الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
26

غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب

الجزء الرابع 1 عنصر صفحة 91
ص 91

وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة الأحزاب فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا 33: 9

إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا، ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤلا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ولما رأ المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا 33: 10- 27 وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في التفسير ولله الحمد والمنة، ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع. وكذلك قال الإمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه. قال البيهقي: ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس، ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع

ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس والله أعلم. وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها كما حكاه البيهقي. وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي وقد صرح بأن بدرا في الاولى، وأحدا في سنة ثنتين، وبدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع. وهذا مخالف لقول الجمهور فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعن مالك من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة والله أعلم. والصحيح قول الجمهور أن أحدا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم.

فأما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بأنه عرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة. قلت: ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه في يوم الأحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها. ولهذا لما بلغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال: ان هذا الفرق بين الصغير والكبير. ثم كتب به إلى الآفاق واعتمد على ذلك جمهور العلماء والله أعلم وهذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق وغيره. قال ابن إسحاق: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس. فحدثني يزيد بن رومان عن عروة ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم من علمائنا وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض. قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم إسلام بن أبي الحقيق النضري وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس الوائلي وأبو عمار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين

آمنوا سبيلا، أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا 4: 51- 52 الآيات. فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ومسعر بن رخيلة بن نويرة ابن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة قال ابن هشام: يقال إن الذي أشار به سلمان. قال الطبري والسهيلي: أول من حفر الخنادق منوشهر بن إيرج بن أفريدون وكان في زمن موسى عليه السلام. قال ابن إسحاق: فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف، ومنهم من ينسل خفية بغير إذنه ولا علمه عليه الصلاة والسلام. وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم 24: 62- 64 قال ابن إسحاق: فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، فقالوا فيما يقولون:

سماه من بعد جعيل عمرا ... وكان للبائس يوما ظهرا

وكانوا إذا قالوا عمرا قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا، وإذا قالوا ظهرا قال لهم ظهرا. وقد قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق عن حميد سمعت أنسا قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: «اللهم إن العيش عيش الآخرة، فاغفر الأنصار والمهاجره» فقالوا مجيبين له:

نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا

وفي الصحيحين من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس نحوه. وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس بنحوه. وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون:

نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا

قال يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيبا لهم «اللهم إنه لا خير إلا خير الآخره، فبارك في الأنصار والمهاجره» قال يؤتون بملء كفي من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن. وقال البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخره، فاغفر للمهاجرين والأنصار» . ورواه مسلم عن القعنبي عن عبد العزيز به. وقال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبر بطنه يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا

ورفع بها صوته: أبينا، أبينا. ورواه مسلم من حديث شعبة به. ثم قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة حدثني إبراهيم بن يوسف حدثني أبي عن أبي إسحاق عن البراء يحدث قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة وهو ينقل من التراب يقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا

ثم يمد صوته بآخرها. وقال البيهقي في الدلائل: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد ابن عبيد الصفار حدثنا إسماعيل بن الفضل البجلي حدثنا إبراهيم بن يوسف البلخي حدثنا المسيب ابن شريك عن زياد بن أبي عثمان عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في

الخندق وقال:

بسم الله وبه هدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا

يا حبذا ربا وحب دينا

وهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد حدثنا سليمان حدثنا شعبة عن معاوية ابن قرة عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم يحفرون الخندق: «اللهم لا خير إلا خير الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة» وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر عن شعبة قال ابن إسحاق وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغني من الله فيها عبرة في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون. فمن ذلك أن جابر بن عبد الله كان يحدث أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فو الذي بعثه بالحق لا نهالت حتى عادت كالكثيب ما ترد فأسا ولا مسحاة. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. وقد قال البخاري رحمه الله حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عبد الواحد ابن أيمن عن أبيه قال: أتيت جابرا فقال انا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل. ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم فقلت يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج فقلت طعيم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال كم هو؟ فذكرت له، فقال كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال قوموا فقام المهاجرون والأنصار. فلما دخل على امرأته قال ويحك جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت هل سألك؟ قلت نعم فقال ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال: كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة. تفرد به البخاري. وقد رواه الإمام أحمد عن وكيع عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أيمن الحبشي مولى بني مخزوم عن جابر بقصة الكدية وربط الحجر على بطنه الكريم. ورواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بقصة الكدية والطعام وطوله أتم من رواية البخاري قال فيه: لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعا قوموا إلى جابر فقاموا، قال فلقيت من

الحياء ما لا يعلمه إلا الله وقلت جاءنا بخلق على صاع من شعير وعناق. ودخلت على امرأتي أقول:

افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت:

نعم. فقالت الله ورسوله أعلم. قال فكشفت عني غما شديدا، قال فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال خدمي ودعيني من اللحم. وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلي وأهدي فلم تزل تأكل وتهدى يومها. وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر به وأبسط أيضا، وقال في آخره: وأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة أو قال ثلاثمائة. وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن أبي الزبير عن جابر. فذكر القصة بطولها في الطعام فقط وقال وكانوا ثلاثمائة.

ثم قال البخاري:

حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو عاصم حدثنا حنظلة بن أبى سفيان عن أبى الزبير حدثنا ابن ميناء سمعت جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصا فانكفأت إلى امرأتي فقلت هل عندك شيء فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصا شديدا. فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت ففرغت إلى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته فقلت يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

يا أهل الخندق إن جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء. فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقالت بك وبك. فقلت قد فعلت الذي قلت. فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك ثم عمد الى برمتنا فبسق وبارك ثم قال: ادع خبازة فلتخبز معك واقدحى من برمتك ولا تنزلوها وهم ألف فأقسم بالله لا كلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وان عجيننا كما هو. ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن أبي عاصم به نحوه. وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال حدثني سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وكانت عند شويهة غير جد سمينة قال فقلت والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق قال وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا الى أهالينا فقلت يا رسول الله إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير فأنا أحب أن تنصرف معي إلى منزلي قال وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده. قال فلما أن قلت ذلك قال نعم ثم أمر صارخا فصرخ أن

انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله. قال قلت إنا لله وإنا إليه راجعون 2: 156. قال فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل الناس معه فجلس وأخرجناها إليه قال فبرك وسمى الله تعالى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها. والعجب أن الإمام أحمد إنما رواه من طريق سعيد بن ميناء عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق عنه عن جابر مثله سواء. قال محمد بن إسحاق وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ثم قالت أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما. قالت فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألتمس أبي وخالي فقال تعالي يا بنية ما هذا معك قالت قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه. فقال هاتيه قالت فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب. هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه ولم يزد. قال ابن إسحاق: وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت علي صخرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى قال ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قال قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟ قال قلت: نعم. قال: أما الأولى فإن الله فتح علي باب اليمن وأما الثانية فإن الله فتح علي باب الشام والمغرب وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق. قال البيهقي: وهذا الذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه، وذكره أبو الأسود عن عروة ثم روى البيهقي من طريق محمد بن يونس الكديمي وفي حديثه نظر. لكن رواه ابن جرير في تاريخه عن محمد بن بشار وبندار [1] كلاهما عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكر حديثا فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعا قال: واحتق المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا، فذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية، فأخبره عنها فجاء

فأخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها- يعني المدينة- حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك. وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك النور، فقال: لقد أضاء لي من الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها. ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها. ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا، واستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صادق. قال: ولما طلعت الأحزاب قال المؤمنون: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما. 33: 22 وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزل فيهم وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا 33: 12 وهذا حديث غريب. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا هارون بن ملول حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق فخندق على المدينة قالوا يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا. وهذا أيضا غريب من هذا الوجه وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي فيه ضعف فالله أعلم. وقال الطبراني أيضا: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني سعيد بن محمد الجرمي حدثنا أبو نميلة حدثنا نعيم بن سعيد الغري أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل نعم. قال إما لا فتقدم فدلنا عليه.

فانطلقوا إلى [بيت] الرجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت امرأته أن جيء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتانا فجاء الرجل يسعى وقال: بأبي وأمي وله معزة ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الجدي من ورائها فذبح الجدي وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعه فيها وقال بسم الله اللهم بارك فيها اطعموا فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم فذهبوا

فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها، ثم مشوا إلى الخندق فقال: اذهبوا بنا إلى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوني فأكون أول من ضربها. فقال: بسم الله. فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم، ثم قال الحافظ البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا محمد بن غالب بن حرب حدثنا هوذة حدثنا عوف عن ميمون بن أستاذ الزهري حدثني البراء بن عازب الأنصاري قال لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها أخذ المعول وقال بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله انى لأبصر قصورها الحمران شاء الله، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله انى لا بصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله انى لا بصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة. وهذا حديث غريب أيضا تفرد به ميمون بن أستاذ هذا وهو بصري روى عن البراء وعبد الله بن عمرو وعنه حميد الطويل والجريري وعوف الأعرابي قال أبو حاتم عن إسحاق بن منصور عن ابن معين كان ثقة وقال علي بن المديني كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه. وقال النسائي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ضمرة عن أبي زرعة السيباني عن أبي سكينة رجل من البحرين عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم 6: 115 فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم برقة ثم ضرب الثانية وقال وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم 6: 115 فندر الثلث الآخر وبرقت برقة فرآها سلمان ثم ضرب الثالثة وقال وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم 6: 115 فندر الثلث الباقي وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس فقال سلمان يا رسول الله رأيتك حين ضربت لا تضرب ضربة إلا كانت معها برقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان رأيت ذلك؟ قال إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله قال فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني فقال له من حضره من أصحابه يا رسول الله ادع أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم

ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا بذلك قال ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني قالوا يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا ثم قال ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حلوها من القرى حتى رأيتها بعيني. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم» هكذا رواه النسائي مطولا وإنما روى منه أبو داود دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم عن عيسى بن محمد الرملي عن ضمرة بن ربيعة عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو السيباني به ثم قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فو الذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمدا صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك. وهذا من هذا الوجه منقطع أيضا وقد وصل من غير وجه ولله الحمد فقال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا ليث حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي. وقد رواه البخاري منفردا به عن يحيى بن بكير وسعد بن عفير كلاهما عن الليث به وعنده قال أبو هريرة فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتثلونها وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا محمد ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي. وهذا إسناد جيد قوي على شرط مسلم ولم يخرجوه. وفي الصحيحين إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله. وفي الحديث الصحيح إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها

قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى إلى جانب أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الآطام. قال ابن

هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قلت وهذا معنى قوله تعالى إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا 33: 10 قال البخاري:

حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار 33: 10 قالت ذلك يوم الخندق. قال موسى بن عقبة ولما نزل الأحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم. قال ابن إسحاق وخرج حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه ويحك يا كعب افتح لي. قال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم واين قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال ويحك افتح لي أكلمك. قال ما أنا بفاعل. قال والله ان أعلقت دوني إلا خوفا على جشيشتك أن آكل معك منها. فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام قال وما ذاك قال جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة ذكرهم ميثاق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه. قال ابن إسحاق فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له- يعني في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي محاربته مع الأحزاب- على أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد العهد وبريء مما كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا، قالوا:

وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم. فنازلهم حيي على ذلك. فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد الا بنى سعنة أسد وأسيد وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الله وإلى المسلمين بعث سعد بن معاذ وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير قال انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس. قال فخرجوا حتى أتوهم. قال موسى

ابن عقبة فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم (يريدون بني النضير) ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ إنا والله ما جئنا لهذا ولما بيننا أكبر من المشاتمة. ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمر منه.

فقالوا أكلت أير أبيك. فقال غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن. وقال ابن إسحاق: نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان ومن معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين. قال موسى بن عقبة ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه الخبر عن بني قريظة فاضطجع ومكث طويلا فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير. ثم انه رفع رأسه وقال أبشروا بفتح الله ونصره. فلما أن أصبحوا دنا القوم بعضهم من بعض وكان بينهم رمي بالنبل والحجارة قال سعيد بن المسيب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أسألك عهدك ووعدك اللهم إن تشأ لا تعبد. قال ابن إسحاق وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن وتجم النفاق حتى قال معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط. وحتى قال أوس بن قيظي:

يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملأ من رجال قومه فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة. قلت: هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا 33: 12- 13 قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطا وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل، فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن الزهري إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يفعل ذلك بعث إلى السعدين فذكر لهما ذلك واستشار هما فيه، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال: بل

شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لانى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال:

ليجهدوا علينا. قال فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش- منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب بن مرداس أحد بني محارب بن فهر- تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا تهيئوا يا بني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما خرج هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له:

يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه، قال أجل. قال له علي: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك.

قال: فإني أدعوك إلى النزال. قال له: لم يا ابن أخى فو الله ما أحب أن أقتلك. قال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك. فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي رضي الله عنه وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق وقال علي بن أبي طالب في ذلك:

نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصواب

فصدرت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابي

وعففت عن أثوابه ولو انني ... كنت المقطر بزني أثوابي

لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب

قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي. قال ابن هشام: وألقى عكرمة

رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال في ذلك حسان بن ثابت:

فر وألقى لنا رمحه ... لعلك عكرم لم تفعل

ووليت تعدو كعدو الظليم ... ما ان يحور عن المعدل

ولم تلو ظهرك مستأنسا ... كأن قفاك قفا فرعل

قال ابن هشام: الفراعل صغار الضباع. وذكر الحافظ البيهقي في دلائل النبوة عن ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة قال: خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى: من يبارز؟

فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله. فقال: إنه عمرو، اجلس. ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إلي رجلا؟

فقام علي فقال: أنا يا رسول الله؟ فقال: اجلس. ثم نادى الثالثة فقال:

ولقد بححت من النداء ... لجمعهم هل من مبارز

ووقفت إذ جبن المشجع ... موقف القرن المناجز

ولذاك إني لم أزل ... متسرعا قبل الهزاهز

إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز

قال فقام علي رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا. فقال: إنه عمرو، فقال وإن كان عمرا.

فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه حتى أتى وهو يقول:

لا تعجلن فقد أتاك ... مجيب صوتك غير عاجز

في نية وبصيرة ... والصدق منجي كل فائز

إني لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء ... يبقى ذكرها عند الهزاهز

فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا علي بن أبي طالب.

فقال: يا ابن أخى من أعمامك من هو أسن منك فإني أكره أن أهريق دمك؟ فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أهريق دمك، فغضب فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبا واستقبله علي بدرقته فضربه عمرو في درقته فقدها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير فعرفنا أن عليا قد قتله. فثم يقول على:

أعلي تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخروا أصحابى

اليوم يمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمم في الرأس ليس بنابي

إلى أن قال:

عبد الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدت رب محمد بصواب

إلى آخرها. قال ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب:

هلا استلبته درعه فإنه ليس للعرب درع خير منها؟ فقال: ضربته فاتقانى بسوءته فاستحييت ابن عمي أن أسلبه، قال وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عن البيهقي أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال هو لكم لا نأكل ثمن الموتى. وقال الإمام أحمد حدثنا نصر بن باب حدثنا حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادفعوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئا. وقد رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن حجاج وهو ابن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن رجلا من المشركين قتل يوم الأحزاب فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثني عشر ألفا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا خير في جسده ولا في ثمنه» . وقد رواه الترمذي من حديث سفيان الثوري عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وقال غريب. وقد ذكر موسى بن عقبة أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حين قتل وعرضوا عليه الدية فقال: «إنه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته. فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه» وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فسأل المبارزة فخرج إليه الزبير بن العوام فضربه فشقه باثنتين حتى فل في سيفه فلا وانصرف وهو يقول:

إني امرؤ أحمي وأحتمي [1] ... عن النبي المصطفى الأمي

وقد ذكر ابن جرير أن نوفلا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب. فنزل إليه علي فقتله وطلب المشركون رمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئا ومكنهم من أخذه إليهم وهذا غريب من وجهين. وقد روى البيهقي من طريق حماد بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم ومعي عمر بن أبي سلمة فجعل يطأطئ لي فأصعد على ظهره فأنظر قال فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة هاهنا ومرة هاهنا فما يرتفع له شيء إلا أتاه فلما أمسى جاءنا الى الأطم قلت يا أبة رأيتك اليوم وما تصنع قال ورأيتني يا بني قلت نعم قال فدى لك أبي

وأمي. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن. قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب. قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرفل بها ويقول:

لبث قليلا يشهد الهيجا جمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل

فقالت له أمه الحق بني فقد والله أخرت. قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل. قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال رماه حيان بن قيس بن العرقة أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها مني وأنا ابن العرقة، فقال له سعد عرق الله وجهك في النار اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول ما أصاب سعدا يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا قاله لعكرمة بن أبي جهل:

أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي ... فداك بآطام المدينة خالد

ألست الذي ألزمت سعدا مريشة ... لها بين أثناء المرافق عاند

قضى نحبه منها سعيد فأعولت ... عليه مع الشمط العذارى النواهد

وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا ... عبيدة جمعا منهم إذ يكابد

على حين ما هم جائر عن طريقه ... وآخر مرعوب عن القصد قاصد

قال ابن إسحاق والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن هشام ويقال إن الذي رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان قلت وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك كما سيأتي بيانه فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم حتى قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة. قال ابن إسحاق وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا

ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذ أتانا آت فقلت يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فانزل إليه فأقتله. قال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت الى الحصن فقلت يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل. قال ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب.

قال موسى بن عقبة وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدرى أتم أم لا قال ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما إلى الليل فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم وفي رواية وقبورهم نارا. فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول «والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله» وقد قال البخاري: حدثنا إسحاق حدثنا روح حدثنا هشام عن محمد عن عبيدة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين عن عبيدة عن علي به ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي حسان الأعرج عن عبيدة عن علي به وقال الترمذي حسن صحيح. ثم قال البخاري حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي صلى الله عليه وسلم والله ما صليتها فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا ثابت حدثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس قال قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها فلما رأى ذلك قال «اللهم من حبسنا عن الصلاة

الوسطى فاملأ بيوتهم نارا واملأ قبورهم نارا» ونحو ذلك تفرد به أحمد وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي وهو ثقة يصحح له الترمذي وغيره. وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعي بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى:

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين 2: 238. وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة- كما سيأتي- «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة» وكان من الناس من صلى العصر في الطريق ومنهم من لم يصل إلا في بني قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحدا من الفريقين واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.

وقال آخرون من العلماء وهم الجمهور منهم الشافعي هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك فلهذا أخروها يومئذ وهو مشكل قال ابن إسحاق وجماعة ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بعسفان وقد ذكرها ابن إسحاق وهو إمام في المغازي قبل الخندق وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق فالله أعلم. وأما الذين قالوا إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس فهو مشكل إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم على محافظة الصلاة كيف وقد روي أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء من رواية أبى هريرة وأبى سعيد قال الامام حدثنا يزيد وحجاج قالا حدثنا ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كفينا وذلك قوله وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا 33: 25 قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل. قال حجاج في صلاة الخوف فان خفتم فرجالا أو ركبانا وقد رواه النسائي عن الفلاس عن يحيى القطان عن ابن أبي ذئب به قال شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس فذكره. وقال أحمد حدثنا هشيم حدثنا أبو الزبير عن نافع بن جبير عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله قال فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء. وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن معمر حدثنا مؤمل يعني ابن إسماعيل حدثنا حماد يعني ابن سلمة عن عبد الكريم يعني ابن أبي المخارق

عن مجاهد عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء ثم قال «ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم» تفرد به البزار وقال لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم عن مجاهد عن أبى عبيدة عن عبد الله

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.