قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد وذكره رجوعه عليه السلام إلى المدينة: وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أبي سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتهم شوكة القوم وحدهم ثم تركتموهم ولم
تبتروهم فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم- وبهم أشد القرح- بطلب العدو ليسمعوا بذلك وقال: لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال. فقال عبد الله بن أبي: أنا راكب معك. فقال لا، فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا. فقال الله في كتابه:
الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم 3: 172 قال وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته، قال وطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم العدو حتى بلغ حمراء الأسد. وهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة ابن الزبير سواء. وقال محمد بن إسحاق في مغازيه: وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه ألا يخرجن أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله فأذن له. قال ابن إسحاق: وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال ابن إسحاق رحمه الله:
فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بني عبد الأشهل قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إلى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة. قال ابن هشام: وقد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم.
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مقيم بحمراء الأسد فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ابن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم، قال فانى أنهاك عن ذلك، والله لقد
حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر. قال وما قلت؟ قال قلت:
كادت تهد من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل
تردى بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا ميل معازيل
فظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لما سموا برئيس غير مخذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل
إني نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول
من جيش أحمد لا وخش قنابله ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل
قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا المدينة، قال: ولم؟ قالوا نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه وأحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل 3: 173. وكذا قال الحسن البصري. وقد قال البخاري حدثنا أحمد بن يونس أراه قال حدثنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي الضحى عن ابن عباس: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. تفرد بروايته البخاري وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم 3: 172 قالت لعروة: يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر رضي الله عنهما لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في إثرهم.
فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير. هكذا رواه البخاري وقد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة. وأخرجه ابن ماجه من طريقه عن هشام بن عروة به. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق أبى سعيد عن هشام ابن عروة به ورواه من حديث السدي عن عروة وقال في كل منهما صحيح ولم يخرجاه. كذا قال. وهذا السياق غريب جدا فإن المشهور عند أصحاب المغازي أن الذين خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون وبقي الباقون. وقد روى ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه فرجع إلى مكة وكانت وقعة أحد في شوال وكان التجار يقدمون في ذي القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة وأنهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المسلمين
القرح واشتكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد عليهم الذي أصابهم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب الناس لينطلقوا بهم ويتبعوا ما كانوا متبعين وقال لنا ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابل فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال إن الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه فقال إني ذاهب وإن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين رجلا فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم 3: 172 وهذا غريب أيضا وقال ابن هشام:
حدثنا أبو عبيدة أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع إلى المدينة فقال لهم صفوان بن أمية لا تفعلوا فإن القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان فارجعوا فرجعوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة «والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب» قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه ذلك قبل رجوعه المدينة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان لأمه عائشة بنت معاوية وأبا عزة الجمحي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسره ببدر ثم من عليه فقال يا رسول الله أقلني، فقال: لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن ابن المسيب أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت، فضرب عنقه» وذكر ابن هشام أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاث فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه ففعلا رضي الله عنهما. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان عبد الله بن أبي كما حدثني الزهري له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر له شرفا في نفسه وفي قومه وكان فيهم شريفا إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعززوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا اجلس أي عدو الله والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب إلي رجال من أصحابه يجبذوننى ويعنفونني لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. قالوا ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: والله ما أبغى
أن يستغفر لي. ثم ذكر ابن إسحاق ما نزل من القرآن في قصة أحد من سورة آل عمران عند قوله وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم 3: 121 قال إلى تمام ستين آية. وتكلم عليها، وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية. ثم شرع ابن إسحاق في ذكر شهداء أحد وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم كما جرت عادته فذكر من المهاجرين أربعة حمزة ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش وشماس بن عثمان رضي الله عنهم ومن الأنصار. إلى تمام خمسة وستين رجلا واستدرك عليه ابن هشام خمسة أخرى فصاروا سبعين على قول ابن هشام ثم سمى ابن إسحاق من قتل من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا على قبائلهم أيضا. قلت: ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزة الجمحي كما ذكره الشافعي وغيره وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبرا بين يديه أمر الزبير- ويقال عاصم بن ثابت بن أبى الأفلح- فضرب عنقه
فيما تقاول به المؤمنون والكفار في وقعة أحد من الأشعار</span>
وإنما نورد شعر الكفار لنذكر جوابها من شعر الإسلام ليكون أبلغ في وقعها من الأسماع والأفهام وأقطع لشبهة الكفرة الطغام. قال الإمام محمد بن إسحاق رحمه الله وكان مما قيل من الشعر يوم أحد قول هبيرة بن أبي وهب المخزومي وهو على دين قومه من قريش فقال:
ما بال هم عميد بات يطرقني ... بالود من هند إذ تعدو عواديها
باتت تعاتبني هند وتعذلني ... والحرب قد شغلت عني مواليها
مهلا فلا تعذليني إن من خلقي ... ما قد علمت وما إن لست أخفيها
مساعف لبني كعب بما كلفوا ... حمال عبء وأثقال أعانيها
وقد حملت سلاحي فوق مشترف ... ساط سبوح إذا يجري يباريها
كأنه إذ جرى عير بفدفدة ... مكدم لاحق بالعون يحميها
من آل أعوج يرتاح الندي له ... كجذع شعراء مستعل مراقيها
أعددته ورقاق الحد منتخلا ... ومارنا لخطوب قد ألاقيها
هذا وبيضاء مثل النهي محكمة ... لظت علي فما تبدو مساويها
سقنا كنانة من أطراف ذي يمن ... عرض البلاد على ما كان يزجيها
قالت كنانة أنى تذهبون بنا ... قلنا النخيل فأموها ومن فيها
نحن الفوارس يوم الجر من أحد هابت معد فقلنا نحن نأتيها هابوا ضرابا وطعنا صادقا خذما مما يرون وقد ضمت قواصيها ثمت رحنا كأنا عارض برد وقام هام بني النجار يبكيها كأن هامهم عند الوغى فلق من فيض ربد نفته عن أداحيها أو حنظل دعدعته الريح في غصن بال تعاوره منها سوافيها قد نبذل المال سحا لا حساب له ونطعن الخيل شزرا في مآقيها وليلة يصطلي بالفرث جازرها يختص بالنقرى المثرين داعيها وليلة من جمادى ذات أندية جربا جمادية قد بت أسريها لا ينبح الكلب فيها غير واحدة من القريس ولا تسري أفاعيها أوقدت فيها لذي الضراء جاحمة كالبرق ذاكية الأركان أحميها أورثني ذلكم عمرو ووالده من قبله كان بالمشتى يغاليها كانوا يبارون أنواء النجوم فما دنت عن السورة العليا مساعيها
قال ابن إسحاق فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه فقال (قال ابن هشام: وتروى لكعب ابن مالك وغيره. قلت وقول ابن إسحاق أشهر وأكثر والله أعلم) :
سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم ... إلى الرسول فجند الله مخزيها
أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والقتل لاقيها
جمعتموهم أحابيشا بلا حسب ... أئمة الكفر غرتكم طواغيها
ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت ... أهل القليب ومن ألقيته فيها
كم من أسير فككناه بلا ثمن ... وجز ناصية كنا مواليها
قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك يجيب هبيرة بن أبي وهب المخزومي أيضا:
ألا هل أتى غسان عنا ودونهم ... من الأرض خرق سيره متنعنع
صحارى وأعلام كأن قتامها ... من البعد نقع هامد متقطع
تظل به البزل العراميس رزحا ... ويحلو به غيث السنين فيمرع
به جيف الحسرى يلوح صليها ... كما لاح كتان التجار الموضع
به العين والآرام يمشين خلفة ... وبيض نعام قيضه يتفلع
مجالدنا عن ديننا كل فخمة ... مذربة فيها القوانس تلمع
وكل صموت في الصوان كأنها ... إذا لبست نهي من الماء مترع
ولكن ببدر سائلوا من لقيتم ... من الناس والأنباء بالغيب تنفع
وإنا بأرض الخوف لو كان أهلها ... سوانا لقد أجلوا بليل فأقشعوا
إذا جاء منا راكب كان قوله ... أعدوا لما يزجي ابن حرب ويجمع
فمهما يهم الناس مما يكيدنا ... فنحن له من سائر الناس أوسع
فلو غيرنا كانت جميعا تكيده ... البرية قد أعطوا يدا وتوزعوا
تجالد لا تبقى علينا قبيلة ... من الناس إلا أن يهابوا ويفظعوا
ولما ابتنوا بالعرض قالت سراتنا ... علام إذا لم نمنع العرض نزرع
وفينا رسول الله نتبع أمره ... إذا قال فينا القول لا نتظلع
تدلى عليه الروح من عند ربه ... ينزل من جو السماء ويرفع
نشاوره فيما نريد وقصرنا ... إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع
وقال رسول الله لما بدوا لنا ... ذروا عنكم هول المنيات واطمعوا
وكونوا كمن يشري الحياة تقربا ... إلى ملك يحيا لديه ويرجع
ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا ... على الله إن الأمر لله أجمع
فسرنا إليهم جهرة في رحالهم ... ضحيا علينا البيض لا نتخشع
بملمومة فيها السنور والقنا ... إذا ضربوا أقدامها لا تورع
فجئنا إلى موج من البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع
ثلاثة آلاف ونحن نصية ... ثلاث مئين إن كثرنا فأربع
نغاورهم تجري المنية بيننا ... نشارعهم حوض المنايا ونشرع
تهادى قسي النبع فينا وفيهم ... وما هو إلا اليثربي المقطع
ومنجوفة حرمية صاعدية ... يذر عليها السم ساعة تصنع
تصوب بأبدان الرجال وتارة ... تمر بأعراض البصار تقعقع
وخيل تراها بالفضاء كأنها ... جراد صبا في قرة يتريع
فلما تلاقينا ودارت بنا الرحا ... وليس لأمر حمه الله مدفع
ضربناهم حتى تركنا سراتهم ... كأنهم بالقاع خشب مصرع
لدن غدوة حتى استفقنا عشية ... كأن ذكانا حر نار تلفع
وراحوا سراعا موجعين كأنهم ... جهام هراقت ماءه الريح مقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا ... أسود على لحم ببيشه ضلع
فنلنا ونال القوم منا وربما ... فعلنا ولكن ما لدى الله أوسع
ودارت رحانا واستدارت رحاهم ... وقد جعلوا كل من الشر يشبع
ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... على كل من يحمي الذمار ويمنع
جلاد على ريب الحوادث لا نرى ... على هالك عينا لنا الدهر تدمع
بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله ... ولا نحن ما جرت الحرب نجزع
بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفحش ... ولا نحن من أظفارنا نتوجع
وكنا شهابا يتقي الناس حره ... ويفرج عنه من يليه ويسفع
فخرت على ابن الزبعرى وقد سرى ... لكم طلب من آخر الليل متبع
فسل عنك في عليا معد وغيرها ... من الناس من أخزى مقاما وأشنع
ومن هو لم يترك له الحرب مفخرا ... ومن خده يوم الكريهة أضرع
شددنا بحول الله والنصر شدة ... عليكم وأطراف الأسنة شرع
تكر القنا فيكم كأن فروعها ... عزالي مزاد ماؤها يتهزع
عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر ... بذكر اللواء فهو في الحمد أسرع
فحانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا ... أبى الله إلا أمره وهو أصنع
قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن الزبعرى في يوم أحد وهو يومئذ مشرك بعد:
يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئا قد فعل
إن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل
والعطيات خساس بينهم ... وسواء قبر مثر ومقل
كل عيش ونعيم زائل ... وبنات الدهر يلعبن بكل
أبلغا حسان عني آية ... فقريض الشعر يشفي ذا الغلل
كم ترى بالجر من جمجمة ... وأكف قد أترت ورجل
وسرابيل حسان سريت ... عن كماة أهلكوا في المنتزل
كم قتلنا من كريم سيد ... ماجد الجدين مقدام بطل
صادق النجدة قرم بارع ... غير ملتاث لدى وقع الأسل
فسل المهراس ما ساكنه ... بين أقحاف وهام كالحجل
ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل
ثم خفوا عند ذاكم رقصا ... رقص الحفان يعلوا في الجبل
فقتلنا الضعف من أشرافهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل
لا ألوم النفس إلا أننا ... لو كررنا لفعلنا المفتعل
بسيوف الهند تعلو هامهم ... عللا تعلوهم بعد نهل
قال ابن إسحاق: فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه:
ذهبت بابن الزبعرى وقعة ... كان منا الفضل فيها لو عدل
ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحيانا دول
نضع الأسياف في أكتافكم ... حيث نهوى عللا بعد نهل
نخرج الأصبح من أستاهكم ... كسلاح النيب يأكلن العصل
إذ تولون على أعقابكم ... هربا في الشعب أشباه الرسل
إذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم الى سفح الجبل
يخناطيل كأشداق الملا ... من يلاقوه من الناس يهل
ضاق عنا الشعب إذ نجزعه ... وملأنا الفرط منه والرجل
برجال لستم أمثالهم ... أيدوا جبريل نصرا فنزل
وعلونا يوم بدر بالتقى ... طاعة الله وتصديق الرسل
وقتلنا كل رأس منهم ... وقتلنا كل جحجاح رفل
وتركتا في قريش عورة ... يوم بدر وأحاديث المثل
ورسول الله حقا شاهدا ... يوم بدر والتنابيل الهبل
في قريش من جموع جمعوا ... مثل ما يجمع في الخصب الهمل
نحن لا أمثالكم ولد استها ... نحضر البأس إذا البأس نزل
قال ابن إسحاق وقال كعب يبكي حمزة ومن قتل من المسلمين يوم أحد رضي الله عنهم:
نشجت وهل لك من منشج ... وكنت متى تدكر تلجج
تذكر قوم أتاني لهم ... أحاديث في الزمن الأعوج
فقلبك من ذكرهم خافق ... من الشوق والحزن المنضج
وقتلاهم في جنان النعيم ... كرام المداخل والمخرج
بما صبروا تحت ظل اللواء ... لواء الرسول بذي الأضوج
غداة أجابت بأسيافها ... جميعا بنو الأوس والخزرج
وأشياع أحمد إذ شايعوا ... على الحق ذي النور والمنهج
فما برحوا يضربون الكماة ... ويمضون في القسطل المرهج
كذلك حتى دعاهم مليك ... الى جنة دوحة المولج
وكلهم مات حر البلاء ... على ملة الله لم يحرج
كحمزة لما وفى صادقا ... بذي هبة صارم سلجج
فلاقاه عبد بني نوفل ... يبربر كالجمل الأدعج
فأوجره حربة كالشهاب ... تلهب في اللهب الموهج
ونعمان أوفى بميثاقه ... وحنظلة الخير لم يحنج
عن الحق حتى غدت روحه ... إلى منزل فاخر الزبرج
أولئك لا من ثوى منكم ... من النار في الدرك المرتج
قال ابن إسحاق وقال حسان بن ثابت يبكي حمزة ومن أصيب من المسلمين يوم أحد وهي على روي قصيدة أمية بن أبي الصلت في قتلى المشركين يوم بدر. قال ابن هشام: ومن أهل العلم بالشعر من ينكر هذه لحسان والله أعلم:
يامى قومي فاندبى بسحيرة شجو النوائح ... كالحاملات الوقر بالثقل الملحات الدوالح
المعولات الخامشات وجوه حرات صحائح ... وكأن سيل دموعها الأنصاب تخضب بالذبائح
ينقضن أشعارا لهن هناك بادية المسائح ... وكأنها أذناب خيل بالضحى شمس روامح
من بين مشرور ومجزور يذعذع بالبوارح ... يبكين شجو مسلبات كدحتهن الكوادح
ولقد أصاب قلوبها مجل له جلب قوارح ... إذ أقصد الحدثان من كنا نرجي إذ نشايح
أصحاب أحد غالهم دهر ألم له جوارح ... من كان فارسنا وحامينا إذا بعث المسالح
يا حمز لا والله لا أنساك ما صر اللقائح ... لمناخ أيتام وأضياف وأرملة تلامح
ولما ينوب الدهر في حرب لحرب وهي لاقح ... يا فارسا يا مدرها يا حمز قد كنت المصامح
عنا شديدات الخطوب إذا ينوب لهن فادح ... ذكرتني أسد الرسول وذاك مدرهنا المنافح
عنا وكان يعد إذ عد الشريفون الجحاجح ... يعلو القماقم جهرة سبط اليدين أغر واضح
لا طائش رعش ولا ذو علة بالحمل آنح ... بحر فليس يغب جارا منه سيب أو منادح
أودى شباب الى الحفائظ والثقيلون المراجح ... المطعمون إذا المشاتي ما يصفقهن ناضح
لحم الجلاد وفوقه من شحمه شطب شرائح ... ليدافعوا عن جارهم ما رام ذو الضغن المكاشح
لهفي لشبان رزئناهم كأنهم المصابح ... شم بطارقة غطارفة خضارمة مسامح
المشترون الحمد بالأموال إن الحمد رابح ... والجامزون بلجمهم يوما إذا ما صاح صائح
من كان يرمى بالنواقر من زمان غير صالح ... ما إن تزال ركابه يرسمن في غبر صحاصح
راحت تبارى وهو في كرب صدورهم رواشح ... حتى تئوب له المعالي ليس من فوز السفائح
يا حمز قد أوحدتنى كالعود شذبه الكوافح ... أشكو إليك وفوقك الترب المكور والصفائح
من جندل يلقيه فوقك إذ أجاد الضرح ضارح ... في واسع يحشونه بالترب سوته المماسح
فعزاؤنا أنا نقول وقولنا برح بوارح ... من كان أمسى وهو عما أوقع الحدثان جانح
فليأتنا فلتبك عيناه لهلكانا النوافح ... القائلين الفاعلين ذوي السماحة والممادح
من لا يزال ندى يديه له طوال الدهر مائح
قال ابن هشام وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان. قال ابن إسحاق وقال كعب بن مالك يبكي حمزة وأصحابه:
طرقت همومك فالرقاد مسهد ... وجزعت أن سلخ الشباب الأغيد
ودعت فؤادك للهوى ضمرية ... فهواك غوري وصحوك منجد
فدع التمادي في الغواية سادرا ... قد كنت في طلب الغواية تفند
ولقد أنى لك أن تناهى طائعا ... أو تستفيق إذا نهاك المرشد
ولقد هددت لفقد حمزة هدة ... ظلت بنات الجوف منها ترعد
ولو انه فجعت حراء بمثله ... لرأيت راسي صخرها يتبدد
قرم تمكن في ذؤابة هاشم ... حيث النبوة والندى والسؤدد
والعاقر الكوم الجلاد إذا غدت ... ريح يكاد الماء منها يجمد
والتارك القرن الكمي مجدلا ... يوم الكريهة والقنا يتقصد
وتراه يرفل في الحديد كأنه ... ذو لبدة شثن البراثن أربد
عم النبي محمد وصفيه ... ورد الحمام فطاب ذاك المورد
وأتى المنية معلما في أسرة ... نصروا النبي ومنهم المستشهد
ولقد إخال بذاك هندا بشرت ... لتميت داخل غصة لا تبرد
مما صبحنا بالعقنقل قومها ... يوما تغيب فيه عنها الأسعد
وببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد
حتى رأيت لدى النبي سراتهم ... قسمين نقتل من نشاء ونطرد
فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود
وابن المغيرة قد ضربنا ضربة ... فوق الوريد لها رشاش مزبد
وأمية الجمحي قوم ميله ... عضب بأيدي المؤمنين مهند
فأتاك فل المشركين كأنهم ... والخيل تثفنهم نعام شرد
شتان من هو في جهنم ثاويا ... أبدا ومن هو في الجنان مخلد
قال ابن إسحاق: وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة وأصحابه يوم أحد. قال ابن هشام:
وأنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك فالله أعلم:
بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل
على أسد الإله غداة قالوا ... أحمزة ذاكم الرجل القتيل
أصيب المسلمون به جميعا ... هناك وقد أصيب به الرسول
أبا يعلى لك الأركان هدت ... وأنت الماجد البر الوصول
عليك سلام ربك في جنان ... مخالطها نعيم لا يزول
ألا يا هاشم الأخيار صبرا ... فكل فعالكم حسن جميل
رسول الله مصطبر كريم ... بأمر الله ينطق إذ يقول
ألا من مبلغ عني لؤيا ... فبعد اليوم دائلة تدول
وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا ... وقائعنا بها يشفى الغليل
نسيتم ضربنا بقليب بدر ... غداة أتاكم الموت العجيل
غداة ثوى أبو جهل صريعا ... عليه الطير حائمة تجول
وعتبة وابنه خرا جميعا ... وشيبة عضه السيف الصقيل
ومتركنا أمية مجلعبا ... وفي حيزومه لدن نبيل
وهام بني ربيعة سائلوها ... ففي أسيافنا منها فلول
ألا يا هند فابكي لا تملي ... فأنت الواله العبرى الهبول
ألا يا هند لا تبدي شماتا ... بحمزة إن عزكم ذليل
قال ابن إسحاق: وقالت صفية بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب وهي أم الزبير عمة النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين:
أسائلة أصحاب أحد مخافة ... بنات أبي من أعجم وخبير
فقال الخبير إن حمزة قد ثوى ... وزير رسول الله خير وزير
دعاه إله الحق ذو العرش دعوة ... إلى جنة يحيا بها وسرور
فذلك ما كنا نرجي ونرتجي ... لحمزة يوم الحشر خير مصير
فو الله لا أنساك ما هبت الصبا ... بكاء وحزنا محضري ومسيري
على أسد الله الذي كان مدرها ... يذود عن الإسلام كل كفور
فيا ليت شلوي عند ذاك وأعظمي ... لدى أضبع تعتادني ونسور
أقول وقد أعلى النعي عشيرتي ... جزى الله خيرا من أخ ونصير
قال ابن إسحاق: وقالت نعم امرأة شماس بن عثمان تبكى زوجها والله أعلم ولله الحمد والمنة:
يا عين جودي بفيض غير إبساس ... على كريم من الفتيان لباس
صعب البديهة ميمون نقيبته ... حمال ألوية ركاب أفراس
أقول لما أتى الناعي له جزعا ... أودى الجواد وأودى المطعم الكاسي
وقلت لما خلت منه مجالسه ... لا يبعد الله منا قرب شماس
قال فأجابها أخوها الحكم بن سعيد بن يربوع يعزيها فقال:
اقني حياءك في ستر وفي كرم ... فإنما كان شماس من الناس
لا تقتلي النفس إذ حانت منيته ... في طاعة الله يوم الروع والباس
قد كان حمزة ليث الله فاصطبري ... فذاق يومئذ من كأس شماس
وقالت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان حين رجعوا من أحد:
رجعت وفي نفسي بلابل جمة ... وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
من أصحاب بدر من قريش وغيرهم ... بني هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن ... كما كنت أرجو في مسيري ومركبي
وقد أورد ابن إسحاق في هذا أشعارا كثيرة تركنا كثيرا منها خشية الإطالة وخوف الملالة وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد. وقد أورد الأموي في مغازيه من الأشعار أكثر مما ذكره ابن إسحاق كما جرت عادته ولا سيما هاهنا فمن ذلك ما ذكره لحسان بن ثابت أنه قال: أنه قال في غزوة أحد فالله أعلم:
طاوعوا الشيطان إذ أخزاهم ... فاستبان الخزي فيهم والفشل
حين صاحوا صيحة واحدة ... مع أبي سفيان قالوا اعل هبل
فأجبناهم جميعا كلنا ... ربنا الرحمن أعلى وأجل
اثبتوا تستعملوها مرة ... من حياض الموت والموت نهل
واعلموا أنا إذا ما نضحت ... عن خيال الموت قدر تشتعل
وكأن هذه الأبيات قطعة من جوابه لعبد الله بن الزبعرى والله أعلم «آخر الكلام على وقعة أحد»
قد تقدم ما وقع في هذه السنة الثالثة من الحوادث والغزوات والسرايا، ومن أشهرها وقعة أحد كانت في النصف من شوال منها، وقد تقدم بسطها ولله الحمد.
وفيها في أحد توفي شهيدا أبو يعلى ويقال أبو عمارة أيضا حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الملقب بأسد الله وأسد رسوله وكان رضيع النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبو سلمة بن عبد الأسد أرضعتهم ثويبة مولاة أبي لهب كما ثبت ذلك في الحديث المتفق عليه، فعلى هذا يكون قد جاوز الخمسين من السنين يوم قتل رضى الله عنهم فإنه كان من الشجعان الأبطال ومن الصديقين الكبار وقتل معه يومئذ تمام السبعين رضي الله عنهم أجمعين
وفيها عقد عثمان بن عفان على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة أختها رقية وكان عقده عليها في ربيع الأول منها وبنى بها في جمادى الآخرة منها كما تقدم فيها ذكره الواقدي وفيها قال ابن جرير: ولد لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي بن أبي طالب قال:
وفيها علقت بالحسين رضي الله عنهم.
بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر
