل الشام فحملوا على أهل البصرة فهزموهم وقتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المنتوف، وكان شجاعا مشهورا، وكان من موالي بكر بن وائل، فقال في ذلك الفرزدق: -

تبكي على المنتوف بكر بن وائل ... وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما

فأجابه الجعد بن درهم مولى الثوريين من همدان، وهذا الرجل هو أول الجهمية، وهو الذي ذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى فقال الجعد: -

نبكي على المنتوف في نصر قومه ... وليتنا نبكي الشائدين أباهما

أرادا فناء الحي بكر بن وائل ... فعز تميم لو أصيب فناهما

فلا لقيا روحا من الله ساعة ... ولا رقأت عينا شجي بكاهما

أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما ... وقد لقيا بالغش فينا رداهما

ولما اقترب مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيد بن المهلب، خطب يزيد بن المهلب الناس وحرضهم على القتال- يعنى قتال أهل الشام- وكان مع يزيد نحو من مائة ألف، وعشرين ألفا، وقد بايعوه على السمع والطاعة، وعلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن لا يطأ الجنود بلادهم، وعلى أن لا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، ومن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن خالفنا قاتلناه.

وكان الحسن البصري في هذه الأيام يحرض الناس على الكف وترك الدخول في الفتنة، وينهاهم أشد النهى، وذلك لما وقع من القتال الطويل العريض في أيام ابن الأشعث، وما قتل بسبب

ذلك من النفوس العديدة، وجعل الحسن يخطب الناس ويعظهم في ذلك، ويأمرهم بالكف، فبلغ ذلك نائب البصرة عبد الملك بن المهلب، فقام في الناس خطيبا فأمرهم بالجد والجهاد، والنفر إلى القتال، ثم قال: ولقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي- ولم يسمه- يثبط الناس، أما والله ليكفن عن ذلك أو لأفعلن ولأفعلن، وتوعد الحسن، فلما بلغ الحسن قوله قال: أما والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه، فسلمه الله منه حتى زالت دولتهم، وذلك أن الجيوش لما تواجهت تبارز الناس قليلا، ولم ينشب الحرب شديدا حتى فر أهل العراق سريعا، وبلغهم أن الجسر الذي جاءوا عليه حرق فانهزموا، فقال: يزيد بن المهلب: ما بال الناس؟ ولم يكن من الأمر ما يفر من مثله، فقيل له: إنه بلغهم أن الجسر الذي جاءوا عليه قد حرق. فقال: قبحهم الله، ثم رام أن يرد المنهزمين فلم يمكنه، فثبت في عصابة من أصحابه وجعل بعضهم يتسللون منه حتى بقي في شرذمة قليلة، وهو مع ذلك يسير قدما لا يمر بخيل إلا هزمهم، وأهل الشام يتجاوزون عنه يمينا وشمالا، وقد قتل أخوه حبيب بن المهلب، فازداد حنقا وغيظا، وهو على فرس له أشهب، ثم قصد نحو مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره، فلما واجهه حملت عليه خيول الشام فقتلوه، وقتلوا معه أخاه محمد بن المهلب، وقتلوا السميدع، وكان من الشجعان، وكان الذي قتل يزيد بن المهلب رجل يقال له القحل بن عياش، فقتل إلى جانب يزيد ابن المهلب، وجاءوا برأس يزيد إلى مسلمة بن عبد الملك، فأرسله مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى أخيه أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، واستحوذ مسلمة على ما في معسكر يزيد بن المهلب، وأسر منهم نحوا من ثلاثمائة، فبعث بهم إلى الكوفة، وبعث إلى أخيه فيهم، فجاء كتابه بقتلهم، فسار مسلمة فنزل الحيرة ولما انتهت هزيمة ابن المهلب إلى ابنه معاوية وهو بواسط، عمد إلى نحو من ثلاثين أسيرا في يده فقتلهم، منهم نائب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، عدي بن أرطاة رحمه الله وابنه، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع، وجماعة من الأشراف، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه الخزائن من الأموال، وجاء معه عمه المفضل بن المهلب إليه، فاجتمع آل المهلب بالبصرة فأعدوا السفن وتجهزوا أتم الجهاز واستعدوا للهرب، فساروا بعيالهم وأثقالهم حتى أتوا جبال كرمان فنزلوها، واجتمع عليهم جماعة ممن فل من الجيش الذي كان مع يزيد بن المهلب، وقد أمروا عليهم المفضل بن المهلب، فأرسل مسلمة جيشا عليهم هلال بن ماجور المحاربي في طلب آل المهلب، ويقال إنهم أمروا عليهم رجلا يقال له مدرك بن ضب الكلبي، فلحقهم بجبال كرمان فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا، فقتل جماعة من أصحاب المفضل وأسر جماعة من أشرافهم وانهزم بقيتهم، ثم لحقوا المفضل فقتلوه وحمل رأسه إلى مسلمة بن عبد الملك، وأقبل جماعة من أصحاب يزيد بن المهلب فأخذوا لهم أمانا من أمير الشام

منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ثم أرسلوا بالأثقال والأموال والنساء والذرية فوردت على مسلمة بن عبد الملك ومعهم رأس المفضل ورأس عبد الملك بن المهلب، فبعث مسلمة بالرءوس وتسعة من الصبيان الحسان إلى أخيه يزيد، فأمر بضرب أعناق أولئك، ونصبت رءوسهم بدمشق ثم أرسلها إلى حلب فنصبت بها، وحلف مسلمة بن عبد الملك ليبيعن ذراري آل المهلب، فاشتراهم بعض الأمراء إبرارا لقسمه بمائة ألف، فأعتقهم وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة من ذلك الأمير شيئا وقد رثى الشعراء يزيد بن المهلب بقصائد ذكرها ابن جرير.

ولاية مسلمة على بلاد العراق وخراسان ص 221

وذلك أنه لما فرغ من حرب آل المهلب كتب إليه أخوه يزيد بن عبد الملك بولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة، فاستناب على الكوفة وعلى البصرة، وبعث إلى خراسان ختنه- زوج ابنته- سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، الملقب بخذينة، فسار إليها فحرض أهلها على الصبر والشجاعة، وعاقب عمالا ممن كان ينوب لآل المهلب، وأخذ منهم أموالا جزيلة، ومات بعضهم تحت العقوبة.

ذكر وقعة جرت بين الترك والمسلمين ص 221

وذلك أن خاقان الملك الأعظم ملك الترك، بعث جيشا إلى الصغد لقتال المسلمين، عليهم رجل منهم يقال له كورصول، فأقبل حتى نزل على قصر الباهلي، فحصره وفيه خلق من المسلمين، فصالحهم نائب سمرقند- وهو عثمان بن عبد الله بن مطرف- على أربعين ألفا، ودفع إليهم سبعة عشر دهقانا رهائن عندهم، ثم ندب عثمان الناس فانتدب رجل يقال له المسيب بن بشر الرياحي في أربعة آلاف، فساروا نحو الترك، فلما كان في بعض الطريق [خطبهم] فحثهم على القتال وأخبرهم أنه ذاهب إلى الأعداء لطلب الشهادة، فرجع عنه أكثر من ألف، ثم لم يزل في كل منزل يخطبهم ويرجع عنه بعضهم، حتى بقي في سبعمائة مقاتل، فسار بهم حتى غالق جيش الأتراك، وهم محاصر وذلك القصر، وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبح أولادهم أمامهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يقتلوا عن آخرهم، فبعث إليهم المسيب يثبتهم يومهم ذلك، فثبتوا ومكث المسيب حتى إذا كان وقت السحر فكبر وكبر أصحابه، وقد جعلوا شعارهم يا محمد، ثم حملوا على الترك حملة صادقة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعقروا دواب كثيرة، ونهض إليهم الترك فقاتلوهم قتالا شديدا، حتى فر أكثر المسلمين، وضربت دابة المسيب في عجزها فترجل وترجل معه الشجعان، فقاتلوا وهم كذلك قتالا عظيما، والتف الجماعة بالمسيب وصبروا حتى فتح الله عليهم، وفر المشركون بين أيديهم هاربين لا يلوون على شيء، وقد كان الأتراك في غاية الكثرة، فنادى منادي المسيب:

أن لا تتبعوا أحدا، وعليكم بالقصر وأهله، فاحتملوهم وحازوا ما في معسكر أولئك الأتراك من الأموال والأشياء النفيسة وانصرفوا راجعين سالمين بمن معهم من المسلمين الذين كانوا محصورين، وجاءت الترك من الغد فلم يجدوا به داعيا ولا مجيبا، فقالوا في أنفسهم: هؤلاء الذين لقونا بالأمس لم يكونوا إنسا، إنما كانوا جنا.

الضحاك بن مزاحم الهلالي ص 222

أبو القاسم، ويقال أبو محمد، الخراساني، كان يكون ببلخ وسمرقند ونيسابور، وهو تابعي جليل روى عن أنس وابن عمر وأبي هريرة، وجماعة من التابعين، وقيل إنه لم يصح له سماع من الصحابة حتى ولا من ابن عباس سماع، وإن كان قد روي عنه أنه جاوره سبع سنين، وكان الضحاك إماما في التفسير، قال الثوري: خذوا التفسير عن أربعة، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك، وقال الإمام أحمد: هو ثقة، وأنكر شعبة سماعه من ابن عباس، وقال: إنما أخذ عن سعيد عنه، وقال ابن سعيد القطان: كان ضعيفا. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يشافه أحدا من الصحابة، ومن قال: إنه لقي ابن عباس فقد وهم، وحملت به أمه سنتين، ووضعته وله أسنان، وكان يعلم الصبيان حسبة، وقيل إنه مات سنة خمس وقيل سنة ست ومائة والله أعلم.

أبو المتوكل الناجي ص 222

اسمه على بن البصري، تابعي جليل، ثقة، رفيع القدر، مات وقد بلغ الثمانين رحمه الله تعالى

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.