الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
50

سنة تسع من الهجرة

الجزء الرابع 1 عنصر صفحة 375
ذكر غزوة تبوك في رجب منها ص 375

قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون 9: 28- 29 روي عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وغيرهم: أنه لما أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قربان المسجد الحرام في الحج وغيره. قالت قريش: لينقطعن عنا المتاجر والأسواق أيام الحج وليذهبن ما كنا نصيب منها، فعوضهم الله عن ذلك بالأمر بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

قلت: فعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتال الروم لأنهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدعوة إلى الحق لقربهم إلى الإسلام وأهله. وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين 9: 123 فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزو الروم عام تبوك وكان ذلك في حر شديد وضيق من الحال جلى للناس أمرها ودعي من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه فأوعب معه بشر كثير كما سيأتي قريبا من ثلاثين ألفا وتخلف آخرون فعاتب

الله من تخلف منهم لغير عذر من المنافقين والمقصرين، ولامهم ووبخهم وقرعهم أشد التقريع وفضحهم أشد الفضيحة وأنزل فيهم قرآنا يتلى وبين أمرهم في سورة براءة كما قد بينا ذلك مبسوطا في التفسير وأمر المؤمنين بالنفر على كل حال. فقال تعالى انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون 9: 41- 42 ثم الآيات بعدها. ثم قال تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون 9: 122 فقيل إن هذه ناسخة لتلك وقيل لا فالله أعلم.

قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب- يعني من سنة تسع- ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم. فذكر الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبى بكر وعاصم ابن عمر بن قتادة وغيرهم من علمائنا كل يحدث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان عسرة من الناس وشدة من الحر وجدب من البلاد وحين طابت الثمار فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ويكرهون الشخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قل ما يخرج في غزوة إلا كنى عنها إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بينها للناس لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد إليه ليتأهب الناس لذلك أهبته. فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أحد بني سلمة «يا جد هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟» فقال يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فو الله لقد عرف قومي أنه ما رجل بأشد عجبا بالنساء مني وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال «قد أذنت لك» ففي الجد أنزل الله هذه الآية ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين 9: 49 وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر زهادة في الجهاد وشكافى الحق وإرجافا بالرسول صلى الله عليه وسلم فانزل الله فيهم وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون 9: 81- 82. قال ابن هشام: حدثني الثقة عمن حدثه عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن عن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله ابن حارثة عن أبيه عن جده قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ناسا من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي- وكان بيته عند جاسوم- يثبطون الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة فاقتحم الضحاك

ابن خليفة من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه فأفلتوا فقال الضحاك في ذلك:

كادت وبيت الله نار محمد ... يشيط بها الضحاك وابن أبيرق

وظلت وقد طبقت كبس [1] سويلم ... أنوء على رجلي كسيرا ومرفق

سلام عليكم لا أعود لمثلها ... أخاف ومن تشمل به النار يحرق

قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش [2] وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله فحمل رجال من أهل الغنى واحتسبوا وأنفق عثمان بن عفان نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها. قال ابن هشام: فحدثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض» . وقد قال الإمام أحمد حدثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا عبد الله بن شوذب عن عبد الله بن القاسم عن كثة مولى عبد الرحمن بن سمرة قال جاء: عثمان بن عفان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار في ثوبه حين جهز النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة قال فصبها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها بيده ويقول «ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم» ورواه الترمذي عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن واقع عن ضمرة به وقال حسن غريب. وقاله عبد الله بن أحمد في مسند أبيه حدثني أبو موسى العنزي حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني سكن بن المغيرة حدثني الوليد بن أبي هشام عن فرقد أبي طلحة عن عبد الرحمن بن حباب السلمي. قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فحث على جيش العسرة، فقال عثمان ابن عفان علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان: علي مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بيده هكذا يحركها، وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب «ما على عثمان ما عمل بعد هذا» وهكذا رواه الترمذي عن محمد بن يسار عن أبي داود الطيالسي عن سكن بن المغيرة أبي محمد مولى لآل عثمان به وقال غريب من هذا الوجه. ورواه البيهقي من طريق عمرو بن مرزوق عن سكن بن المغيرة به وقال ثلاث مرات وإنه النزم بثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها. قال عبد الرحمن: فأنا شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو على المنبر «ما ضر عثمان بعدها- أو قال- بعد اليوم» وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن عن عمرو بن جاوان عن الأحنف بن قيس قال سمعت عثمان بن عفان يقول لسعد بن أبي وقاص وعلي والزبير وطلحة: أنشدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من جهز جيش العسرة غفر الله له» فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا اللهم نعم! ورواه النسائي من حديث حصين به.

فيمن تختلف معذورا من البكاءين وغيرهم</span>

قال الله تعالى وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون، لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون، أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم، ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم، ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون 9: 86- 93. قد تكلمنا على تفسير هذا كله في التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة، والمقصود ذكر البكاءين الذين جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملهم حتى يصحبوه في غزوته هذه فلم يجدوا عنده من الظهر ما يحملهم عليه فرجعوا وهم يبكون تأسفا على ما فاتهم من الجهاد في سبيل الله والنفقة فيه. قال ابن إسحاق: وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فمن بني عمرو بن عوف سالم بن عمير، وعلبة بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بنى سلمة، وعبد الله ابن المغفل المزني، وبعض الناس يقولون بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف، وعرباض بن سارية الفزاري. قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وعبد الله بن مغفل وهما يبكيان فقال ما يبكيكما؟ قالا جئنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلاه وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم. زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق وأما علبة بن زيد فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء الله ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغبت فيه ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أين المتصدق هذه الليلة» فلم يقم أحد ثم قال «أين المتصدق فليقم» فقام إليه فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أبشر فو الذي نفسي بيده لقد كتبت في الزكاة المتقبلة» وقد أورد الحافظ

البيهقي ها هنا حديث أبي موسى الأشعري فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا أحمد بن عبد الحميد المازني حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله لهم الحملان إذ هم معه في جيش العسرة غزوة تبوك فقلت يا نبي الله إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم، فقال «والله لا أحملكم على شيء» ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزينا من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه علي فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ألبث إلا سويعة إذ سمعت بلالا ينادي أين عبد الله بن قيس؟ فأجبته فقال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «خذ هذين القربتين وهذين القربتين وهذين القربتين» لستة أبعرة ابتاعهن حينئذ من سعد فقال «انطلق بهن إلى أصحابك فقل إن الله أو إن رسول الله يحملكم على هؤلاء» فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم ومنعه لي في أول مرة ثم إعطائه إياي بعد ذلك لا تظنوا أني حدثتكم شيئا لم يقله، فقالوا لي والله إنك عندنا لمصدق ولنفعلن ما أحببت، قال فانطلق أبو موسى بنفر منهم حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم من منعه إياهم ثم إعطائه بعد فحدثوهم بما حدثهم به أبو موسى سواء. وأخرجه البخاري ومسلم جميعا عن أبي كريب عن أبي أسامة وفي رواية لهما عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من الأشعريين ليحملنا «فقال والله ما أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه» قال ثم جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهب إبل فأمر لنا بست ذود غر الذرى فأخذناها ثم قلنا يعقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه والله لا يبارك لنا، فرجعنا له فقال «ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم» ثم قال «إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها» . قال ابن إسحاق: وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم الغيبة حتى تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير شك ولا ارتياب منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن ربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف، وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم.

قلت: أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبا إن شاء الله تعالى وهم الذين أنزل الله فيهم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه 9: 118 وأما أبو خيثمة فإنه عاد وعزم على اللحوق برسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي.

قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: ثم استتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره وأجمع السير فلما خرج يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفا من الناس، وضرب عبد الله بن أبي عدو الله عسكره أسفل منه- وما كان فيما يزعمون بأقل العسكرين- فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي في طائفة من المنافقين وأهل الريب. قال ابن هشام: واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري قال وذكر الدراوردي أنه استخلف عليها عام تبوك سباع بن عرفطة. قال ابن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به المنافقون وقالوا ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه فلما قالوا ذلك أخذ علي سلاحه ثم خرج حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجرف فأخبره بما قالوا فقال «كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» فرجع علي ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره. ثم قال ابن إسحاق: حدثني محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي هذه المقالة. وقد روى البخاري ومسلم هذا الحديث من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه به. وقد قال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثنا شعبة عن الحكم عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال يا رسول الله أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» . وأخرجاه من طرق عن شعبة نحوه. وعلقه البخاري أيضا من طريق أبي داود عن شعبة. وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم بن إسماعيل عن بكير بن مسمار عن عامر بن سعد عن أبيه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له- وخلفه في بعض مغازيه- فقال علي يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال «يا علي أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» ورواه مسلم والترمذي عن قتيبة: زاد مسلم ومحمد بن عباد.

كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به. وقال الترمذي حسن صحيح غريب من هذا الوجه.

قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعد ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياما إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء في ماله مقيم ما هذا بالنصف

والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فهيئا زادا ففعلتا ثم قدم ناضحه فارتحله ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وكان أدرك أبا خيثمة عمير ابن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب إن لي ذنبا فلا عليك أن تخلف عني حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ففعل حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الناس هذا راكب على الطريق مقبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كن أبا خيثمة» فقالوا يا رسول الله هو والله أبو خيثمة فلما بلغ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له «أولى لك يا أبا خيثمة» ثم أخبر رسول الله الخبر فقال خيرا ودعا له بخير. وقد ذكر عروة بن الزبير وموسى بن عقبة قصة أبي خيثمة بنحو من سياق محمد بن إسحاق وأبسط وذكر أن خروجه عليه السلام إلى تبوك كان في زمن الخريف فالله أعلم. قال ابن هشام وقال أبو خيثمة واسمه مالك بن قيس في ذلك:

لما رأيت الناس في الدين نافقوا ... أتيت التي كانت أعف وأكرما

وبايعت باليمنى يدي لمحمد ... فلم أكتسب إنما ولم أغش محرما

تركت خضيبا في العريش وصرمة ... صفايا كراما بسرها قد تحمما

وكنت إذا شك المنافق أسمحت ... إلى الدين نفسي شطره حيث يمما

قال يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك جعل لا يزال الرجل يتخلف فيقولون يا رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف فلان فيقول «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» حتى قيل يا رسول الله تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره فقال «دعوه إن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه» فتلوم أبو ذر بعيره فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فجعله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا، ونزل رسول الله في بعض منازله ونظر ناظر من المسلمين فقال يا رسول الله إن هذا الرجل ماش على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كن أبا ذر» فلما تأمله القوم قالوا يا رسول الله هو والله أبو ذر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده» قال فضرب [1] ضربه وسير أبو ذر إلى الربذة فلما حضره الموت أوصى امرأته وغلامه فقال إذا مت فاغسلاني وكفناني من الليل ثم ضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلوا به كذلك فاطلع ركب فما علموا به حتى كادت ركابهم تطأ سريره فإذا ابن مسعود في رهط من أهل الكوفة فقال ما هذا؟ فقيل جنازة أبى

ذر فاستهل ابن مسعود يبكي وقال: صدق رسول الله يرحم الله أبا ذر يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده، فنزل فوليه بنفسه حتى أجنه. إسناده حسن ولم يخرجوه قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر أخبرنا عبد الله بن محمد بن عقيل في قوله (الذين اتبعوه في ساعة العسرة) .

قال خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير واحد وخرجوا في حر شديد فأصابهم في يوم عطش حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها ويشربوا ماءها فكان ذلك عسرة في الماء وعسرة في النفقة وعسرة في الظهر، قال عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب حدثنا عن شأن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى إن كان أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع الله لنا فقال «أو تحب ذلك؟» قال نعم! قال فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت [1] السماء فاطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر، إسناده جيد ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد ذكر ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أن هذه القصة كانت وهم بالحجر وأنهم قالوا لرجل معهم منافق ويحك هل بعد هذا من شيء؟! فقال سحابة مارة، وذكر إن ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ضلت فذهبوا في طلبها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمارة بن حزم الأنصاري- وكان عنده- «إن رجلا قال هذا محمد يخبركم أنه نبي ويخبركم خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله وقد دلني الله عليها هي في الوادي قد حبستها شجرة بزمامها» فانطلقوا فجاءوا بها فرجع عمارة إلى رحله فحدثهم عما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبر الرجل فقال رجل ممن كان في رحل عمارة إنما قال ذلك زيد بن اللصيت [2] وكان في رحل عمارة قبل أن يأتي فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ويقول إن في رحلي لداهية وأنا لا أدري، اخرج عني يا عدو الله فلا تصحبني. فقال بعض الناس إن زيدا تاب، وقال بعضهم لم يزل متهما بشر [3] حتى هلك.

قال الحافظ البيهقي: وقد روينا من حديث ابن مسعود شبيها بقصة الراحلة ثم روى من حديث الأعمش وقد رواه الإمام أحمد عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبى

سعيد الخدري- شك الأعمش- قال لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «افعلوا» فجاء عمر فقال يا رسول الله إن فعلت قل الظهر ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة لعل الله أن يجعل فيها البركة، فقال رسول الله «نعم!» فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكف من التمر ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم «خذوا في أوعيتكم» فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء الا ملئوها وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة» ورواه مسلم عن أبى كريب عن أبى معاوية عن الأعمش به. ورواه الامام احمد من حديث سهيل عن أبيه عن أبي هريرة به ولم يذكر غزوة تبوك بل قال كان في غزوة غزاها.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.