الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
87

ذكر رضاعه عليه الصلاة والسلام

الجزء الثاني 1 عنصر صفحة 272
ص 272

من حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية وما ظهر عليه من البركة وآيات النبوة قال محمد بن إسحاق: فاسترضع له عليه الصلاة والسلام من حليمة بنت أبى ذؤيب، واسمه عبد الله ابن الحارث بن شجنة بن جابر بن رزام بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس عيلان بن مضر [1] قال واسم أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أرضعه- يعني زوج حليمة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة بن ملان بن ناصرة بن سعد بن بكر بن هوازن. وإخوته عليه الصلاة والسلام- يعني من الرضاعة- عبد الله بن الحارث وأنيسة بنت الحارث وحذافة بنت الحارث وهي الشيماء وذكروا أنها كانت تحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه إذ كان عندهم.

قال ابن إسحاق: حدثني جهم بن أبي جهم مولى لامرأة من بني تميم كانت عند الحارث بن حاطب، ويقال له مولى الحارث بن حاطب. قال حدثني من سمع عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال حدثت عن حليمة بنت الحارث أنها قالت! قدمت مكة في نسوة (وذكر الواقدي باسناده انهن كن عشرة نسوة من بني سعد بن بكر يلتمسن بها الرضعاء) من بني سعد نلتمس بها الرضعاء في سنة شهباء فقدمت

على أتان لي قمراء كانت أذمت بالركب [1] ومعي صبي لنا وشارف لنا والله ما تبض بقطرة. وما ننام ليلتنا ذلك أجمع [2] مع صبينا ذاك ما نجد في ثديي ما يغنيه ولا في شارفنا ما يغذيه. ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج. فخرجت على أتاني تلك فلقد أذمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجفا. فقدمنا مكة فو الله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل إنه يتيم تركناه.

قلنا ماذا عسى أن تصنع إلينا أمه؟ إنما نرجو المعروف من أبي الولد فأما أمه فماذا عسى أن تصنع إلينا، فو الله ما بقي من صواحبي امرأة إلا أخذت رضيعا غيري. فلما لم نجد غيره وأجمعنا الانطلاق قلت لزوجي الحارث بن عبد العزى والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ليس معي رضيع.

لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه. فقال لا عليك أن تفعلي فعسى أن يجعل الله لنا فيه بركة. فذهبت فأخذته فو الله ما أخذته إلا أني لم أجد غيره، فما هو إلا أن أخذته فجئت به رحلي فأقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن. فشرب حتى روي وشرب أخوه حتى روي. وقام صاحبي إلى شارفنا تلك فإذا إنها لحافل، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا. فبتنا بخير ليلة فقال صاحبي حين أصبحنا يا حليمة والله إني لأراك قد أخذت نسمة مباركة. ألم تري ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه. فلم يزل الله عز وجل يزيدنا خيرا. ثم خرجنا راجعين إلى بلادنا فو الله لقطعت أتاني بالركب حتى ما يتعلق بها حمار حتى إن صواحبي ليقلن ويلك يا بنت أبي ذؤيب هذه أتانك التي خرجت عليها معنا؟ فأقول نعم والله إنها لهي فقلن والله إن لها لشأنا. حتى قدمنا أرض بني سعد. وما أعلم أرضا من أرض الله أجدب منها فإن كانت غنمي لتسرح ثم تروح شباعا لبنا فتحلب ما شئنا وما حوالينا أو حولنا أحد تبض له شاة بقطرة لبن وإن أغنامهم لتروح جياعا حتى إنهم ليقولون لرعاتهم- أو لرعيانهم- ويحكم انظروا حيث تسرح غنم بنت أبي ذؤيب فاسرحوا معهم. فيسرحون مع غنمي حيث تسرح فتروح أغنامهم جياعا ما فيها قطرة لبن وتروح أغنامي شباعا لبنا نحلب ما شئنا. فلم يزل الله يرينا البركة نتعرفها حتى بلغ سنتين فكان يشب شبابا لا تشبه الغلمان. فو الله ما بلغ السنتين حتى كان غلاما جفرا [3] فقدمنا به على أمه ونحن أضن شيء به مما رأينا فيه من البركة. فلما رأته أمه قلت لها دعينا نرجع بابننا هذه السنة الأخرى فإنا نخشى عليه وباء مكة. فو الله ما زلنا بها حتى قالت نعم. فسرحته معنا فأقمنا به شهرين أو ثلاثة فبينما هو خلف بيوتنا مع أخ له من الرضاعة في بهم لنا جاء أخوه ذلك يشتد فقال ذاك أخي القرشي جاءه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه. فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه فنجده قائما منتقعا لونه. فاعتنقه أبوه وقال يا بنى

ما شأنك؟ قال جاءني رجلان عليهما ثياب بيض أضجعاني وشقا بطني ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه ثم رداه كما كان فرجعنا به معنا. فقال أبوه يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابني قد أصيب فانطلقي بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف. قالت حليمة فاحتملناه فلم ترع أمه إلا به. فقدمنا به عليها فقالت ما رد كما به يا ظئر فقد كنتما عليه حريصين؟ فقالا لا والله إلا أن الله قد أدى عنا وقضينا الذي علينا وقلنا نخشى الإتلاف والأحداث نرده إلى أهله. فقالت ما ذاك بكما فاصدقاني شأنكما؟ فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، فقالت أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل. والله إنه لكائن لابني هذا شأن ألا أخبركما خبره؟ قلنا بلى! قالت حملت به فما حملت حملا قط أخف منه فأريت في النوم حين حملت به كأنه خرج مني نور أضاءت له قصور الشام ثم وقع حين ولدته وقوعا ما يقعه المولود، معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء، فدعاه عنكما. وهذا الحديث قد روي من طرق أخر وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي.

وقال الواقدي: حدثني معاذ بن محمد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال خرجت حليمة تطلب النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجدت البهم تقيل فوجدته مع أخته فقالت في هذا الحر؟ فقالت أخته يا أمه ما وجد أخي حرا. رأيت غمامة تظلل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع.

وقال ابن إسحاق: حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له أخبرنا عن نفسك. قال: «نعم أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى عليهما السلام، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجا فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا ألقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني بمائة فوزنتهم. ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم، فقال دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم» وهذا إسناد جيد قوي.

وقد روى أبو نعيم الحافظ في الدلائل من طريق عمر بن الصبح وهو أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن مكحول عن شداد بن أوس هذه القصة مطولة جدا ولكن عمر بن صبح هذا متروك كذاب متهم بالوضع. فلهذا لم نذكر لفظ الحديث إذ لا يفرح به ثم قال: وحدثنا أبو عمرو بن حمدان حدثنا الحسن بن نفير حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعيد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن ابن عمرو السلمي عن عتبة بن عبد الله أنه حدثه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله؟ قال: «كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا ولم نأخذ

معنا زادا فقلت يا أخي اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا فانطلق أخي ومكثت عند البهم فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ فقال نعم! فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني للقفا فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه. فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي ثم قال ائتني بماء برد فغسلا به قلبي ثم قال ائتني بالسكينة فذرها في قلبي ثم قال أحدهما لصاحبه خطه فخاطه وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم. فقال لو أن أمته وزنت به لمال بهم ثم انطلقا فتركاني وفرقت فرقا شديدا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت فأشفقت أن يكون قد لبس بي فقالت أعيذك بالله. فرحلت بعيرا لها وحملتني على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي، فقالت أديت أمانتي وذمتي وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها. وقالت إني رأيت خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام» ورواه أحمد من حديث بقية بن الوليد به. وهكذا رواه عبد الله بن المبارك وغيره عن بقية بن الوليد به. وقد رواه ابن عساكر من طريق أبي داود الطيالسي حدثنا جعفر بن عبد الله بن عثمان القرشي أخبرنى عمير بن عمر بن عروة بن الزبير. قال سمعت عروة بن الزبير يحدث عن أبي ذر الغفاري قال قلت يا رسول الله كيف علمت أنك نبي حين علمت ذلك واستيقنت أنك نبي؟ قال: «يا أبا ذر أتاني ملكان وأنا ببعض بطحاء مكة فوقع أحدهما على الأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض فقال أحدهما لصاحبه أهو هو؟ قال هو هو. قال زنه برجل فوزنني برجل فرجحته» وذكر تمامه، وذكر شق صدره وخياطته وجعل الخاتم بين كتفيه قال «فما هو إلا أن وليا عني فكأنما أعاين الأمر معاينة» ثم أورد ابن عساكر عن أبي بن كعب بنحو ذلك. ومن حديث شداد بن أوس بأبسط من ذلك. وثبت في صحيح مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل عليه السلام وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب واستخرج منه علقة سوداء فقال هذا حظ الشيطان، ثم غسله في طشت من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه وجاء الغلمان يسعون إلى أمه- يعني ظئره- فقالوا إن محمدا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره. وقد رواه ابن عساكر من طريق ابن وهب عن عمرو ابن الحارث عن عبد ربه بن سعيد عن ثابت البناني عن أنس أن الصلاد فرضت بالمدينة، وأن ملكين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبا به إلى زمزم فشقا بطنه فاخرجا حشوته في طشت من ذهب فغسلاه بماء زمزم ثم لبسا جوفه حكمة وعلما. ومن طريق ابن وهب أيضا عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن عبد الرحمن بن عامر بن عتبة بن أبي وقاص عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال قال خذوا خيرهم وسيدهم، فأخذوا رسول صلى الله عليه وسلم فعمد به إلى زمزم فشق جوفه ثم أتي بتور من ذهب فغسل

جوفه ثم مليء حكمة وإيمانا. وثبت من رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس. وفي الصحيحين من طريق شريك بن أبي نمر عن أنس وعن الزهري عن أنس عن أبي ذر وقتادة عن أنس وعن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء كما سيأتي قصة شرح الصدر ليلتئذ وأنه غسل بماء زمزم، ولا منافاة لاحتمال وقوع ذلك مرتين مرة وهو صغير ومرة ليلة الإسراء ليتأهب للوفود إلى الملأ الأعلى ولمناجاة الرب عز وجل والمثول بين يديه تبارك وتعالى.

وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه: «أنا أعربكم، أنا قرشي واسترضعت في بني سعد بن بكر» وذكر ابن إسحاق: أن حليمة لما أرجعته إلى أمه بعد فطامه مرت به على ركب من النصارى فقاموا إليه عليه الصلاة والسلام فقلبوه وقالوا إنا سنذهب بهذا الغلام إلى ملكنا فإنه كائن له شأن فلم تكد تنفلت منهم إلا بعد جهد. وذكر أنها لما ردته حين تخوفت عليه أن يكون أصابه عارض، فلما قربت من مكة افتقدته فلم تجده فجاءت جده عبد المطلب فخرج هو وجماعة في طلبه، فوجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش فأتيا به جده، فأخذه على عاتقه وذهب فطاف به يعوذه ويدعو له ثم رده إلى أمه آمنة.

وذكر الأموي من طريق عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي- وهو ضعيف- عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة مولده عليه الصلاة والسلام ورضاعه من حليمة على غير سياق محمد بن إسحاق.

وذكر أن عبد المطلب أمر ابنه عبد الله أن يأخذه فيطوف به في أحياء العرب ليتخذ له مرضعة فطاف حتى استأجر حليمة على رضاعه وذكر أنه أقام عندها ست سنين تزيره جده في كل عام فلما كان من شق صدره عندهم ما كان ردته إليهم فأقام عند أمه حتى كان عمره ثماني سنين ماتت فكفله جده عبد المطلب فمات وله عليه الصلاة والسلام عشر سنين، فكفله عماه شقيقا أبيه الزبير وأبو طالب، فلما كان له بضع عشرة سنة خرج مع عمه الزبير إلى اليمن. فذكر أنهم رأوا منه آيات في تلك السفرة منها أن فحلا من الإبل كان قد قطع بعض الطريق في واد ممرهم عليه فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم برك حتى حك بكلكله الأرض فركبه عليه الصلاة والسلام. ومنها أنه خاض بهم سيلا عرما فأيبسه الله تعالى حتى جاوزوه ثم مات عمه الزبير وله أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب.

والمقصود أن بركته عليه الصلاة والسلام حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير ثم عادت على هوازن بكمالهم فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم، وذلك بعد فتح مكة بشهر. فمتوا إليه برضاعه فأعتقهم وتحنن عليهم وأحسن إليهم كما سيأتي مفصلا في موضعه إن شاء الله تعالى.

قال محمد بن إسحاق: في وقعة هوازن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بحنين فلما أصاب من أموالهم وسباياهم أدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا يا رسول الله إنا أهل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. وقام

خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله إن ما في الحظائر من السبايا خالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، فلو أنا ملحنا [1] ابن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما، وأنت خير المكفولين. ثم أنشد:

امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر

امنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزق شملها في دهرها غير

أبقت لنا الدهر هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر

إن لم تداركها نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك يملؤه من محضها درر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر

لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر

إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

وقد رويت هذه القصة من طريق عبيد الله بن رماحس الكلبي الرملي عن زياد بن طارق الجشمي عن أبي صرد زهير بن جرول- وكان رئيس قومه- قال لما أسرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فبينما هو يميز بين الرجال والنساء وثبت حتى قعدت بين يديه وأسمعته شعرا، أذكره حين شب ونشأ في هوازن حيث أرضعوه:

امنن علينا رسول الله في دعة ... فإنك المرء نرجوه وننتظر

امنن على بيضة قد عاقها قدر ... ممزق شملها في دهرها غير

أبقت لنا الحرب هتافا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر

إن لم تداركها نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذ فوك تملؤه من محضها الدرر

إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر

لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر

إنا لنشكر للنعمى وإن كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر

فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر

إنا نؤمل عفوا منك تلبسه ... هذي البرية إذ تعفو وتنتصر

فاغفر عفا الله عما أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدى لك الظفر

قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لله ولكم» فقالت الأنصار.

وما كان لنا فهو لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وسيأتي أنه عليه الصلاة والسلام أطلق لهم الذرية وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة، وأعطاهم أنعاما وأناسي كثيرا. حتى قال أبو الحسين بن فارس فكان قيمة ما أطلق لهم يومئذ خمسمائة ألف ألف درهم. فهذا كله من بركته العاجلة في الدنيا، فكيف ببركته على من اتبعه في الدار الآخرة.

</span>

قال ابن إسحاق: بعد ذكر رجوعه عليه الصلاة والسلام إلى أمه آمنة بعد رضاعة حليمة له. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب، وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه، ينبته الله نباتا حسنا لما يريد به من كرامته فلما بلغ ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب.

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم. فماتت وهي راجعة به إلى مكة. وذكر الواقدي بأسانيده أن النبي صلى الله عليه وسلم خرجت به أمه إلى المدينة ومعها أم أيمن وله ست سنين، فزارت أخواله. قالت أم أيمن فجاءني ذات يوم رجلان من يهود المدينة فقالا لي أخرجي إلينا أحمد ننظر إليه، فنظرا إليه وقلباه فقال أحدهما لصاحبه هذا نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته، وسيكون بها من القتل والسبي أمر عظيم. فلما سمعت أمه خافت وانصرفت به، فماتت بالأبواء وهي راجعة وقد قال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد حدثنا أيوب ابن جابر عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابن بريدة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بودان قال «مكانكم حتى آتيكم» فانطلق ثم جاءنا وهو ثقيل، فقال: «إني أتيت قبر أم محمد فسألت ربي الشفاعة- يعني لها- فمنعنيها، وإني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، وكنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام فكلوا وأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن الأشربة في هذه الأوعية فاشربوا ما بدا لكم» وقد رواه البيهقي من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن يزيد عن سليمان ابن بريدة عن أبيه قال: انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ثم بكى فاستقبله عمر فقال ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: «هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في أن أزور قبرها فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فأبى علي، وأدركتني رقتها فبكيت» . قال فما رئيت ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة. تابعه محارب بن دثار عن بريدة عن أبيه. ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن بحر بن نصر عن عبد الله بن وهب حدثنا ابن جريج عن أيوب بن هاني عن

مسروق بن الأجدع عن عبد الله بن مسعود. قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في المقابر، وخرجنا معه، فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها- فناجاه طويلا ثم ارتفع نحيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا فبكينا لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل علينا فتلقاه عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ما الذي أبكاك؟ لقد أبكانا وأفزعنا. فجاء فجلس إلينا فقال: «أفزعكم بكائي» ؟

قلنا نعم! قال: «إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي، واستأذنت ربي في الاستغفار لها فلم يأذن لي فيه، ونزل علي (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم، وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) 9: 113- 114 فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذلك الذي أبكاني» غريب ولم يخرجوه. وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن عبيد عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ثم قال: «استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت» وروى مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: «في النار» فلما قفا دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار» . وقد روى البيهقي من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه. قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أبي كان يصل الرحم، وكان، وكان، فأين هو؟ قال: «في النار» قال فكأن الأعرابي وجد من ذلك، فقال يا رسول الله أين أبوك؟ قال: «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» قال فأسلم الأعرابي بعد ذلك. فقال: لقد كلفني رسول الله صلى الله عليه وسلم تعبا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقال الإمام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا سعيد- هو ابن أبي أيوب- حدثنا ربيعة بن سيف المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو. قال بينما نحن نمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بصر بامرأة لا يظن أنه عرفها، فلما توسط الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ فقالت أتيت أهل هذا البيت فترحمت إليهم ميتهم وعزيتهم. قال: «لعلك بلغت معهم الكدى [1] » قالت معاذ الله أن أكون بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر [2] . قال: «لو بلغتيها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك» ثم رواه أحمد وأبو داود والنسائي والبيهقي من حديث ربيعة بن سيف بن مانع المعافري الصنمى

الإسكندري وقد قال البخاري عنده مناكير. وقال النسائي: ليس به بأس وقال مرة صدوق، وفي نسخة ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان يخطئ كثيرا. وقال الدارقطني صالح. وقال ابن يونس في تاريخ مصر في حديثه مناكير توفي قريبا من سنة عشرين ومائة، والمراد بالكدى القبور- وقيل النوح- والمقصود أن عبد المطلب مات على ما كان عليه من دين الجاهلية خلافا لفرقة الشيعة فيه وفي ابنه أبي طالب على ما سيأتي في وفاة أبي طالب، وقد قال البيهقي- بعد روايته هذه الأحاديث في كتابه دلائل النبوة: وكيف لا يكون أبواه وجده عليه الصلاة والسلام بهذه الصفة في الآخرة وقد كانوا يعبدون الوثن، حتى ماتوا ولم يدينوا دين عيسى بن مريم عليه السلام، وكفرهم لا يقدح في نسبه عليه الصلاة والسلام لأن أنكحة الكفار صحيحة. ألا تراهم يسلمون مع زوجاتهم فلا يلزمهم تجديد العقد ولا مفارقتهن إذا كان مثله يجوز في الإسلام وبالله التوفيق. انتهى كلامه.

قلت: وإخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار لا ينافي الحديث الوارد عنه من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصم يمتحنون في العرصات يوم القيامة، كما بسطناه سندا ومتنا [في تفسيرنا] عند قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا 17: 15 فيكون منهم من يجيب ومنهم من لا يجيب. فيكون هؤلاء من جملة من لا يجيب فلا منافاة ولله الحمد والمنة.

وأما الحديث الذي ذكره السهيلي وذكر أن في إسناده مجهولين إلى ابن أبي الزناد عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربه أن يحيي أبويه، فأحياهما وآمنا به، فإنه حديث منكر جدا. وإن كان ممكنا بالنظر إلى قدرة الله تعالى. لكن الذي ثبت في الصحيح يعارضه والله أعلم

قال ابن إسحاق: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع جده عبد المطلب بن هاشم- يعني بعد موت أمه آمنة بنت وهب- فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه. فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه. فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فو الله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع. وقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري وحدثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله. وحدثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن المنذر بن جهم وحدثنا معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد. وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن أبي الحويرث. وحدثنا ابن أبى سيرة عن سليمان بن

سحيم عن نافع عن ابن جبير- دخل حديث بعضهم في بعض- قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون مع أمه آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام. وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك دعوا ابني إنه يؤسس ملكا.

وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم الذي في المقام منه. فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء! فكان أبو طالب يحتفظ به. وقال عبد المطلب لأم أيمن- وكانت تحضنه- يا بركة لا تغفلي عن ابني فإني وجدته مع غلمان قريب من السدرة، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني نبي هذه الأمة. وكان عبد المطلب لا يأكل طعاما إلا يقول علي بابني فيؤتى به إليه.

فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحياطته ثم مات عبد المطلب ودفن بالحجون.

وقال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمان سنين هلك جده عبد المطلب بن هاشم. ثم ذكر جمعه بناته وأمره إياهن أن يرثينه. وهن، أروى وأميمة، وبرة، وصفية، وعاتكة، وأم حكيم البيضاء وذكر أشعارهن وما قلن في رثاء أبيهن وهو يسمع قبل موته وهذا أبلغ النوح. وبسط القول في ذلك وقد قال ابن هشام ولم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذا الشعر.

قال ابن إسحاق: فلما هلك عبد المطلب بن هاشم ولي السقاية وزمزم بعده ابنه العباس، وهو من أحدث إخوته سنا فلم تزل إليه حتى قام الإسلام وأقرها في يده رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد جده عبد المطلب مع عمه أبي طالب لوصية عبد المطلب له به، ولأنه كان شقيق أبيه عبد الله أمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. قال فكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إليه ومعه. وقال الواقدي: أخبرنا معمر عن ابن نجيح عن مجاهد. وحدثنا معاذ بن محمد الأنصاري عن عطاء عن ابن عباس. وحدثنا محمد بن صالح وعبد الله بن جعفر وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة- دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه. وصب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط. وكان يخصه بالطعام وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شبعوا. فكان إذا أراد أن يغديهم قال كما أنتم حتى يأتي ولدى. فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم وإن لم يكن منهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب إنك

لمبارك. وكان الصبيان يصبحون رمصا شعثا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا.

وقال الحسن بن عرفة حدثنا علي بن ثابت عن طلحة بن عمرو سمعت عطاء بن أبي رباح سمعت ابن عباس يقول: كان بنو أبى طالب يصبحون رمصا عمصا ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صقيلا دهينا وكان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم أول البكرة، فيجلسون وينتهبون ويكف رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فلا ينتهب معهم. فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة.

وقال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن أباه حدثه أن رجلا من لهب كان عائفا فكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويعتاف لهم فيهم. قال فأتى أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام مع من يأتيه قال فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم شغله عنه شيء. فلما فرغ قال: الغلام علي به. فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه فجعل يقول ويلكم ردوا على الغلام الذي رأيته آنفا فو الله ليكونن له شأن. قال وانطلق به أبو طالب.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.