الرئيسية القرآن الكريم كتب ومراجع المصادر والتوثيق
الرئيسية / كتب ومراجع / كتب التاريخ / البداية والنهاية / الجزء الثاني / ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية
69

ذكر حاتم الطائي أحد أجواد الجاهلية

الجزء الثاني 1 عنصر صفحة 211
ص 211

وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أحزم بن أبى أحزم [1] واسمه هرومة بن ربيعة بن جرول بن ثعل بن عمرو بن الغوث بن طيئ أبو سفانة الطائي والدعدى بن حاتم الصحابي كان جوادا ممدحا في الجاهلية وكذلك كان ابنه في الإسلام وكانت لحاتم مآثر وأمور عجيبة وأخبار مستغربة في كرمه يطول ذكرها ولكن لم يكن يقصد بها وجه الله والدار الآخرة وإنما كان قصده السمعة والذكر قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا محمد بن معمر حدثنا عبيد بن واقد القيسي حدثنا أبو نصر هو الناجي عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال ذكر حاتم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال ذاك أراد أمرا فأدركه (حديث غريب) قال الدارقطني تفرد به عبيد بن واقد عن أبي نصر الناجي ويقال إن اسمه حماد قال ابن عساكر: وقد فرق أبو أحمد الحاكم بين أبى نصر الناجي وبين أبي نصر حماد ولم يسم الناجي

ووقع في بعض روايات الحافظ ابن عساكر عن أبى نصر شيبة الناجي والله أعلم.

وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن إسماعيل حدثنا سفيان عن سماك بن حرب عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم قال قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبي كان يصل الرحم ويفعل ويفعل فهل له في ذلك يعني من أجر قال إن أباك طلب شيئا فأصابه. وهكذا رواه أبو يعلى عن القواريري عن غندر عن شعبة عن سماك به. وقال: إن أباك أراد أمرا فأدركه يعني الذكر وهكذا رواه أبو القاسم البغوي عن علي بن الجعد عن شعبة به سواء وقد ثبت في الصحيح في الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم منهم الرجل الذي ينفق ليقال إنه كريم فيكون جزاؤه أن يقال ذلك في الدنيا وكذا في العالم والمجاهد وفي الحديث الآخر في الصحيح أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة فقالوا له كان يقري الضيف ويعتق ويتصدق فهل ينفعه ذلك فقال إنه لم يقل يوما من الدهر رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين هذا وقد كان من الأجواد المشهورين أيضا المطعمين في السنين الممحلة والأوقات المرملة. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف العماني حدثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي حدثنا ضرار بن صرد حدثنا عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال قال علي بن أبي طالب: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في خير عجبا لرجل يجيئه أخوه المسلم في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا فلو كان لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لكان ينبغي له أن يسارع في مكارم الأخلاق فإنها تدل على سبيل النجاح. فقام إليه رجل وقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال نعم! وما هو خير منه لما أتي بسبايا طيئ وقعت جارية حمراء لعساء ذلفاء عيطاء شماء الأنف معتدلة القامة والهامة درماء الكعبين خدلجة الساقين لفاء الفخذين خميصة الخصرين ضامرة الكشحين مصقولة المتنين. قال فلما رأيتها أعجبت بها وقلت لأطلبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجعلها في فيئي فلما تكلمت أنسيت جمالها لما رأيت من فصاحتها فقالت يا محمد إن رأيت أن تخلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب فإني ابنة سيد قومي وإن أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقري الضيف ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط وأنا ابنة حاتم طيئ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا لو كان أبوك مؤمنا لترحمنا عليه خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق والله تعالى يحب مكارم الأخلاق. فقام أبو بردة بن نيار فقال يا رسول الله، والله يحب مكارم الأخلاق؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة أحد إلا بحسن الخلق. وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني عمر بن بكر عن أبي عبد الرحمن الطائي- هو القاسم بن عدي- عن عثمان عن عركى بن حليس الطائي عن أبيه عن جده وكان أخا عدي بن حاتم لأمه قال قيل لنوار امرأة

حاتم حدثينا عن حاتم قالت كل أمره كان عجبا أصابتنا سنة حصت كل شيء فاقشعرت لها الأرض واغبرت لها السماء وضنت المراضع على أولادها وراحت الإبل حدبا حدابير ما تبض بقطرة وحلقت المال وإنا لفي ليلة صنبر بعيدة ما بين الطرفين إذ تضاغى الأصبية من الجوع عبد الله وعدي وسفانة فو الله إن وجدنا شيئا نعللهم به فقام إلى أحد الصبيان فحمله وقمت الى الصبية فعللتها فو الله إن سكتا إلا بعد هدأة من الليل ثم عدنا إلى الصبي الآخر فعللناه حتى سكت وما كاد ثم افترشنا قطيفة لنا شامية ذات خمل فأضجعنا الصبيان عليها ونمت أنا وهو في حجرة والصبيان بيننا ثم أقبل علي يعللني لأنام وعرفت ما يريد فتناومت فقال ما لك أنمت فسكت فقال ما أراها إلا قد نامت وما بي نوم فلما ادلهم الليل وتهورت النجوم وهدأت الأصوات وسكنت الرجل إذ جانب البيت قد رفع فقال من هذا؟ فولى حتى قلت إذا قد أسحرنا أو كدنا عاد فقال من هذا؟ قالت جارتك فلانة يا أبا عدي ما وجدت على أحد معولا غيرك أتيتك من عند اصبية يتعاوون عواء الذئاب من الجوع قال أعجليهم علي قالت النوار فوثبت فقلت ماذا صنعت أضطجع والله لقد تضاغى أصبيتك فما وجدت ما تعللهم فكيف بهذه وبولدها فقال اسكتي فو الله لأشبعنك إن شاء الله قالت فأقبلت تحمل اثنين وتمشي جنبتيها أربعة كأنها نعامة حولها رئالها فقام إلى فرسه فوجأ بحربته في لبته ثم قدح زنده وأورى ناره ثم جاء بمدية فكشط عن جلده ثم دفع المدية إلى المرأة ثم قال دونك ثم قال ابعثي صبيانك فبعثتهم ثم قال سوءة أتأكلون شيئا دون أهل الصرم فجعل يطوف فيهم حتى هبوا وأقبلوا عليه والتفع في ثوبه ثم اضطجع ناحية ينظر إلينا والله ما ذاق مزعة وإنه لأحوجهم إليه فأصبحنا وما على الأرض منه الأعظم وحافر.

وقال الدارقطني: حدثني القاضي أبو عبد الله المحاملي حدثنا عبد الله بن أبي سعد وحدثنا عثيم بن ثوابة بن حاتم الطائي عن أبيه عن جده قال قالت امرأة حاتم لحاتم يا أبا سفانة أشتهي أن آكل أنا وأنت طعاما وحدنا ليس عليه أحد فأمرها فحولت خيمتها من الجماعة على فرسخ وأمر بالطعام فهيئ وهي مرخاة ستورها عليه وعليها فلما قارب نضج الطعام كشف عن رأسه ثم قال:

فلا تطبخي قدري وسترك دونها ... علي إذن ما تطبخين حرام

ولكن بهذاك اليفاع فأوقدي ... بجزل إذا أوقدت لا بضرام

قال ثم كشف الستور وقدم الطعام ودعي الناس فأكل وأكلوا فقالت ما أتممت لي ما قلت فأجابها فإني لا تطاوعني نفسي ونفسي أكرم علي من أن يثنى علي هذا وقد سبق لي السخاء ثم أنشأ يقول:

أمارس نفسي البخل حتى أعزها ... واترك نفس الجود ما استثيرها

ولا تشتكيني جارتي غير أنها ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها

سيبلغها خيري ويرجع بعلها ... إليها ولم تقصر عليها ستورها

ومن شعر حاتم:

إذا ما بت أشرب فوق رى ... لسكر في الشراب فلا رويت

إذا ما بت أختل عرس جاري ... ليخفيني الظلام فلا خفيت

أأفضح جارتي وأخون جاري ... فلا والله أفعل ما حييت

ومن شعره أيضا:

ما ضر جارا لي أجاوره ... أن لا يكون لبابه ستر

أغضي إذا ما جارتي برزت ... حتى يواري جارتي الخدر

ومن شعر حاتم أيضا:

وما من شيمتي شتم ابن عمي ... وما أنا مخلف من يرتجيني

وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت وقلت مري فانقذينى

وعابوها علي فلم تعبني ... ولم يعرق لها يوما جبيني

وذي وجهين يلقاني طليقا ... وليس إذا تغيب يأتسيني

ظفرت بعيبه فكففت عنه ... محافظة على حسبي وديني

ومن شعره:

سلي البائس المقرور يا أم مالك ... إذا ما أتاني بين ناري ومجزري

أأبسط وجهي إنه أول القرى ... وأبذل معروفي له دون منكري

وقال أيضا:

وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

وقال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي حدثنا أبو العباس المبرد أخبرني الثوري عن أبي عبيدة. قال لما بلغ حاتم طيئ قول المتلمس:

قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير على الفساد

وحفظ المال خير من فناه ... وعسف في البلاد بغير زاد

قال ما له قطع الله لسانه حمل الناس على البخل فهلا قال:

فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد

فلا تلتمس مالا بعيش مقتر ... لكل غد رزق يعود جديد

ألم تر أن المال غاد ورائح ... وأن الذي يعطيك غير بعيد

قال القاضي أبو الفرج ولقد أحسن في قوله: وأن الذي يعطيك غير بعيد. ولو كان مسلما لرجي

له الخير في معاده وقد قال الله في كتابه: (وسئلوا الله من فضله) 4: 32. وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان 2: 186. وعن الوضاح بن معبد الطائي قال: وفد حاتم الطائي على النعمان ابن المنذر فأكرمه وأدناه ثم زوده عند انصرافه جملين ذهبا وورقا غير ما أعطاه من طرائف بلده فرحل، فلما أشرف على أهله تلقته أعاريب طيئ. فقالت: يا حاتم أتيت من عند الملك وأتينا من عند أهالينا بالفقر فقال: حاتم هلم فخذوا ما بين يدي فتوزعوه فوثبوا إلى ما بين يديه من حباء النعمان فاقتسموه. فخرجت إلى حاتم طريفة جاريته فقالت له اتق الله وأبق على نفسك، فما يدع هؤلاء دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا. فأنشأ يقول:

قالت طريفة ما تبقى دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق

إن يفن ما عندنا فالله يرزقنا ... ممن سوانا ولسنا نحن نرتزق

ما يألف الدرهم الكاري خرقتنا ... إلا يمر عليها ثم ينطلق

إنا إذا اجتمعت يوما دراهمنا ... ظلت إلى سبل المعروف تستبق

وقال أبو بكر بن عياش: قيل لحاتم هل في العرب أجود منك. فقال: كل العرب أجود مني ثم أنشأ يحدث. قال: نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة وكانت له مائة من الغنم فذبح لي شاة منها وأتاني بها فلما قرب إلي دماغها قلت: ما أطيب هذا الدماغ قال فذهب فلم يزل يأتيني منه حتى قلت قد اكتفيت، فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المائة شاة وبقي لا شيء له؟ فقيل فما صنعت به فقال: ومتى أبلغ شكره ولو صنعت به كل شيء. قال: على كل حال فقال أعطيته مائة ناقة من خيار إبلي. وقال محمد بن جعفر الخرائطي في كتاب مكارم الأخلاق حدثنا العباس بن الفضل الربعي حدثنا إسحاق بن ابراهيم حدثني حماد الراوية ومشيخة من مشيخة طيئ. قالوا: كانت عنترة [1] بنت عفيف بن عمرو بن امرئ القيس أم حاتم طيئ لا تمسك شيئا سخاء وجودا، وكان إخوتها يمنعونها فتأبى وكانت امرأة موسرة فحبسوها في بيت سنة يطعمونها قوتها لعلها تكف عما تصنع. ثم أخرجوها بعد سنة وقد ظنوا أنها قد تركت ذلك الخلق فدفعوا إليها صرمة من مالها وقالوا استمتعي بها، فأتتها امرأة من هوازن وكانت تغشاها فسألتها فقالت: دونك هذه الصرمة فقد والله مسني من الجوع ما آليت أن لا أمنع سائلا ثم أنشأت تقول:

لعمري لقد ما عضني الجوع عضة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا

فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني ... وإن أنت لم تفعل فعض الأصابعا

فماذا عساكم أن تقولوا لأختكم ... سوى عذلكم أو عذل من كان مانعا

وماذا ترون اليوم إلا طبيعة ... فكيف بتركي يا ابن أمي الطبائعا

وقال الهيثم بن عدي عن ملحان بن عركي بن عدي بن حاتم عن أبيه عن جده. قال: شهدت حاتما يكيد بنفسه فقال لي أي بني إني أعهد من نفسي ثلاث خصال والله ما خاتلت جارة لريبة [؟] قط، ولا أوتمنت على أمانة إلا أديتها، ولا أوتي أحد من قبلي بسوء وقال أبو بكر الخرائطي: حدثنا علي بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن يحيى العدوي حدثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي مسكين- يعني جعفر بن المحرر بن الوليد- عن المحرر مولى أبي هريرة قال: مر نفر من عبد القيس بقبر حاتم طيئ فنزلوا قريبا منه فقام إليه بعضهم يقال له أبو الخيبري فجعل يركض قبره برجله. ويقول: يا أبا جعد أقرنا فقال له بعض أصحابه: ما تخاطب من رمة وقد بليت وأجنهم الليل فناموا فقام صاحب القول فزعا يقول يا قوم عليكم بمطيكم فإن حاتما أتاني في النوم وانشدنى شعرا وقد حفظته يقول:

أبا الخيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشيرة شتامها

أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرة قد صدت هامها

أتبغي لي الذنب عند المبيت ... وحولك طيئ وأنعامها

وإنا لنشبع أضيافنا ... وتأتي المطي فنعتامها

قال وإذا ناقة صاحب القول تكوس عقيرا فنحروها وقاموا يشتوون ويأكلون. وقالوا والله لقد أضافنا حاتم حيا وميتا. قال: وأصبح القوم وأردفوا صاحبهم وساروا فاذا رجل ينوه بهم راكبا جملا ويقود آخر. فقال: أيكم أبو الخيبري قال أنا قال إن حاتما أتاني في النوم فأخبرني أنه قرى أصحابك ناقتك وأمرني أن أجملك وهذا بعير فخذه ودفعه إليه.

النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.