قال الحافظ البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني أنبأنا أبو احمد بن عدي الحافظ حدثنا يحيى بن على
ابن هاشم الخفاف حدثنا أبو عبد الرحمن الأزدي حدثنا إسماعيل بن علية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شهدت مع عمومتي حلف المطيبين فما أحب أن أنكثه- أو كلمة نحوها- وإن لي حمر النعم» . قال وكذلك رواه بشر بن المفضل عن عبد الرحمن. قال وأخبرنا أبو نصر بن قتادة حدثنا أبو عمرو بن مطر حدثنا أبو بكر بن أحمد بن داود السمناني حدثنا معلى بن مهدي حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين، وما أحب أن لي حمر النعم وأني كنت نقضته» قال: والمطيبون هاشم، وأمية، وزهرة، ومخزوم، قال البيهقي: كذا روي هذا التفسير مدرجا في الحديث ولا أدري قائله، وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين.
قلت: هذا لا شك فيه، وذلك أن قريشا تحالفوا بعد موت قصي وتنازعوا في الذي كان جعله قصي لابنه عبد الدار من السقاية، والرفادة، واللواء، والندوة، والحجابة، ونازعهم فيه بنو عبد مناف وقامت مع كل طائفة قبائل من قريش وتحالفوا على النصرة لحزبهم فأحضر أصحاب بني عبد مناف جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا. فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت. فسموا المطيبين كما تقدم وكان هذا قديما ولكن المراد بهذا الحلف حلف الفضول وكان في دار عبد الله بن جدعان كما رواه الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عبد الله عن محمد وعبد الرحمن ابني أبي بكر قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت، تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها وألا يعد [1] ظالم مظلوما» . قالوا: وكان حلف الفضول قبل المبعث بعشرين سنة في شهر ذي القعدة، وكان بعد حرب الفجار بأربعة أشهر. وذلك لأن الفجار كان في شعبان من هذه السنة، وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل فحبس عنه حقه، فاستعدى عليه الزبيدي الاحلاف عبد الدار ومخزوما وجمحا وسهما وعدي بن كعب فأبوا أن يعينوا على العاص بن وائل وزبروه- أي انتهروه- فلما رأى الزبيدي الشر أو في على أبي قبيس عند طلوع الشمس- وقريش في أنديتهم حول الكعبة- فنادى بأعلى صوته:
يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر
إن الحرام لمن تمت كرامته ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر
فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال: ما لهذا مترك فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم بن مرة في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما وتحالفوا في ذي القعدة في شهر حرام فتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة. وما رسى ثبير وحراء مكانهما. وعلى التأسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وقالوا لقد دخل هؤلاء في فضل من الأمر. ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه. وقال الزبير بن عبد المطلب في ذلك:
حلفت لنعقدن حلفا عليهم ... وإن كنا جميعا أهل دار
نسميه الفضول إذا عقدنا ... يعزبه الغريب لذي الجوار
ويعلم من حوالي البيت أنا ... أباة الضيم نمنع كل عار
وقال الزبير أيضا:
إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ... ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجار والمعتر فيهم سالم
وذكر قاسم بن ثابت- في غريب الحديث-: أن رجلا من خثعم قدم مكة حاجا- أو معتمرا- ومعه ابنة له يقال لها القتول من أوضأ نساء العالمين، فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج وغيبها عنه. فقال الخثعمي: من يعديني على هذا الرجل؟ فقيل له عليك بحلف الفضول. فوقف عند الكعبة ونادى يال حلف الفضول: فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب، وقد انتضوا أسيافهم يقولون: جاءك الغوث فما لك؟ فقال إن نبيها ظلمني في بنتي وانتزعها مني قسرا فساروا معه حتى وقفوا على باب داره، فخرج إليهم فقالوا له أخرج الجارية ويحك فقد، علمت من نحن وما تعاقدنا عليه، فقال أفعل، ولكن متعوني بها الليلة، فقالوا لا والله ولا شخب لقحة فأخرجها إليهم وهو يقول:
راح صحبي ولم أحيى القتولا ... لم أودعهم وداعا جميلا
إذ أجد الفضول أن يمنعوها ... قد أراني ولا أخاف الفضولا
لا تخالي أني عشية راح الركب ... هنتم علي أن لا يزولا
[1] وذكر أبياتا أخر غير هذه. وقد قيل إنما سمي هذا حلف الفضول لأنه أشبه حلفا تحالفته جرهم على مثل هذا من نصر المظلوم على ظالمه. وكان الداعي إليه ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل:
وهم الفضل بن فضالة، والفضل بن وداعة، والفضل بن الحارث. هذا قول ابن قتيبة. وقال غيره
الفضل بن شراعة، والفضل بن بضاعة، والفضل بن قضاعة [1] وقد أورد السهيلي هذا رحمه الله.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: وتداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله ابن جدعان لشرفه وسنه. وكان حلفهم عنده بنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وزهرة بن كلاب وتيم بن مرة. فتعاهدوا وتعاقدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا كانوا معه وكانوا على من ظلمه حتى يرد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول.
قال محمد بن إسحاق: فحدثني محمد بن زيد بن المهاجر قنفذ التيمي أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت» . قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي حدثه أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان- والوليد يومئذ أمير المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبي سفيان. - منازعة في مال كان بينهما بذي المروة فكان الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه، فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون بحلف الفضول. قال فقال عبد الله بن الزبير- وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال- وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا. قال وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد ابن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.
في تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي</span>
قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال تستأجر الرجال على مالها مضاربة. فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج لها في مال تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره من التجار. مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وخرج في مالها ذاك، وخرج معه غلامها ميسرة حتى
نزل الشام، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة. فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت الشجرة؟ فقال ميسرة هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي. ثم باع رسول الله صلى الله عليه وسلم سلعته- يعني تجارته- التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري. ثم أقبل قافلا إلى مكة ومعه ميسرة، فكان ميسرة- فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها باعت ما جاء به فأضعف أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب وعما كان يرى من اظلال الملائكة إياه وكانت خديجة امرأة جازمة شريفة لبيبة مع ما أراد الله بها من كرامتها. فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له- فيما يزعمون-- يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك [1] في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت نفسها عليه وكانت أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا. كل قومها كان حريصا على ذلك منها لو يقدر عليه، فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فتزوجها عليه الصلاة والسلام.
قال ابن هشام: فأصدقها عشرين بكرة وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت.
قال ابن إسحاق: فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم: القاسم وكان به يكنى، والطيب والطاهر، وزينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة.
قال ابن هشام: أكبرهم القاسم، ثم الطيب، ثم الطاهر. وأكبر بناته رقية، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.
قال البيهقي عن الحاكم: قرأت بخط أبي بكر بن أبي خيثمة حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال أكبر ولده عليه الصلاة والسلام القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم ثم فاطمة ثم رقية. وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله. وبلغت خديجة خمسا وستين سنة، ويقال خمسين. وهو أصح. وقال غيره بلغ القاسم أن يركب الدابة والنجيبة ثم مات بعد النبوة، وقيل مات وهو رضيع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن له مرضعا في الجنة يستكمل رضاعه» والمعروف أن هذا في حق إبراهيم وقال يونس بن بكير: حدثنا إبراهيم بن عثمان عن القاسم عن ابن عباس قال ولدت خديجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين وأربع نسوة: القاسم، وعبد الله، وفاطمة، وأم كلثوم، وزينب، ورقية. وقال الزبير بن بكار عبد الله هو الطيب وهو الطاهر، سمي بذلك لأنه ولد بعد النبوة فماتوا قبل البعثة.
وأما بناته فأدركن البعثة ودخلن في الإسلام وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم قال ابن هشام: وأما إبراهيم فمن مارية القبطية التي أهداها له المقوقس صاحب إسكندرية من كورة أنصنا [1] وسنتكلم على أزواجه وأولاده عليه الصلاة والسلام في باب مفرد لذلك في آخر السيرة إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
قال ابن هشام: وكان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة فيما حدثني غير واحد من أهل العلم، منهم أبو عمرو المدني. وقال يعقوب بن سفيان كتبت عن إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي حدثني غير واحد أن عمرو بن أسد زوج خديجة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره خمسا وعشرين سنة وقريش تبني الكعبة. وهكذا نقل البيهقي عن الحاكم أنه كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تزوج خديجة خمسا وعشرين سنة وكان عمرها إذ ذاك خمسا وثلاثين- وقيل خمسا وعشرين سنة- وقال البيهقي: (باب ما كان يشتغل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج خديجة) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن عبد الله أخبرنا الحسن بن سفيان حدثنا سويد بن سعيد حدثنا عمرو بن أبي يحيى بن سعيد القرشي عن جده سعيد عن أبي هريرة. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبيا إلا راعي غنم» فقال له أصحابه وأنت يا رسول الله؟ قال: «وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط» رواه البخاري عن أحمد بن محمد المكي عن عمرو بن يحيى به. ثم روى البيهقي من طريق الربيع بن بدر- وهو ضعيف- عن أبي الزبير عن جابر. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص» وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس: أن أبا خديجة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو- أظنه- قال سكران.
ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثني إبراهيم بن المنذر حدثني عمر بن أبى بكر المؤملي حدثني عبد الله بن أبى عبيد بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن مقسم بن أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل أن عبد الله بن الحارث حدثه أن عمار ابن ياسر كان إذا سمع ما يتحدث به الناس عن تزويج رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وما يكثرون فيه يقول:
أنا أعلم الناس بتزويجه إياها، إني كنت له تربا وكنت له إلفا وخدنا. وإني خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم حتى إذا كنا بالحزورة أجزنا على أخت خديجة وهي جالسة على أدم تبيعها، فنادتني فانصرفت إليها ووقف لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: أما بصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ قال عمار فرجعت إليه فأخبرته فقال «بلى لعمري» فذكرت لها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت اغدوا علينا إذا أصبحنا، فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا أبا خديجة حلة، وصفرت لحيته، وكلمت أخاها فكلم أباه وقد
سقى خمرا فذكر له رسول صلى الله عليه وسلم ومكانه وسألته أن يزوجه فزوجه خديجة وصنعوا من البقرة طعاما فأكلنا منه ونام أبوها ثم استيقظ صاحيا. فقال: ما هذه الحلة وما هذه الصفرة وهذا الطعام فقالت له ابنته التي كانت قد كلمت عمارا هذه حلة كساكها محمد بن عبد الله ختنك وبقرة أهداها لك فذبحناها حين زوجته خديجة، فأنكر أن يكون زوجه، وخرج يصيح حتى جاء الحجر، وخرج بنو هاشم برسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءوه فكلموه. فقال أين صاحبكم الذي تزعمون أني زوجته خديجة؟ فبرز له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما نظر إليه قال إن كنت زوجته فسبيل ذاك وإن لم أكن فعلت فقد زوجته. وقد ذكر الزهري في سيره أن أباها زوجها منه وهو سكران وذكر نحو ما تقدم حكاه السهيلي.
قال المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه وهذا هو الذي رجحه السهيلي.
وحكاه عن ابن عباس وعائشة قالت وكان خويلد مات قبل الفجار، وهو الذي نازع تبعا حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن، فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش ثم رأى تبع في منامه ما روعه، فنزع عن ذلك وترك الحجر الأسود مكانه.
وذكر ابن إسحاق: في آخر السيرة أن أخاها عمرو بن خويلد هو الذي زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله أعلم.
قال ابن إسحاق: وقد كانت خديجة بنت خويلد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن قصى- وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس ما ذكر لها غلامها من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه- فقال ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة، قد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر هذا زمانه- أو كما قال- فجعل ورقة يستبطئ الأمر ويقول حتى متى؟ وقال في ذلك:
لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما ما بعث النشيجا
ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا
ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا
بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا
بأن محمدا سيسود قوما ... ويخصم من يكون له حجيجا
ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقوم به البرية أن تموجا
فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا
فيا ليتى إذا ما كان ذاكم ... شهدت وكنت أولهم ولوجا
ولوجا في الذي كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا
أرجي بالذي كرهوا جميعا ... إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا
وهل أمر السفالة غير كفر ... بمن يختار من سمك البروجا
فإن يبقوا وأبق يكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا
وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خروجا
وقال ورقة أيضا فيما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق عنه:
أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من إضمارك الحزن قادح؟
لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح
وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح
أتاك الذي وجهت يا خير حرة ... بغور وبالنجدين حيث الصحاصح
إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت ... وهن من الأحمال قعص دوالح
[1]
فيخبرنا عن كل خير بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح
بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح
وظني به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح
وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح
ويتبعه حيا لؤي وغالب ... شبابهم والأشيبون الجحاجح
فإن أبق حتى يدرك الناس دهره ... فإني به مستبشر الود فارح
وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ... عن أرضك في الأرض العريضة سائح
وزاد الأموي:
فمتبع دين الذي أسس البنا ... وكان له فضل على الناس راجح
وأسس بنيانا بمكة ثابتا ... تلألأ فيه بالظلام المصابح
مثابا لأفناء القبائل كلها ... تخب إليه اليعملات الطلائح
حراجيج [2] أمثال القداح من السرى ... يعلق في أرساغهن السرايح
ومن شعره فيما أورده أبو القاسم السهيلي في روضه:
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم ... أنا النذير فلا يغرركم أحد
لا تعبدن إلها غير خالقكم ... فإن دعوكم فقولوا بيننا حدد
سبحان ذي العرش سبحانا يدوم له ... وقبلنا سبح الجودي والجمد
مسخر كل ما تحت السماء له ... لا ينبغي أن يناوي ملكه أحد
لا شيء مما نرى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويودي المال والولد
لم تغن عن هرمز يوما خزائنه ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا
ولا سليمان إذ تجري الرياح به ... والجن والإنس فيما بينها مرد
أين الملوك التي كانت لعزتها ... من كل أوب إليها وافد يفد
حوض هنالك مورود بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا
ثم قال هكذا نسبه أبو الفرج إلى ورقة، قال وفيه أبيات تنسب إلى أمية بن أبي الصلت قلت: وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستشهد في بعض الأحيان بشيء من هذه الأبيات والله أعلم.
في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين</span>
ذكر البيهقي بناء الكعبة قبل تزويجه عليه الصلاة والسلام خديجة. والمشهور أن بناء قريش الكعبة بعد تزويج خديجة كما ذكرناه بعشر سنين. ثم شرع البيهقي في ذكر بناء الكعبة في زمن إبراهيم كما قدمناه في قصته، وأورد حديث ابن عباس المتقدم في صحيح البخاري وذكر ما ورد من الإسرائيليات في بنائه في زمن آدم ولا يصح ذلك، فإن ظاهر القرآن يقتضي أن إبراهيم أول من بناه مبتدئا وأول من أسسه، وكانت بقعته معظمة قبل ذلك معتنى بها مشرفة في سائر الأعصار والأوقات قال الله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا 3: 96- 97 وثبت في الصحيحين عن أبي ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام» قلت ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» قلت كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» وقد تكلمنا على هذا فيما تقدم، وأن المسجد الأقصى أسسه إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام. وفي الصحيحين إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله الصفار حدثنا أحمد بن مهران حدثنا عبيد الله حدثنا إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو.
قال: كان البيت قبل الأرض بألفي سنة، (وإذا الأرض مدت) قال من تحته مدت. قال وقد تابعه منصور عن مجاهد.
قلت: وهذا غريب جدا وكأنه من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك وكان فيهما إسرائيليات يحدث منها وفيهما منكرات وغرائب.
ثم قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو جعفر محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله البغدادي حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح حدثنا أبو صالح الجهني حدثني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما ابنيا لي بيتا، فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر وحواء تنقل، حتى أجابه الماء نودي من تحته حسبك يا آدم، فلما بنيا أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به وقيل له أنت أول الناس، وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه» . قال البيهقي: تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعا.
قلت: وهو ضعيف، ووقفه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت والله أعلم.
وقال الربيع: أنبأنا الشافعي أنبأنا سفيان عن ابن أبي لبيد عن محمد بن كعب القرظي- أو غيره- قال:
حج آدم فلقيته الملائكة فقالوا بر نسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني بقية- أو قال ثقة- من أهل المدينة عن عروة بن الزبير أنه قال: ما من نبي إلا وقد حج البيت إلا ما كان من هود وصالح.
قلت: وقد قدمنا حجهما إليه. والمقصود الحج إلى محله وبقعته وإن لم يكن ثم بناء والله أعلم.
ثم أورد البيهقي حديث ابن عباس المتقدم في قصة إبراهيم عليه السلام بطوله وتمامه وهو في صحيح البخاري.
ثم روى البيهقي من حديث سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة قال سأل رجل عليا عن قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين 3: 96 أهو أول بيت بني في الأرض؟ قال لا ولكنه أول بيت وضع فيه البركة للناس والهدى ومقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا. وإن شئت نبأتك كيف بناؤه. إن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا في الأرض فضاق به ذرعا فأرسل إليه السكينة وهي ريح خجوج لها رأس فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت ثم تطوقت في موضع البيت تطوق الحية، فبنى إبراهيم حتى بلغ مكان الحجر قال لابنه أبغني حجرا فالتمس حجرا حتى أتاه به فوجد الحجر الأسود قد ركب فقال لأبيه من أين لك هذا؟ قال جاء به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء فأتمه. قال فمر عليه الدهر فانهدم فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبنته قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ رجل شاب. فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، فكان رسول صلى الله عليه وسلم أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوه في مرط ثم ترفعه جميع القبائل كلهم. وقال أبو داود الطيالسي حدثنا حماد بن سلمة وقيس وسلام كلهم عن سماك
ابن حرب عن خالد بن عرعرة عن علي بن أبي طالب. قال: لما انهدم البيت بعد جرهم بنته قريش فلما أرادوا وضع الحجر تشاجروا من يضعه فاتفقوا أن يضعه أول من يدخل من هذا الباب فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بني شيبة فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه وأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه، قال يعقوب بن سفيان أخبرني أصبغ بن فرج أخبرني ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب قال لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم جمرت امرأة الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت فهدموها حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تلي رفعه. فقالوا: تعالوا تحكم أول من يطلع علينا، فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فكان هو يضعه فكان لا يزداد على السن الأرضي حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي، فطفقوا لا ينحرون جزورا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها، وهذا سياق حسن، وهو من سير الزهري، وفيه من الغرابة قوله: فلما بلغ الحلم. والمشهور أن هذا كان ورسول الله صلى الله عليه وسلم عمره خمس وثلاثون سنة، وهو الذي نص عليه محمد بن إسحاق بن يسار رحمه الله.
وقال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. وهكذا قال مجاهد، وعروة، ومحمد بن جبير بن مطعم، وغيرهم. فالله أعلم.
وقال موسى بن عقبة: كان بين الفجار وبين بناء الكعبة خمس عشرة سنة.
قلت: وكان الفجار وحلف الفضول في سنة واحدة إذ كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرون سنة.
وهذا يؤيد ما قال محمد بن إسحاق والله أعلم.
قال موسى بن عقبة: وإنما حمل قريشا على بنائها أن السيول كانت تأتي من فوقها، من فوق الردم الذي صفوه فخر به فخافوا أن يدخلها الماء. وكان رجل يقال له مليح سرق طيب الكعبة.
فأرادوا ان يشيدوا بنيانها وان يرفعو بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا فأعدوا لذلك نفقة وعمالا. ثم غدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر أن يمنعهم الذي أرادوا. فكان أول رجل طلعها وهدم منها شيئا الوليد بن المغيرة فلما رأوا الذي فعل الوليد تتابعوا فوضعوها فأعجبهم ذلك. فلما أرادوا أن يأخذوا في بنيانها أحضروا عمالهم فلم يقدر رجل منهم أن يمضي أمامه موضع قدم فزعموا أنهم رأوا حية قد أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها. فأشفقوا منها شفقة شديدة، وخشوا أن يكونوا قد وقعوا مما عملوا في هلكة. وكانت الكعبة حرزهم ومنعتهم من الناس وشرفا لهم. فلما سقط في أيديهم والتبس عليهم أمرهم قام فيهم المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم فذكر ما كان من نصحه لهم وأمره إياهم ان لا يتشاجروا ولا يتحاسدوا في في بنائها. وأن يقتسموها أرباعا. وأن لا يدخلوا في بنائها مالا حراما. وذكر أنهم لما عزموا على ذلك
ذهبت الحية في السماء وتغببت عنهم ورأوا أن ذلك من الله عز وجل. قال: ويقول بعض الناس إنه اختطفها طائر وألقاها نحو أجياد.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: فلما بلغ رسول صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبناء الكعبة وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمها. وإنما كانت رضما فوق القامة. فأرادوا رفعها وتسقيفها وذلك أن نفرا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان في بئر في جوف الكعبة. وكان الذي وجد عنده الكنز دويك مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة. فقطعت قريش يده وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم. فتحطمت. فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها. قال الأموي: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل آلات البناء من الرخام والخشب والحديد سرحها قيصر مع باقوم الرومي إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس للحبشة فلما بلغت مرساها من جدة بعث الله عليها ريحا فحطمتها.
قال ابن إسحاق: وكان بمكة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها. وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يهدى اليها كل يوم. فتشرف على جدار الكعبة وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت [1] وكشت وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينما هي يوما تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع، بعث الله عليها طائرا فاختطفها فذهب بها. فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رقيق وعندنا خشب وقد كفانا الله الحية.
وحكى السهيلي: عن رزين أن سارقا دخل الكعبة في أيام جرهم ليسرق كنزها. فانهار البئر عليه حتى جاءوا فأخرجوه وأخذوا منه ما كان أخذه، ثم سكنت هذا البئر حية رأسها كرأس الجدي وبطنها أبيض وظهرها أسود فأقامت فيها خمسمائة عام وهي التي ذكرها محمد بن إسحاق.
قال محمد بن إسحاق: فلما أجمعوا أمرهم لهدمها وبنيانها قام أبو وهب عمرو بن عائد بن عبد بن عمران بن مخزوم- وقال ابن هشام عائد بن عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا. لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس- والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. ثم رجح ابن إسحاق أن قائل ذلك أبو وهب بن عمرو- قال وكان خال أبي النبي صلى الله عليه وسلم وكان شريفا ممدحا.
وقال ابن إسحاق: ثم إن قريشا تجزأت الكعبة. فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة، وما
بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم. وكان ظهر الكعبة لبني جمح وسهم. وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ولبني أسد بن عبد العزى ولبني عدي بن كعب، وهو الحطيم. ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه. فقال الوليد بن المغيرة أنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع اللهم إنا لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا من هدمها. فأصبح الوليد عاديا على عمله فهدم وهدم الناس معه- حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس- أساس إبراهيم عليه السلام- أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضا- ووقع في صحيح البخاري عن يزيد بن رومان كأسنمة الإبل- قال السهيلي وأرى رواية السيرة كالألسنة وهما والله أعلم.
قال ابن إسحاق: فحدثني بعض من يروي الحديث أن رجلا من قريش ممن كان يهدمها أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أحدهما، فلما تحرك الحجر انتفضت مكة بأسرها. فانتهوا عن ذلك الأساس.
وقال موسى بن عقبة: وزعم عبد الله بن عباس أن أولية قريش كانوا يحدثون أن رجلا من قريش لما اجتمعوا لينزعوا الحجارة إلى تأسيس إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام عمد رجل منهم إلى حجر من الأساس الأول فرفعه وهو لا يدري أنه من الأساس الأول، فأبصر القوم برقة تحت الحجر كادت تلتمع بصر الرجل، ونزا الحجر من يده فوقع في موضعه وفزع الرجل والبناة. فلما ستر الحجر عنهم ما تحته إلى مكانه عادوا إلى بنيانهم وقالوا لا تحركوا هذا الحجر ولا شيئا بحذائه.
قال ابن إسحاق: وحدثت أن قريشا وجدوا في الركن كتابا بالسريانية فلم يعرفوا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو أنا الله ذو بكة، خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها- قال ابن هشام يعني جبلاها- مبارك لأهلها في الماء واللبن.
قال ابن إسحاق: وحدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. قال وزعم ليث بن أبي سليم أنهم وجدوا في الكعبة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين سنة- إن كان ما ذكر حقا- مكتوبا فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة، ومن يزرع شرا يحصد ندامة. يعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب.
وقال سعيد بن يحيى الأموي: حدثنا المعتمر بن سليمان الرقي عن عبد الله بن بشر الزهري- يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «وجد في المقام ثلاثة أصفح، في الصفح الأول: إني أنا الله
ذو بكة، صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، وباركت لأهلها في اللحم واللبن وفي الصفح الثاني: إني أنا الله ذو بكة، خلقت الرحم وشققت لها من اسمي. فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته، وفي الصفح الثالث: إني أنا الله ذو بكة، خلقت الخير والشر وقدرته. فطوبى لمن أجريت الخير على يديه وويل لمن أجريت الشر على يديه. قال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة. ثم بنوها حتى بلغ البناء موضع الركن. فاختصموا فيه كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى.
حتى تحاوروا أو تحالفوا، وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما. ثم تعاقدوا هم وبنو عدي ابن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة. فسموا لعقة الدم. فمكشت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم- وكان عامئذ أسن قريش كلها قال:
يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه.
ففعلوا. فكان أول داخل دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد.
فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلموا إلي ثوبا» فأتي به وأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال «لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب. ثم ارفعوه جميعا» ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده صلى الله عليه وسلم. ثم بنى عليه. وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمين. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا ثابت- يعني أبا يزيد- حدثنا هلال يعنى ابن حبان عن مجاهد عن مولاه- وهو السائب بن عبد الله- أنه حدثه أنه كان فيمن بنى الكعبة في الجاهلية قال:
وكان لي حجر- أنا نحته أعبده من دون الله- قال: وكنت أجيء باللبن الخاثر الذي آنفه على نفسي فأصبه عليه فيجيء الكلب فيلحسه ثم يشغر فيبول عليه قال: فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر ولا يرى الحجر أحد. فإذا هو وسط أحجارنا مثل رأس الرجل يكاد يترايا منه وجه الرجل. فقال بطن من قريش: نحن نضعه وقال آخرون نحن نضعه. فقالوا اجعلوا بينكم حكما. فقالوا أول رجل يطلع من الفج. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أتاكم الأمين. فقالوا له فوضعه في ثوب. ثم دعا بطونهم فرفعوا نواحيه فوضعه هو صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة ذراعا وكانت تكسى القباطي.
ثم كسيت بعد البرور. وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف.
قلت: وقد كانوا أخرجوا منها الحجر- وهو ستة أذرع أو سبعة أذرع من ناحية الشام- قصرت بهم النفقة أي لم يتمكنوا أن يبنوه على قواعد إبراهيم. وجعلوا للكعبة بابا واحدا من ناحية الشرق. وجعلوه
مرتفعا لئلا يدخل إليها كل أحد فيدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «ألم تري أن قومك قصرت بهم النفقة. ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة وجعلت لها بابا شرقيا وبابا غربيا، وأدخلت فيها الحجر» ولهذا لما تمكن ابن الزبير بناها على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءت في غاية البهاء والحسن والسناء كاملة على قواعد الخليل.
لها بابان ملتصقان بالأرض شرقيا وغربيا. يدخل الناس من هذا ويخرجون من الآخر. فلما قتل الحجاج ابن الزبير كتب إلى عبد الملك بن مروان- وهو الخليفة يومئذ- فيما صنعه ابن الزبير واعتقدوا أنه فعل ذلك من تلقاء نفسه. فأمر بإعادتها إلى ما كانت عليه فعمدوا إلى الحائط الشامي فحصوه وأخرجوا منه الحجر ورصوا حجارته في أرض الكعبة. فارتفع باباها وسدوا الغربي واستمر الشرقي على ما كان عليه فلما كان في زمن المهدي- أو ابنه المنصور- استشار مالكا في إعادتها على ما كان صنعه ابن الزبير. فقال مالك رحمه الله: إني أكره أن يتخذها الملوك ملعبة. فتركها على ما هي عليه. فهي إلى الآن كذلك.
وأما المسجد الحرام: فأول من أخر البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، اشتراها من أهلها وهدمها فلما كان عثمان اشترى دورا وزادها فيه. فلما ولي ابن الزبير أحكم بنيانه، وحسن جدرانه وأكثر أبوابه. ولم يوسعه شيئا آخر. فلما استبد بالأمر عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع جدرانه وأمر بالكعبة فكسيت الديباج. وكان الذي تولى ذلك بأمره الحجاج بن يوسف. وقد ذكرنا قصة بناء البيت والأحاديث الواردة في ذلك في تفسير سورة البقرة عند قوله (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) 2: 127 وذكرنا ذلك مطولا مستقصى فمن شاء كتبه هاهنا ولله الحمد والمنة.
قال ابن إسحاق: فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:
عجبت لما تصوبت العقاب ... إلى الثعبان وهي لها اضطراب
وقد كانت تكون لها كشيش ... وأحيانا يكون لها وثاب
إذا قمنا إلى التأسيس شدت ... تهيبنا البناء وقد نهاب
فلما ان خشينا الزجر جاءت ... عقاب تتلئب لها انصباب
فضمتها إليها ثم خلت ... لنا البنيان ليس لها حجاب
فقمنا حاشدين إلى بناء ... لنا منه القواعد والتراب
غداة يرفع التأسيس منه ... وليس على مساوينا ثياب
أعز به المليك بني لؤي ... فليس لأصله منهم ذهاب
وقد حشدت هناك بنو عدي ... ومرة قد تقدمها كلاب
فبوأنا المليك بذاك عزا ... وعند الله يلتمس الثواب
وقد قدمنا في فصل ما كان الله يحوط به رسول صلى الله عليه وسلم من أقذار الجاهلية، أنه كان هو والعباس عمه ينقلان الحجارة، وأنه عليه الصلاة والسلام لما وضع إزاره تحت الحجارة على كتفه نهي عن خلع إزاره فأعاده إلى سيرته الاولى.
وذكر ابن إسحاق ما كانت قريش ابتدعوه في تسميتهم الحمس، وهو الشدة في الدين والصلابة.
وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة. وكانوا يقولون نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله. فكانوا لا يقفون بعرفات مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام، حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة. وكانوا لا يدخرون من اللبن أقطا ولا سمنا ولا يسلون شحما وهم حرم. ولا يدخلون بيتا من شعر ولا يستظلون إن استظلوا إلا ببيت من أدم. وكانوا يمنعون الحجيج والعمار- ما داموا محرمين- أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس وهم قريش وما ولدوا ومن دخل معهم من كنانة وخزاعة طاف عريانا ولو كانت امرأة ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وبعد هذا اليوم لا أحله
[1] فإن تكرم أحد ممن يجد ثوب أحمسي فطاف في ثياب نفسه فعليه إذا فرغ من الطواف أن يلقيها فلا ينتفع بها بعد ذلك. وليس له ولا لغيره أن يمسها. وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى قال بعض الشعراء:
كفى حزنا كري عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم
قال ابن إسحاق: فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) 2: 199 أي جمهور العرب من عرفات (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) 2: 199 وقد قدمنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له، وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) 7: 31- 32 الآية. وقال زياد البكائي عن ابن إسحاق: ولا أدري أكان ابتداعهم لذلك قبل الفيل أو بعده.
