ثم دخلت سنة تسع وخمسين
ص 93
فيها شتى عمرو بن مرة الجهني في أرض الروم في البر، قاله الواقدي، ولم يكن فيها غزو في البحر، وقال غيره: بل غزا في البحر عامئذ جنادة بن أبي أمية. وفيها عزل معاوية ابن أم الحكم عن الكوفة لسوء سيرته فيهم، وولى عليهم النعمان بن بشير. وفيها ولى معاوية عبد الرحمن بن زياد ولاية خراسان وعزل عنها سعيد بن عثمان بن عفان، فصار عبيد الله على البصرة، وأخوه عبد الرحمن هذا على خراسان، وعباد بن زياد على سجستان، ولم يزل عبد الرحمن عليها واليا إلى زمن يزيد، فقدم عليه بعد مقتل الحسين فقال له: كم قدمت به من هذا المال؟ قال: عشرون ألف ألف، فقال له: إن شئت حاسبناك، وإن شئت سوغناكها وعزلناك عنها، على أن تعطي عبد الله بن جعفر خمسمائة ألف درهم، قال: بل سوغها، وأما عبد الله بن جعفر فأعطيه ما قلت ومثلها معها، فعزله وولى غيره، وبعث عبد الرحمن بن زياد إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم، وقال: خمسمائة ألف من جهة أمير المؤمنين، وخمسمائة ألف من قبلي. وفي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية ومعه أشراف أهل البصرة والعراق، فاستأذن لهم عبد الله عليه على منازلهم منه، وكان آخر من أدخله على معاوية الأحنف بن قيس، - ولم يكن عبيد الله يجله- فلما رأى معاوية الأحنف رحب به
وعظمه وأجله وأجلسه معه على السرير، ورفع منزلته، ثم تكلم القوم فأثنوا على عبيد الله والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك يا أبا بحر لا تتكلم؟ فقال له: إن تكلمت خالفت القوم، فقال معاوية: انهضوا فقد عزلته عنكم فاطلبوا واليا ترضونه، فمكثوا أياما يترددون إلى أشراف بني أمية، يسألون كل واحد أن يتولى عليهم فلم يقبل أحد منهم ذلك، ثم جمعهم معاوية فقال: من اخترتم؟
فاختلفوا عليه، والأحنف ساكت، فقال له معاوية: مالك لا تتكلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد غير أهل بيتك فرأيك فقال معاوية: قد أعدته إليكم. وقال ابن جرير: قال الأحنف:
يا أمير المؤمنين إن وليت علينا من أهل بيتك فإنا لا نعدل بعبيد الله بن زياد أحدا، وإن وليت علينا من غيرهم فانظر لنا في ذلك. فقال معاوية: قد أعدته إليكم. ثم إن معاوية أوصى عبيد الله ابن زياد بالأحنف خيرا، وقبح رأيه فيه وفي مباعدته، فكان الأحنف بعد ذلك أخص أصحاب عبيد الله، ولما وقعت الفتنة لم يف لعبيد الله غير الأحنف بن قيس، والله أعلم.
قصة يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري مع ابني زياد عبيد الله وعباد
ص 94
ذكر ابن جرير عن أبي عبيدة معمر بن المثنى وغيره أن هذا الرجل كان شاعرا، وكان مع عباد بن زياد بسجستان، فاشتغل عنه بحرب الترك، وضاق على الناس علف الدواب، فقال ابن مفرغ شعرا يهجو به ابن زياد على ما كان منه فقال: -
ألا ليت اللحى كانت حشيشا ... فنعلفها خيول المسلمينا
وكان عباد بن زياد عظيم اللحية كبيرها جدا، فبلغه ذلك فغضب وتطلبه فهرب منه وقال فيه قصائد يهجوه بها كثيرة فمن ذلك قوله: -
إذا أودى معاوية بن حرب ... فبشر شعب قعبك بانصداع
فأشهد أن أمك لم تباشر ... أبا سفيان واضعة القناع
ولكن كان أمرا فيه لبس ... على خوف شديد وارتياع
وقال أيضا: -
ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة من الرجل اليماني
أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني
فأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان
فكتب عباد بن زياد إلى أخيه عبيد الله وهو وافد على معاوية بهذه الأبيات، فقرأها عبيد الله على معاوية واستأذنه في قتله، فقال: لا تقتله، ولكن أدبه ولا تبلغ به القتل، فلما رجع عبيد الله إلى البصرة استحضره وكان قد استجار بوالد زوجة عبيد الله بن زياد، وهو المنذر بن الجارود، وكانت
ابنته بحرية عند عبيد الله، فأجاره وآواه إلى داره، وجاء الجارود مسلما على عبيد الله، وبعث عبيد الله الشرط إلى دار المنذر فجاءوا بابن مفرع فأوقف بين يديه، فقال المنذر: إني قد أجرته، فقال: يمدحك ويمدح أباك فترضى عنه، ويهجوني ويهجو أبي ثم تجيره علي، ثم أمر عبيد الله بابن مفرغ فسقي دواء مسهلا وحملوه على حمار عليه إكاف وجعلوا يطوفون به في الأسواق وهو يسلح والناس ينظرون إليه، ثم أمر به فنفي إلى سجستان إلى عند أخيه عباد، فقال ابن مفرغ لعبيد الله بن زياد: -
يغسل الماء ما صنعت وقولي ... راسخ منك في العظام البوالي
فلما أمر عبيد الله بنفي ابن مفرغ إلى سجستان، كلم اليمانيون معاوية في أمر ابن مفرغ، وأنه إنما بعثه إلى أخيه ليقتله، فبعث معاوية إلى ابن مفرغ وأحضره، فلما وقف بين يديه بكى وشكى إلى معاوية ما فعل به ابن زياد، فقال له معاوية: إنك هجوته، ألست القائل كذا؟ ألست القائل كذا؟
فأنكر أن يكون قال من ذلك شيئا، وذكر أن القائل ذلك هو عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان، وأحب أن يسندها إلي، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم ومنعه العطاء حتى يرضى عنه عبيد الله بن زياد، وأنشد ابن مفرع ما قاله في الطريق في معاوية يخاطب راحلته:
عدس ما لعباد عليك إمارة ... نجوت وهذا تحملين طليق
لعمري لقد نجاك من هوة الردى ... إمام وحبل للأنام وثيق
سأشكر ما أوليت من حسن نعمة ... ومثلي بشكر المنعمين حقيق
فقال له معاوية: أما لو كنا نحن الذين هجوتنا لم يكن من أذانا شيء يصل إليك، ولم نتعرض لذلك، فقال: يا أمير المؤمنين إنه ارتكب فى ما لم يرتكب مسلم من مسلم على غير حدث ولا جرم، قال: ألست القائل كذا؟ ألست القائل كذا؟ فقد عفونا عن جرمك، أما إنك لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء فانظر الآن من تخاطب ومن تشاكل، فليس كل أحد يحتمل الهجاء، ولا تعامل أحدا إلا بالحسنى، وانظر لنفسك أي البلاد أحب إليك تقيم بها حتى نبعثك إليها، فاختار الموصل فأرسله إليها، ثم استأذن عبيد الله في القدوم إلى البصرة والمقام بها فأذن له. ثم إن عبد الرحمن ركب إلى عبيد الله فاسترضاه فرضي عنه وأنشده عبد الرحمن: -
لأنت زيادة في آل حرب ... أحب إلي من إحدى بناني
أراك أخا وعما وابن عم ... فلا أدري بغيب ما تراني
فقال له عبيد الله: أراك والله شاعر سوء، ثم رضي عنه وأعاد إليه ما كان منعه من العطاء.
قال أبو معشر والواقدي: وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وكان نائب المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى الكوفة النعمان بن بشير، وقاضيها شريح، وعلى البصرة
عبيد الله بن زياد، وعلى سجستان عباد بن زياد، وعلى كرمان شريك بن الأعور الحارثي، من قبل عبيد الله بن زياد.
ذكر من توفي في هذه السنة من المشاهير والأعيان
ص 96
قال بن الجوزي: توفي فيها أسامة بن زيد، والصحيح قبلها كما تقدم
الحطيئة الشاعر
ص 96
واسمه جرول بن مالك بن جرول بن مالك بن جوية بن مخزوم بن مالك بن قطيعة بن عيسى ابن مليكة، الشاعر الملقب بالحطيئة لقصره، أدرك الجاهلية وأسلم في زمن الصديق، وكان كثير الهجاء حتى يقال إنه هجا أباه وأمه، وخاله وعمه، ونفسه وعرسه، فمما قال في أمه قوله: -
تنحي فاقعدي عني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا
أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا
جزاك الله شرا من عجوز ... ولقاك العقوق من البنينا
وقال في أبيه وعمه وخاله: -
لحاك الله ثم لحاك حقا ... أبا ولحاك من عم وخال
فنعم الشيخ أنت لدى المخازي ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
ومما قال في نفسه يذمها: -
أبت شفتاي اليوم أن تتكلما ... بشر فما أدري لمن أنا قائله؟
أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله
وقد شكاه الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأحضره وحبسه، وكان سبب ذلك أن الزبرقان ابن بدر شكاه لعمر أنه قال له يهجوه: -
دع المكارم لا نرحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال له عمر: ما أراه هجاك، أما نرضى أن تكون طاعما كاسيا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنه لا يكون هجاء أشد من هذا، فبعث عمر إلى حسان بن ثابت فسأله عن ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين ما هجاه ولكن سلح عليه، فعند ذلك حبسه عمرو قال: يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين، ثم شفع فيه عمرو بن العاص فأخرجه وأخذ عليه العهد أن لا يهجو الناس واستتابه، ويقال إنه أراد أن يقطع لسانه فشفعوا فيه حتى أطلقه، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك بن عثمان الحرامى عن عبد الله بن مصعب حدثني عن ربيعة بن عثمان عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: أمر عمر بإخراج الحطيئة من الحبس وقد كلمه فيه عمرو بن العاص وغيره، فأخرج وأنا حاضر فأنشأ يقول: -
ماذا تقول لا فراخ بذي مرح ... زعب الحواصل لا ماء ولا شجر
غادرت كاسبهم في قعر مظلمة ... فارحم هداك مليك الناس يا عمر
أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقى إليك مقاليد النهى البشر
لم يؤثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الإثر
فامنن على صبية بالرمل مسكنهم ... بين الأباطح يغشاهم بها القدر
نفسي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض وادية يعمى بها الخبر
قال: فلما قال الحطيئة: ماذا تقول الافراخ بذي مرح، بكى عمر، فقال عمرو بن العاص:
ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أعدل من رجل يبكى على تركه الحطيئة. ثم ذكروا أنه أراد قطع لسان الحطيئة لئلا يهجو به الناس فأجلسه على كرسي وجيء بالموسى، فقال الناس: لا يعود يا أمير المؤمنين وأشاروا إليه قل: لا أعود، فقال له عمر النجا، فلما ولى قال له عمر: ارجع يا حطيئة، فرجع فقال له: كأني بك عند شاب من قريش قد كسر لك نمرقة، وبسط لك أخرى، وقال:
يا حطيئة غننا، فاندفعت تغنيه بأعراض الناس، قال أسلم: فرأيت الحطيئة بعد ذلك عند عبيد الله ابن عمر وقد كسر له نمرقة وبسط له أخرى، وقال: يا حطيئة غننا فاندفع حطيئة يغني، فقلت له:
يا حطيئة أتذكر يوم عمر حين قال لك ما قال؟ ففزع وقال: رحم الله ذلك المرء، لو كان حيا ما فعلنا هذا، فقلت لعبيد الله: إني سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنت أنت ذلك الرجل، وقال الزبير:
حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال قال عمر للحطيئة: دع قول الشعر. قال لا أستطيع، قال: لم؟
قال: هو مأكلة عيالي، وعلة لساني، قال: فدع المدحة المجحفة، قال: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال تقول بنو فلان أفضل من بني فلان، امدح ولا تفضل، فقال: أنت أشعر مني يا أمير المؤمنين. ومن مديحه الجيد المشهور قوله:
أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
أولئك قومي إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
قالوا: ولما احتضر الحطيئة قيل له أوص قال أوصيكم بالشعر، ثم قال:
الشعر صعب وطويل سلمه ... إذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
زلت به إلى الحضيض قدمه ... والشعر لا يستطيعه من يظلمه
أراد أن يعربه فأعجمه
قال أبو الفرج ابن الجوزي في المنتظم: توفي الحطيئة في هذه السنة، وذكر أيضا فيها وفاة
عبد الله بن عامر بن كريز، وقد تقدم في التي قبلها.
عبد الله بن مالك بن القشب
ص 98
واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله بن رافع الأزدي، أبو محمد حليف بنى عبد المطلب، المعروف بابن بحينة، وهي أمه بحينة بنت الأرت، واسمه الحارث بن المطلب بن عبد مناف، أسلم قديما، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ناسكا قواما صواما، وكان ممن يسرد صوم الدهر كله، قال ابن سعد: كان ينزل بطن ريم على ثلاثين ميلا من المدينة، ومات في عمل مروان في المرة الثانية، ما بين سنة أربع وخمسين إلى ثمان وخمسين، والعجب أن ابن الجوزي نقل من كلام محمد بن سعد، ثم إنه ذكر وفاته في هذه السنة- يعني سنة تسع وخمسين فالله أعلم
قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي
ص 98
صحابي جليل كأبيه، له في الصحيحين حديث، وهو القيام للجنازة، وله في المسند حديث في صوم عاشوراء، وحديث غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دارهم وغير ذلك، وخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وثبت في صحيح البخاري عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. وحمل لواء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الغزوات، واستعمله على الصدقة، ولما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح ومعه ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار، فأصابهم ذلك الجهد الكثير فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر، حتى وجدوا تلك الدابة على سيف البحر فأكلوا منها، وأقاموا عليها شهرا حتى سمنوا، وكان قيس سيدا مطاعا كريما ممدحا شجاعا، ولاه علي نيابة مصر، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص، ولم يزل معاوية يعمل عليه حتى عزله [علي] عن مصر وولى عليها محمد بن أبي بكر الصديق، فاستخفه معاوية، ولم يزل حتى أخذ منه مصر كما قدمنا. وأقام قيس عند علي فشهد معه صفين والنهروان ولزمه حتى قتل ثم صار إلى المدينة، فلما اجتمعت الكلمة على معاوية جاءه ليبايعه كما بايعه أصحابه، قال عبد الرزاق عن ابن عيينة قال قدم قيس بن سعد على معاوية فقال له معاوية: وأنت يا قيس تلجم علي مع من ألجم؟ أما والله لقد كنت أحب أن لا تأتينى هذا اليوم إلا وقد ظفر بك ظفر من أظافري موجع، فقال له قيس: وأنا والله قد كنت كارها أن أقوم في هذا المقام فأحييك بهذه التحية، فقال له معاوية:
ولم؟ وهل أنت إلا حبر من أحبار اليهود؟ فقال له قيس: وأنت يا معاوية كنت صنما من أصنام الجاهلية، دخلت في الإسلام كارها، وخرجت منه طائعا، فقال معاوية: اللهم غفرا، مد يدك، فقال له قيس بن سعد: إن شئت. زدت وزدت. وقال موسى بن عقبة: قالت عجوز لقيس: أشكو إليك قلة فأر بيتى، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية!! املئوا بيتها خبزا ولحما وسمنا وتمرا.
وقال غيره: كانت له صحفة يدار بها حيث دار، وكان ينادي له مناد: هلموا إلى اللحم والثريد.
وكان أبوه وجده من قبله يفعلان كفعله، وقال عروة بن الزبير: باع قيس بن سعد من معاوية أرضا بتسعين ألفا، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفا وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته- قريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصديق- إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا، وإني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم، وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد، وكان يقول: اللهم ارزقني مالا وفعالا، فإنه لا يصلح الفعال إلا بالمال. وقال سفيان الثوري: اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفا فلما جاء ليوفيه إياها قال له قيس: إنا قوم ما أعطينا أحدا شيئا فنرجع فيه. وقال الهيثم بن عدي: اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس بن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة، فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه وليحكم على العيان. فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يا ابن عم رسول الله ابن سبيل ومنقطع به، قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة ولا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطارف من خز وغير ذلك، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب. ومضى صاحب قيس بن سعد إليه فوجده نائما، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل ومنقطع به، قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا في معاطن الإبل فخذ لك ناقة وعبدا، واذهب راشدا. فلما استيقظ قيس من نومه أخبرته الجارية بما صنعت فأعتقها شكرا على صنيعها ذلك، وقال:
هلا أيقظتينى حتى أعطيه ما يكفيه أبدا، فلعل الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته. وذهب صاحب عرابة الأوسي إليه فوجده وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له- وكان قد كف بصره- فقال له: يا عرابة، فقال: قل، فقال: ابن سبيل ومنقطع به، قال: فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه، باليمنى على اليسرى، ثم قال أوه أوه، والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا، ولكن خذ هذين العبدين، قال: ما كنت لأفعل، فقال: إن لم تأخذهما فهما حران، فإن شئت فأعتق، وإن شئت فخذ. وأقبل يلتمس الحائط بيده، قال: فأخذهما وجاء
بهما إلى صاحبيه، قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم، وأن ذلك ليس بمستنكر له، إلا أن السيف أجلها. وأن قيسا أحد الأجواد حكم مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت، وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي، لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك جهد من مقل. وقال سفيان الثوري عن عمرو عن أبي صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده وخرج إلى الشام فمات بها، فولد له ولد بعد وفاته، فجاء أبو بكر وعمر إلى قيس ابن سعد فقالا: إن أباك قسم ماله ولم يعلم بحال هذا الولد إذ كان حملا، فاقسموا له معكم، فقال قيس: إني لا أغير ما فعله سعد ولكن نصيبي له. ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد ابن سيرين فذكره. ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عطاء فذكره. وقال ابن أبي خيثمة:
ثنا أبو نعيم ثنا مسعر عن معبد بن خالد. قال: كان قيس بن سعد لا يزال هكذا رافعا أصبعه المسبحة- يعني يدعو- وقال هشام بن عمار: ثنا الجراح بن مليح ثنا أبو رافع عن قيس بن سعد. قال: لولا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المكر والخديعة في النار» : لكنت من أمكر هذه الأمة. وقال الزهري: دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة، معاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وقيس بن سعد، وعبد الله بن بديل وكانا مع علي، وكان المغيرة معتزلا بالطائف حتى حكم الخصمان فصارا إلى معاوية. وقد تقدم أن محمد بن أبي حذيفة كان قد تغلب على مصر وأخرج منها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، نائب عثمان بعد عمرو بن العاص، فأقره عليها على مدة يسيرة ثم عزله بقيس بن سعد، فلما دخلها سار فيها سيرة حسنة وضبطها، وذلك سنة ست وثلاثين، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص، فكاتباه ليكون معهما على على فامتنع وأظهر للناس منا صحته لهما، وفي الباطن هو مع على، فبلغ ذلك عليا فعزله وبعث إلى مصر الأشتر النخعي فمات الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها، فبعث علي محمد بن أبي بكر فخف أمره على معاوية وعمرو، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية، وقتل محمد بن أبى بكر هذا وأحرق في جيفة حمار. ثم سار قيس إلى المدينة، ثم سار إلى علي بن أبى طالب إلى العراق، فكان معه في حروبه حتى قتل علي، ثم كان مع الحسن ابن على حين سار إلى معاوية ليقاتله، فكان قيس على مقدمة الجيش، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيسا ذلك وما أحبه، وامتنع من طاعته معاوية، ثم ارتحل إلى المدينة، ثم قدم على معاوية في وفد من الأنصار فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة وقعت بينهما، وكلام فيه غلظة، ثم أكرمه معاوية وقدمه وحظي عنده، فبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه: أن ابعث إلي بسراويل أطول رجل في العرب، فقال معاوية: ما أرانا إلا قد احتجنا إلا سراويلك؟ - وكان قيس مديد القامة جدا لا يصل أطول الرجال إلى صدره- فقام قيس فتنحى ثم خلع سراويله
فألقاها إلى معاوية فقال له معاوية: لو ذهبت إلى منزلك ثم أرسلت بها إلينا، فأنشأ قيس يقول عند ذلك: -
أردت بها كي يعلم الناس أنها ... سراويل قيس والوفود شهود
وأن لا يقولوا غاب قيس وهذه ... سراويل غادى سمد وثمود
وإني من الحي اليماني لسيد ... وما الناس إلا سيد ومسود
فكدهم بمثلي إن مثلي عليهم ... شديد وخلقي في الرجال مديد
وفضلني في الناس أصل ووالد ... وباع به أعلو الرجال مديد
قال: فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه فوقعت بالأرض، وفي رواية أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أن أحدهما أقوى الروم، والآخر أطول الروم فانظر هل في قومك من يفوقهما في قوة هذا وطول هذا؟ فان كان في قومك من يفوقهما بعثت إليك من الأسارى كذا وكذا، ومن التحف كذا وكذا، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول منهما فهادني ثلاث سنين. فلما حضرا عند معاوية قال: من لهذا القوي؟ فقالوا: ما له إلا أحد رجلين، إما محمد بن الحنفية، أو عبد الله بن الزبير، فجيء بمحمد ابن الحنفية وهو ابن علي بن أبي طالب، فلما اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية: أتعلم فيم أرسلت إليك؟ قال: لا! فذكر له أمر الرومي وشدة بأسه، فقال للرومى: إما أن تجلس لي أو أجلس إليك وتناولني يدك أو أناولك يدي، فأينا قدر على أن يقيم الآخر من مكانه غلبه، وإلا فقد غلب. فقال له: ماذا تريد؟ تجلس أو أجلس؟
فقال له الرومي: بل أجلس أنت، فجلس محمد بن الحنفية وأعطى الرومي يده فاجتهد الرومي بكل ما يقدر عليه من القوة أن يزيله من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك، ولا وجد إليه سبيلا، فغلب الرومي: عند ذلك، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غلب، ثم قام محمد بن الحنفية فقال للرومي اجلس لي، فجلس وأعطى محمدا يده فما أمهله أن أقامه سريعا، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على الأرض فسر بذلك معاوية سرورا عظيما، ونهض قيس بن سعد فتنحى عن الناس ثم خلع سراويله وأعطاها لذلك الرومي الطويل فلبسها فبلغت إلى تدييه وأطرافها تخط بالأرض، فاعترف الرومي بالغلب، وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية، وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس فقال: ذلك الشعر المتقدم معتذرا به إليهم، وليكون ذلك ألزم للحجة التي تقوم على الروم، وأقطع لما حاولوه. ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: كان قيس بن سعد رجلا ضخما جسيما صغير الرأس له لحية في ذقنه، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه بالأرض، وقال الواقدي وخليفة بن خياط وغير واحد: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية. وذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، فتبعناه في ذلك.
معقل بن يسار المزني
ص 102
صحابي جليل، شهد الحديبية، وكان هو الذي كان يرفع أغصان الشجرة عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس تحتها، وكانت من السمر، وهي المذكورة في القرآن في قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة 48: 18 وقد ولاه عمر إمرة البصرة فحفر بها النهر المنسوب إليه، فيقال نهر معقل، وله بها دار، قال الحسن البصري: دخل عبيد الله بن زياد على معقل بن يسار يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو لم أكن على حالتي هذه لم أحدثك به، سمعته يقول: «من استرعاه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة مائة عام» . وممن توفي في هذه السنة
أبو هريرة الدوسي رضي الله عنه
ص 102
وقد اختلف في اسمه في الجاهلية والإسلام، واسم أبيه على أقوال متعددة، وقد بسطنا أكثرها في كتابنا التكميل، وقد بسط ذلك ابن عساكر في تاريخه، والأشهر أن اسمه عبد الرحمن بن صخر وهو من الأزد، ثم من دوس. ويقال: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس، وقيل عبد نهم، وقيل عبد غنم، ويكنى بأبي الأسود، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وقيل عبد الرحمن، وكناه بأبي هريرة، وروي عنه أنه قال: وجدت هريرة وحشية فأخذت أولادها فقال لي أبي: ما هذه في حجرك؟ فأخبرته، فقال: أنت أبو هريرة. وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «أبا هر» وثبت أنه قال له: «يا أبا هريرة» قال محمد بن سعد وابن الكلبي والطبراني: اسم أمه ميمونة بنت صفيح بن الحارث بن أبى صعب بن هبة بن سعد بن ثعلبة، أسلمت وماتت مسلمة. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثير الطيب، وكان من حفاظ الصحابة، وروى عن أبى بكر وعمر وأبى بن كعب، وأسامة بن زيد، ونضرة بن أبى نضرة، والفضل بن العباس، وكعب الأحبار، وعائشة أم المؤمنين. وحدث عنه خلائق من أهل العلم قد ذكرناهم مرتبين على حروف المعجم في التكميل، كما ذكره شيخنا في تهذيبه. قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمائة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيرهم. وقال عمرو بن علي الفلاس: كان ينزل المدينة وكان إسلامه سنة خيبر:
قال الواقدي: وكان بذي الحليفة له دار، وقال غيره: كان آدم اللون، بعيد ما بين المنكبين، ذا طفرتين، أقرن الثنيتين. وقال أبو داود الطيالسي وغير واحد عن أبي خلدة، خالد بن دينار عن أبي العالية عن أبي هريرة قال: لما أسلمت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. «ممن أنت؟ فقلت: من دوس، فوضع يده على جبهته وقال: ما كنت أرى أن في دوس رجلا فيه خير» وقال الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، وروى عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن
إسماعيل عن قيس. قال قال أبو هريرة: جئت يوم خيبر بعد ما فرغوا من القتال. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا سعيد بن أبي مريم ثنا الدراوردي. قال: حدثني خيثم عن عراك بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة. قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، قال أبو هريرة: وقدمت المدينة فهاجروا فصليت الصبح وراء سباع فقرأ في السجدة الأولى سورة مريم، وفي الثانية ويل للمطففين، قال أبو هريرة: فقلت في نفسي: ويل لأبى فلان، لرجل كان بأرض الأزد- وكان له مكيالان مكيال يكيل به لنفسه، ومكيال يبخس به الناس» . وقد ثبت في صحيح البخاري أنه ضل غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه جعل ينشد:
يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجت
فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «هذا غلامك» ؟ فقال هو حر لوجه الله عز وجل. وقد لزم أبو هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إسلامه، فلم يفارقه في حضر ولا سفر، وكان أحرص شيء على سماع الحديث منه، وتفقه عنه، وكان يلزمه على شبع بطنه. وقال أبو هريرة- وقد تمخط يوما في قميص له كتان- بخ بخ، أبو هريرة يمتخط في الكتان، لقد رأيتني أخر فيما بين المنبر والحجر من الجوع، فيمر المار فيقول: به جنون وما بي إلا الجوع، والله الذي لا إله إلا هو لقد كنت أعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد كنت أستقرئ أحدهم الآية وأنا أعلم بها منه، وما بي إلا أن يستتبعني إلى منزله فيطعمني شيئا، وذكر حديث اللبن مع أهل الصفة كما قدمناه في دلائل النبوة. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن ثنا عكرمة بن عامر حدثني أبو كثير- وهو يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة السحيمي الأعمى- حدثني أبو هريرة. قال: والله ما خلق الله مؤمنا يسمع بي ولا يراني إلا أحبني، قلت: وما علمك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إن أمي كانت امرأة مشركة، وإني كنت أدعوها إلى الإسلام وكانت تأبى علي، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فكانت تأبى علي، وإني دعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبى هريرة، فقال: «اللهم اهد أم أبي هريرة» فخرجت أعدو أبشرها بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فلما أتيت الباب إذا هو مجاف، وسمعت خضخضة (خشخشة) وسمعت خشف رجل- يعني وقعها- فقالت: يا أبا هريرة كما أنت، ثم فتحت الباب وقد لبست درعها وعجلت عن خمارها أن تلبسه، وقالت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبكي من الفرح كما بكيت من الحزن، فقلت: يا رسول الله أبشر فقد استجاب الله دعاءك، قد هدى الله أم أبي هريرة، وقلت: يا رسول الله أدعو الله أن يحببني وأمي إلى عباده المؤمنين، فقال:
«اللهم حبب عبيدك هذا وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحببهم إليهما» قال أبو هريرة: فما خلق الله من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلا وهو يحبني. وقد رواه مسلم من حديث عكرمة عن عمار نحوه. وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته من إيراد هذا الخبر عنه على رءوس الناس في الجوامع المتعددة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة بين يدي الخطبة، والإمام على المنبر، وهذا من تقدير الله العزيز العليم، ومحبة الناس له رضي الله عنه. وقال هشام بن عمار: حدثنا سعيد ثنا عبد الحميد بن جعفر عن المقبري عن سالم مولى النضريين أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما محمد بشر أغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما رجل من المسلمين آذيته أو شتمته أو جلدته فاجعلها له قربة بها عندك يوم القيامة» قال أبو هريرة: لقد رفع على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما الدرة ليضربني بها فلأن يكون ضربني بها أحب إلي من حمر النعم، ذلك بأني أرجو أن أكون مؤمنا وأن يستجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته، وقال ابن أبى ذيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا فأنساه، فقال: «ابسط رداءك، فبسطته، ثم قال: ضمه فضممته فما نسيت حديثا بعد» رواه البخاري. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج. قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله الموعد إني كنت امرأ مسكينا أصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق في الأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما مجلسا فقال: «من بسط رداءه حتى أقضي مقالتي ثم يقبضه إليه فلن ينسى شيئا سمعه مني» . فبسطت بردة علي حتى قضى مقالته ثم قبضتها إلي فو الذي نفسي بيده ما نسيت شيئا سمعته منه بعد ذلك. وقد رواه ابن وهب عن يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وله طرق أخر عنه. وقد قيل إن هذا كان خاصا بتلك المقالة لم ينس منها شيئا، بدليل أنه نسي بعض الأحاديث كما هو مصرح به في الصحيح، حيث نسيى حديث «لا عدوى ولا طيرة» مع حديثه «لا يورد ممرض على مصح» وقيل: إن هذا كان عاما في تلك المقالة وغيرها والله أعلم. وقال الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال: «يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: لقد ظننت يا أبا هريرة أن أحدا لا يسألنى عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الناس، إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه» ورواه البخاري من حديث عمرو ابن أبي عمرو به. وقال ابن أبي ذيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أنه قال: «حفظت من
رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين فأما أحدهما فبثثته في الناس، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم» رواه البخاري من حديث ابن أبى ذيب، ورواه غير واحد عن أبي هريرة، وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وما وقع بين الناس من الحروب والقتال، وما سيقع التي لو أخبر بها قبل كونها لبادر كثير من الناس إلى تكذيبه، وردوا ما أخبر به من الحق، كما قال: لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدقتموني. وقد يتمسك بهذا الحديث طوائف من أهل الأهواء والبدع الباطلة، والأعمال الفاسدة، ويسندون ذلك إلى هذا الجراب الذي لم يقله أبو هريرة، ويعتقدون أن ما هم عليه كان في هذا الجراب الذي لم يخبر به أبو هريرة، وما من مبطل مع تضاد أقوالهم إلا وهو يدعى هذا وكلهم يكذبون، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه بعده؟
وإنما كان الذي فيه شيء من الفتن والملاحم كما أخبر بها هو وغيره من الصحابة، مما ذكرناه ومما سنذكره في كتاب الفتن والملاحم. وقال حماد بن زيد: حدثنا عمرو بن عبيد الأنصاري ثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم أن مروان دعا أبا هريرة وأقعده خلف السرير، وجعل مروان يسأل وجعلت أكتب عنه، حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به وأقعده من وراء الحجاب فجعل يسأله عن ذلك الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر. وروى أبو بكر بن عياش وغيره عن الأعمش عن أبي صالح. قال: كان أبو هريرة من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن بأفضلهم.
وقال الربيع قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبو القاسم البغوي:
حدثنا أبو خيثمة ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن مكحول قال: تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قبة من قباب معاوية فاجتمعوا فيها، فقام أبو هريرة فحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح. وقال سفيان بن عيينة عن معمر عن وهب بن منبه عن أخيه همام بن منبه. قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما من أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب. وقال أبو زرعة الدمشقي: حدثني محمد بن زرعة الرعيني ثنا مروان بن محمد ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن عبد الله عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب الأحبار: لتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنك بأرض القردة. قال أبو زرعة، وسمعت أبا مسهر يذكره عن سعيد بن عبد العزيز نحوا منه ولم يسنده، وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه أو نحو ذلك. وقد جاء أن عمر أذن له بعد ذلك في التحديث، فقال مسدد:
حدثنا خالد الطحان ثنا يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة. قال: بلغ عمر حديثي فأرسل إلي فقال: كنت معنا يوم كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فلان؟ قال قلت: نعم! وقد علمت لم تسألنى عن ذلك؟ قال: ولم سألتك؟ قلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» قال: أما إذا فاذهب فحدث. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا عبد الواحد- يعني ابن زياد- ثنا عاصم بن كليب حدثني أبي. قال: سمعت أبا هريرة يقول- وكان يبتدئ حديثه بأن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق: «من كذب علي عامدا فليتبوأ مقعده من النار» . وروي مثله من وجه آخر عنه. وقال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب عن محمد بن عجلان. أن أبا هريرة كان يقول: إني لا حدث أحاديث لو تكلمت بها في زمان عمر أو عند عمر لشج رأسي. وقال صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن أبي سلمة: سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض عمر، وقال محمد بن يحيى الذهلي ثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. قال قال عمر: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فيما يعمل به. قال ثم يقول أبو هريرة: أفكنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما والله إذا لأيقنت أن المحففة ستباشر ظهري، [فإن عمر كان يقول، اشتغلوا بالقرآن فإن القرآن كلام الله، ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له: إنك تأنى قوما لهم في مساجدهم دوي بالقرآن كدوي النحل، فدعهم على ما هم عليه، ولا تشغلهم بالأحاديث، وأنا شريكك في ذلك. هذا معروف عن عمر رضي الله عنه] [1] وقال الامام أحمد: حدثنا هشيم عن يعلى بن عطاء عن الوليد بن عبد الرحمن عن ابن عمر. أنه مر بأبي هريرة وهو يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد» . فقال له ابن عمر: أبا هر انظر ما تحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أم المؤمنين أنشدك بالله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من تبع جنازة فصلى عليها فله قيراط فإن شهد دفنها فله قيراطان» ؟ فقالت: اللهم نعم. فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يشغلني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس بالوادي وصفق بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة يعلمنيها، أو أكلة يطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هر كنت ألزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلمنا بحديثه. وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن نافع عن أبيه. قال: كنت مع ابن عمر في جنازة أبي هريرة وهو يمشي أمامها ويكثر الترحم عليه، ويقول:
كان ممن يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين. وقد روى أن عائشة تأولت أحاديث كثيرة من أبي هريرة ووهمته في بعضها، وفي الصحيح أنها عابت عليه سرد الحديث، أي الإكثار منه في
الساعة الواحدة. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا بشر بن الوليد الكندي ثنا إسحاق بن سعد عن سعيد أن عائشة قالت لأبي هريرة: أكثرت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة، قال: إني والله ما كانت تشغلني عنه المكحلة والخضاب، ولكن أرى ذلك شغلك عما استكثرت من حديثي.
قالت: لعله. وقال أبو يعلى: حدثنا إبراهيم الشامي ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع أن رجلا من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها، فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئا؟ قال: والله إنكم لتؤذوننا، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ليبيننه للناس ولا يكتمونه ما حدثتكم بشيء، سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: «إن رجلا ممن كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها حتى تقوم الساعة» . فو الله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك- شك أبو يعلى- وقال محمد بن سعد:
حدثنا محمد بن عمر حدثني كثير بن زيد عن الوليد بن رباح. قال: سمعت أبا هريرة يقول لمروان:
والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك فدعه- يعني حين أرادوا يدفنون الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك- يعني معاوية- قال: فأقبل عليه مروان مغضبا فقال: يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا إنك أكثرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث، وإنما قدمت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، فقال أبو هريرة: نعم! قدمت ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدت على الثلاثين سنة سنوات، وأقمت معه حتى توفي، أدور معه في بيوت نسائه وأخدمه، وأنا والله يومئذ مقل، وأصلى خلفه وأحج وأغزو معه، فكنت والله أعلم الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومي له فيسألوني عن حديثه، منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فلا والله ما يخفى على كل حديث كان بالمدينة، وكل من أحب الله ورسوله، وكل من كانت له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة، وكل صاحب له، وكان أبو بكر صاحبه في الغار وغيره، وقد أخرجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يساكنه- يعرض بأبي مروان الحكم بن العاص-. ثم قال أبو هريرة: ليسألني أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنه يجد عندي منه علما جما ومقالا، قال: فو الله ما زال مروان يقصر عن أبي هريرة ويتقيه بعد ذلك ويخافه ويخاف جوابه [وفي رواية أن أبا هريرة قال لمروان: إني أسلمت وهاجرت اختيارا وطوعا، وأحببت رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا شديدا، وأنتم أهل الدار وموضع الدعوة، أخرجتم الداعي من أرضه، وآذيتموه وأصحابه، وتأخر إسلامكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم. فندم مروان على كلامه له واتقاه] [1] وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف ثنا محمد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق عن
عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه- يعني عروة بن الزبير بن العوام- قال: قال لي أبي الزبير: أدنني من هذا اليماني- يعني أبا هريرة- فإنه يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذلك صدق، كذب. قال: قلت يا أبه ما قولك صدق كذب؟ قال: يا بني أما أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه. وقال علي بن المديني عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي اليسر بن أبي عامر.
قال: كنت عند طلحة بن عبيد الله إذ دخل رجل فقال: يا أبا محمد والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم، أم يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يسمع، أو ما لم يقل؟ فقال طلحة: والله ما نشك أنه قد سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع، وعلم ما لم نعلم، إنا كنا قوما أغنياء، لنا بيوتات وأهلون، وكنا نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكينا لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يدور معه حيث ما دار، فما نشك أنه قد علم ما لم نعلم وسمع ما لم نسمع. وقد رواه الترمذي بنحوه. وقال شعبة عن أشعث بن سليم عن أبيه قال: سمعت أبا أيوب يحدث عن أبي هريرة فقيل له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدث عن أبي هريرة؟ فقال: إن أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع، وإني أن أحدث عنه أحب إلي من أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني ما لم أسمعه منه- وقال مسلم بن الحجاج: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ثنا مروان الدمشقي عن الليث بن سعد حدثني بكير بن الأشج. قال قال لنا بشر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فو الله لقد رأيتنا تجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض ما كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلس- أي يروى ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يميز هذا من هذا- ذكره ابن عساكر.
وكان شعبة يشير بهذا إلى حديثه «من أصبح جنبا فلا صيام له» فإنه لما حوقق عليه قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال شريك عن مغيرة عن إبراهيم. قال: كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، وروى الأعمش عن إبراهيم. قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة، وقال الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئا، وما كانوا يأخذون بكل حديث أبى هريرة، إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهى عن شرجاء القرآن به. وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة ورد هذا الذي قاله إبراهيم
النخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم طائفة من الكوفيين، والجمهور على خلافهم.
وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والعبادة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم.
قال حماد بن زيد عن عباس الجريري عن أبي عثمان النهدي. قال: كان أبو هريرة يقوم ثلث الليل، وامرأته ثلثه، وابنته ثلثه، يقوم هذا ثم يوقظ هذا، ثم يوقظ هذا هذا. وفي الصحيحين عنه أنه قال: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام» : وقال ابن جريج عمن حدثه. قال قال أبو هريرة: إني أجزئ الليل ثلاثة أجزاء فجزءا لقراءة القرآن، وجزءا أنام فيه، وجزءا أتذكر فيه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن سعد:
ثنا مسلم بن إبراهيم ثنا إسحاق بن عثمان القرشي ثنا أبو أيوب. قال كان لأبي هريرة مسجد في مخدعه، ومسجد في بيته، ومسجد في حجرته، ومسجد على باب داره، إذا خرج صلى فيها جميعها، وإذا دخل صلى فيها جميعا. وقال عكرمة: كان أبو هريرة يسبح كل ليلة ثنتى عشرة ألف تسبيحة، يقول: أسبح على قدر ديتي. وقال هشيم عن يعلى بن عطاء عن ميمون بن أبي ميسرة.
قال: كانت لأبي هريرة صيحتان في كل يوم، أول النهار صيحة يقول: ذهب الليل وجاء النهار وعرض آل فرعون على النار، وإذا كان العشي يقول: ذهب النهار وجاء الليل وعرض آل فرعون على النار، فلا يسمع أحد صوته إلا استعاذ بالله من النار. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا موسى بن عبيدة عن زياد بن ثوبان عن أبي هريرة. قال: لا تغبطن فاجرا بنعمة فإن من ورائه طالبا حثيثا طلبه، جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا. وقال ابن لهيعة عن أبي يونس عن أبي هريرة أنه صلى بالناس يوما فلما سلم رفع صوته فقال: الحمد لله الذي جعل الدين قواما، وجعل أبا هريرة إماما، بعد ما كان أجيرا لابنة غزوان على شبع بطنه وحمولة رجله [وقال إبراهيم بن إسحاق الحربي: ثنا عفان ثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال: نشأت يتيما، وهاجرت مسكينا، وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي، أحدو بهم إذا ركبوا وأحتطب إذا نزلوا، فالحمد لله الذي جعل الدين قواما وجعل أبا هريرة إماما،] [1] ثم يقول: والله يا أهل الإسلام إن كانت إجارتي معهم إلا على كسرة يابسة، وعقبة في ليلة غبراء مظلمة، ثم زوجنيها الله فكنت أركب إذا ركبوا، وأخدم إلا خدموا، وأنزل إذا نزلوا. وقال إبراهيم بن يعقوب الجورجانى: حدثنا الحجاج بن نصر ثنا هلال ابن عبد الرحمن الحنفي عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي سلمة. قال قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعا، وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل به، أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا، وقالا: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إذا جاء طالب العلم الموت وهو على هذه الحال
مات وهو شهيد» وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وروى غير واحد عن أبي هريرة أنه كان يتعوذ في سجوده أن يزني أو يسرق، أو يكفر أو يعمل كبيرة. فقيل له: أتخاف ذلك؟ فقال:
ما يؤمنني وإبليس حي، ومصرف القلوب يصرفها كيف يشاء؟. وقالت له ابنته: يا أبة إن البنات يعيرنني يقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟ فقال: يا بنية قولي لهن. إن أبي يخشى علي حر اللهب وقال أبو هريرة أتيت عمر بن الخطاب فقمت له وهو يسبح بعد الصلاة فانتظرته فلما انصرف دنوت منه فقلت: أقرئني آيات من كتاب الله، قال: وما أريد إلا الطعام، قال فأقرأني آيات من سورة آل عمران، فلما بلغ أهله دخل وتركني على الباب، فقلت: ينزع ثيابه ثم يأمر لي بطعام، فلم أر شيئا، فلما طال علي قمت فمشيت فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمني فقال: «يا أبا هريرة إن خلوف فمك الليلة لشديد؟ فقلت: أجل يا رسول الله، لقد ظللت صائما وما أفطرت بعد، وما أجد ما أفطر عليه، قال: فانطلق، فانطلقت معه حتى أتى بيته فدعا جارية له سوداء فقال: ايتنا بتلك القصعة، فأتينا بقصعة فيها وضر من طعام أراه شعيرا قد أكل وبقي في جوانبها بعضه وهو يسير، فسميت وجعلت أتتبعه فأكلت حتى شبعت» . وقال الطبراني: ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أبا هريرة قال لابنته: لا تلبسي الذهب فإني أخشى عليك حر اللهب. وقد روي هذا عن أبي هريرة من طرق. وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج ثنا شعبة عن سماك بن حرب عن أبي الربيع عن أبي هريرة أنه قال: إن هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم- يعني الشهوات وما يأكلونه- وروى الطبراني عن ابن سيرين عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال: أتكره العمل وقد عمل من هو خير منك؟ - أو قال: قد طلبه من هو خير منك-؟ قال: من؟ قال: يوسف عليه السلام فقال أبو هريرة: يوسف نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أميمة، فأخشى ثلاثا أو اثنتين. فقال عمر: أفلا قلت خمسا؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، وأن يضرب ظهري، وينتزع مالي، ويشتم عرضي. وقال سعيد بن أبي هند عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «ألا تسألني من هذه الغنائم التي سألني أصحابك؟ فقلت: أسألك أن تعلمني مما علمك الله، قال: فنزع نمرة على ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأنى إلى القمل يدب عليها، فحدثني حتى إذا استوعب حديثه قال:
اجمعها إليك فصرها، فأصبحت لا أسقط حرفا مما حدثني» . وقال أبو عثمان النهدي: قلت لأبي هريرة: كيف تصوم؟ قال: أصوم أول الشهر ثلاثا فإن حدث بي حدث كان لي أجر شهري.
وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي عثمان النهدي أن أبا هريرة كان في سفر ومعه قوم فلما نزلوا وضعوا السفرة وبعثوا إليه ليأكل معهم فقال: إني صائم، فلما كادوا أن يفرغوا من أكلهم جاء فجعل
يأكل، فجعل القوم ينظرون إلى رسولهم الذي أرسلوه إليه، فقال لهم: أراكم تنظرون إلي، قد والله أخبرني أنه صائم، فقال أبو هريرة: صدق، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صوم شهر صوم الصبر، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر» . وقد صمت ثلاثة أيام من أول الشهر فأنا مفطر في تخفيف الله، صائم في تضعيف الله عز وجل. وروى الإمام أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا إسماعيل عن أبي المتوكل عن أبي هريرة أنه كان هو وأصحاب له إذا صاموا يجلسون في المسجد وقالوا نطهر صيامنا. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا عثمان الشحام أبو سلمة ثنا فرقد السبخي قال: كان أبو هريرة يطوف بالبيت وهو يقول: ويل لي من بطني، إن أشبعته كظني، وإن أجعته أضعفني. وروى الإمام أحمد عن عكرمة قال: قال أبو هريرة: إني لأستغفر الله عز وجل وأتوب إليه كل يوم اثنتي عشرة ألف مرة، وذلك على قدر ديتي. وروى عبد الله بن أحمد عن أبي هريرة أنه كان له خيط فيه اثنا عشر ألف عقدة يسبح به قبل أن ينام. وفي رواية ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به، وهو أصح من الذي قبله. ولما حضره الموت بكى فقيل له: ما يبكيك؟ فقال:
ما أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري وقلة زادي، وإني أصبحت في صعود ومهبط على جنة ونار، لا أدري إلى أيهما يؤخذ بي. وروى قتيبة بن سعيد ثنا الفرج بن فضالة عن أبي سعيد عن أبي هريرة قال: «إذا زوقتم مساجدكم وحليتم مصاحفكم فالدمار عليكم» وروى الطبراني عن معمر قال: بلغني عن أبي هريرة أنه كان إذا مر به جنازة قال روحوا فإنا غادون، أو اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة، وعقلة سريعة، يذهب الأول ويبقى الآخر لا عقل له. وقال الحافظ أبو بكر بن مالك: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبو بكر ليث بن خالد البجلي ثنا عبد المؤمن بن عبد الله السدوسي. قال: سمعت أبا يزيد المديني يقول: قام أبو هريرة على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم دون مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعتبة، فقال: ويل للعرب من شر قد اقترب، ويل لهم من إمارة الصبيان، يحكمون فيهم بالهوى ويقتلون بالغضب. وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن ثابت عن أسامة ابن زيد عن أبي زياد- مولى ابن عباس- عن أبي هريرة قال: كانت لي خمس عشرة ثمرة فأفطرت على خمس وتسحرت بخمس وأبقيت خمسا لفطري. وقال أحمد: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا إسماعيل- يعني العبدي- عن أبي المتوكل أن أبا هريرة كانت لهم زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها يوما السوط ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشينك به، ولكن سأبيعك ممن يوفيني ثمنك، أحوج ما أكون إليه، اذهبي فأنت حرة لله عز وجل. وروى حماد بن سلمة عن أيوب عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أن أبا هريرة مرض فدخلت عليه أعوده فقلت: اللهم اشف أبا هريرة، فقال: اللهم لا ترجعها، ثم قال: يا أبا سلمة يوشك أن يأتي على الناس زمان يكون الموت أحب
إلى أحدهم من الذهب الأحمر. وروى عطاء عن أبي هريرة قال: إذا رأيتم ستا فإن كانت نفس أحدكم في يده فليرسلها، فلذلك أتمنى الموت أخاف أن تدركني، إذا أمرت السفهاء، وبيع الحكم، وتهون بالدم، وقطعت الأرحام، وكثرت الجلاوزة، ونشأ نشو يتخذون القرآن مزامير. وقال ابن وهب: حدثنا عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبي مالك القرظي حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمتى حطب- وهو يومئذ أمير لمروان بن الحكم- فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك، [فقلت يرحمك الله يكفي هذا! فقال: أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه] [1] وله فضائل ومناقب كثيرة وكلام حسن ومواعظ جمة، أسلم كما قدمنا عام خيبر، فلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه إلا حين بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين، ووصاه به، فجعله العلاء مؤذنا بين يديه، وقال له أبو هريرة: لا تسبقني بآمين أيها الأمير. وقد استعمله عمر بن الخطاب عليها في أيام إمارته، وقاسمه مع جملة العمال. قال عبد الرزاق: حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين. أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال أي عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما.
فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت، وغلة ورقيق لي، وأعطية تتابعت علي. فنظروا فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيرا منك؟ طلبه يوسف عليه السلام، فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي، وأنا أبو هريرة بن أمية وأخشى ثلاثا واثنين، قال عمر: فهلا قلت خمسة؟ قال: أخشى أن أقول بغير علم، وأقضى بغير حلم، أو يضرب ظهري، وينزع مالي، ويشتم عرضي. وذكر غيره أن عمر غرمه في العمالة الأولى اثني عشر ألفا فلهذا امتنع في الثانية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن محمد بن زياد.
قال: كان معاوية يبعث أبا هريرة على المدينة فإذا غضب عليه عزله وولى مروان بن الحكم، فإذا جاء أبو هريرة إلى مروان حجبه عنه، فعزل مروان ورجع أبو هريرة، فقال لمولاه: من جاءك فلا ترده واحجب مروان، فلما جاء مروان دفع الغلام في صدره فما دخل إلا بعد جهد جهيد، فلما دخل قال:
إن الغلام حجبنا عنك، فقال له أبو هريرة: إنك أحق الناس أن لا تغضب من ذلك. والمعروف أن مروان هو الذي كان يستنيب أبا هريرة في إمرة المدينة، ولكن كان يكون عن إذن معاوية في ذلك والله أعلم. وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع: كان مروان ربما استخلف أبا هريرة على المدينة فيركب الحمار ويلقى الرجل فيقول: الطريق قد جاء الأمير- يعني نفسه- وكان يمر بالصبيان وهم يلعبون بالليل لعبة الأعراب، وهو أمير، فلا يشعرون إلا وقد ألقى نفسه بينهم ويضرب برجليه
كأنه مجنون، يريد بذلك أن يضحكهم، فيفزع الصبيان منه ويفرون عنه هاهنا وهاهنا يتضاحكون.
قال أبو رافع: وربما دعاني أبو هريرة إلى عشائه بالليل فيقول: دع العراق للأمير- يعني قطع اللحم- قال: فأنظر فإذا هو ثريد بالزيت. وقال ابن وهب: حدثني عمرو بن الحارث عن يزيد بن زياد القرظي أن ثعلبة بن أبى مالك حدثه أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة مروان فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك. فقلت: أصلحك الله تلقى هذا، فقال: أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه. وقد تقدم هذا. وروى نحوه من غير وجه. وقال أبو الزعيزعة كاتب مروان:
بعث مروان إلى أبي هريرة بمائة دينار، فلما كان الغد بعث إليه: إني غلطت ولم أردك بها، وإني إنما أردت غيرك. فقال أبو هريرة: قد أخرجتها فإذا خرج عطائي فخذها منه- وكان قد تصدق بها- وإنما أراد مروان اختباره. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الجبار ثنا حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد بن المسيب قال: كان معاوية إذا أعطى أبا هريرة سكت، وإذا أمسك عنه تكلم.
وروى غير واحد عن أبي هريرة أنه جاءه شاب فقال: يا أبا هريرة إني أصبحت صائما فدخلت على أبي فجاءني بخبز ولحم فأكلت ناسيا، فقال: طعمة أطعمكها الله لا عليك، قال: ثم دخلت دارا لأهلي فجيء بلبن لقحة فشربته ناسيا، قال: لا عليك، قال: ثم نمت فاستيقظت فشربت ماء، وفي رواية وجامعت ناسيا، فقال أبو هريرة: إنك يا ابن أخى لم تعتد الصيام. [وقال غير واحد: كان أبو هريرة إذا رأى الجنازة قال: روحوا فإنا غادون، أو اغدوا فإنا رائحون. وروى غير واحد أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: على قلة الزاد وشدة المفازة، وأنا على عقبة هبوط إما إلى جنة أو إلى نار فما أدري إلى أيهما أصير] [1] وقال مالك عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. قال: دخل مروان على أبي هريرة في مرضه الذي مات فيه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة، فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي. قال: فما بلغ مروان أصحاب القطن حتى مات أبو هريرة وقال يعقوب ابن سفيان عن دحيم عن الوليد بن جابر عن عمير بن هانئ. قال قال أبو هريرة: اللهم لا تدركني سنة ستين، قال: فتوفي فيها أو قبلها بسنة، وهكذا قال الواقدي: أنه توفي سنة تسع وخمسين، عن ثمان وسبعين سنة، قال الواقدي: وهو الذي صلى على عائشة في رمضان، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ثم توفي أبو هريرة بعدهما فيها، كذا قال، والصواب أن أم سلمة تأخرت بعد أبي هريرة. وقد قال غير واحد: إنه توفي سنة تسع وخمسين وقيل ثمان، وقيل سبع وخمسين، والمشهور تسع وخمسين. قالوا: وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان نائب المدينة، وفي القوم ابن عمر وأبو سعيد وخلق من الصحابة وغيرهم، وكان ذلك عند صلاة العصر، وكانت وفاته في داره بالعقيق،
فحمل إلى المدينة فصلى عليه، ثم دفن بالبقيع رحمه الله ورضي عنه. وكتب الوليد بن عتبة إلى معاوية بوفاة أبي هريرة، فكتب إليه معاوية: أن انظر ورثته فأحسن إليهم، واصرف إليهم عشرة آلاف درهم، وأحسن جوارهم، واعمل إليهم معروفا، فإنه كان ممن نصر عثمان، وكان معه في الدار رحمهما الله تعالى:
سنة ستين من الهجرة النبوية
ص 114
فيها كانت غزوة مالك بن عبد الله مدينة سورية، قال الواقدي: وفيها دخل جنادة بن أبى أمية جزيرة رودس، وفيها أخذ معاوية البيعة ليزيد من الوفد الذين قدموا صحبة عبيد الله بن زياد إلى دمشق، وفيها مرض معاوية مرضه الذي توفي فيه في رجب منها كما سنبينه. فروى ابن جرير من طريق أبي مخنف: حدثني عبد الملك بن نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة أن معاوية لما مرض مرضته التي هلك فيها، دعا ابنه يزيد فقال: يا بني إني قد كفيتك الرحلة والرجال. ووطأت لك الأشياء، وذللت لك الأعزاء، وأخضعت لك أعناق العرب، وإني لا أتخوف أن ينازعك هذا الأمر الذي أسسته إلا أربعة نفر، الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر. كذا قال، والصحيح أن عبد الرحمن كان قد توفي قبل موت معاوية بسنتين كما قدمنا، فأما ابن عمر فهو رجل ثقة قد وقدته العبادة، وإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين فان أهل العراق خلفه لا يدعونه حتى يخرجونه عليك، فان خرج فظفرت به فاصفح عنه، فإن له رحما ماسة، وحقا عظيما. وأما ابن أبي بكر فهو رجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئا صنع مثله، ليست له همة إلا في النساء واللهو. وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، وإذا أمكنته فرصة وثب، فذاك ابن الزبير، فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطعه إربا إربا. قال غير واحد: فحين حضرت معاوية الوفاة كان يزيد في الصيد، فاستدعى معاوية الضحاك بن قيس الفهري- وكان على شرطة دمشق- ومسلم بن عقبة فأوصى إليهما أن يبلغا يزيد السلام ويقولان له يتوصى بأهل الحجاز، وإن سأله أهل العراق في كل يوم أن يعزل عنهم عاملا ويولى عليهم عاملا فليفعل، فعزل واحد أحب إليك من أن يسل عليك مائة ألف سيف، وأن يتوصى بأهل الشام، وأن يجعلهم أنصاره، وأن يعرف لهم حقهم، ولست أخاف عليه من قريش سوى ثلاثة، الحسين، وابن عمر، وابن الزبير. ولم يذكر عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا أصح، فأما ابن عمر فقد وقدته العبادة، وأما الحسين فرجل ضعيف وأرجو أن يكفيكه الله تعالى بمن قتل أباه وخذل أخاه، وإن له رحما ماسة وحقا عظيما، وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه، فإن قدرت عليه فاصفح عنه فانى لو صاحبته عفوت عنه. وأما ابن الزبير فإنه خب ضب فان شخص لك فانبذ إليه إلا أن يلتمس منك صلحا، فإن فعل فاقبل منه، واصفح عن دماء قومك ما استطعت.
وكان موت معاوية لاستهلال رجب من هذه السنة. قاله هشام بن الكلبي. وقيل للنصف منه، قاله الواقدي. وقيل يوم الخميس لثمان بقين منه، قاله المدائني. قال ابن جرير: وأجمعوا على أنه هلك في رجب منها، وكان مدة ملكه استقلالا من جمادى سنة إحدى وأربعين حين بايعه الحسن بن علي بأدرج، فذلك تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وكان نائبا في الشام عشرين سنة تقريبا، وقيل غير ذلك، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة، وقيل خمسا وسبعين سنة، وقيل ثمانيا وسبعين سنة، وقيل خمسا وثمانين سنة، وسيأتي بقية الكلام في آخر ترجمته. وقال أبو السكن زكريا بن يحيى: حدثني عم أبي زحر بن حصين عن جده حميد بن منهب. قال: كانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له بيت للضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت يوما فاضطجع الفاكه وهند فيه في وقت القائلة، ثم خرج الفاكه لبعض شأنه، وأقبل رجل ممن كان يغشاه فولج البيت فلما رأى المرأة فيه ولى هاربا، ورآه الفاكه وهو خارج من البيت، فأقبل إلى هند وهي مضطجعة فضربها برجله وقال: من هذا الذي كان عندك؟ قالت: ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى أنبهتني أنت، فقال لها: الحقي بأبيك، وتكلم فيها الناس، فقال لها أبوها: يا بنية إن الناس قد أكثروا فيك القالة، فأنبئيني نبأك، فإن يكن الرجل عليك صادقا دسست إليه من يقتله فينقطع عنك القالة، وإن يك كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن، فعند ذلك حلفت هند لأبيها بما كانوا يحلفون في الجاهلية إنه لكاذب عليها، فقال عتبة بن ربيعة للفاكه: يا هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم، [وعار كبير، لا يغسله الماء، وقد جعلتنا في العرب بمكان ذلة ومنقصة، ولولا أنك منى ذو قرابة لقتلتك، ولكن سأحاكمك إلى كاهن اليمن] [1] فحاكمني إلى بعض كهان اليمن، فخرج الفاكه في بعض جماعة من بنى مخزوم- أقاربه- وخرج عتبة في جماعة من بني عبد مناف، وخرجوا بهند ونسوة معها من أقاربهم، ثم ساروا قاصدين بلاد اليمن، فلما شارفوا بلاد الكاهن قالوا غدا نأتي الكاهن، فلما سمعت هند ذلك تنكرت حالها وتغير وجهها، وأخذت في البكاء، فقال لها أبوها: يا بنية قد أرى ما بك من تنكر الحال، وكثرة البكاء، وما ذاك أراه عندك إلا لمكروه أحدثتيه، وعمل اقترفتيه، فهلا كان هذا قبل أن يشيع في الناس ويشتهر مسيرنا؟
فقالت: والله يا أبتاه ما هذا الذي تراه مني لمكروه وقع مني، وإني لبريئة، ولكن هذا الذي تراه من الحزن وتغير الحال هو أني أعلم أنكم تأتون هذا الكاهن وهو بشر يخطئ ويصيب، وأخاف أن يخطئ في أمرى بشيء يكون عاره على إلى آخر الدهر، ولا آمنه أن يسمني ميسما تكون علي سبة في العرب. فقال لها أبوها: لا تخافي فإني سوف أختبره وأمتحنه قبل أن يتكلم في شأنك وأمرك، فان
أخطأ فيما أمتحنه به لم أدعه يتكلم في أمرك. ثم إنه انفرد عن القوم- وكان راكبا مهرا- حتى توارى عنهم خلف رابية فنزل عن فرسه ثم صفر له حتى أدلى، ثم أخذ حبة بر فأدخلها في إحليل المهر، وأوكى عليها بسير حتى أحكم ربطها، ثم صفر له حتى اجتمع إحليله، ثم أتى القوم فظنوا أنه ذهب ليقضى حاجة له، ثم أتى الكاهن فلما قدموا عليه أكرمهم ونحر لهم، فقال له عتبة: إنا قد جئناك في أمر، ولكن لا أدعك تتكلم فيه حتى تبين لنا ما خبأت لك، فإني قد خبأت لك خبيئا فانظر ما هو، فأخبرنا به. قال الكاهن: ثمرة في كمرة، قال: أريد أبين من هذا، قال: حبات بر في إحليل مهر، قال: صدقت فخذ لما جئناك له، انظر في أمر هؤلاء النسوة، فأجلس النساء خلفه وهند معهم لا يعرفها، ثم جعل يدنو من إحداهن فيضرب كتفها ويبريها، ويقول: انهضي، حتى دنا من هند فضرب كتفها وقال انهضى حصان رزان، غير رسخا ولا زانية، ولتلدن ملكا يقال له معاوية. فوثب إليها الفاكه فأخذ بيدها، فنترت يدها من يده وقالت له: إليك عني، والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة، والله لأحرصن أن يكون هذا الملك من غيرك، فتزوجها أبو سفيان بن حرب فجاءت منه بمعاوية هذا. وفي رواية أن أباها هو الذي قال للفاكه ذلك والله سبحانه أعلم.
وهذه ترجمة معاوية رضي الله عنه وذكر شيء من أيامه ودولته وما ورد في مناقبه وفضائله رحمه الله
ص 116
وهو معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، القرشي الأموي، أبو عبد الرحمن، خال المؤمنين، وكاتب وحي رسول رب العالمين. وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، أسلم معاوية عام الفتح، وروي عنه أنه قال: أسلمت يوم القضية ولكن كتمت إسلامي من أبي، ثم علم بذلك فقال لي: هذا أخوك يزيد وهو خير منك على دين قومه، فقلت له: لم آل نفسي جهدا. قال معاوية: ولقد دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء وإني لمصدق به، ثم لما دخل عام الفتح أظهرت إسلامي فجئته فرحب بي، وكتبت بين يديه. قال الواقدي: وشهد معه حنينا، وأعطاه مائة من الإبل، وأربعين أوقية من ذهب، وزنها بلال، وشهد اليمامة. وزعم بعضهم أنه هو الذي قتل مسيلمة، حكاه ابن عساكر، وقد يكون له شرك في قتله، وإنما الذي طعنه وحشي، وجلله أبو دجانة سماك بن خرشة بالسيف، وكان أبوه من سادات قريش، وتفرد بالسؤدد بعد يوم بدر، ثم لما أسلم حسن بعد ذلك إسلامه، وكان له مواقف شريفة، وآثار محمودة في يوم اليرموك وما قبله وما بعده، وصحب معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب الوحي بين يديه مع الكتاب، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من السنن والمسانيد، وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، قال أبو بكر بن أبي الدنيا: كان معاوية طويلا
أبيض جميلا، إذا ضحك انقلبت شفته العليا، وكان يخضب. حدثني محمد بن يزيد الأزدي ثنا أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز عن أبي عبد رب قال: رأيت معاوية يصفر لحيته كأنها الذهب. وقال غيره: كان أبيض طويلا أجلح أبيض الرأس واللحية يخضبهما بالحناء والكتم. وقد أصابته لوقة في آخر عمره، فكان يستر وجهه ويقول: رحم الله عبدا دعا لي بالعافية، فقد رميت في أحسني وما يبدو مني ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي، وكان حليما وقورا رئيسا سيدا في الناس، كريما عادلا شهما. وقال المدائني عن صالح بن كيسان قال: رأى بعض متفرسي العرب معاوية وهو صبي صغير، فقال: إني لأظن هذا الغلام سيسود قومه، فقالت هند: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه.
وقال الشافعي قال أبو هريرة: رأيت هندا بمكة كأن وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبي يلعب، فمر رجل فنظر إليه فقال: إني لأرى غلاما إن عاش ليسودن قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلى قومه فأماته الله، وهو معاوية بن أبي سفيان. وقال محمد بن سعد: أنبأنا علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف قال: نظر أبو سفيان يوما إلى معاوية وهو غلام فقال لهند:
إن ابني هذا لعظيم الرأس، وإنه لخليق أن يسود قومه، فقالت هند: قومه فقط، ثكلته إن لم يسد العرب قاطبة. وكانت هند تحمله وهو صغير وتقول:
إن بني معرق كريم ... محبب في أهله حليم
ليس بفحاش ولا لئيم ... ولا ضجور ولا سئوم
صخر بني فهر به زعيم ... لا يخلف الظن ولا يخيم
قال: فلما ولى عمر يزيد بن أبي سفيان ما ولاه من الشام، خرج إليه معاوية فقال أبو سفيان لهند:
كيف رأيت صار ابنك تابعا لابني؟ فقالت: إن اضطربت خيل العرب فستعلم أين يقع ابنك مما يكون فيه ابني، فلما مات يزيد بن أبي سفيان سنة بضع عشرة، وجاء البريد إلى عمر بموته، رد عمر البريد إلى الشام بولاية معاوية مكان أخيه يزيد، ثم عزى أبا سفيان في ابنه يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين من وليت مكانه؟ قال أخوه معاوية، قال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين. وقالت هند لمعاوية فيما كتبت به إليه: والله يا بني إنه قل أن تلد حرمة مثلك، وإن هذا الرجل قد استنهضك في هذا الأمر، فاعمل بطاعته فيما أحببت وكرهت. وقال له أبوه: يا بني إن هؤلاء الرهط من المهاجرين سبقونا وتأخرنا فرفعهم سبقهم وقدمهم عند الله وعند رسوله، وقصر بنا تأخيرنا فصاروا قادة وسادة، وصرنا أتباعا، وقد ولوك جسيما من أمورهم فلا تخالفهم، فإنك تجري إلى أمد فنافس فإن بلغته أورثته عقبك، فلم يزل معاوية نائبا على الشام في الدولة العمرية والعثمانية مدة خلافة عثمان، وافتتح في سنة سبع وعشرين جزيرة قبرص وسكنها المسلمون قريبا من ستين سنة في أيامه ومن بعده، ولم تزل الفتوحات
والجهاد قائما على ساقه في أيامه في بلاد الروم والفرنج وغيرها، فلما كان من أمره وأمر أمير المؤمنين علي ما كان، لم يقع في تلك الأيام فتح بالكلية، لا على يديه ولا على يدي علي، وطمع في معاوية ملك الروم بعد أن كان قد أخشاه وأذله، وقهر جنده ودحاهم، فلما رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة وطمع فيه، فكتب معاوية إليه: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت. فعند ذلك خاف ملك الروم وانكف، وبعث يطلب الهدنة.
ثم كان من أمر التحكيم ما كان، وكذلك ما بعده إلى وقت اصطلاحه مع الحسن بن علي كما تقدم، فانعقدت الكلمة على معاوية، وأجمعت الرعايا على بيعته في سنة إحدى وأربعين كما قدمنا، فلم يزل مستقلا بالأمر في هذه المدة إلى هذه السنة التي كانت فيها وفاته، والجهاد في بلاد العدو قائم، وكلمة الله عالية. والغنائم ترد إليه من أطراف الأرض، والمسلمون معه في راحة وعدل، وصفح وعفو.
وقد ثبت في صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس.
قال قال أبو سفيان: يا رسول الله ثلاثا أعطنيهن، قال: نعم، قال: تؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم! قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: نعم: وذكر الثالثة وهو أنه أراد أن يزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنته الأخرى عزة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة، فقال: «إن ذلك لا يحل لي» وقد تكلمنا على ذلك في جزء مفرد، وذكرنا أقوال الأئمة واعتذارهم عنه ولله الحمد. والمقصود منه أن معاوية كان من جملة الكتاب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين يكتبون الوحي. وروى الإمام أحمد ومسلم والحاكم في مستدركه من طريق أبي عوانة- الوضاح ابن عبد الله اليشكري- عن أبي حمزة عمران بن أبي عطاء عن ابن عباس. قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على باب فجاءني فخطانى خطاة أو خطاتين، ثم قال «اذهب فادع لي معاوية- وكان يكتب الوحي- قال: فذهبت فدعوته له فقيل:
إنه يأكل، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل:
إنه يأكل فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه» قال: فما شبع بعدها، وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه، أما في دنياه فإنه لما صار إلى الشام أميرا، كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لحم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا ويقول والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك. وأما في الآخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إنما أنا بشر فأيما عبد سببته أو جلدته
أو دعوت عليه وليس لذلك أهلا فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة» . فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك. وقال المسيب بن واضح عن أبي إسحاق الفزاري عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس. قال: «أتى جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أقرئ معاوية السلام واستوص به خيرا، فإنه أمين الله على كتابه ووحيه ونعم الأمين. ثم أورده ابن عساكر من وجه آخر عن عبد الملك بن أبي سليمان، ثم أورده أيضا من رواية علي وجابر بن عبد الله «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استشار جبريل في استكتابه معاوية، فقال: استكتبه فإنه أمين» . ولكن في الأسانيد إليهما غرابة، ثم أورد عن علي في ذلك غرائب كثيرة عن غيره أيضا. وقال أبو عوانة عن سليمان عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأقمر الزبيدي عن عبد الله بن عمرو. قال: كان معاوية يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد الصيدلاني ثنا السري عن عاصم ثنا عبد الله بن يحيى بن أبى كثير عن أبيه هشام بن عروة عن عائشة. قالت: لما كان يوم أم حبيبة من النبي صلى الله عليه وسلم، دق الباب داق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «انظروا من هذا؟ قالوا: معاوية، قال: ائذنوا له، فدخل وعلى أذنه قلم يخط به، فقال: ما هذا القلم على أذنك يا معاوية؟ قال: قلم أعددته لله ولرسوله، فقال له: جزاك الله عن نبيك خيرا، والله ما استكتبتك إلا بوحي من الله، وما أفعل من صغيرة ولا كبيرة إلا بوحي من الله، كيف بك لو قمصك الله قميصا- يعني الخلافة-؟
فقامت أم حبيبة فجلست بين يديه وقالت: يا رسول الله وإن الله مقمصه قميصا؟ قال: نعم! ولكن فيه هنات وهنات. فقالت: يا رسول الله فادع الله له، فقال: اللهم اهده بالهدى، وجنبه الردى، واغفر له في الآخرة والأولى» . قال الطبراني تفرد به السري عن عاصم عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن هشام. وقد أورد ابن عساكر بعد هذا أحاديث كثيرة موضوعة، والعجب منه مع حفظه واطلاعه كيف لا ينبه عليها وعلى نكارتها وضعف رجالها والله الموفق للصواب. وقد أوردنا من طريق أبي هريرة وأنس وواثلة بن الأسقع مرفوعا: «الأمناء ثلاثة، جبريل، وأنا ومعاوية» ولا يصح من جميع وجوهه، ومن رواية ابن عباس: «الأمناء سبعة، القلم، واللوح، وإسرافيل، وميكائيل، وجبريل، وأنا، ومعاوية» وهذا أنكر من الأحاديث التي قبله، وأضعف إسنادا. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية- يعني ابن صالح- عن يونس بن سيف عن الحارث بن زياد عن أبي رهم عن العرباض بن سارية السلمي. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى السحور في شهر رمضان: هلم إلى الغداء المبارك، ثم سمعته يقول: اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب» . تفرد به أحمد. ورواه ابن جرير من حديث ابن مهدي، وكذلك رواه
أسد بن موسى، وبشر بن السري، وعبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، بإسناده مثله. وفي رواية بشر بن السري «وأدخله الجنة» ورواه ابن عدي وغيره من حديث عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن عطاء عن ابن عباس. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب» . وقال محمد بن سعد: ثنا سليمان بن حرب والحسين بن موسى الأشيب قال: ثنا أبو هلال محمد بن سليم ثنا جبلة بن عطية عن مسلمة بن مخلد، وقال الأشهب: قال أبو هلال أو عن رجل عن مسلمة بن مخلد، وقال سليمان بن حرب أو حدثه مسلمة عن رجل أنه رأى معاوية يأكل فقال لعمرو بن العاص: إن ابن عمك هذا لمخضد: قال أما إني أقول لك هذا وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم علمه الكتاب ومكن له في البلاد وقه العذاب» . وقد أرسله غير واحد من التابعين منهم الزهري وعروة بن رويم وجرير بن عثمان الرحبي الحمصي، ويونس بن ميسرة بن حلبس. وقال الطبراني: ثنا أبو زرعة وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الدمشقيان قالا: ثنا أبو مسهر ثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني- وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية: «اللهم علمه الكتاب والحساب وقه العذاب» قال ابن عساكر: وهذا غريب، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث العرباض الذي تقدم، ثم روى من طريق الطبراني عن أبي زرعة عن أبي مسهر عن سعيد عن ربيعة عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاوية: «اللهم اجعله هاديا مهديا واهده واهد به» وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر ثنا الوليد بن مسلم ثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبى عميرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر معاوية فقال: «اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به» وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يحيى عن أبي مسهر عن سعيد بن عبد العزيز به. وقال حسن غريب. وقد رواه عمر بن عبد الواحد ومحمد بن سليمان الحراني كما رواه الوليد بن مسلم وأبو مسهر عن سعيد عن ربيعة بن يزيد عن عبد الرحمن بن أبي عميرة. ورواه محمد بن المصفى عن مروان بن محمد الطاطري عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن ابن أبي عميرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لمعاوية فقال: «اللهم علمه العلم، واجعله هاديا مهديا، واهده واهد به» وقد رواه سلمة بن شبيب وصفوان بن صالح وعيسى بن هلال وأبو الأزهر عن مروان الطاطري، ولم يذكروا أبا إدريس في إسناده. ورواه الطبراني عن عبدان بن أحمد عن علي بن سهل الرملي عن الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني. أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر معاوية فقال: «اللهم اجعله هاديا مهديا واهده» قال ابن عساكر: وقول الجماعة هو الصواب. وقد اعتنى ابن عساكر بهذا الحديث وأطنب فيه وأطيب
وأطرب، وأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد، فرحمه الله، كم له من موطن قد تبرز فيه على غيره من الحفاظ والنقاد. وقال الترمذي: حدثنا محمد بن يحيى ثنا عبد الله بن محمد النفيلي ثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني قال: لما عزل عمر بن الخطاب عمير بن سعد عن الشام وولى معاوية قال الناس: عزل عمر عميرا وولى معاوية، فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلا بخير، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اللهم اهد به» تفرد به الترمذي وقال: غريب. وعمرو ابن واقد ضعيف، هكذا ذكره أصحاب الأطراف في مسند عمير بن سعد الأنصاري. وعندي أنه ينبغي أن يكون من رواية عمر بن الخطاب، ويكون الصواب فقال عمر: لا تذكروا معاوية إلا بخير، ليكون عذرا له في توليته له. ومما يقوي هذا أن هشام بن عمار قال: حدثنا ابن أبي السائب- وهو عبد العزيز بن الوليد بن سليمان- قال: وسمعت أبي يذكر أن عمر بن الخطاب ولى معاوية بن أبي سفيان فقالوا: ولى حدث السن، فقال: تلومونني في ولايته، وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به» وهذا منقطع يقويه ما قبله.
قال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح ثنا نعيم بن حماد ثنا محمد بن شعيب بن سابور ثنا مروان بن جناح عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن عبد الله بن بسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«استشار أبا بكر وعمر في أمر فقال: أشيروا علي، فقالا: الله ورسوله أعلم، فقال: ادعوا معاوية؟
فقال أبو بكر وعمر: أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من رجال قريش ما يتقنون أمرهم، حتى يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غلام من غلمان قريش؟ فقال: ادعوا لي معاوية فدعي له، فلما وقف بين يديه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحضروه أمركم وأشهدوه أمركم، فإنه قوي أمين» . ورواه بعضهم عن نعيم وزاد «وحملوه أمركم» . ثم ساق ابن عساكر أحاديث كثيرة موضوعة بلا شك في فضل معاوية، أضربنا عنها صفحا، واكتفينا بما أوردناه من الأحاديث الصحاح والحسان والمستجادات عما سواها من الموضوعات والمنكرات.
ثم قال ابن عساكر: وأصح ما روى في فضل معاوية حديث أبى جمرة عن ابن عباس «أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلم» أخرجه مسلم في صحيحه، وبعده حديث العرباض: «اللهم علم معاوية الكتاب» وبعده حديث ابن أبي عميرة: «اللهم اجعله هاديا مهديا» قلت: وقد قال البخاري في كتاب المناقب: ذكر معاوية بن أبي سفيان: حدثنا الحسن بن بشر ثنا المعافى عن عثمان ابن الأسود عن ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة وعنده مولى لابن عباس، فأتى ابن عباس، فقال: أوتر معاوية بركعة بعد العشاء، فقال: دعه فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حدثنا ابن أبي مريم ثنا نافع بن عمر ثنا ابن أبي مليكة. قال: قيل لابن عباس: هل لك في
أمير المؤمنين معاوية؟ ما أوتر إلا بواحدة! قال: أصاب، إنه فقيه. ثنا عمرو بن عباس ثنا جعفر ثنا شعبة عن أبي التياح قال: سمعت حمدان عن أبان عن معاوية. قال: إنكم لتصلون صلاة، لقد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رأيناه يصليهما، ولقد نهى عنهما- يعني الركعتين بعد العصر- ثم قال البخاري بعد ذلك: ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة: حدثنا عبدان ثنا عبد الله ثنا يونس عن الزهري حدثني عروة أن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة امرأة أبى سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:
يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك، فقال:
وأيضا والذي نفسي بيده. فقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل على من حرج أن أطعم من الذي له عيالنا؟ قال: لا إلا بالمعروف» . فالمدحة في قوله: «وأيضا والذي نفسي بيده» وهو أنه كان يود أن هندا وأهلها وكل كافر يذلوا في حال كفرهم، فلما أسلموا كان يحب أن يعزوا فأعزهم الله- يعني أهل خبائها.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح ثنا أبو أمية عمرو بن يحيى بن سعيد قال. سمعت جدي يحدث أن معاوية أخذ الإداوة بعد أبي هريرة فتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها- وكان أبو هريرة قد اشتكى- فبينما هو يوضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رفع رأسه إليه مرة أو مرتين وهو يتوضأ فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل. قال معاوية فما زلت أظن أني سأبتلى بعمل لقول النبي صلى الله عليه وسلم حتى ابتليت» . تفرد به أحمد، ورواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن أبي إسحاق الهمذاني سعيد بن زنبور بن ثابت عن عمرو ابن يحيى بن سعيد. ورواه ابن منده من حديث بشر بن الحكم عن عمرو بن يحيى به. وقال أبو يعلى: حدثنا سويد بن سعيد ثنا عمرو بن يحيى بن سعيد عن جده عن معاوية قال: «اتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فلما توضأ نظر إلي فقال: يا معاوية إن وليت أمرا فاتق واعدل، فما زلت أظن أني مبتلى بعمل حتى وليت» . ورواه غالب القطان عن الحسن. قال: سمعت معاوية يخطب وهو يقول: «صببت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه فرفع رأسه إلي فقال: أما إنك ستلي أمر أمتي بعدي، فإذا كان ذلك فاقبل من محسنهم وتجاوز عن مسيئهم، وقال: فما زلت أرجو حتى قمت مقامي هذا» . وروى البيهقي عن الحاكم بسنده إلى إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن عبد الملك بن عمير. قال قال معاوية: والله ما حملني على الخلافة إلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ملكت فأحسن» قال البيهقي: إسماعيل بن إبراهيم هذا ضعيف، إلا أن للحديث شواهد. وروى ابن عساكر بإسناده عن نعيم بن حماد: ثنا محمد بن حرب عن أبي بكر بن أبي مريم ثنا محمد بن زياد عن عوف بن مالك الأشجعي قال: «بينما أنا راقد في كنيسة يوحنا- وهي يومئذ مسجد يصلى فيها- إذ انتبهت من نومي فإذا أنا بأسد يمشي بين يدي، فوثبت إلى سلاحي، فقال الأسد: مه! إنما أرسلت إليك
برسالة لتبلغها، فقلت: ومن أرسلك؟ قال: الله أرسلني إليك لتبلغ معاوية السلام وتعلمه أنه من أهل الجنة، فقلت له. ومن معاوية؟ قال: معاوية بن أبي سفيان» ورواه الطبراني عن أبي يزيد القراطيسي عن المعلى بن الوليد القعقاعي عن محمد بن حبيب الخولاني عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، وفيه ضعف وهذا غريب جدا، ولعل الجميع مناما، ويكون قوله: إذ انتبهت من نومي مدرجا لم يضبطه ابن أبي مريم، والله أعلم.
وقال محمد بن عائذ عن الوليد عن ابن لهيعة عن يونس عن الزهري. قال: قدم عمر الجابية فنزع شرحبيل وأمر عمرو بن العاص بالمسير إلى مصر، ونفى الشام على أميرين أبي عبيدة ويزيد، ثم توفي أبو عبيدة فاستخلف عياض بن غنم، ثم توفي يزيد فأمر معاوية مكانه، ثم نعاه عمر لأبى سفيان، فقال لأبى سفيان: احتسب يزيد بن أبي سفيان، قال: من أمرت مكانه؟ قال: معاوية، فقال: وصلت رحما يا أمير المؤمنين، فكان معاوية على الشام، وعمير بن سعد حتى قتل عمر، رضي الله عنهم. وقال محمد بن إسحاق: مات أبو عبيدة في طاعون عمواس واستخلف معاذا، فمات معاذ واستخلف يزيد بن أبي سفيان، فمات واستخلف أخاه معاوية فأقره عمر، وولى عمرو بن العاص فلسطين والأردن، ومعاوية دمشق وبعلبك والبلقاء، وولى سعد بن عامر بن جذيم حمص، ثم جمع الشام كلها لمعاوية بن أبى سفيان، ثم أمره عثمان بن عفان على الشام. وقال إسماعيل بن أمية: أفرد عمر معاوية بإمرة الشام، وجعل له في كل شهر ثمانين دينارا. والصواب أن الذي جمع لمعاوية الشام كلها عثمان بن عفان، وأما عمر فإنه إنما ولاه بعض أعمالها. وقال بعضهم: لما عزيت هند في يزيد بن أبي سفيان- ولم يكن منها- قيل لها: إنه قد جعل معاوية أميرا مكانه، فقالت: أو مثل معاوية يجعل خلفا من أحد؟ فو الله لو أن العرب اجتمعت متوافرة ثم رمي به فيها لخرج من أي أعراضها (نواحيها) شاء. وقال آخرون: ذكر معاوية عند عمر فقال: دعوا فتى قريش وابن سيدها، إنه لمن يضحك في الغضب ولا ينال منه إلا على الرضا، ومن لا يأخذ من فوق رأسه إلا من تحت قدميه.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن قدامة الجوهري حدثني عبد العزيز بن يحيى عن شيخ له. قال:
لما قدم عمر بن الخطاب الشام تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا من عمر قال له: أنت صاحب الموكب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال: هذا حالك مع ما بلغني من طول وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ قال: هو ما بلغك من ذلك. قال: ولم تفعل هذا؟ لقد هممت أن آمرك بالمشي حافيا إلى بلاد الحجاز، قال: يا أمير المؤمنين إنا بأرض جواسيس العدو فيها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما يكون فيه عز للإسلام وأهله ويرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال له عمر: يا معاوية ما سألتك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الضرس، لئن كان ما قلت حقا إنه
لرأى أريت، ولئن كان باطلا إنه لخديعة أديت. قال: فمرني يا أمير المؤمنين بما شئت، قال:
لا آمرك ولا أنهاك. فقال رجل: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته فيه؟! فقال عمر: لحسن موارده ومصادره جشمناه ما جشمناه. وفي رواية أن معاوية تلقى عمر حين قدم الشام، ومعاوية في موكب كثيف، فاجتاز بعمر وهو وعبد الرحمن بن عوف راكبان على حمار، ولم يشعر بهما، فقيل له: إنك جاوزت أمير المؤمنين، فرجع، فلما رأى عمر ترجل وجعل يقول له ما ذكرنا، فقال عبد الرحمن بن عوف: ما أحسن ما صدر عما أوردته فيه يا أمير المؤمنين!؟ فقال: من أجل ذلك جشمناه ما جشمناه.
وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: أخبرنا محمد بن ذئب عن مسلم بن جندب عن أسلم مولى عمر قال: قدم علينا معاوية وهو أبيض نص وباص، أبض الناس وأجملهم، فخرج إلى الحج مع عمر، فكان عمر ينظر إليه فيعجب منه، ثم يضع إصبعه على متن معاوية ثم يرفعها عن مثل الشراك، فيقول: بخ بخ، نحن إذا خير الناس، أن جمع لنا خير الدنيا والآخرة. فقال معاوية:
يا أمير المؤمنين سأحدثك إنا بأرض الحمامات والريف والشهوات، فقال عمر: سأحدثك ما بك إلا إلطافك نفسك بأطيب الطعام وتصبحك حتى تضرب الشمس متنيك، وذوو الحاجات وراء الباب.
فقال: يا أمير المؤمنين علمني أمتثل. قال: فلما جئنا ذا طوى أخرج معاوية حلة فلبسها، فوجد عمر منها ريحا كأنه ريح طيب، فقال: يعمد أحدكم فيخرج حاجا مقلا حتى إذا جاء أعظم بلدان الله حرمة أخرج ثوبيه كأنهما كانا في الطيب فلبسهما؟! فقال معاوية: إنما لبستهما لأدخل فيهما على عشيرتي وقومي، والله لقد بلغني أذاك هاهنا وبالشام، فالله يعلم أني لقد عرفت الحياء فيه، ثم نزع معاوية ثوبيه ولبس ثوبيه اللذين أحرم فيهما.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني أبي عن هشام بن محمد عن أبي عبد الرحمن المدني. قال:
كان عمر بن الخطاب إذا رأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. وهكذا حكى المدائني عن عمر أنه قال ذلك. وقال عمرو بن يحيى بن سعيد الأموي عن جده. قال: دخل معاوية على عمر وعليه حلة خضراء، فنظر إليها الصحابة، فلما رأى ذلك عمر وثب إليه بالدرة فجعل يضربه بها، وجعل معاوية يقول: يا أمير المؤمنين الله الله في، فرجع عمر إلى مجلسه فقال له القوم: لم ضربته يا أمير المؤمنين؟
وما في قومك مثله؟ فقال: والله ما رأيت إلا خيرا، وما بلغني إلا خير، ولو بلغني غير ذلك لكان منى إليه غير ما رأيتم، ولكن رأيته- وأشار بيده- فأحببت أن أضع منه ما شمخ. وقد قال أبو داود:
حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا يحيى بن حمزة ثنا ابن أبي مريم أن القاسم بن مخيمرة أخبره أن أبا مريم الأزدي أخبره. قال: دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان- وهي كلمة تقولها
العرب- فقلت: حديث سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم، احتجب الله دون حاجه وخلته وفقره» . قال:
فجعل معاوية حين سمع هذا الحديث رجلا على حوائج الناس. ورواه الترمذي وغيره.
وقال الإمام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري ثنا حبيب بن الشهيد عن أبي مجاز. قال: خرج معاوية على الناس فقاموا له فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» . [وفي رواية. قال: خرج معاوية على ابن عامر وابن الزبير فقام له ابن عامر ولم يقم له ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحب أن يتمثل له العباد قياما فليتبوأ مقعده من النار» . [1] ورواه أبو داود والترمذي من حديث حبيب بن الشهيد، وقال الترمذي: حديث حسن. وروى أبو داود من حديث الثوري عن ثور بن يزيد عن راشد بن سعد المقري الحمصي عن معاوية. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم» . قال: كلمة سمعها معاوية نفعه الله بها.
تفرد به أحمد- يعني أنه كان جيد السيرة، حسن التجاوز، جميل العفو، كثير الستر رحمه الله تعالى- وثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن معاوية. أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطى، ولا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون» . وفي رواية «وهم على ذلك» وقد خطب معاوية بهذا الحديث مرة ثم قال: وهذا مالك ابن يخامر يخبر عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم بالشام- يحث بهذا أهل الشام على مناجزة أهل العراق: «وإن أهل الشام هم الطائفة المنصورة على من خالفها» وهذا مما كان يحتج به معاوية لأهل الشام في قتالهم أهل العراق. وقال الليث بن سعد: فتح معاوية قيسارية سنة تسع عشرة في دولة عمر بن الخطاب. وقال غيره: وفتح قبرص سنة خمس وقيل سبع، وقيل ثمان وعشرين في أيام عثمان. قالوا: وكان عام غزوة المضيق- يعني مضيق القسطنطينية- في سنة ثنتين وثلاثين في أيامه وكان هو الأمير على الناس عامئذ. وجمع عثمان لمعاوية جميع الشام، وقيل إن عمر هو الذي جمعها له، والصحيح عثمان. واستقضى معاوية فضالة بن عبيد بعد أبي الدرداء، ثم كان ما كان بينه وبين علي بعد قتل عثمان، على سبيل الاجتهاد والرأي، فجرى بينهما قتال عظيم كما قدمنا، وكان الحق والصواب مع علي، ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفا وخلفا، وقد شهدت الأحاديث الصحيحة بالإسلام للفريقين من الطرفين- أهل العراق وأهل الشام- كما ثبت في الحديث الصحيح
«تمرق مارقة على خير فرقة من المسلمين، فيقتلها أدنى الطائفتين إلى الحق» فكانت المارقة الخوارج، وقتلهم علي وأصحابه، ثم قتل علي فاستقل معاوية بالأمر سنة إحدى وأربعين، وكان يغزو الروم في كل سنة مرتين، مرة في الصيف ومرة في الشتاء، ويأمر رجلا من قومه فيحج بالناس، وحج هو سنة خمسين، وحج ابنه يزيد سنة إحدى وخمسين. وفيها أوفى التي بعدها أغزاه بلاد الروم [فسار معه خلق كثير من كبراء الصحابة حتى حاصر القسطنطينية، وقد ثبت في الصحيح: «أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور لهم» .] [1] وقال وكيع عن الأعمش عن أبي صالح. قال: كان الحادي يحدو بعثمان فيقول:
أن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف مرضي
فقال كعب: بل هو صاحب البغلة الشهباء- يعنى معاوية- فقال: يا أبا إسحاق تقول هذا وهاهنا علي والزبير وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أنت صاحبها. ورواه سيف عن بدر بن الخليل عن عثمان ابن عطية الأسدي عن رجل من بني أسد. قال: ما زال معاوية يطمع فيها منذ سمع الحادي في أيام عثمان يقول:
أن الأمير بعده علي ... وفي الزبير خلف مرضي
فقال كعب: كذبت! بل صاحب البغلة الشهباء بعده- يعني معاوية- فقال له معاوية في ذلك فقال: نعم! أنت الأمير بعده، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا، فوقعت في نفس معاوية.
وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن عباد المكي ثنا سفيان بن عيينة عن أبي هارون قال قال عمر: إياكم والفقرة بعدي، فإن فعلتم فإن معاوية بالشام، وستعلمون إذا وكلتم إلى رأيكم كيف يستبزها دونكم. ورواه الواقدي من وجه آخر عن عمر رضي الله عنه. وقد روى ابن عساكر عن عامر الشعبي أن عليا حين بعث جرير بن عبد الله البجلي إلى معاوية قبل وقعة صفين- وذلك حين عزم علي على قصد الشام، وجمع الجيوش لذلك- وكتب معه كتابا إلى معاوية يذكر له فيه أنه قد لزمته بيعته، لأنه قد بايعه المهاجرون والأنصار، فإن لم تبايع استعنت بالله عليك وقاتلتك. وقد أكثرت القول في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله، في كلام طويل. وقد قدمنا أكثره، فقرأه معاوية على الناس وقام جرير فخطب الناس، وأمر في خطبته معاوية بالسمع والطاعة، وحذره من المخالفة والمعاندة، ونهاه عن إيقاع الفتنة بين الناس، وأن يضرب بعضهم بعضا بالسيوف. فقال معاوية: انتظر حتى آخذ رأي أهل الشام، فلما كان بعد ذلك أمر معاوية مناديا فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس صعد المنبر فخطب فقال: «الحمد لله الذي جعل الدعائم للإسلام أركانا، والشرائع للإيمان برهانا، يتوقد مصباحه
بالسنة في الأرض المقدسة التي جعلها الله محل الأنبياء والصالحين من عباده، فأحلها أهل الشام ورضيهم لها، ورضيها لهم، لما سبق في مكنون علمه من طاعتهم ومناصحتهم أولياءه فيها، والقوام بأمره، الذابين عن دينه وحرماته، ثم جعلهم لهذه الأمة نظاما، وفي أعلام الخير عظاما، يردع الله بهم الناكثين، ويجمع بهم الألفة بين المؤمنين، والله نستعين على إصلاح ما تشعث من أمور المسلمين، وتباعد بينهم بعد القرب والألفة، اللهم انصرنا على قوم يوقظون نائما، ويخيفون آمنا، ويريدون هراقة دمائنا، وإخافة سبلنا، وقد يعلم الله أنا لا نريد لهم عقابا، ولا نهتك لهم حجابا، غير أن الله الحميد كسانا من الكرامة ثوبا لن ننزعه طوعا ما جاوب الصدى، وسقط الندى، وعرف الهدى، وقد علمنا أن الذي حملهم على خلافنا البغي والحسد لنا، فالله نستعين عليهم. أيها الناس! قد علمتم أني خليفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأني خليفة أمير المؤمنين عثمان عليكم، وأني لم أقم رجلا منكم على خزاية قط، وأني ولي عثمان وابن عمه، قال الله تعالى في كتابه: ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا 17: 33 وقد علمتم أنه قتل مظلوما، وأنا أحب أن تعلموني ذات أنفسكم في قتل عثمان.
فقال أهل الشام بأجمعهم: بل نطلب بدمه، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه، ووثقوا له أن يبذلوا في ذلك أنفسهم وأموالهم، أو يدركوا بثأره، أو يفني الله أرواحهم قبل ذلك، فلما رأى جرير من طاعة أهل الشام لمعاوية ما رأى، أفزعه ذلك، وعجب منه. وقال معاوية لجرير: إن ولاني على الشام ومصر بايعته على أن لا يكون لأحد بعده علي بيعة، فقال: اكتب إلى علي بما شئت، وأنا أكتب معك، فلما بلغ عليا الكتاب قال: هذه خديعة، وقد سألني المغيرة بن شعبة أن أولي معاوية الشام وأنا بالمدينة فأبيت ذلك (وما كنت متخذ المضلين عضدا) ثم كتب إلى جرير بالقدوم عليه، فما قدم إلا وقد اجتمعت العساكر إلى علي، وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص- وكان معتزلا بفلسطين حين قتل عثمان- وكان عثمان قد عزله عن مصر فاعتزل بفلسطين، فكتب إليه معاوية يستدعيه ليستشيره في أموره فركب إليه فاجتمعا على حرب علي. وقد قال عقبة بن أبي معيط في كتاب معاوية إلى علي حين سأله نيابة الشام ومصر، فكتب إلى معاوية يؤنبه ويلومه على ذلك ويعرض بأشياء فيه.
معاوي إن الشام شامك فاعتصم ... بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا
فإن عليا ناظر ما تجيبه ... فأهد له حربا يشيب النواصيا
وحام عليها بالقتال وبالقنا ... ولاتك مخشوش الذراعين وانيا
وإلا فسلم إن في الأمن راحة ... لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا
وإن كتابا يا ابن حرب كتبته على طمع جان عليك الدواهيا سألت عليا فيه ما لا تناله ولو نلته لم يبق إلا لياليا إلى أن ترى منه الذي ليس بعدها بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا ومثل علي تغترره بخدعة وقد كان ما خربت من قبل بانيا ولو نشبت أظفاره فيك مرة فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا
وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمه، وأنا أطلب بدمه وأمره إلي؟ فقولوا له: فليسلم إلي قتلة عثمان وأنا أسلم له أمره. فأتوا عليا فكلموه في ذلك فلم يدفع إليهم أحدا، فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية. وعن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي وأبى جعفر الباقر.
قال: بعث علي رجلا إلى دمشق ينذرهم أن عليا قد نهد في أهل العراق إليكم ليستعلم طاعتكم لمعاوية، فلما قدم أمر معاوية فنودي في الناس: الصلاة جامعة، فملئوا المسجد ثم صعد المنبر فقال في خطبته: إن عليا قد نهد إليكم في أهل العراق فما الرأي؟ فضرب كل منهم على صدره، ولم يتكلم أحد منهم، ولا رفعوا إليه أبصارهم، وقام ذو الكلاع فقال: يا أمير المؤمنين عليك الرأى وعلينا الفعال، ثم نادى معاوية في الناس: أن اخرجوا إلى معسكركم في ثلاث، فمن تخلف بعدها فقد أحل بنفسه، فاجتمعوا كلهم، فركب ذلك الرجل إلى علي فأخبره، فأمر علي مناديا فنادى: الصلاة جامعة، فاجتمعوا فصعد المنبر فقال: إن معاوية قد جمع الناس لحربكم، فما الرأي؟ فقال كل فريق منهم مقالة، واختلط كلام بعضهم في بعض، فلم يدر علي مما قالوا شيئا، فنزل عن المنبر وهو يقول:
إنا لله وإنا إليه راجعون، 2: 156 ذهب والله بها ابن آكلة الأكباد. ثم كان من أمر الفريقين بصفين ما كان، كما ذكرناه مبسوطا في سنة ست وثلاثين. وقد قال أبو بكر بن دريد: أنبأنا أبو حاتم عن أبي عبيدة. قال قال معاوية: لقد وضعت رجلي في الركاب وهممت يوم صفين بالهزيمة، فما منعني إلا قول ابن الإطنابة حيث يقول: -
أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإكراهي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
وروى البيهقي عن الإمام أحمد أنه قال: الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فقيل له: فمعاوية؟
قال: لم يكن أحد أحق بالخلافة في زمان علي من علي، ورحم الله معاوية. وقال علي بن المديني:
سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما كانت في علي خصلة تقصر به عن الخلافة، ولم يكن في معاوية خصلة ينازع بها عليا. وقيل لشريك القاضي: كان معاوية حليما؟ فقال: ليس بحليم من سفه الحق وقاتل عليا. رواه ابن عساكر. وقال سفيان الثوري عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه ذكر معاوية وأنه لبى عشية عرفة فقال فيه قولا شديدا، ثم بلغه أن عليا لبى عشية عرفة فتركه. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني عباد بن موسى ثنا علي بن ثابت الجزري عن سعيد بن أبي عروبة عن عمر بن عبد العزيز. قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأبو بكر وعمر جالسان عنده، فسلمت عليه وجلست، فبينما أنا جالس إذ أتي بعلي ومعاوية، فأدخلا بيتا وأجيف الباب وأنا أنظر، فما كان بأسرع من أن خرج علي وهو يقول: قضي لي ورب الكعبة، ثم ما كان بأسرع من أن خرج معاوية وهو يقول: غفر لي ورب الكعبة. وروى ابن عساكر عن أبي زرعة الرازي أنه قال له رجل: إني أبغض معاوية، فقال له: ولم؟ قال: لأنه قاتل عليا، فقال له أبو زرعة: ويحك إن رب معاوية رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فأيش دخولك أنت بينهما؟ رضي الله عنهما. وسئل الإمام أحمد عما جرى بين علي ومعاوية فقرأ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون 2: 134 وكذا قال غير واحد من السلف.
وقال الأوزاعي: سئل الحسن عما جرى بين علي وعثمان فقال: كانت لهذا سابقة ولهذا سابقة، ولهذا قرابة ولهذا قرابة، فابتلي هذا وعوفي هذا. وسئل عما جرى بين علي ومعاوية فقال: كانت لهذا قرابة ولهذا قرابة، ولهذا سابقة ولم يكن لهذا سابقة، فابتليا جميعا. وقال كلثوم بن جوشن:
سأل النضر أبو عمر الحسن البصري فقال: أبو بكر أفضل أم علي؟ فقال: سبحان الله ولا سواء، سبقت لعلى سوابق يشركه فيها أبو بكر، وأحدث على حوادث لم يشركه فيها أبو بكر، أبو بكر أفضل.
قال: فعمر أفضل أم علي؟ فقال: مثل قوله في أبى بكر، ثم قال: عمر أفضل. ثم قال: عثمان أفضل أم علي؟ فقال مثل قوله الأول، ثم قال: عثمان أفضل. قال: فعلي أفضل أم معاوية؟ فقال: سبحان الله ولا سواء سبقت لعلي سوابق لم يشركه فيها معاوية، وأحدث علي أحداثا شركه فيها معاوية، علي أفضل من معاوية. وقد روي عن الحسن البصري أنه كان ينقم على معاوية أربعة أشياء، قتاله عليا، وقتله حجر بن عدي، واستلحاقه زياد بن أبيه، ومبايعته ليزيد ابنه. وقال جرير بن عبد الحميد عن مغيرة. قال: لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم، وفي رواية أنها قالت له بالأمس تقاتلنه واليوم تبكينه؟
قلت: وقد كان مقتل علي في رمضان سنة أربعين، ولهذا قال الليث بن سعد: إن معاوية بويع
له بإيليا بيعة الجماعة، ودخل الكوفة سنة أربعين، والصحيح الذي قاله ابن إسحاق والجمهور أنه بويع له بإيليا في رمضان سنة أربعين، حين بلغ أهل الشام مقتل علي، ولكنه إنما دخل الكوفة بعد مصالحة الحسن له في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، وهو عام الجماعة، وذلك بمكان يقال له أدرج، وقيل بمسكن من أرض سواد العراق من ناحية الأنبار، فاستقل معاوية بالأمر إلى أن مات سنة ستين. قال بعضهم: كان نقش خاتم معاوية: لكل عمل ثواب. وقيل بل كان: لا قوة إلا بالله. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسعيد بن منصور قالا: ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد. قال: صلى بنا معاوية بالنخيلة- يعني خارج الكوفة- الجمعة في الضحى ثم خطبنا فقال: ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، قد عرفت أنكم تفعلون ذلك، ولكن إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، فقد أعطانى الله ذلك وأنتم كارهون» . رواه محمد بن سعد عن يعلى بن عبيد عن الأعمش به. وقال محمد بن سعد: حدثنا عارم ثنا حماد بن يزيد عن معمر عن الزهري أن معاوية عمل سنتين عمل عمر ما يخرم فيه، ثم إنه بعد عن ذلك. وقال نعيم بن حماد: حدثنا ابن فضيل عن السري بن إسماعيل عن الشعبي حدثني سفيان بن الليل قال: قلت للحسن بن علي لما قدم من الكوفة إلى المدينة: يا مذل المؤمنين، قال:
لا تقل ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية» .
فعلمت أن أمر الله واقع، فكرهت أن تهراق بيني وبينه دماء المسلمين. وقال مجالد عن الشعبي عن الحارث الأعور. قال قال علي بعد ما رجع من صفين: أيها الناس لا تكرهوا إمارة معاوية، فإنكم لو فقدتموه رأيتم الرءوس تندر عن كواهلها كأنها الحنظل. وقال ابن عساكر بإسناده عن أبي داود الطيالسي: ثنا أيوب بن جابر عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلافة؟ فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار.
وقال الزهري: حدثني القاسم بن محمد أن معاوية حين قدم المدينة يريد الحج دخل على عائشة فكلمها خاليين لم يشهد كلامهما أحد إلا ذكوان أبو عمرو مولى عائشة، فقالت: أمنت أن أخبأ لك رجلا يقتلك بقتلك أخي محمدا؟ فقال: صدقتي، فلما قضى معاوية كلامه معها تشهدت عائشة ثم ذكرت ما بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم من الهدى ودين الحق، والذي سن الخلفاء بعده، وحضت معاوية على العدل واتباع أثرهم، فقالت في ذلك فلم يترك له عذرا، فلما قضت مقالتها قال لها معاوية: أنت والله العالمة العاملة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الناصحة المشفقة البليغة الموعظة، حضضت على الخير، وأمرت به، ولم تأمرينا إلا بالذي هو لنا مصلحة، وأنت أهل أن تطاعي. وتكلمت هي ومعاوية
كلاما كثيرا. فلما قام معاوية اتكأ على ذكوان وقال: والله ما سمعت خطيبا ليس رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ من عائشة. وقال محمد بن سعد: حدثنا خالد بن مخلد البجلي ثنا سليمان بن بلال حدثني علقمة ابن أبي علقمة عن أمه. قالت: قدم معاوية بن أبي سفيان المدينة فأرسل إلى عائشة: أن أرسلي بأنبجانية رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعره، فأرسلت به معي أحمله، حتى دخلت به عليه، فأخذ الأنبجانية فلبسها، وأخذ شعره فدعا بماء فغسله وشربه وأفاض على جلده. وقال الأصمعي عن الهذلي عن الشعبي قال: لما قدم معاوية المدينة عام الجماعة تلقته رجال من وجوه قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعز نصرك، وأعلا أمرك. فما رد عليهم جوابا حتى دخل المدينة، فقصد المسجد وعلا المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد! فإني والله ما وليت أمركم حين وليته وأنا أعلم أنكم لا تسرون بولايتي ولا تحبونها، وإني لعالم بما في نفوسكم من ذلك، ولكنى خاستكم بسيفي هذا مخالسة، ولقد رمت نفسي على عمل ابن أبي قحافة فلم أجدها تقوم بذلك ولا تقدر عليه، وأردتها على عمل ابن الخطاب فكانت أشد نفورا وأعظم هربا من ذلك، وحاولتها على مثل سنيات عثمان فأبت علي وأين مثل هؤلاء؟ ومن يقدر على أعمالهم؟ هيهات أن يدرك فضلهم أحد ممن بعدهم؟ رحمة الله ورضوانه عليهم، غير أني سلكت بها طريقا لي فيه منفعة، ولكم فيه مثل ذلك. ولكل فيه مواكلة حسنة، ومشاربة جميلة، ما استقامت السيرة وحسنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم فأنا خير لكم، والله لا أحمل السيف على من لا سيف معه، ومهما تقدم مما قد علمتموه فقد جعلته دبر أذني، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فارضوا مني ببعضه، فإنها بقائبة قوبها، وإن السيل إذا جاء يبري، وإن قل أغنى، وإياكم والفتنة فلا تهموا بها، فإنها تفسد المعيشة، وتكدر النعمة، وتورث الاستيصال، أستغفر الله لي ولكم، أستغفر الله. ثم نزل. - قال أهل اللغة: القائبة البيضة، والقوب الفرخ، قابت البيضة تقوب إذا انفلقت عن الفرخ-.
والظاهر أن هذه الخطبة كانت عام حج في سنة أربع وأربعين، أو في سنة خمسين، لا في عام الجماعة.
وقال الليث: حدثني علوان بن صالح بن كيسان أن معاوية قدم المدينة أول حجة حجها بعد اجتماع الناس عليه، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش، فتوجه إلى دار عثمان بن عفان، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها، فقال معاوية لمن معه: انصرفوا إلى منازلكم فإن لي حاجة في هذه الدار، فانصرفوا ودخل فسكن عائشة بنت عثمان، وأمرها بالكف وقال لها: يا بنت أخي إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد، فبعناهم هذا بهذا، وباعونا هذا بهذا، فان أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم، ومع كل إنسان منهم شيعته، وهو يرى مكان شيعته، فإن نكثناهم نكثوا بنا، ثم لا ندري أتكون
لنا الدائرة أم علينا؟ وأن تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين أحب إلى أن تكوني أمة من إماء المسلمين.
ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك. وقد روى ابن عدي من طريق علي بن زيد وهو ضعيف عن أبي نضرة عن أبي سعيد، ومن حديث مجالد وهو ضعيف أيضا عن أبي الوداك عن أبي سعيد. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه» . وأسنده أيضا من طريق الحكم بن ظهير- وهو متروك- عن عاصم عن زر عن ابن مسعود مرفوعا. وهذا الحديث كذب بلا شك، ولو كان صحيحا لبادر الصحابة إلى فعل ذلك، لأنهم كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم. وأرسله عمرو بن عبيد عن الحسن البصري، قال أيوب: وهو كذب ورواه الخطيب البغدادي بإسناد مجهول عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا: «إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه [1] فإنه أمين مأمون» وقد قال أبو زرعة الدمشقي عن دحيم عن الوليد عن الأوزاعي قال: أدركت خلافة معاوية عدة من الصحابة منهم أسامة وسعد وجابر وابن عمر وزيد بن ثابت وسلمة بن مخلد وأبو سعيد ورافع بن خديج وأبو أمامة وأنس بن مالك، ورجال أكثر وأطيب ممن سمينا بأضعاف مضاعفة، كانوا مصابيح الهدى، وأوعية العلم، حضروا من الكتاب تنزيله، ومن الدين جديدة، وعرفوا من الإسلام ما لم يعرفه غيرهم، وأخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأويل القرآن. ومن التابعين لهم بإحسان ما شاء الله، منهم المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن محيريز، وفي أشباه لهم لم ينزعوا يدا من جماعة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال أبو زرعة عن دحيم عن الوليد عن سعيد بن عبد العزيز. قال: لما قتل عثمان لم يكن للناس غازية تغزو، حتى كان عام الجماعة فأغزا معاوية أرض الروم ست عشرة غزوة، تذهب سرية في الصيف ويشتوا بأرض الروم، ثم تقفل وتعقبها أخرى، وكان في جملة من أغزى ابنه يزيد ومعه خلق من الصحابة، فجاز بهم الخليج، وقاتلوا أهل القسطنطينية على بابها، ثم قفل بهم راجعا إلى الشام، وكان آخر ما أوصى به معاوية أن قال: شد خناق الروم. وقال ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: حج معاوية بالناس في أيام خلافته مرتين، وكانت أيامه عشرين سنة إلا شهرا. وقال أبو بكر بن عياش: حج بالناس معاوية سنة أربع وأربعين، وسنة خمسين. وقال غيره: سنة إحدى وخمسين فالله أعلم. وقال الليث بن سعد: حدثنا بكير عن بشر بن سعيد أن سعد بن أبي وقاص قال:
ما رأيت أحدا بعد عثمان أقضى بحق من صاحب هذا الباب- يعني معاوية- وقال عبد الرزاق:
حدثنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن ثنا المسور بن مخرمة أنه وفد على معاوية. قال:
فلما دخلت عليه- حسبت أنه قال سلمت عليه- فقال: ما فعل طعنك على الأئمة يا مسور؟ قال قلت: ارفضنا من هذا وأحسن فيما قدمنا له، فقال: لتكلمني بذات نفسك، قال: فلم أدع شيئا أعيبه عليه إلا أخبرته به، فقال: لا تبرأ من الذنوب، فهل لك من ذنوب تخاف أن تهلكك إن لم يغفرها الله لك؟ قال: قلت: نعم! إن لي ذنوبا إن لم تغفرها هلكت بسببها، قال: فما الذي يجعلك أحق بأن ترجو أنت المغفرة منى، فو الله لما إلى من إصلاح الرعايا وإقامة الحدود والإصلاح بين الناس والجهاد في سبيل الله والأمور العظام التي لا يحصيها إلا الله ولا نحصيها أكثر مما تذكر من العيوب والذنوب، وإني لعلى دين يقبل الله فيه الحسنات ويعفو عن السيئات، والله على ذلك ما كنت لأخير بين الله وغيره إلا اخترت الله على غيره مما سواه، قال: ففكرت حين قال لي ما قال فعرفت أنه قد خصمني. قال: فكان المسور إذا ذكره بعد ذلك دعا له بخير. وقد رواه شعيب عن الزهري عن عروة عن المسور بنحوه.
وقال ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي قال قال معاوية: يا أيها الناس! ما أنا بخيركم وإن منكم لمن هو خير مني، عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وغيرهما من الأفاضل، ولكن عسى أن أكون أنفعكم ولاية، وأنكاكم في عدوكم، وأدركم حلبا. وقد رواه أصحاب محمد عن ابن سعد عن محمد بن مصعب عن أبي بكر بن أبي مريم عن ثابت مولى معاوية أنه سمع معاوية يقول نحو ذلك.
وقال هشام بن عمار خطيب دمشق: حدثنا عمرو بن واقد ثنا يونس بن حلبس قال سمعت معاوية على منبر دمشق يوم جمعة يقول: أيها الناس اعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني، أقيموا وجوهكم وصفوفكم في الصلاة، أو ليخالفن الله بين قلوبكم، خذوا على أيدي سفهائكم أو ليسلطن الله عليكم عدوكم فليسومنكم سوء العذاب. تصدقوا ولا يقولن الرجل إني مقل، فإن صدقة المقل أفضل من صدقة الغنى، إياكم وقذف المحصنات، وإن يقول الرجل: سمعت وبلغني، فلو قذف أحدكم امرأة على عهد نوح لسئل عنها يوم القيامة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا يزيد ابن طهمان الرقاشي ثنا محمد بن سيرين. قال: كان معاوية إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتهم.
ورواه أبو القاسم البغوي عن سويد بن سعيد عن همام بن إسماعيل عن أبي قبيل. قال: كان معاوية يبعث رجلا يقال له أبو الجيش في كل يوم فيدور على المجالس يسأل هل ولد لأحد مولود؟ أو قدم أحد من الوفود؟ فإذا أخبر بذلك أثبت في الديوان- يعني ليجري عليه الرزق- وقال غيره: كان معاوية متواضعا ليس له مجالد إلا كمجالد الصبيان التي يسمونها المخاريق فيضرب بها الناس. وقال هشام بن عمار عن عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة بن حلبس. قال: رأيت معاوية في سوق دمشق وهو مردف وراءه وصفيا عليه قميص مرقوع الجيب، وهو يسير في أسواق دمشق، وقال
الأعمش عن مجاهد، أنه قال: لو رأيتم معاوية لقلتم هذا المهدي. وقال هشيم عن العوام عن جبلة ابن سحيم عن ابن عمرو. قال: ما رأيت أحدا أسود من معاوية، قال قلت: ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا منه، وكان معاوية أسود منه. ورواه أبو سفيان الحيري عن العوام بن حوشب به. وقال:
ما رأيت أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية، قيل ولا أبو بكر؟ قال: كان أبو بكر وعمر وعثمان خيرا منه، وهو أسود. وروي من طرق عن ابن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: عن معمر عن همام سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت رجلا كان أخلق بالملك من معاوية، وقال حنبل بن إسحاق:
حدثنا أبو نعيم حدثنا ابن أبى عتيبة عن شيخ من أهل المدينة قال قال معاوية. أنا أول الملوك.
وقال ابن أبي خيثمة: حدثنا هارون بن معروف حدثنا حمزة عن ابن شوذب قال: كان معاوية يقول أنا أول الملوك وآخر خليفة، قلت: والسنة أن يقال لمعاوية ملك، ولا يقال له خليفة لحديث «سفينة الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا» . وقال عبد الملك بن مروان يوما وذكر معاوية فقال: ما رأيت مثله في حلمه واحتماله وكرمه. وقال قبيصة بن جابر: ما رأيت أحدا أعظم حلما ولا أكثر سؤددا ولا أبعد أناة ولا ألين مخرجا، ولا أرحب باعا بالمعروف من معاوية. وقال بعضهم: أسمع رجل معاوية كلاما سيئا شديدا، فقيل له لو سطوت عليه؟ فقال: إني لأستحيى من الله أن يضيق حلمي عن ذنب أحد من رعيتي. وفي رواية قال له رجل: يا أمير المؤمنين ما أحلمك؟ فقال: إني لأستحيى أن يكون جرم أحد أعظم من حلمي.
وقال الأصمعي عن الثوري: قال قال معاوية: إني لأستحيى أن يكون ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أكبر من حلمي، أو تكون عورة لا أواريها بستري. وقال الشعبي والأصمعي عن أبيه قالا: جرى بين رجل يقال له أبو الجهم وبين معاوية كلام فتكلم أبو الجهم بكلام فيه غمر لمعاوية، فأطرق معاوية. ثم رفع رأسه فقال: يا أبا الجهم إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيان، ويأخذ أخذ الأسد، وإن قليله يغلب كثير الناس. ثم أمر معاوية لأبى الجهم بمال فقال: أبو الجهم في ذلك يمدح معاوية.
نميل على جوانبه كأنا ... نميل إذا نميل على أبينا
نقلبه لنخبر حالتيه ... فنخبر منهما كرما ولينا
وقال الأعمش: طاف الحسن بن علي مع معاوية فكان معاوية يمشي بين يديه، فقال الحسن:
ما أشبه أليتيه بأليتي هند؟! فالتفت إليه معاوية فقال: أما إن ذلك كان يعجب أبا سفيان. وقال ابن أخته عبد الرحمن بن أم الحكم لمعاوية: إن فلانا يشتمني، فقال له: طأطئ لها فتمر. فتجاوزك. وقال ابن الأعرابي: قال رجل لمعاوية: ما رأيت أندل منك، فقال معاوية: بلى من واجه الرجال بمثل
هذا. وقال أبو عمرو بن العلاء قال معاوية: ما يسرني بذل الكرم حمر النعم. وقال: ما يسرني بذل الحلم عز النصر. وقال بعضهم: قال معاوية: يا بني أمية فارقوا قريشا بالحلم، فو الله لقد كنت ألقى الرجل في الجاهلية فيوسعني شتما وأوسعه حلما، فأرجع وهو لي صديق، إن استنجدته أنجدنى، وأثور به فيثور معى، وما وضع الحلم عن شريف شرفه، ولا زاده إلا كرما وقال: آفة الحلم الذل.
وقال: لا يبلغ الرجل مبلغ الرأي حتى يغلب حلمه جهله، وصبره شهوته، ولا يبلغ الرجل ذلك إلا بقوة الحلم. وقال عبد الله بن الزبير: لله در ابن هند، إن كنا لنفرقه وما الليث على براثنه بأجرأ منه، فيتفارق لنا، وإن كنا لنخدعه وما ابن ليلة من أهل الأرض بأدهى منه فيتخادع لنا، والله لوددت أنا متعنا به ما دام في هذا الجبل حجر- وأشار إلى أبي قبيس- وقال رجل لمعاوية: من أسود الناس؟
فقال: أسخاهم نفسا حين يسأل، وأحسنهم في المجالس خلقا، وأحلمهم حين يستجهل. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان معاوية يتمثل بهذه الأبيات كثيرا.
فما قتل السفاهة مثل حلم ... يعود به على الجهل الحليم
فلا تسفه وإن ملئت غيظا ... على أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخا لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم
[وقال القاضي الماوردي في الأحكام السلطانية: وحكى أن معاوية أتى بلصوص فقطعهم حتى بقي واحد من بينهم، فقال:
يميني أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكانا يشينها
يدي كانت الحسناء لو تم سترها ... ولا تعدم الحسناء عيبا يشيبها
فلا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها
فقال معاوية: كيف أصنع بك؟ قد قطعنا أصحابك؟ فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين! اجعلها في ذنوبك التي تتوب منها. فخلى سبيله، فكان أول حد ترك في الإسلام] [1] . وعن ابن عباس أنه قال: قد علمت بم غلب معاوية الناس، كانوا إذا طاروا وقع، وإذ وقع طاروا، وقال غيره: كتب معاوية إلى نائبه زياد: إنه لا ينبغي أن يسوس الناس سياسة واحدة باللين فيمرحوا، ولا بالشدة فيحمل الناس على المهالك، ولكن كن أنت للشدة والفظاظة والغلظة، وأنا للين والألفة والرحمة، حتى إذا خاف خائف وجد بابا يدخل منه. وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز. قال:
قضى معاوية عن عائشة أم المؤمنين ثمانية عشر ألف دينار، وما كان عليها من الدين الذي كانت تعطيه الناس. وقال هشام بن عروة عن أبيه. قال: بعث معاوية إلى أم المؤمنين عائشة بمائة ألف
ففرقتها من يومها فلم يبق منها درهم، فقالت لها خادمتها: هلا أبقيت لنا درهما نشتري به لحما تفطري عليه؟ فقالت: لو ذكرتيني لفعلت. وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة وهي بمكة بطوق قيمته مائة ألف فقبلته. وقال زيد بن الحباب عن الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة. قال: قدم الحسن بن علي على معاوية فقال له: لأجيزنك بجائزة لم يجزها أحد كان قبلي، فأعطاه أربعمائة ألف ألف. ووفد إليه مرة الحسن والحسين فأجازهما على الفور بمائتي ألف، وقال لهما: ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسين، ولم تعط أحدا أفضل منا. وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا يوسف بن موسى ثنا جرير عن مغيرة. قال: أرسل الحسن بن علي وعبد الله بن جعفر إلى معاوية يسألانه المال، فبعث إليهما- أو إلى كل منهما- بمائة ألف، فبلغ ذلك عليا فقال لهما: ألا تستحيان؟ رجل نطعن في عينه غدوة وعشية تسألانه المال؟ فقالا: بل حرمتنا أنت وجاد هو لنا. وروى الأصمعي قال:
وفد الحسن وعبد الله بن الزبير على معاوية فقال للحسن: مرحبا وأهلا بابن رسول الله، وأمر له بثلاثمائة ألف، وقال لابن الزبير: مرحبا وأهلا بابن عمة رسول الله، وأمر له بمائة ألف. وقال أبو مروان المرواني: بعث معاوية إلى الحسن بن علي بمائة ألف فقسمها على جلسائه، وكانوا عشرة، فأصاب كل واحد عشرة آلاف. وبعث إلى عبد الله بن جعفر بمائة ألف فاستوهبتها منه امرأته فاطمة فأطلقها لها، وبعث إلى مروان بن الحكم بمائة ألف فقسم منها خمسين ألفا وحبس خمسين ألفا، وبعث إلى ابن عمر بمائة ألف، ففرق منها تسعين واستبقى عشرة آلاف. فقال معاوية: إنه لمقتصد يحب الاقتصاد. وبعث إلى عبد الله بن الزبير بمائة ألف فقال للرسول: لم جئت بها بالنهار؟ هلا جئت بها بالليل؟ ثم حبسها عنده ولم يعط منها أحدا شيئا، فقال معاوية: إنه لخب ضب، كأنك به قد رفع ذنبه وقطع حبله. وقال ابن داب: كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، ويقضي له معها مائة حاجة، فقدم عليه عاما فأعطاه المال وقضى له الحاجات، وبقيت منها واحدة، فبينما هو عنده إذ قدم أصبغهند سجستان يطلب من معاوية أن يملكه على تلك البلاد، ووعد من قضى له هذه الحاجة من ماله ألف ألف، فطاف على رءوس الأشهاد والأمراء من أهل الشام وأمراء العراق، ممن قدم مع الأحنف بن قيس، فكلهم يقولون: عليك بعبد الله بن جعفر، فقصده الدهقان فكلم فيه ابن جعفر معاوية فقضى حاجته تكملة المائة حاجة، وأمر الكاتب فكتب له عهده، وخرج به ابن جعفر إلى الدهقان فسجد له وحمل إليه ألف ألف درهم، فقال له ابن جعفر: اسجد لله واحمل مالك إلى منزلك، فإنا أهل بيت لا نبيع المعروف بالثمن. فبلغ ذلك معاوية فقال: لأن يكون يزيد قالها أحب إلي من خراج العراق، أبت بنو هاشم إلا كراما. وقال غيره: كان لعبد الله بن جعفر على معاوية في كل سنة ألف ألف، فاجتمع عليه في بعض الأوقات دين خمسمائة ألف، فألح عليه
غرماؤه فاستنظرهم حتى يقدم على معاوية فيسأله أن يسلفه شيئا من العطاء، فركب إليه فقال له:
ما أقدمك يا ابن جعفر؟ فقال: دين ألح علي غرماؤه، فقال: وكم هو؟ قال: خمسمائة ألف.
فقضاها عنه وقال له: إن الألف ألف ستأتيك في وقتها. وقال ابن سعيد: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا ابن هلال عن قتادة. قال قال معاوية: يا عجبا للحسن بن علي!! شرب شربة عسل يمانية بماء رومة فقضى نحبه، ثم قال لابن عباس: لا يسؤك الله ولا يحزنك في الحسن بن علي، فقال ابن عباس لمعاوية: لا يحزنني الله ولا يسوءني ما أبقى الله أمير المؤمنين. قال: فأعطاه ألف ألف درهم وعروضا وأشياء، وقال: خذها فاقسمها في أهلك. وقال أبو الحسن المدائني عن سلمة بن محارب قال: قيل لمعاوية أيكم كان أشرف، أنتم أو بنو هاشم؟ قال: كنا أكثر أشرافا وكانوا هم أشرف، فيهم واحد لم يكن في بنى عبد مناف مثل هاشم، فلما هلك كنا أكثر عددا وأكثر أشرافا، وكان فيهم عبد المطلب لم يكن فينا مثله، فلما مات صرنا أكثر عددا وأكثر أشرافا، ولم يكن فيهم واحد كواحدنا، فلم يكن إلا كقرار العين حتى قالوا: منا نبي، فجاء نبي لم يسمع الأولون والآخرون بمثله، محمد صلى الله عليه وسلم، فمن يدرك هذه الفضيلة وهذا الشرف؟. وروى ابن أبي خيثمة عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن عمرو بن العاص قص على معاوية مناما رأى فيه أبا بكر وعمر وعثمان وهم يحاسبون على ما ولوه في أيامهم، ورأى معاوية وهو موكل به رجلان يحاسبانه على ما عمل في أيامه، فقال له معاوية: وما رأيت ثم دنانير مصر؟.
وقال ابن دريد عن أبي حاتم عن العتبي. قال: دخل عمرو على معاوية وقد ورد عليه كتاب فيه تعزية له في بعض الصحابة، فاسترجع معاوية فقال عمرو بن العاص: -
تموت الصالحون وأنت حي ... تخطاك المنايا لا تموت
فقال له معاوية: -
أترجو أن أموت وأنت حي ... فلست بميت حتى تموت
وقال ابن السماك قال معاوية: كل الناس أستطيع أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها، وقال الزهري عن عبد الملك عن أبي بحرية. قال قال معاوية: المروءة في أربع، العفاف في الإسلام، واستصلاح المال، وحفظ الإخوان، وحفظ الجار. وقال أبو بكر الهذلي: كان معاوية يقول الشعر فلما ولي الخلافة قال له أهله: قد بلغت الغاية فماذا تصنع بالشعر؟ فارتاح يوما فقال: -
صرمت سفاهتي وأرحت حلمي ... وفى على تحملي اعتراضى
على أني أجيب إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحدق المراض
وقال مغيرة عن الشعبي: أول من خطب جالسا معاوية حين كثر شحمه وعظم بظنه. وكذا
روى عن مغيرة عن إبراهيم أنه قال: أول من خاطب جالسا يوم الجمعة معاوية. وقال أبو المليح عن ميمون: أول من جلس على المنبر معاوية واستأذن الناس في الجلوس. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: أول من أذن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية. وقال أبو جعفر الباقر: كانت أبواب مكة لا أغلاق لها، وأول من اتخذ لها الأبواب معاوية. وقال أبو اليمان عن شعيب عن الزهري: مضت السنة أن لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر، وأول من ورث المسلم من الكافر معاوية، وقضى بذلك بنو أمية بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فراجع السنة، وأعاد هشام ما قضى به معاوية وبنو أمية من بعده، وبه قال الزهري، ومضت السنة أن دية المعاهد كدية المسلم، وكان معاوية أول من قصرها إلى النصف، وأخذ النصف لنفسه. وقال ابن وهب عن مالك عن الزهري قال:
سألت سعيد بن المسيب عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: اسمع يا زهري، من مات محبا لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وشهد للعشرة بالجنة، وترحم على معاوية، كان حقا على الله أن لا يناقشه الحساب. وقال سعيد بن يعقوب الطالقاني: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: تراب في أنف معاوية أفضل من عمر بن عبد العزيز. وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الله لمن حمده، فقال خلفه: ربنا ولك الحمد، فقيل له: أيهما أفضل؟ هو أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لتراب في منخري معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خير وأفضل من عمر بن عبد العزيز. وقال غيره عن ابن المبارك قال معاوية: عندنا محنة فمن رأيناه ينظر إليه شزرا اتهمناه على القول- يعني الصحابة- وقال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وغيره: سئل المعافى بن عمران أيهما أفضل؟ معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فغضب وقال للسائل:
أتجعل رجلا من الصحابة مثل رجل من التابعين؟ معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه على وحي الله. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوا لي أصحابي وأصهاري، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» . وكذا قال الفضل بن عتيبة. وقال أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي: معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه. وقال الميموني قال لي أحمد بن حنبل: يا أبا الحسن إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام. وقال الفضل ابن زياد: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل تنقص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له رافضي؟ فقال:
إنه لم يجترئ عليهما إلا وله خبيئة سوء، ما انتقص أحد أحدا من الصحابة إلا وله داخلة سوء.
وقال ابن المبارك عن محمد بن مسلم عن إبراهيم بن ميسرة. قال: ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنسانا قط إلا إنسانا شتم معاوية، فإنه ضربه أسواطا. وقال بعض السلف: بينما أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفا يقول: من أبغض الصديق فذاك زنديق، ومن أبغض عمر فإلى جهنم زمرا، ومن
أبغض عثمان فذاك خصمه الرحمن، ومن أبغض عليا فذاك خصمه النبي، ومن أبغض معاويه سحبته الزبانية، إلى جهنم الحامية، يرمى به في الحامية الهاويه. وقال بعضهم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل فقال عمر: يا رسول الله هذا يتنقصنا، فكأنه انتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني لا أتنقص هؤلاء ولكن هذا- يعنى معاوية- فقال:
«ويلك! أو ليس هو من أصحابي؟ قالها ثلاثا، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربة فناولها معاوية فقال:
جأ بها [1] في لبته» فضربه بها وانتهبت فبكرت إلى منزلي فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذبحة من الليل ومات، وهو راشد الكندي. وروى ابن عساكر عن الفضيل بن عياض أنه كان يقول: معاوية من الصحابة، من العلماء الكبار، ولكن ابتلي بحب الدنيا. وقال العتبي: قيل لمعاوية أسرع إليك الشيب؟ فقال: كيف لا ولا أزال أرى رجلا من العرب قائما على رأسي يلقح لي كلاما يلزمني جوابه، فإن أصبت لم أحمد، وإن أخطأت سارت بها البرود. وقال الشعبي وغيره: أصابت معاوية في آخر عمره لوقة [وروى ابن عساكر في ترجمة خديج الخصى مولى معاوية قال: اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة فأدخلتها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوى به إلى متاعها- يعنى فرجها- ويقول: هذا المتاع لو كان لي متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا! ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشى- وكان فقيها- فلما دخل عليه قال: إن هذه أتيت بها مجردة فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد، قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإنها لا تصلح له، فقال: نعم ما رأيت، قال: ثم وهبها لعبد الله بن مسعدة الفزاري مولى فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسود فقال له: بيض بها ولدك، وهذا من فقه معاوية وتحريه، حيث كان نظر إليها بشهوة، ولكنه استضعف نفسه عنها، فتحرج أن يهبها من ولده يزيد لقوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء 4: 22 وقد وافقه على ذلك الفقيه ربيعة بن عمرو الجرشى الدمشقي [2]] [وذكر ابن جرير أن عمرو بن العاص قدم في وفد أهل مصر إلى معاوية، فقال لهم في الطريق:
إذا دخلتم على معاوية فلا تسلموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك، فلما دخل عليه عمرو قبلهم، قال معاوية لحاجبه: أدخلهم، وأوعز إليه أن يخوفهم في الدخول ويرعبهم، وقال: إني لأظن عمرا قد تقدم إليهم في شيء؟. فلما أدخلوهم عليه- وقد أهانوهم- جعل أحدهم إذا دخل يقول: السلام عليك يا رسول الله، فلما نهض عمرو من عنده قال: قبحكم الله! نهيتكم عن أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة.
وذكر أن رجلا سأل من معاوية أن يساعده في بناء داره باثني عشر ألف جذع من الخشب.
فقال له معاوية: أين دارك؟ قال: بالبصرة، قال: وكم اتساعها؟ قال: فرسخان في فرسخين، قال: لا تقل داري بالبصرة، ولكن قل: البصرة في داري. وذكر أن رجلا دخل بابن معه فجلسا على سماط معاوية فجعل ولده يأكل أكلا ذريعا، فجعل معاوية يلاحظه، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن، فلما خرجا لامه أبوه وقطعه عن الدخول، فقال له معاوية! أين ابنك التلقامة؟
قال: اشتكى. قال: قد علمت أن أكله سيورثه داء. قال: ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عباءة فجعل يزدريه، فقال: يا أمير المؤمنين إنك لا تخاطب العباءة، إنما يخاطبك من بها. وقال معاوية: أفضل الناس من إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا غضب كظم، وإذا قدر غفر، وإذا وعد أنجز، وإذا أساء استغفر. وكتب رجل من أهل المدينة إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه: إذا الرجال ولدت أولادها، واضطربت من كبر أعضادها وجعلت أسقامها تعتادها، فهي زروع قددنا حصادها. فقال معاوية: نعى إلي نفسي [1]] وقال ابن أبي الدنيا: حدثني هارون بن سفيان عن عبد الله السهمي حدثني ثمامة بن كلثوم أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيها الناس! إن من زرع قد استحصد، وإني قد وليتكم ولن يليكم أحد بعدي خير منى، وإنما يليكم من هو شر مني، كما كان من وليكم قبلي خيرا مني، ويا يزيد إذا دنا أجلي فول غسلي رجلا لبيبا، فإن اللبيب من الله بمكان، فلينعم الغسل وليجهر بالتكبير، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوب من ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراضة من شعره وأظفاره، فاستودع القراضة أنفى وفمي، وأذنى وعيني، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون لفافى، ويا يزيد احفظ وصية الله في الوالدين، فإذا أدرجتموني في جريدتي ووضعتموني في حفرتي فخلوا معاوية وأرحم الراحمين. وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل يقول: -
لعمري لقد عمرت في الدهر برهة ... ودانت لي الدنيا بوقع البواتر
وأعطيت حمر المال والحكم والنهى ... ولي سلمت كل الملوك الجبابر
فأضحى الذي قد كان مما يسرنى ... كحكم مضى في المزمنات الغوابر
فيا ليتني لم أعن في الملك ساعة ... ولم أسع في لذات عيش نواضر
وكنت كذي طمرين عاش ببلغة ... فلم يك حتى زار ضيق المقابر
وقال محمد بن سعد. أنبأنا علي بن محمد عن محمد بن الحكم عمن حدثه أن معاوية لما احتضر أوصى بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال- كأنه أراد أن يطيب له- لأن عمر بن الخطاب قاسم عماله. وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البرد فكان إذا لبس أو تغطى بشيء ثقيل يغمه، فاتخذ له
ثوبا من حواصل الطير، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ولمحبيها. وقال محمد بن سعد: أنبأنا أبو عبيدة عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير. قال: لما ثقل معاوية وتحدث الناس بموته قال لأهله: احشوا عيني إثمدا، وأوسعوا رأسي دهنا، ففعلوا وغرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له مجلس وقال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلموا علي قياما ولا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا متدهنا فيقول متقول الناس إن أمير المؤمنين لما به وهو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية في ذلك: -
وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
قال: وكان به النقابة- يعنى لوقة- فمات من يومه ذلك رحمه الله. وقال موسى بن عقبة: لما نزل بمعاوية الموت قال: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، ولم أل من هذا الأمر شيئا. وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر: -
إن تناقش يكن نقاشك يا رب ... عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز تجاوز العفو واصفح ... عن مسيء ذنوبه كالتراب
وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل أهله يقلبونه فقال لهم: أي شيخ تقلبون؟ إن نجاه الله من عذاب النار غدا.
وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خدا على الأرض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكي ويقول: اللهم إنك قلت في كتابك إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء 4: 48 اللهم فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العتبي عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق.
هو الموت لا منجا من الموت والذي ... نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
ثم قال: اللهم أقل العثرة، واعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك. ورواه ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء فذكر مثله، وزاد: ثم مات. وقال غيره: أغمي عليه ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فإن الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقي، ثم مات رحمه الله. وقد روى أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل. قال: لما مات معاوية صعد الضحاك بن قيس المنبر فخطب الناس- وأكفان معاوية على يديه- فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن معاوية الذي كان سور
العرب وعونهم وجدهم، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله، ثم هول البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى. ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يعلمه ويستحثه على المجيء.
ولا خلاف أنه توفي بدمشق في رجب سنة ستين. فقال جماعة: ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وقيل ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين. قاله ابن إسحاق وغير واحد، وقيل لأربع خلت من رجب، قاله الليث. وقال سعد بن إبراهيم لمستهل رجب، قال محمد بن إسحاق والشافعي: صلى عليه ابنه يزيد، وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كساه إياه، وكان مدخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه. وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن فقيل بدار الإمارة وهي الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور فالله أعلم. وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر والله أعلم. ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية- وكان يزيد بحوارين- فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد، وإذا يزيد راكب على بختي وعليه الحزن ظاهر، فسلم عليه الناس بالإمارة وعزوه في أبيه، وهو يخفض صوته في رده عليهم، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس، فانتهى إلى باب توما، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي، فقيل: يدخل منه لأنه باب خالد، فجازه حتى أتى الباب الصغير فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعد ما دفن ثم انفتل، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب.
ثم دخل البلد وأمر فنودي في الناس أن الصلاة جامعة، ودخل الخضراء فاغتسل ولبس ثيابا حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه:
أيها الناس! إن معاوية كان عبدا من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون من قبله، ولا أزكيه على الله عز وجل فإنه أعلم به، إن عفى عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئا كان. وقال لهم في خطبته هذه: وإن معاوية كان يغزيكم في البحر، وإني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيا أحدا بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا وأنا أجمعه لكم كله. قال: فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون
عليه أحدا. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: بعث معاوية وهو مريض إلى ابنه يزيد، فلما جاءه البريد ركب وهو يقول: -
جاء البريد بقرطاس يخب به ... فأوجس القلب من قرطاسه فزعا
قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم ... قال الخليفة أمسى مثقلا وجعا
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا ... كأن أغبر من أركانها انقلعا
ثم انبعثنا إلى خوص مضمرة ... نرمي الفجاج بها ما نأتلى سرعا
فما نبالى إذا بلغن أرجلنا ... ما مات منهن بالمرمات أو طلعا
لما انتهينا وباب الدار منصفق ... بصوت رملة ريع القلب فانصدعا
من لا تزل نفسه توفى على شرف ... توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه ... كانا جميعا خليطا سالمين معا
أغر أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا
لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا ... أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا
وقال الشافعي: سرق يزيد هذين البيتين من الأعشى، ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق وأنه أوصى إليه، وهذا قد قاله ابن إسحاق وغير واحد، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلا بعد موت أبيه، وأنه صلى على قبره بالناس كما قدمناه والله أعلم. وقال أبو الورد العنبري يرثي معاوية رضي الله عنه: -
ألا أنعى معاوية بن حرب ... نعاه الحل للشهر الحرام
نعاه الناعيات بكل فج ... خواضع في الأزمة كالسهام
فهاتيك النجوم وهن خرس ... ينحن على معاوية الهمام
وقال أيمن بن خريم يرثيه أيضا: -
رمى الحدثان نسوة آل حرب ... بمقدار سمدن له سمودا
فرد شعورهن السود بيضا ... ورد وجوههن البيض سودا
فإنك لو شهدت بكاء هند ... ورملة إذ يصفقن الخدودا
بكيت بكاء معولة قريح ... أصاب الدهر واحدها الفريدا
ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له من الأولاد الذكور والإناث
ص 143
كان له عبد الرحمن وبه كان يكنى، وعبد الله، وكان ضعيف العقل، وأمهما فاختة بنت قرظة ابن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، وقد تزوج بأختها منفردة عنها بعدها، وهي كنوة بنت قرظة وهي
التي كانت معه حين افتتح قبرص، وتزوج نائلة بنت عمارة الكلبية فأعجبته وقال لميسون بنت بحدل: ادخلي فانظري إلى ابنة عمك، فدخلت فسألها عنها فقالت: إنها لكاملة الجمال، ولكن رأيت تحت سرتها خالا، وإني لأرى هذه يقتل زوجها ويوضع رأسه في حجرها. فطلقها معاوية فتزوجها بعده حبيب بن سلمة الفهري، ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير فقتل ووضع رأسه في حجرها. ومن أشهر أولاده يزيد وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دجلة بن قنافة الكلبي، وهي التي دخلت على نائلة فأخبرت معاوية عنها بما أخبرته، وكانت حازمة عظيمة الشأن جمالا ورياسة وعقلا ودينا، دخل عليها معاوية يوما ومعه خادم خصي فاستترت منه وقالت: ما هذا الرجل معك؟
فقال: إنه خصي فاظهري عليه، فقالت: ما كانت المثلة لتحل له ما حرم الله عليه، وحجبته عنها.
وفي رواية أنها قالت له: إن مجرد مثلتك له لن تحل ما حرمه الله عليه، فلهذا أولى الله ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه. وذكر ابن جرير أن ميسون هذه ولدت لمعاوية بنتا أخرى يقال لها: أمة رب المشارق، ماتت صغيرة، ورملة تزوجها عمرو بن عثمان بن عفان، كانت دارها بدمشق عند عقبة السمك تجاه زقاق الرمان، قاله ابن عساكر قال: ولها طاحون معروفة إلى الآن، وهند بنت معاوية تزوجها عبد الله بن عامر، فلما أدخلت عليه بالخضراء جوار الجامع أرادها على نفسها فتمنعت عليه وأبت أشد الإباء، فضربها فصرخت، فلما سمع الجواري صوتها صرخن وعلت أصواتهن، فسمع معاوية فنهض إليهن فاستعلمهن ما الخبر؟ فقلن: سمعنا صوت سيدتنا فصحنا، فدخل فإذا بها تبكي من ضربه، فقال لابن عامر: ويحك!! مثل هذه تضرب في مثل هذه الليلة؟ ثم قال له: اخرج من هاهنا، فخرج ابن عامر وخلا بها معاوية فقال لها: يا بنية إنه زوجك الذي أحله الله لك، أو ما سمعت قول الشاعر: -
من الخفرات البيض أما حرامها ... فصعب وأما حلها فذلول؟
ثم خرج معاوية من عندها وقال لزوجها: ادخل فقد مهدت لك خلقها ووطأته. فدخل ابن عامر فوجدها قد طابت أخلاقها فقضى حاجته منها رحمهم الله تعالى.
فصل
ص 144
</span>
[كان على قضاء معاوية أبو الدرداء بولاية عمر بن الخطاب، فلما حضره الموت أشار على معاوية بتولية فضالة بن عبيد، ثم مات فضالة فولى أبا إدريس الخولاني. وكان على حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل مالك، ويكنى أبا المخارق- مولى لحمير- وكان معاوية أول من اتخذ الحرس، وعلى حجابته سعد مولاه وعلى الشرطة قيس بن حمزة، ثم زميل بن عمرو العذري، ثم الضحاك بن
قيس الفهري، وكان صاحب أمره سرجون بن منصور الرومي. وكان معاوية أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب] [1] .
فصل
ص 145
وممن ذكر أنه توفي في هذه السنة- أعني سنة ستين- (صفوان بن المعطل) بن رخصة بن المؤمل ابن خزاعي أبو عمرو، وأول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وهو الذي رماه أهل الافك بأم المؤمنين فبرأه الله وإياها مما قالوا، وكان من سادات المسلمين، وكان ينام نوما شديدا حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا استيقظت فصل» وقد قتل صفوان شهيدا.
أبو مسلم الخولاني
ص 145
عبد بن ثوب الخولاني من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العنسي إلى أن يشهد أنه رسول الله فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال: لا أسمع، أشهد أن محمدا رسول الله، فأجج له نارا وألقاه فيها فلم تضره، وأنجاه الله منها فكان يشبه بإبراهيم الخليل، ثم هاجر فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فقدم على الصديق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر: الحمد لله الذي لم يمتنى حتى أرى في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل، وقبله بين عينيه، وكانت له أحوال ومكاشفات والله سبحانه أعلم. ويقال إنه توفي فيها النعمان بن بشير، والأظهر أنه مات بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه من الحوادث والفتن
ص 145
بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين، وكان مولده سنة ست وعشرين، فكان يوم بويع ابن أربع وثلاثين سنة، فأقر ثواب أبيه على الأقاليم، لم يعزل أحدا منهم، وهذا من ذكائه.
قال هشام بن محمد الكلبي عن أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي الأخباري: ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير، وأمير البصرة عبد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية البيعة ليزيد، فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة: «بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فإن معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوله ومكن له، فعاش بقدر ومات بأجل، فرحمه الله، فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام.
وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن الفأرة: أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمرو عبد الله بن
الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام. فلما أتاه نعي معاوية فظع به وكبر عليه، فبعث إلى مروان فقرأ عليه الكتاب واستشاره في أمر هؤلاء النفر، فقال: أرى أن تدعوهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة، فان أبو ضربت أعناقهم. فأرسل من فوره عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين وابن الزبير- وهما في المسجد- فقال لهما: أجيبا الأمير، فقالا: انصرف الآن نأتيه، فلما انصرف عنهما قال الحسين لابن الزبير: إني أرى طاغيتهم قد هلك، قال ابن الزبير: وأنا ما أظن غيره. قال: ثم نهض حسين فأخذ معه مواليه وجاء باب الأمير فاستأذن فأذن له، فدخل وحده، وأجلس مواليه على الباب، وقال: إن سمعتم أمرا يريبكم فادخلوا، فسلم وجلس ومروان عنده، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب ونعى إليه معاوية، فاسترجع وقال:
رحم الله معاوية، وعظم لك الأجر، فدعاه الأمير إلى البيعة فقال له الحسين: إن مثلي لا يبايع سرا، وما أراك تجتزي مني بهذا، ولكن إذا اجتمع الناس دعوتنا معهم فكان أمرا واحدا، فقال له الوليد- وكان يحب العافية- فانصرف على اسم الله حتى تأتينا في جماعة الناس. فقال مروان للوليد: والله لئن فارقك ولم يبايع الساعة ليكثرن القتل بينكم وبينه، فاحبسه ولا تخرجه حتى يبايع وإلا ضربت عنقه، فنهض الحسين وقال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني؟ كذبت والله وأثمت. ثم انصرف إلى داره، فقال مروان للوليد: والله لا تراه بعدها أبدا. فقال الوليد: والله يا مروان ما أحب أن لي الدنيا وما فيها وأني قتلت الحسين، سبحان الله! أقتل حسينا أن قال لا أبايع؟
والله إني لأظن أن من يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة. وبعث الوليد إلى عبد الله بن الزبير فامتنع عليه وماطله يوما وليلة، ثم إن ابن الزبير ركب في مواليه واستصحب معه أخاه جعفرا وسار إلى مكة على طريق الفرع، وبعث الوليد خلف ابن الزبير الرجال والفرسان فلم يقدروا على رده، وقد قال جعفر لأخيه عبد الله وهما سائران متمثلا بقول صبرة الحنظلي: -
وكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعقابهم غير واحد
فقال: سبحان الله! ما أردت إلى هذا؟ فقال: والله ما أردت به شيئا يسوءك، فقال: إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إلي، قالوا وتطير به. وأما الحسين بن علي فإن الوليد تشاغل عنه بابن الزبير وجعل كلما بعث إليه يقول حتى تنظر وننظر، ثم جمع أهله وبنيه وركب ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة، بعد خروج ابن الزبير بليلة، ولم يتخلف عنه أحد من أهله سوى محمد بن الحنفية، فإنه قال له: والله يا أخي لأنت أعز أهل الأرض علي، وإني ناصح لك لا تدخلن مصرا من هذه الأمصار، ولكن اسكن البوادي والرمال، وابعث إلى الناس فإذا بايعوك واجتمعوا عليك فادخل المصر، وإن أبيت إلا سكنى المصر فاذهب إلى مكة، فإن رأيت ما تحب وإلا ترفعت
إلى الرمال والجبال. فقال له: جزاك الله خيرا فقد نصحت وأشفقت، وسار الحسين إلى مكة فاجتمع هو وابن الزبير بها، وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن تختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك؟
فقال ابن عمر: لا أحب شيئا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت، وكانوا يتخوفونه.
وقال الواقدي: لم يكن ابن عمر بالمدينة حين قدم نعي معاوية، وإنما كان هو وابن عباس بمكة فلقبهما وهما مقبلان منها الحسين وابن الزبير، فقال: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد بن معاوية، فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا بين جماعة المسلمين، وقدم ابن عمر وابن عباس إلى المدينة فلما جاءت البيعة من الأمصار بايع ابن عمر مع الناس، وأما الحسين وابن الزبير فإنهما قدما مكة فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص فخافاه وقالا: إنا جئنا عواذا بهذا البيت.
وفي هذه السنة في رمضان منها عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه، وأضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة، فقدم المدينة في رمضان، وقيل في ذي القعدة، وكان متآلها متكبرا، وسلط عمرو بن الزبير- وكان عدوا لأخيه عبد الله- على حربه وجرده له، وجعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزبير. وقد ثبت في الصحيحين أن أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثا قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح، سمعته أذناي ووعاه قلبي حين تكلم به إنه حمد الله وأثنى عليه وقال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، وإنه لم يحل القتال فيها لأحد كان قبلي، ولم تحل لأجد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم قد صارت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» . وفي رواية: «فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ فقال: قال لي نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة.
قال الواقدي: ولى عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرو بن الزبير فتتبع أصحاب أخيه ومن يهوى هواه، فضربهم ضربا شديدا حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزبير، وانه لا بد أن يأخذ أخاه عبد الله في جامعة من فضة حتى يقدم به على الخليفة، فضرب المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم، ضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين جلدة، وفر منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس من مكة. ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلب ابن الزبير، وأنه لا يقبل منه وإن
بايع حتى يؤتى به إلي في جامعة [1] من ذهب أو من فضة تحت برنسه، فلا ترى إلا أنه يسمع صوتها، وكان ابن الزبير قد منع الحارث بن خالد المخزومي من أن يصلي بأهل مكة، وكان نائب عمرو بن سعيد عليها، فحينئذ صمم عمرو على تجهيز سرية إلى مكة بسبب ابن الزبير، فاستشار عمرو بن سعيد عمرو ابن الزبير: من يصلح أن نبعثه إلى مكة لأجل قتاله؟ فقال له عمرو بن الزبير: إنك لا تبعث إليه من هو أنكى له مني، فعينه على تلك السرية وجعل على مقدمته أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة مقاتل. وقال الواقدي: إنما عينهما يزيد بن معاوية نفسه، وبعث بذلك إلى عمرو بن سعيد، فعسكر أنيس بالجرف وأشار مروان بن الحكم على عمرو بن سعيد أن لا يغزو مكة وأن يترك ابن الزبير بها، فإنه عما قليل إن لم يقتل يمت، فقال أخوه عمرو بن الزبير: والله لنغزونه ولو في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. فقال مروان: والله إن ذلك ليسرني. فسار أنيس واتبعه عمرو بن الزبير في بقية الجيش- وكانوا ألفين- حتى نزل بالأبطح، وقيل بداره عند الصفا، ونزل أنيس بذي طوى، فكان عمرو بن الزبير يصلي بالناس، ويصلي وراءه أخوه عبد الله بن الزبير، وأرسل عمرو إلى أخيه يقول له: بريمين الخليفة، وأته وفي عنقك جامعة من ذهب أو فضة، ولا تدع الناس يضرب بعضهم بعضا، واتق الله فإنك في بلد حرام. فأرسل عبد الله يقول لأخيه: موعدك المسجد. وبعث عبد الله ابن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية في سرية فاقتتلوا مع عمرو بن أنيس الأسلمي فهزموا أنيسا هزيمة قبيحة، وتفرق عن عمرو بن الزبير أصحابه وهرب عمرو إلى دار ابن علقمة، فأجاره أخوه عبيدة بن الزبير، فلامه أخوه عبد الله بن الزبير وقال: تجير من في عنقه حقوق الناس؟ ثم ضربه بكل من ضربه بالمدينة إلا المنذر بن الزبير وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا من عمرو، وسجنه ومعه عارم، فسمي سجن عارم، وقد قيل إن عمرو بن الزبير مات تحت السياط والله أعلم.
قصة الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وسبب خروجه بأهله من مكة إلى العراق في طلب الإمارة وكيفية مقتله رضي الله عنه
ص 148
ولنبدأ قبل ذلك بشيء من ترجمته ثم نتبع الجميع بذكر مناقبه وفضائله.
هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي، السبط الشهيد بكربلاء ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة الزهراء، وريحانته من الدنيا، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة، وقال بعضهم: إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل، وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع. وقال قتادة: ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وله
أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف، رضي الله عنه. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حنكه وتفل في فيه ودعا له وسماه حسينا، وقد كان سماه أبوه قبل ذلك حربا، وقيل جعفرا، وقيل: إنما سماه يوم سابعه وعق عنه. وقال جماعة عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن هانئ بن هانئ عن علي رضي الله عنه قال: الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه به ما بين أسفل من ذلك، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي. قال: كان وجه الحسن يشبه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وروى محمد بن سيرين وأخته حفصة، عن أنس. قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنا، فقلت له: إنه كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان: قلت لعبيد الله بن أبى زياد: رأيت الحسين؟ قال: نعم أسود الرأس واللحية إلا شعرات هاهنا في مقدم لحيته، فلا أدري أخضب وترك ذلك المكان تشبها برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لم يكن شاب منه غير ذلك؟ وقال ابن جريج: سمعت عمر بن عطاء قال: رأيت الحسين بن على يصبغ بالوشمة، أما هو فكان ابن ستين سنة، وكان رأسه ولحيته شديدي السواد، فأما الحديث الذي روي من طريقين ضعيفين أن فاطمة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض الموت أن ينحل ولديها شيئا فقال:
«أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جرأتي وجودي» فليس بصحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة، وقد أدرك الحسين من حياة النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث، وقال مسلم بن الحجاج له رؤية من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال في الحسن بن علي: إنه تابعي ثقة، وهذا غريب فلأن يقول في الحسين إنه تابعي بطريق الأولى.
وسنذكر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمهما به، وما كان يظهر من محبتهما والحنو عليهما.
والمقصود أن الحسين عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض، ولكنه كان صغيرا.
ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها، في الجمل وصفين، وكان معظما موقرا، ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، فلما آلت الخلافة إلى أخيه وأراد أن يصالح شق ذلك عليه ولم يسدد رأي أخيه في ذلك، بل حثه على قتال أهل الشام، فقال له أخوه: والله لقد هممت أن أسجنك في بيت وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك. فلما رأى الحسين ذلك سكت وسلم، فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراما زائدا، ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله
لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين. ولما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمم على ذلك، فلما مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عباس، وصمم على المخالفة الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة فارين إلى مكة فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ويقدمون عليه ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد، وأما ابن الزبير فإنه لزم مصلاه عند الكعبة، وجعل يتردد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرك بشيء مما في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه عليه، غير أنه قد تعينت السرايا والبعوث إلى مكة بسببه، ولكن أظفره الله بهم كما تقدم ذلك آنفا، فانقشعت السرايا عن مكة مفلولين وانتصر عبد الله بن الزبير على من أراد هلاكه من اليزيديين، وضرب أخاه عمرا وسجنه واقتص منه وأهانه، وعظم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز، واشتهر أمره وبعد صيته، ومع هذا كله ليس هو معظما عند الناس مثل الحسين، بل الناس إنما ميلهم إلى الحسين لأنه السيد الكبير، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه.
وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يدعونه إليهم- وذلك حين بلغهم موت معاوية وولاية يزيد، ومصير الحسين إلى مكة فرارا من بيعة يزيد- فكان أول من قدم عليه عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وال، معهما كتاب فيه السلام والتهنئة بموت معاوية، فقدما على الحسين لعشر مضين من رمضان من هذه السنة، ثم بعثوا بعدهما نفرا منهم قيس بن مسهر الصدائى، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكواء الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلولي، ومعهم نحو من مائة وخمسين كتابا إلى الحسين، ثم بعثوا هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي ومعهما كتاب فيه الاستعجال في السير إليهم، وكتب إليه شيث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث ابن رويم، وعمرو بن حجاج الزبيدي، ومحمد بن عمر بن يحيى التميمي: أما بعد فقد اخضرت الجنان وأينعت الثمار ولطمت الجمام، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجندة والسلام عليك. فاجتمعت الرسل كلها بكتبها عند الحسين، وجعلوا يستحثونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضا عن يزيد بن معاوية، ويذكرون في كتبهم أنهم فرحوا بموت معاوية، وينالون منه ويتكلمون في دولته، وأنهم
لما يبايعوا أحدا إلى الآن، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم، فعند ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى العراق، ليكشف له حقيقة هذا الأمر والاتفاق، فإن كان متحتما وأمرا حازما محكما بعث إليه ليركب في أهله وذويه، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه، وكتب معه كتابا إلى أهل العراق بذلك، فلما سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين فسارا به على براري مهجورة المسالك، فكان أحد الدليلين منهما أول هالك، وذلك من شدة العطش، وقد أضلوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له المضيق، من بطن خبيت، فتطير به مسلم بن عقيل، فتلبث مسلم على ما هنالك ومات الدليل الآخر فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره، فكتب إليه يعزم عليه أن يدخل العراق، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ويستخبر خبرهم.
فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عوسجة الأسدي، وقيل نزل في دار المختار ابن أبي عبيد الثقفي فالله أعلم. فتسامع أهل الكوفة بقدومه فجاءوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفا، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والأمور، فتجهز الحسين من مكة قاصدا الكوفة كما سنذكره. وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير خبره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحا ولا يعبأ به، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة، وأمرهم بالائتلاف والسنة، وقال: إني لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا آخذكم بالظنة، ولكن والله الذي لا إله إلا هو لئن فارقتم إمامكم ونكثتم بيعته لأقاتلنكم ما دام في يدي من سيفي قائمته. فقام إليه رجل يقال له عبد الله بن مسلم بن شعبة الحضرمي فقال له: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالغشمة، وإن الذي سلكته أيها الأمير مسلك المستضعفين.
فقال له النعمان: لأن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من أن أكون من الأقوياء الأعزين في معصية الله. ثم نزل فكتب ذلك الرجل إلى يزيد يعلمه بذلك، وكتب إلى يزيد عمارة ابن عقبة وعمرو بن سعد بن أبي وقاص، فبعث يزيد فعزل النعمان عن الكوفة وضمها إلى عبيد الله ابن زياد مع البصرة، وذلك بإشارة سرجون مولى يزيد بن معاوية، وكان يزيد يستشيره، فقال سرجون: أكنت قابلا من معاوية ما أشار به لو كان حيا؟ قال: نعم! قال: فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، فوله إياها. وكان يزيد يبغض عبيد الله بن زياد، وكان يريد أن يعزله عن البصرة، فولاه البصرة والكوفة معا لما يريده الله به وبغيره.
ثم كتب يزيد إلى ابن زياد: إذا قدمت الكوفة فاطلب مسلم بن عقيل فإن قدرت عليه فاقتله أو انفه، وبعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي، فسار ابن زياد من البصرة إلى
الكوفة، فلما دخلها دخلها متلثما بعمامة سوداء، فجعل لا يمر بملأ من الناس إلا قال: سلام عليكم، فيقولون: وعليكم السلام مرحبا بابن رسول الله- يظنون أنه الحسين وقد كانوا ينتظرون قدومه- وتكاثر الناس عليه، ودخلها في سبعة عشر راكبا، فقال لهم مسلم بن عمرو من جهة يزيد: تأخروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، فلما علموا ذلك علتهم كآبة وحزن شديد، فتحقق عبيد الله الخبر، ونزل قصر الإمارة من الكوفة، فلما استقر أمره أرسل مولى أبى رهم- وقيل كان مولى له يقال له معقل- ومعه ثلاثة آلاف درهم في صورة قاصد من بلاد حمص، وأنه إنما جاء لهذه البيعة، فذهب ذلك المولى فلم يزل يتلطف ويستدل على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عقيل حتى دخلها، وهي دار هانئ بن عروة التي تحول إليها من الدار الأولى، فبايع وأدخلوه على مسلم بن عقيل فلزمهم أياما حتى اطلع على جلية أمرهم، فدفع المال إلى أبى ثمامة العامري بأمر مسلم بن عقيل- وكان هو الذي يقبض ما يؤتى به من الأموال ويشتري السلاح- وكان من فرسان العرب، فرجع ذلك المولى وأعلم عبيد الله بالدار وصاحبها، وقد تحول مسلم بن عقيل إلى دار هانئ بن حميد بن عروة المرادي، ثم إلى دار شريك بن الأعور وكان من الأمراء الأكابر، وبلغه أن عبيد الله يريد عيادته، فبعث إلى هانئ يقول له: ابعث مسلم بن عقيل حتى يكون في داري ليقتل عبيد الله إذا جاء يعودني، فبعثه إليه فقال له شريك: كن أنت في الخباء، فإذا جلس عبيد الله فإني أطلب الماء وهي إشارتي إليك، فاخرج فاقتله، فلما جاء عبيد الله جلس على فراش شريك وعنده هانئ بن عروة، وقام من بين يديه غلام يقال له مهران، فتحدث عنده ساعة ثم قال شريك: اسقوني، فتجبن مسلم عن قتله، وخرجت جارية بكوز من ماء فوجدت مسلما في الخباء فاستحيت ورجعت بالماء ثلاثا، ثم قال: اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي أتحمونني من الماء؟ ففهم مهران الغدر فغمز مولاه فنهض سريعا وخرج، فقال شريك:
أيها الأمير، إني أريد أن أوصي إليك، فقال: سأعود! فخرج به مولاه فأركبه وطرد به- أي ساق به- وجعل يقول له مولاه: إن القوم أرادوا قتلك فقال: ويحك إني بهم لرفيق. فما بالهم؟ وقال شريك لمسلم: ما منعك أن تخرج فقتله؟ قال: حديث بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «الايمان ضد الفتك، لا يفتك مؤمن» وكرهت أن أقتله في بيتك، فقال: أما لو قتلته لجلست في القصر لم يستعد منه أحد وليكفينك أمر البصرة، ولو قتلته لقتلت ظالما فاجرا، ومات شريك بعد ثلاث.
ولما انتهى ابن زياد إلى باب القصر وهو متلثم ظنه النعمان بن بشير الحسين قد قدم، فأغلق باب القصر وقال: ما أنا بمسلم إليك أمانتي، فقال له عبيد الله: افتح لا فتحته، ففتح وهو يظنه الحسين، فلما تحقق أنه عبيد الله أسقط في يده، فدخل عبيد الله إلى قصر الإمارة وأمر مناديا فنادى: أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان
أمير المؤمنين قد ولأني أمركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على مريبكم وعاصيكم، وإنما أنا ممتثل فيكم أمره ومنفذ عهده، ثم نزل وأمر العرفاء أن يكتبوا من عندهم من الزورية وأهل الريب والخلاف والشقاق، وأيما عريف لم يطلعنا على ذلك صلب أو نفى وأسقطت عرافته من الديوان- وكان هانئ أحد الأمراء الكبار- ولم يسلم على عبيد الله منذ قدم وتمارض، فذكره عبيد الله وقال: ما بال هانئ لم يأتني مع الأمراء؟
فقالوا: أيها الأمير إنه يشتكي، فقال: إنه بلغني أنه يجلس على باب داره. وزعم بعضهم أنه عاده قبل شريك بن الأعور ومسلم بن عقيل عنده، وقد هموا بقتله فلم يمكنهم هانئ لكونه في داره، فجاء الأمراء إلى هانئ بن عروة فلم يزالوا به حتى أدخلوه على عبيد الله بن زياد، فالتفت عبيد الله إلى القاضي شريح فقال متمثلا بقول الشاعر:
أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد
فلما سلم هانئ على عبيد الله قال: يا هانئ أين مسلم بن عقيل؟ قال: لا أدري، فقام ذلك المولى التميمي الذي دخل دار هانئ في صورة قاصد من حمص فبايع في داره ودفع الدراهم بحضرة هانئ إلى مسلم، فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم! فلما رآه هانئ قطع وأسقط في يده، فقال: أصلح الله الأمير، والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنه جاء فطرح نفسه علي، فقال عبيد الله: فأتني به، فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه، فقال: أدنوه مني، فأدنوه فضربه بحربة على وجهه فشجه على حاجبه وكسر أنفه، وتناول هانئ سيف شرطي ليسله فدفع عن ذلك، وقال عبيد الله:
قد أحل الله لي دمك، لأنك حروري، ثم أمر به فحبسه في جانب الدار وجاء قومه من بني مذحج مع عمرو بن الحجاج فوقفوا على باب القصر يظنون أنه قد قتل، فسمع عبيد الله لهم جلبة، فقال شريح القاضي وهو عنده: اخرج إليهم فقل لهم: إن الأمير لم يحبسه إلا ليسأله عن مسلم بن عقيل، فقال لهم: إن صاحبكم حي وقد ضربه سلطاننا ضربا لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فتفرقوا إلى منازلهم، وسمع مسلم بن عقيل الخبر فركب ونادى بشعاره «يا منصور أمت» وفاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، وكان معه المختار بن أبي عبيد، ومعه راية خضراء، عبد الله بن نوفل بن الحارث براية حمراء، فرتبهم ميمنة وميسرة وسار هو في القلب إلى عبيد الله، وهو يخطب الناس في أمر هانئ ويحذرهم من الاختلاف، وأشراف الناس وأمراؤهم تحت منبره، فبينما هو كذلك إذ جاءت النظارة يقولون: جاء مسلم بن عقيل، فبادر عبيد الله فدخل القصر ومن معه وأغلقوا عليهم الباب، فلما انتهى مسلم إلى باب القصر وقف بجيشه هناك، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد الله في القصر، فأشاروا إلى قومهم الذين مع مسلم بالانصراف، وتهددوهم وتوعدوهم،
وأخرج عبيد الله بعض الأمراء وأمرهم أن يركبوا في الكوفة يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل، ففعلوا ذلك، فجعلت المرأة تجيء إلى ابنها وأخيها وتقول له: ارجع إلى البيت، الناس يكفونك ويقول الرجل لابنه وأخيه: كأنك غدا بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم؟ فتخاذل الناس وقصروا وتصرموا وانصرفوا عن مسلم بن عقيل حتى لم يبق إلا في خمسمائة نفس، ثم تقالوا حتى بقي في ثلاثمائة ثم تقالوا حتى بقي معه ثلاثون رجلا، فصلى بهم المغرب وقصد أبواب كندة فخرج منها في عشرة، ثم انصرفوا عنه فبقي وحده ليس معه من يدله على الطريق، ولا من يؤانسه بنفسه، ولا من يأويه إلى منزله، فذهب على وجهه واختلط الظلام وهو وحده يتردد في الطريق لا يدري أين يذهب، فأتى بابا فنزل عنده وطرقه فخرجت منه امرأة يقال لها طوعة، كانت أم ولد للأشعث بن قيس، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال بن أسيد، خرج مع الناس وأمه قائمة بالباب تنتظره، فقال لها مسلم بن عقيل: اسقني ماء فسقته، ثم دخلت وخرجت فوجدته، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى! قالت: فاذهب إلى أهلك عافاك الله، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أجمله لك، فقام فقال: يا أمة الله ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة، فهل إلى أجر ومعروف وفعل نكافئك به بعد اليوم؟
فقالت: يا عبد الله وما هو؟ قال أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني، فقالت: أنت مسلم؟
قال: نعم! قالت ادخل! فأدخلته بيتا من دارها غير البيت الذي يكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، فلم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول والخروج، فسألها عن شأنها فقالت: يا بني اله عن هذا، فألح عليها فأخذت عليه أن لا يحدث أحدا، فأخبرته خبر مسلم، فاضطجع إلى الصباح ساكتا لا يتكلم. وأما عبيد الله بن زياد فإنه نزل من القصر بمن معه من الأمراء والأشراف بعد العشاء الآخرة فصلى بهم العشاء في المسجد الجامع، ثم خطبهم وطلب منهم مسلم بن عقيل وحث على طلبه، ومن وجد عنده ولم يعلم به فدمه هدر، ومن جاء به فله ديته، وطلب الشرط وحثهم على ذلك وتهددهم. فلما أصبح ابن تلك العجوز ذهب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأعلمه بأن مسلم بن عقيل في دارهم، فجاء عبد الرحمن فسار أباه بذلك وهو عند ابن زياد، فقال ابن زياد: ما الذي سارك به؟
فأخبره الخبر فنخس بقضيب في جنبه وقال: قم فأتني به الساعة. وبعث ابن زياد عمر بن حريث المخزومي- وكان صاحب شرطته- ومعه عبد الرحمن ومحمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارسا، فلم يشعر مسلم إلا وقد أحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرات، وأصيبت شفته العليا والسفلى، ثم جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب فضاق بهم ذرعا، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان فأمكنه من يده، وجاءوا ببغلة فأركبوه عليها وسلبوا عنه سيفه فلم يبق يملك من نفسه شيئا، فبكى عند ذلك وعرف أنه مقتول،
فيئس من نفسه، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156. فقال بعض من حوله: إن من يطلب مثل الذي تطلب لا يبكي إذا نزل به هذا، فقال: أما والله لست أبكي على نفسي، ولكن أبكي على الحسين، وآل الحسين، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمس من مكة، ثم التفت إلى محمد بن الأشعث فقال: إن استطعت أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره بالرجوع فافعل، فبعث محمد بن الأشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدق الرسول في ذلك، وقال: كل ما حم الإله واقع. قالوا: ولما انتهى مسلم بن عقيل إلى باب القصر إذا على بابه جماعة من الأمراء من أبناء الصحابة ممن يعرفهم ويعرفونه، ينتظرون أن يؤذن لهم على ابن زياد، ومسلم مخضب بالدماء في وجهه وثيابه، وهو مثخن بالجراح، وهو في غاية العطش، وإذا قلة من ماء بارد هنالك فأراد أن يتناولها ليشرب منها فقال له رجل من أولئك: والله لا تشرب منها حتى تشرب من الحميم، فقال له: ويلك يا ابن ناهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار الجحيم منى، ثم جلس فتساند إلى الحائط من التعب والكلال والعطش، فبعث عمارة بن عقبة بن أبي معيط مولى له إلى داره فجاء بقلة عليها منديل ومعه قدح، فجعل يفرغ له في القدح ويعطيه فيشرب فلا يستطيع أن يسيغه من كثرة الدماء التي تعلو على الماء مرتين أو ثلاثا، فلما شرب سقطت ثناياه مع الماء فقال: الحمد لله لقد كان بقي لي من الرزق المقسوم شربة ماء، ثم أدخل على ابن زياد، فلما وقف بين يديه لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير؟! فقال: لا! إن كان يريد قتلي فلا حاجة لي بالسلام عليه، وإن لم يرد قتلي فسأسلم عليه كثيرا، فأقبل ابن زياد عليه فقال: إيه يا ابن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على قتل بعض؟ قال: كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب. قال:
وما أنت وذاك يا فاسق؟ لم لا كنت تعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟. فقال: أنا أشرب الخمر! والله إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأنت أحق بذلك مني، [فإني لست كما ذكرت، وإن أولى بها مني من يلغ في دماء المسلمين ولغا، ويقتل النفس التي حرم الله بغير نفس، ويقتل على الغضب والظن، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد:
يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونك ودونه، ولم يرك أهله، قال: فمن أهله يا ابن زياد؟ قال:
أمير المؤمنين يزيد. قال: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم. قال: كأنك تظن أن لكم في الأمر شيئا؟ قال: لا والله ما هو بالظن ولكنه اليقين. قال له: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام من الناس. قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه،
أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة المكتسبة عن كتابكم وجهالكم] [1] وأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم حسينا وعليا، ومسلم ساكت لا يكلمه رواه ابن جرير عن أبي مخنف وغيره من رواة الشيعة. ثم قال له ابن زياد: إني قاتلك. قال: كذلك؟ قال: نعم. قال: فدعني أوصي إلى بعض قومي، قال: أوص. فنظر في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص. فقال: يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولى إليك حاجة، وهي سر فقم معى إلى ناحية القصر حتى أقولها لك، فأبى أن يقوم معه حتى أذن له ابن زياد، فقام فتنحى قريبا من ابن زياد فقال له مسلم: إن علي دينا في الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عني، واستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين، فانى كنت قد كتبت إليه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلا، فقام عمر فعرض على ابن زياد ما قال له فأجاز ذلك له كله، وقال: أما الحسين فإنه لم يردنا لا نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، ثم أمر ابن زياد بمسلم بن عقيل فأصعد إلى أعلا القصر وهو يكبر ويهلل ويسبح ويستغفر ويصلي على ملائكة الله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، ثم ضرب عنقه رجل يقال له بكير ابن حمران، ثم ألقى رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع رأسه بجسده. ثم أمر بهانئ بن عروة المذحجي فضربت عنقه بسوق الغنم، وصلب بمكان من الكوفة يقال له الكناسة، فقال رجل شاعر في ذلك قصيدة: -
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري ... إلى هانئ في السوق وابن عقيل
أصابهما أمر الامام فأصبحا ... أحاديث من يغشى بكل سبيل
[إلى بطل قد هشم السيف وجهه ... وآخر يهوى في طمار قتيل
تري جسدا قد غير الموت لونه ... ونضح دم قد سال كل مسيل
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم ... فكونوا بغيا أرضيت بقليل
ثم إن ابن زياد قتل معهما أناسا آخرين،] [2] ثم بعث برءوسهما إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، وكتب له كتابا صورة ما وقع من أمرهما وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذرهم وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرق، وذلك لما رواه هشام بن الكلبي وأبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن أبي عثمان النهدي. قال: بعث الحسين مع مولى له يقال له سلمان كتابا إلى أشراف أهل البصرة فيه: أما بعد فان الله اصطفى محمدا على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس به وبمقامه
في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمرى، فان فعلتم أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله. وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة. قال: فكل من قرأ ذلك من الأشراف كتمه إلا المنذر بن الجارود فإنه ظن أنه دسيسة من ابن زياد فجاء به إليه، فبعث خلف الرسول الذي جاء به من حسين فضرب عنقه، وصعد عبيد الله ابن زياد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فو الله ما بي تقرن الصعبة، وما يقعقع لي بالشنان، وإني لنكال لمن عاداني، وسهام لمن حاربني، أنصف «القارة» [1] من رماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غاد إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فو الذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى، حتى يستقيم لي الأمر، ولا يكن فيكم مخالف ولا مشاقق، أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم يتنزعنى شبه خال ولا عم. ثم خرج من البصرة ومعه مسلم ابن عمرو الباهلي فكان من أمره ما تقدم.
قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن عون بن جحيفة قال: كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، وقتل يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجة، وذلك يوم عرفة سنة ستين، وكان ذلك بعد مخرج الحسين من مكة قاصدا أرض العراق بيوم واحد، وكان خروج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة بقية شعبان ورمضان وشوال والقعدة، وخرج من مكة لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية [وفي رواية ذكرها ابن جرير أن مسلم بن عقيل لما بكى قال له عبيد الله بن عباس السلمي. إن من يطلب مثل ما تطلب لا يبكى إذ انزل به مثل الذي نزل بك، قال: إني والله ما لنفسي أبكى، وما لها من القتل أرثى، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكنني أبكى لأهلى المقبلين إلى الكوفة، أبكى الحسين وآل حسين، ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله! إني والله أراك ستعجز عن أمانى، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث رجلا على لساني يبلغ حسينا عنى رسالة؟ فانى لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم أو غدا هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جزعي لذلك، فتقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم
أسير لا يدرى أيصبح أم يمسى حتى يقتل، وهو يقول لك: ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأى، فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أنى قد أمنتك. قال أبو مخنف:
فدعا محمد بن الأشعث إياس بن العباس الطائي من بنى مالك بن ثمامة- وكان شاعرا- فقال له: اذهب فالق حسينا فأبلغه هذا الكتاب- وكتب فيه الذي أمره به ابن عقيل- ثم أعطاه راحلة وتكفل له بالقيام بأهله وداره، فخرج حتى لقي الحسين بزبالة، لا ربع ليال من الكوفة فأخبره الخبر وأبلغه الرسالة، فقال الحسين: كل ما حم نازل، عند الله نحتسب وأنفسنا وفساد أئمتنا. ولما انتهى مسلم إلى باب القصر وأراد شرب الماء قال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها؟ والله لا تذوقها أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم. فقال له ابن عقيل: ويحك من أنت؟ قال: أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي. فقال له مسلم: لأمك الويل! ما أجفاك وأفظك، وأغلظك يا ابن ناهلة!! أنت والله أولى بالحميم ونار الجحيم] [1]
صفة مخرج الحسين إلى العراق وما جرى له بعد ذلك
ص 158
لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه، وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عقيل، والحسين لا يعلم بشيء من ذلك، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم، فاتفق خروجه من مكة أيام التروية قبل مقتل مسلم بيوم واحد- فإن مسلما قتل يوم عرفة- ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأي منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم. قال سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس. قال: استشارني الحسين بن علي في الخروج فقلت: لولا أن يزرى بى وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب، فكان الذي رد علي أن قال: لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أقتل بمكة. قال: فكان هذا الذي سلى نفسي عنه. وروى أبو مخنف عن الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان. أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟
فقال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى، فقال له ابن عباس: أخبرني إن كان قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبي بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك
أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني أستخير الله وأنظر ما يكون. فخرج ابن عباس عنه، ودخل ابن الزبير فقال له:
ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، أخبرني ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلي شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم، وأستخير الله. فقال ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها. فلما خرج من عنده قال الحسين: قد علم ابن الزبير أنه ليس له من الأمر معي شيء، وأن الناس لم يعدلوا بى غيري، فود أني خرجت لتخلو له. فلما كان من العشي أو من الغد، جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له يا ابن عم! إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم اقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونا وشعابا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. فقال الحسين:
يا ابن عم! والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير. فقال له: فإن كنت ولا بد سائرا فلا تسر بأولادك ونسائك، فو الله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز، فو الله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني وأقمت لفعلت ذلك.
قال: ثم خرج من عنده فلقي ابن الزبير فقال قرت عينك يا ابن الزبير؟ ثم قال:
يا لك من قنبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقرى ... صيادك اليوم قتيل فابشرى
ثم قال ابن عباس: هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز وقال غير واحد عن شبابة بن سوار. قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن علي قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى. فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله، والله ما يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع. قال فاعتنقه ابن عمرو بكى وقال: أستودعك الله من قتيل. وقال يحيى بن معين: حدثنا أبو عبيدة ثنا سليم بن حيان عن سعيد ابن مينا. قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج
إلا أن يغلبني، ببني هاشم فتح هذا الأمر، وببني هاشم يختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نص عليه غير واحد من الأئمة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله.
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان ثنا عبد الله بن شريك عن بشر ابن غالب. قال قال ابن الزبير للحسين: أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال:
لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي- يعني مكة- وقال الزبير بن بكار:
حدثني عمي مصعب بن عبد الله أخبرني من سمع هشام بن يوسف يقول عن معمر قال: سمعت رجلا يحدث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: أتتني بيعة أربعين ألفا يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معى، فقال له ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟ قال هشام: فسألت معمرا عن الرجل فقال: هو ثقة. قال الزبير: وقال عمي: وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الذي قال هذا. وقد ساق محمد بن سعد كاتب الواقدي هذا سياقا حسنا مبسوطا. فقال: أنبأنا على ابن محمد عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المهاجر عن أبيه، وعن لوط بن يحيى العامري عن محمد بن بشير الهمداني وغيره، وعن محمد بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير عن هارون بن عيسى عن يونس بن إسحاق عن أبيه، وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي. قال محمد بن سعد: وغير هؤلاء قد حدثني أيضا في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين رضي الله عنه وأرضاه:
قالوا: لما بايع الناس معاوية ليزيد كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الاقامة عنهم. فجاءه أبو سعيد الخدري فقال: يا أبا عبد الله! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة:
والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملونى وأبغضونى، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف. قال: وقدم المسيب بن عتبة الفزاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأي أخيك، فقال: إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيته في حبه الكف، وأن يعطيني على نيتي
في حبي جهاد الظالمين. وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلا. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك. فكتب إليه الحسين: أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك عني جدير، والحسنات لا يهدي لها إلا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا، وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلا شرا. وكتب إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه:
إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أني أدركها فأغفرها لك. قالوا: فلما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به، وقال له: انظر حسين بن على بن فاطمة بنت رسول الله، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، يصلح لك أمره، فإن يكن منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس يزيد، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤي، إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي، فإن أمير المؤمنين عهد إلي في أمره الرفق به واستصلاحه. فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة ليزيد ابن معاوية، فقالا: إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وقالا: هو يزيد الذي نعرف، والله ما حدث له عزم ولا مروءة. وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلا شرا.
فقال له مروان- أو بعض جلسائه- اقتله، فقال: إن ذلك لدم مضنون به مصون في بني عبد مناف.
قالوا: وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا، فقال المسور بن مخرمة: عجل الحسين وابن الزبير يلفته ويرجيه ليخلو بمكة، فقد ما مكة فنزل الحسين دار العباس، ولزم ابن الزبير الحجر، ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك، وقال له عبد الله بن مطيع:
إني فداؤك وأبي وأمي، فأمتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فو الله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا وخولا. قالوا: ولقيهما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وابن أبي ربيعة بالأبواء منصرفين
من العمرة فقال لهما ابن عمر: أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا فإن اجتمع الناس عليه فلم تشدا، وإن افترقوا عليه كان الذي تريدان. وقال ابن عمر للحسين:
لا تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها- يعني الدنيا- واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فإن الجماعة خير. وقال له ابن عباس: وأين تريد يا ابن فاطمة؟ فقال: العراق وشيعتي، فقال: إني لكاره لوجهك هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم؟ أذكرك الله أن تغرر بنفسك. وقال أبو سعيد الخدري: غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتق الله في نفسك والزم بيتك ولا تخرج على إمامك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن علي فأدركته بملل فناشدته الله أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه، فقال: لا أرجع. وقال جابر بن عبد الله: كلمت حسينا فقلت: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فو الله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني. وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له. وقال أبو سلمة ابن عبد الرحمن: وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير. وكتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير: الحق بهم فإنهم ناصروك. وقال له ابن عباس: لا تبرح الحرم فإنهم إن كانت بهم إليك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة. فجزاه خيرا وقال: أستخير الله في ذلك. وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه. وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقتل الحسين بأرض بابل» فلما قرأ كتابها قال: فلا بد لي إذا من مصرعي ومضى. وأتاه بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: يا ابن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك.
فقال: جزاك الله يا ابن عم خيرا، مهما يقضى الله من أمر يكن. فقال أبو بكر: إنا لله وإنا إليه راجعون، 2: 156 نحتسب أبا عبد الله عند الله. وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتابا يحذره أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بأمر وأنا ماض له، ولست بمخبر بها أحدا حتى ألاقي عملي. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن
العاص نائب الحرمين: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإني أعيذك الله من الشقاق، فإنك إن كنت خائفا فأقبل إلي، فلك عندي الأمان والبر والصلة. فكتب إليه الحسين: إن كنت أردت بكتابك بري وصلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانا يوم القيامة عنده. قالوا: وكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة، وأحسبه قد جاءه رجال من أهل المشرق فمنوه الخلافة، وعندك منهم خبر وتجربة، فان كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش: -
يا أيها الراكب العادي مطيته ... على غذافرة في سيرها فحم
أبلغ قريشا على نأي المزار بها ... بيني وبين حسين الله والرحم
وموقف بفناء البيت أنشده ... عهد الإله وما توفى به الذمم
عنيتم قومكم فخرا بأمكم ... أم لعمري حصان برة كرم
هي التي لا يداني فضلها أحد ... بنت الرسول وخير الناس قد علموا
وفضلها لكم فضل وغيركم ... من قومكم لهم في فضلها قسم
إني لأعلم أو ظنا كعالمه ... والظن يصدق أحيانا فينتظم
أن سوف يترككم ما تدعون بها ... قتلى تهاداكم العقبان والرخم
يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ مسكت ... ومسكوا بحبال السلم واعتصموا
قد جرب الحرب من قد كان قبلكم ... من القرون وقد بادت بها الأمم
فأنصفوا قومكم لا تهلكوا برحا ... فرب ذي برح زلت به القدم
قال: فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما تجتمع به الألفة وتطفى به الثائرة، ودخل ابن عباس على الحسين فكلمه طويلا وقال له: أنشدك أن تهلك غدا بحال مضيعة لا تأتى العراق، وإن كنت لا بد فاعلا فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة. فأبى الحسين إلا أن يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لأظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لأخاف أن تكون أنت الذي يقاد به عثمان، ف إنا لله وإنا إليه راجعون. 2: 156 فقال له الحسين: أبا العباس إنك شيخ قد كبرت، فقال له ابن عباس: لولا أن يزري
ذلك بى وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تباصينا أقمت لفعلت، ولكن لا أخال ذلك مانعك. فقال الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى من أن أقتل بمكة وتستحل بى، قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررت عين ابن الزبير بذلك، وذلك الذي سلى نفسي عنه قال:
ثم خرج ابن عباس عنه وهو مغضب وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يا ابن الزبير قد أتى ما أحببت، قرت عينك، هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز، ثم قال:
يا لك من قنبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقرى ... صيادك اليوم قتيل فابشرى
قال: وبعث الحسين إلى المدينة يقدم عليه من خف من بني عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان من إخوته وبناته ونسائه، وتبعهم محمد بن الحنفية، فأدرك حسينا بمكة، فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد بن الحنفية ولده فلم يبعث أحدا منهم حتى وجد الحسين في نفسه على محمد، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟ فقال: وما حاجتي إلى أن تصاب ويصابون معك؟ وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم؟ قالوا: وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجها إليهم في أهل بيته وستين شخصا من أهل الكوفة صحبته، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة، فكتب مروان إلى ابن زياد: أما بعد فإن الحسين بن علي قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة. وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر والسلام. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص:
أما بعد فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبدا تسترق كما يسترق العبيد، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه. قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: أنه قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا كما ترق العبيد وتعبد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه.
قلت: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي [وفي رواية أن يزيد كتب إلى ابن زياد: قد بلغني أن الحسين قد توجه إلى نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إلي في كل ما يحدث من خبر والسلام] [1] .
قال الزبير بن بكار: وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام وقال:
لا ذعرت السوام في فلق الصبح ... مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى مخافة الموت ضيما ... والمنايا ترصدنني أن أحيدا
وقال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبى خيثمة عن عدي بن حرملة الأسدي عن عبد الله ابن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة فقدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين وابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر فوازرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك؟. فقال الحسين: إن أبي حدثني أن لها كبشا يستحل حرمتها يقتل، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش. فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وولني أنا الأمر فتطاع ولا تعصى، فقال:
وما أريد هذا أيضا، ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاة الناس متوجهين إلى منى عند الظهيرة، قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصر من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحن مع الناس إلى منى.
وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان. قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد- يعني نائب مكة- عليهم أخوه يحيى بن سعيد، فقالوا له:
انصرف أين تريد؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط والعصي، ثم إن حسينا وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا، ومضى الحسين على وجهه ذلك، فناداه: يا حسين ألا تتقي الله؟
تخرج من الجماعة وتفرق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة؟ قال: فتأول الحسين هذه الآية لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون 10: 41 قال: ثم إن الحسين مر بالتنعيم فلقي بها عيرا قد بعث بها يجير بن زياد الحميري نائب اليمن قد أرسلها من اليمن إلى يزيد بن معاوية، عليها ورس وحلل كثيرة، فأخذها الحسين وانطلق بها، واستأجر أصحاب الجمال عليها إلى الكوفة، ودفع إليهم أجرتهم، ثم ساق أبو مخنف بإسناده الأول أن الفرزدق لقي الحسين في الطريق فسلم عليه وقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه فقال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له: صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه. وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته، والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته وقال:
السلام عليكم ثم افترقا. وقال هشام بن الكلبي عن عوانة بن الحكم عن ليطة بن غالب بن الفرزدق عن أبيه. قال: حججت بأمي فبينما أنا أسوق بها بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسين خارجا من مكة معه أسيافه وأتراسه، فقلت له: بأبي وأمي يا ابن رسول الله، ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لأخذت، ثم سألني: ممن أنت؟ فقلت: امرؤ من العراق، فسألني عن الناس فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بنى أمية، وذكر نحو ما تقدم.
[قال الفرزدق: وسألت الحسين عن أشياء وعن المناسك فأخبرني بها قال. وإذا هو ثقيل اللسان من برسام كان أصابه بمن بالعراق] [1] قال: ثم مضيت فإذا فسطاط مضروب في الحرم وهيئة حسنه، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني فأخبرته أنى لقيت الحسين، قال: فهلا اتبعته؟
فان الحسين لا يحيك فيه السلاح ولا يجوز فيه وفي أصحابه. فندم الفرزدق وهم أن يلحق به، ووقع في قلبه مقالة ابن عمرو، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدنى ذلك عن اللحاق به، فلما بلغه أنه قتل لعن ابن عمرو، وكان ابن عمرو يقول: والله لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يبلغ هذا الأمر ويظهر، وإنما أراد ابن عمرو بقوله: لا يحيك فيه السلاح، أي السلاح الذي لم يقدر أن يقتل به، وقيل غير ذلك وقيل أراد الهزل بالفرزدق. قالوا: ثم سار الحسين لا يلوي على شيء حتى نزل ذات عرق.
قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب الوالبي عن علي بن الحسين بن علي. قال: لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر إلى الحسين مع ابنه عون ومحمد: أما بعد فانى أسائلك بالله لما انصرفت حتى تنظر في كتابي هذا، فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الإسلام، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فإني في إثر كتابي والسلام. ثم نهض عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد نائب مكة فقال له: اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الأمان، وتمنيه في البر والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع. فقال له عمرو: اكتب عني ما شئت وأتني به حتى أختمه. فكتب ابن جعفر على لسان عمرو بن سعيد ما أراد عبد الله، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو فختمه بخاتمه، وقال عبد الله لعمرو بن سعيد: ابعث معى أمانك، فبعث معه أخاه يحيى، فانصرفا حتى لحقا الحسين فقرءا عليه الكتاب فأبى أن يرجع وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقد أمرنى فيها بأمر وأنا ماض له، فقالا: وما تلك الرؤيا؟ فقال: لا أحدث بها أحدا حتى ألقى ربي عز وجل. قال أبو مخنف: وحدثني محمد بن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن ذي الرمة،
بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فإن كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقنا، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتموا أمركم وجدوا فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال:
وكان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة، ومضمونه: أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله، وإن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا والسلام عليكم.
قال: وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد فقال له ابن زياد: اصعد إلى أعلا القصر فسب الكذاب ابن الكذاب على بن أبى طالب وابنه الحسين، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة، فأجيبوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي والحسين. فأمر به ابن زياد فألقي من رأس القصر فتقطع، ويقال بل تكسرت عظامه وبقي فيه بقية رمق، فقام إليه عبد الملك بن عمير البجلي فذبحه، وقال: إنما أردت إراحته من الألم، وقيل إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير وليس به، وفي رواية أن الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن يقطر أخو الحسين من الرضاعة، فألقي من أعلى القصر والله أعلم.
ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ولا يعلم بشيء مما وقع من الأخبار. قال أبو مخنف عن أبي علي الأنصاري عن بكر بن مصعب المزني. قال: وكان الحسين لا يمر بماء من مياه العرب إلا اتبعوه، قال قال أبو مخنف عن أبي جناب عن عدي بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين، فأدركناه وقد مر برجل من بني أسد فهم الحسين أن يكلمه ويسأله ثم ترك، فجئنا ذلك الرجل فسألناه عن أخبار الناس فقال: والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق.
قالا: فلحقنا الحسين فأخبرناه فجعل يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156 مرارا. فقلنا له الله الله في نفسك. فقال: لا خير في العيش بعدهما. قلنا: خار الله لك. وقال له بعض أصحابه: والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قد قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. وقال غيرهما: لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عقيل، وثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب وقالوا: لا والله
لا نرجع حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا. فسار الحسين حتى إذا كان بزرود بلغه أيضا مقتل الذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر، فقال: خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه، وليس عليه منا ذمام، قال: فتفرق الناس عنه أيادي سبا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة، [وإنما فعل ذلك لأنه ظن أن من اتبعه من الأعراب إنما اتبعوه لأنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على م يقدمون، وقد علم أنه إذا بين لهم الأمر لم يصحبه إلا من يريد مواساته في الموت معه] [1] قال: فلما كان السحر أمر فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه، ثم سار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها.
وقال محمد بن سعد: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا جعفر بن سليمان عن يزيد الرشك قال: حدثني من شافه الحسين قال: رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت: لمن هذه؟ قالوا: هذه لحسين قال فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته، قال قلت: بأبي وأمى يا ابن بنت رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ فقال: هذه كتب أهل الكوفة إلي ولا أراهم إلا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة- يعني مقنعتها- وأخبرنا علي بن محمد عن الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة.
قال قال الحسين: والله لتعتدن علي كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت. وحدثنا علي بن محمد عن جعفر بن سليمان الضبعي. قال قال الحسين: والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة. فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان ثنا شهاب بن حراش عن رجل من قومه. قال: كنت في الجيش الذين بعثهم ابن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال الديلم، فعينهم ابن زياد وصرفهم إلى قتال الحسين، فلقيت حسينا فرأيته أسود الرأس واللحية، فقلت له: السلام عليك أبا عبد الله، فقال: وعليك السلام- وكانت فيه غنة- فقال: لقد باتت فيكم سللة منذ الليلة- يعنى سراقا- قال شهاب: فحدثت به زيد بن علي فأعجبه وكانت فيه غنة- قال سفيان بن عيينة: وهي في الحسينيين.
قال أبو مخنف عن أبي خالد الكاهلي. قال: لما صبحت الخيل الحسين بن علي رفع يديه فقال:
اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي من كل أمر نزل ثقة وعدة، فكم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك
وشكوته إليك، رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت لي ولي كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل غاية. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني حجاج بن محمد عن أبي معشر عن بعض مشيخته. قال قال الحسين حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء، قال:
كرب وبلاء. وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر اختر مني إحدى ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم في ما رأى، فإن أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهم أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجوشن: لا! إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك فقال الحسين: والله لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجوشن وقال له: إن تقدم عمر فقاتل وإلا فاقتله وكن مكانه، فقد وليتك الامرة. وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلا من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئا؟ فتحولوا مع الحسين يقاتلون معه.
وقال أبو زرعة: حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن حصين. قال: أدركت من مقتل الحسين قال: فحدثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين وعليه جبة برود ورماه رجل يقال له عمرو ابن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم معلقا بجبته. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمار الرازي حدثني سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام ثنا حصين أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة: إن معك مائة ألف. فبعث إليهم مسلم بن عقيل فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة حفظا فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج، وأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى أتى الأعراب فسألهم عن الناس فقالوا: والله لا ندري، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج، قال: فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله والإسلام، قال: وكان بعث إليه ابن زياد عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن نمير، فناشدهم الله والإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فقالوا له: لا! إلا أن تنزل على حكم ابن زياد، وكان في جملة من معهم الحر بن يزيد الحنظلي ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تتقون الله؟
ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم، والله لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوهم فأبوا إلا حكم ابن زياد؟ فضرب الحر وجه فرسه وانطلق إلى الحسين، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كر على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمه الله.
وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجا فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبى مخرمة
المرادي ورجلان آخران، وهما عمرو بن الحجاج ومعن السلمي، وأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد وعليه جبة من برود، فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بني تميم يقال له عمرو الطهوي بسهم بين كتفيه، فإني لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا بجبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافه وإني لأنظر إليهم وهم قريب من مائة رجل، فيهم لصلب علي خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر، ورجل من بني سليم حليف لهم، ورجل من بني كنانة حليف لهم، وابن عم ابن زياد.
وقال حصين، حدثني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فساره فقال له: قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك. قال: فوثب إلى فرسه فركبها ثم دعا بسلاحه فلبسه وإنه لعلى فرسه، ونهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول: إن أبا عبد الله كان قد شمط. قال: وجيء بنسائه وبناته وأهله قال: وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهم رزقا، وأمر لهم بنفقة وكسوة. قال: وانطلق غلامان منهم من أولاد عبد الله بن جعفر- أو ابن أبى جعفر- فأتيا رجلا من طيئ فلجآ إليه مستجيران به، فضرب أعناقها وجاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد، قال: فهم ابن زياد بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت. قال: وحدثني مولى لمعاوية بن أبي سفيان قال: لما أتي يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه رأيته يبكي ويقول: لو كان بين ابن زياد وبينه رحم ما فعل هذا- يعني ابن زياد- قال الحصين:
ولما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع [قال أبو مخنف: حدثني لوذان حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين: أين تريد؟ فحدثه، فقال له: أنشدك الله لما انصرفت راجعا، فو الله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك ولا يقاتل معك، وإنما والله أنت قادم على الأسنة والسيوف، فان هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيا، فأما على هذه الصفة فانى لا أرى لك أن تفعل. فقال له الحسين: إنه ليس بخفي علي ما قلت وما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره، ثم ارتحل قاصدا الكوفة. وقال خالد بن العاص: -
رب مستنصح يغش ويردى ... وظنين بالغيب يلقى نصيحا] [1]
وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص وكان عامل المدينة ومكة ليزيد، وقد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها والله سبحانه وتعالى أعلم.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.