الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
22

ثم دخلت سنة ست وثمانين

الجزء التاسع 6 عنصر صفحة 60
ثم دخلت سنة ست وثمانين ص 60

ففيها غزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو وخراسان، بلادا كثيرة من أرض الترك وغيرهم من الكفار، وسبى وغنم وسلم وتسلم قلاعا وحصونا وممالك، ثم قفل فسبق الجيش، فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك ويقول له: إذا كنت قاصدا بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش، وإذا قفلت راجعا فكن في ساقة الجيش- يعني لتكون ردءا لهم من أن ينالهم أحد من العدو وغيرهم بكيد- وهذا رأي حسن وعليه جاءت السنة، وكان في السبي امرأة برمك- والد خالد بن برمك- فأعطاها قتيبة أخاه عبد الله بن مسلم فوطئها فحملت منه، ثم إن قتيبة من على السبي وردت تلك المرأة على زوجها وهي حبلى من عبد الله بن مسلم، وكان ولدها عندهم حتى أسلموا فقدموا به معهم أيام بني العباس كما سيأتي. ولما رجع قتيبة إلى خراسان تلقاه دهاقين بلغار بهدايا عظمة، ومفتاح من ذهب.

وفيها كان طاعون بالشام والبصرة وواسط ويسمى طاعون الفتيات، لأنه أول ما بدأ بالنساء فسمي بذلك. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وافتتح حصن بولق وحصن الأخرم من أرض الروم، وفيها عقد عبد الملك لابنه عبد الله على مصر وذلك بعد موت أخيه عبد العزيز فدخلها في جمادى الآخرة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة. وفيها هلك ملك الروم الأخرم لورى لا رحمه الله. وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب. وحج بالناس فيها هشام بن إسماعيل المخزومي. وفي هذه السنة توفى أبو أمامة الباهلي وعبد الله بن أبي أوفى، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي في قول، شهد فتح مصر وسكنها وهو آخر من مات من الصحابة بمصر.

وممن توفى في هذه السنة ص 60

وفيها في شوالها توفي أمير المؤمنين

عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين ص 60

وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو الوليد الأموي أمير المؤمنين،

وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية. سمع عثمان بن عفان، وشهد الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين، وكان أميرا على أهل المدينة، وله ست عشرة سنة، ولاه إياها معاوية، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء وروى الحديث عن أبيه وجابر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عمر ومعاوية وأم سلمة وبريرة مولاة عائشة. وروى عنه جماعة منهم خالد بن معدان وعروة والزهري وعمرو بن الحارث ورجاء بن حيوة وجرير بن عثمان. ذكر عن محمد بن سيرين أن أباه كان قد سماه القاسم وكان يكنى بأبي القاسم، ثم غير اسمه فسماه عبد الملك، قال ابن أبي خيثمة عن مصعب بن الزبير: وكان أول من سمي في الإسلام بعبد الملك، قال ابن أبي خيثمة: وأول من سمي في الإسلام بأحمد والد الخليل بن أحمد العروضي. وبويع له بالخلافة في سنة خمس وستين في حياة أبيه في خلافة ابن الزبير، وبقي على الشام ومصر مدة سبع سنين، وابن الزبير على باقي البلاد، ثم استقل بالخلافة على سائر البلاد والأقاليم بعد مقتل ابن الزبير، وذلك في سنة ثلاث وسبعين إلى هذه السنة كما ذكرنا ذلك، وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر. وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، وكان أفوه مفتوح الفم، فربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب، ولهذا كان يقال له أبو الذباب. وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن، مقرون الحاجبين أشهل كبير العينين دقيق الأنف مشرق الوجه أبيض الرأس واللحية حسن الوجه لم يخضب، ويقال إنه خضب بعد. وقد قال نافع: لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك ابن مروان، وقال الأعمش عن أبي الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب وعروة وقبيصة ابن ذؤيب وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الإمارة. وعن ابن عمر أنه قال: ولد الناس أبناء وولد مروان أبا- يعني عبد الملك- ورآه يوما وقد ذكر اختلاف الناس، فقال: لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه، وقال عبد الملك: كنت أجالس بريدة بن الحصيب فقال لي يوما:

يا عبد الملك إن فيك خصالا، وإنك لجدير أن تلي أمر هذه الأمة، فاحذر الدماء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق» . وقد أثنى عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة، وقال سعيد بن داود الزبيري عن مالك عن يحيى بن سعيد بن داود الزبيري قال: كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله. وقال الشعبي:

ما جالست أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان فإني ما ذاكرته حديثا إلا زادني منه، ولا شعرا إلا زادني فيه. وذكر خليفة بن خياط أن معاوية كتب إلى مروان وهو نائبه على المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن خديج، فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئا كثيرا. ولم يزل عبد الملك مقيما بالمدينة حتى كانت وقعة الحرة، واستولى ابن الزبير على بلاد الحجاز، وأجلى بني أمية من هنالك، فقدم مع أبيه الشام، ثم لما صارت الإمارة مع أبيه وبايعه أهل الشام كما تقدم أقام في الإمارة تسعة أشهر ثم عهد إليه بالإمارة من بعده، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس وستين، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة.

وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك. وقال أبو الطفيل: صنع لعبد الملك مجلس توسع فيه، وقد كان بني له فيه قبة قبل ذلك، فدخله وقال: لقد كان حثمة الأحوازى- يعني عمر بن الخطاب- يرى أن هذا عليه حرام، وقيل إنه لما وضع المصحف من حجره قال. هذا آخر العهد منك. وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء، وكان حازما فهما فطنا سائسا لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره.

وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبوها معاوية هو الذي جدع أنف حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وقال سعيد بن عبد العزيز: لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشي، فلما التقوا قال: اللهم احجز بين هذين الجبلين وول الأمر أحبهما إليك. فظفر عبد الملك- وقد كان مصعب من أعز الناس على عبد الملك- وقد ذكرنا كيفية قتله مصعبا. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين! سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك راع وكل راع مسئول عن رعيته (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا) لا أحد والسلام. وبعث به مع سلام فوجدوا عليه إذ قدم اسمه على اسم أمير المؤمنين، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك، فاحتملوا ذلك منه.

وقال الواقدي: حدثني ابن أبى ميسرة عن أبى موسى الخياط عن أبى كعب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم

الذي حملكم عليه الإمام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للإسلام رحمه الله، فأحكما ما أحكما، واستقصيا ما شذ عنهما. وقال ابن جريج عن أبيه: حج علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين، فخطبنا فقال: أما بعد فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويوكلون، وإني والله لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف- يعني عثمان- ولا الخليفة المداهن- يعني معاوية- ولا الخليفة المأبون- يعني يزيد بن معاوية- أيها الناس إنا نحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منبر، هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، قرابته وابنه، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهدا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب. وقال الأصمعي: ثنا عباد بن سلم بن عثمان بن زياد عن أبيه عن جده. قال: ركب عبد الملك بن مروان بكرا فأنشأ قائده يقول: -

يا أيها البكر الذي أراكا ... عليك سهل الأرض في ممشاكا

ويحك هل تعلم من علاكا ... خليفة الله الذي امتطاكا

لم يحب بكرا مثل ما حباكا

فلما سمعه عبد الملك قال: إيها يا هناه، قد أمرت لك بعشرة آلاف. وقال الأصمعي: خطب عبد الملك فحصر فقال: إن اللسان بضعة من الإنسان، وإنا نسكت حصرا ولا ننطق هذرا، ونحن أمراء الكلام، فينا رسخت عروقه، وعلينا تدلت أغصانه، وبعد مقامنا هذا مقام، وبعد عينا هذا مقال، وبعد يومنا هذا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب وموضع الصواب. قال الأصمعي: قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب، فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ وقال غيره قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: وتنسى ارتقاء المنبر ومخافة اللحن؟ ولحن رجل عند عبد الملك- يعنى أسقط من كلامه الفا- فقال له عبد الملك زد ألف، فقال الرجل: وأنت فزد ألفا، وقال الزهري: سمعت عبد الملك يقول في خطبته: إن العلم سيقبض قبضا سريعا، فمن كان عنده علم فليظهره غير غال فيه ولا جاف عنه، وروى ابن أبي الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره: إذا رفعت له شجرة، سبحوا بنا حتى نأتي تلك الشجرة، كبروا بنا حتى نأتي تلك الحجرة، ونحو ذلك.

وروى البيهقي أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارا حتى أخرجه منها، فقيل له في ذلك فقال: إنه كان عليه اسم الله عز وجل. وقال غير واحد: كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس يقوم السيافون على رأسه بالسيف فينشد، وقال بعضهم: يأمر من ينشد فيقول:

إنا إذا نالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل

واصطرع الناس بألبابهم ... نقضي بحكم عادل فأصل

لا نجعل الباطل حقا ولا ... نلفظ دون الحق بالباطل

نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنجهل الحق مع الجاهل

وقال الأعمش: أخبرني محمد بن الزبير أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج ويقول في كتابه: لو أن رجلا خدم عيسى بن مريم أو رآه أو صحبه تعرفه النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت إليه ملوكهم، ولنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة، ولعرفوا له ذلك، ولو أن رجلا خدم موسى أو رآه تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا، وإني خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه ورأيته وأكلت معه، ودخلت وخرجت وجاهدت معه أعداءه، وإن الحجاج قد أضر بي وفعل وفعل، قال: أخبرنى من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكي وبلغ به الغضب ما شاء الله، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغير ثم قال إلى حامل الكتاب: انطلق بنا إليه نترضاه. وقال أبو بكر بن دريد: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث: إنك أعز ما تكون بالله أحوج ما تكون إليه، وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليهم، وإذا عززت بالله فاعف له، فإنك به تعز وإليه ترجع. قال بعضهم: سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به فأمر من عنده بالانصراف، فلما خلا به وأراد الرجل أن يتكلم قال له عبد الملك: احذر في كلامك ثلاثا، إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أو تسعى إلى بأحد من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي، وإن شئت أقلتك. فقال الرجل:

أقلني فأقاله. وكذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق: اعفني من أربع وقل ما شئت، لا تطرني، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه، ولا تكذبني، ولا تحملني على الرعية فإنهم إلى رأفتي ومعدلتي أحوج. وقال الأصمعي عن أبيه قال: أتي عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج عليه فقال:

اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك، فقال: وما جزاؤك؟ فقال: والله ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك، وذلك أني رجل مشئوم ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ادعيت، وكنت عليك خيرا من مائة ألف معك تنصحك، لقد كنت مع فلان فكسر وهزم وتفرق جمعه، وكنت مع فلان فقتل، وكنت مع فلان فهزم- حتى عد جماعة من الأمراء- فضحك وخلى سبيله. وقيل لعبد الملك: أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن رفعة وزهد عن قدرة، وترك النصرة عن قوة. وقال أيضا لا طمأنينة قبل الخبرة، فإن الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم. وقال: خير المال ما أفاد حمدا ودفع ذما، ولا يقولن أحدكم ابدأ بمن تعول، فإن

الخلق كلهم عيال الله، وينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث. وقال المدائني: قال عبد الملك لمؤدب أولاده- وهو إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر-: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وأقلهم أدبا، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا، ويمصوا الماء مصا، ولا يعبوا عبا، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سر لا يعلم بهم أحد من الغاشية فيهونوا عليهم.

وقال الهيثم بن عدي: أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذنا خاصا، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة وخرج فلم يدر أين ذهب، وإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الإنسان إن الله قد جعلك بينه وبين عباده فاحكم بينهم (بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب 38: 26) (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين 83: 4- 6) (ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود 11: 103) (وما نؤخره إلا لأجل معدود 11: 104) إن اليوم الذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك، (فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا 27: 52) وإني أحذرك يوم ينادي المنادي (احشروا الذين ظلموا وأزواجهم 37: 22) (ألا لعنة الله على الظالمين 11: 18) قال فتغير وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أياما. وكتب زر بن حبيش إلى عبد الملك كتابا وفي آخره: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلم به

الأولون إذا الرجال ولدت أولادها ... وبليت من كبر أجسادها

وجعلت أسقامها تعتادها ... تلك زروع قد دنا حصادها

فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق. وسمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب فقال: أنهى عن ذكر عمر فإنه مرارة للامراء مفسدة للرعية. وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى القباني عن أبيه عن جده قال:

كان عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له: بلغني أنك شربت الطلا بعد العبادة والنسك، فقال: إي والله، والدما أيضا قد شربتها. ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة فقال: ما حبسك لعنك الله؟ فقالت أم الدرداء: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإني سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل الجنة لعان» . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: ثنا الحسين بن عبد الرحمن قال قيل لسعيد بن المسيب: إن عبد الملك بن مروان قال قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد: الآن تكامل موت قلبه.

وقال الأصمعي عن أبيه عن جده قال: خطب عبد الملك يوما خطبة بليغة ثم قطعها وبكى بكاء شديدا ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهم فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي.

قال: فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام، وقد روي عن غير واحد نحو ذلك، أي أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن. وقال مسهر الدمشقي:

وضع سماط عبد الملك يوما بين يديه فقال لحاجبه: ائذن لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال:

مات يا أمير المؤمنين، قال: فلأبيه عبد الله بن خالد بن أسيد، قال: مات، قال: فلخالد بن يزيد ابن معاوية، قال: مات، قال فلفلان وفلان- حتى عد أقواما قد ماتوا وهو يعلم ذلك قبلنا- فأمر برفع السماط وأنشأ يقول:

ذهبت لذتي وانقضت أيامهم ... وغبرت بعدهم ولست بخالد

وقيل: إنه لما احتضر دخل عليه ابنه الوليد فبكى فقال له عبد الملك: ما هذا؟ أتحن حنين الجارية والأمة؟ إذا أنامت فشمر واتزر والبس جلد النمر، وضع الأمور عند أقرانها، واحذر قريشا.

ثم قال له: يا وليد اتق الله فيما أستخلفك فيه، واحفظ وصيتي، وانظر إلى أخي معاوية فصل رحمه واحفظني فيه، وانظر إلى أخي محمد فأمره على الجزيرة ولا تعزله عنها، وانظر إلى ابن عمنا على بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودته ونصيحته وله نسب وحق فصل رحمه واعرف حقه، وانظر إلى الحجاج بن يوسف فأكرمه فإنه هو الذي مهد لك البلاد وقهر الأعداء وخلص لكم الملك وشتت الخوارج، وأنهاك وإخوتك عن الفرقة وكونوا أولاد أم واحدة، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا، فإن الحرب لم تدن منية قبل وقتها، وإن المعروف يشيد ذكر صاحبه ويميل القلوب بالمحبة، ويذلل الألسنة بالذكر الجميل، ولله در القائل:

إن الأمور إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حنق وبطش مفند

عزت فلم تكسر وإن هي بددت ... فالكسر والتوهين للمتبدد

ثم قال: إذا أنامت فادع الناس إلى بيعتك فمن أبى فالسيف، وعليك بالإحسان إلى أخواتك فأكرمهن وأحبهن إلي فاطمة- وكان قد أعطاها قرطي مارية والدرة اليتيمة- ثم قال: اللهم احفظني فيها. فتزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها.

ولما احتضر سمع غسالا يغسل الثياب فقال: ما هذا؟ فقالوا غسال، فقال: يا ليتني كنت غسالا أكسب ما أعيش به يوما بيوم، ولم أل الخلافة. ثم تمثل فقال: -

لعمري لقد عمرت في الملك برهة ... ودانت لي الدنيا بوقع البواتر

وأعطيت حمر المال والحكم والنهى ... ولى سلمت كل الملوك الجبابر

فأضحى الذي قد كان مما يسرني ... كحلم مضى في المزمنات الفوابر

فيا ليتني لم أعن بالملك ليلة ... ولم أسع في لذات عيش نواضر

وقد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبي سفيان عند موته.

وقال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال أجدني كما قال الله تعالى ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم 6: 94 الآية. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قصارا بالوادي فقال: ما هذا؟ قالوا قصار، فقال: يا ليتني كنت قصارا أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال: الحمد لله الذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم. وقال:

لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أني اكتسبت قوتي يوما بيوم واشتغلت بعبادة ربى عز وجل وطاعته. وقال غيره: لما حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ثم قال: الحمد لله الذي لا يسأل أحدا من خلقه صغيرا أو كبيرا ثم ينشد: -

فهل من خالد إما هلكنا ... وهل بالموت للباقين عار

ويروى أنه قال: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور، ثم تمثل بهذين البيتين:

إن تناقش يكن نقاشك يا رب ... عذابا لا طوق لي بالعذاب

أو تجاوز فأنت رب صفوح ... عن مسيء ذنوبه كالتراب

قالوا: وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة وقيل يوم الأربعاء وقيل الخميس، في النصف من شوال سنة ست وثمانين، وصلى عليه ابنه الوليد ولي عهده من بعده، وكان عمره يوم مات ستين سنة. قاله أبو معشر وصححه الواقدي، وقيل ثلاثا وستين سنة. قاله المدائني، وقيل ثماني وخمسين. ودفن بباب الجابية الصغير، قال ابن جرير: ذكر أولاده وأزواجه منهم الوليد وسليمان ومروان الأكبر درج وعائشة، وأمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض، ويزيد ومروان الأصغر ومعاوية درج وأم كلثوم وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وهشام وأمه أم هشام عائشة- فيما قاله المدائني- بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. وأبو بكر واسمه بكار وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، والحكم درج وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان الأموي، وفاطمة وأمها المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعد الخير والحجاج لأمهات أولاد شتى، فكان جملة أولاده تسعة عشر ذكورا وإناثا،

وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة، منها تسع سنين مشاركا لابن الزبير، وثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصف مستقلا بالخلافة وحده. وكان قاضيه أبو إدريس الخولاني، وكاتبه روح بن زنباع، وحاجبه يوسف مولاه، وصاحب بيت المال والخاتم قبيصة بن ذؤيب. وعلى شرطته أبو الزعيزعة. وقد ذكرنا عماله فيما مضى. قال المدائني: وكان له زوجات أخر، شقراء بنت سلمة بن حلبس الطائي، وابنة لعلي بن أبي طالب، وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر. وممن يذكر أنه توفي في هذه السنة تقريبا

أرطاة بن زفر ص 68

ابن عبد الله بن مالك بن شداد بن ضمرة بن غقعان بن أبى حارثة بن مرة بن شبة بن نميط بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان الوليد المري، ويعرف بابن شهبة، وهي أمه بنت رامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن خديج بن جشم بن كعب بن عون بن عامر بن عوف- سبية من كلب- وكانت عند ضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل فأتت بأرطاة على فراشه، وقد عمر أرطاة دهرا طويلا حتى جاوز المائة بثلاثين سنة، وقد كان سيدا شريفا مطاعا ممدحا شاعرا مطبقا قال المدائني: ويقال إن بنى غقعان بن حنظلة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث دخلوا في بنى مرة بن شبة فقالوا بنى غقعان بن أبي حارثة بن مرة. وقد وفد أبو الوليد أرطاة بن زفر هذا على عبد الملك فأنشده أبياتا: -

رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد

وما تبقي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد

وأعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد

قال: فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه بذلك فقال يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي، فقال عبد الملك: وأنا والله سيمر بى ما الذي يمر بك، وزاد بعضهم في هذه الأبيات: -

خلقنا أنفسا وبني نفوس ... ولسنا بالسلام ولا الحديد

لئن أفجعت بالقرناء يوما ... لقد متعت بالأمل البعيد

وهو القائل وإني لقوام لدى الضيف موهنا ... إذا أسبل الستر البخيل المواكل

دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة مني بأني فاعل

وما دون ضيفي من تلاد تحوزه ... لي النفس إلا أن تصان الحلائل

مطرف بن عبد الله بن الشخير ص 68

كان من كبار التابعين، وكان من أصحاب عمران بن حصين، وكان مجاب الدعوة، وكان يقول ما أوتي أحد أفضل من العقل، وعقول الناس على قدر زمانهم. وقال: إذا استوت سريرة العبد

وعلانيته قال الله هذا عبدي حقا. وقال: إذا دخلتم على مربض فإن استطعتم أن يدعو لكم فإنه قد حرك- أي قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه- فدعاؤه مستجاب من أجل كسره ورقة قلبه. وقال:

إن أقبح ما طلبت به الدنيا عمل الآخرة.

خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق ص 69

لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير- وكان ذلك في يوم الخميس وقيل الجمعة للنصف من شوال من هذه السنة- لم يدخل المنزل حتى صعد المنبر- منبر المسجد الأعظم بدمشق- فخطب الناس فكان مما قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، 2: 156 والله المستعان على مصيبتنا في أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام إليه عبد الله بن همام السلولي وهو يقول: -

الله أعطاك التي لا فوقها ... وقد أراد الملحدون عوقها

عنك ويأبى الله إلا سوقها ... إليك حتى قلدوك طوقها

ثم بايعه وبايع الناس بعده. وذكر الواقدي إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله، وقد كان من قضاء الله وسابقته ما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة- يعني بالذي يحق لله عليه- من الشدة على المريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وإعلائه من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارات على أعداء الله عز وجل فلم يكن عاجزا ولا مفرطا، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فان الشيطان مع الواحد، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها.

وكان جبارا عنيدا. وقد ورد في ولاية الوليد حديث غريب، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، وكما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الإخبار عن الغيوب المستقبلة، فيما يتعلق بدولة بني أمية، وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينا في نفسه حازما في رأيه، يقال إنه لا تعرف له صبوة، ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال: لولا أن الله قص لنا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكرا كان يأتي ذكرا كما تؤتى النساء، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته، وهو باني مسجد جامع دمشق الذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته وهي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصلا. وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجدا، وبقي الجانب الغربي كنيسة

بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم وعوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف، وقيل عوضهم عنها كنيسة توما، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى مسجد الصحابة، وجعل الجميع مسجدا واحدا على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرا في البنيان والزينات والآثار والعمارات، والله سبحانه أعلم.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.