ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة
ص 168
استهلت وحكام البلاد هم المذكورون في التي قبلها، وناظر الجامع عز الدين ابن المنجا، والمحتسب
عماد الدين الشيرازي وغيرهم. وفي مستهل المحرم يوم الخميس درس بأم الصالح الشيخ خطيب تبرور عوضا عن قاضى القضاة شهاب الدين ابن المجد، وحضر عنده القضاة والأعيان. وفي سادس المحرم رجع مهنا بن عيسى من عند السلطان فتلقاه النائب والجيش، وعاد إلى أهله في عز وعافية. وفيه أمر السلطان بعمارة جامع القلعة وتوسيعه، وعمارة جامع مصر العتيق. وقدم إلى دمشق القاضي جمال الدين محمد بن عماد الدين ابن الأثير كاتب سربها عوضا عن ابن الشهاب محمود. ووقع في هذا الشهر والذي بعده موت كثير في الناس بالخانوق.
وفي ربيع الأول مسك الأمير نجم الدين بن الزيبق مشد الدواوين، وصودر وبيعت خيوله وحواصله، وتولاه بعده سيف الدين ثمر مملوك بكتمر الحاجب، وهو مشد الزكاة. وفيه كملت عمارة حمام الأمير شمس الدين حمزة الذي تمكن عند تنكز بعد ناصر الدين الدوادار، ثم وقعت الشناعة عليه بسبب ظلمه في عمارة هذا الحمام فقابله النائب على ذلك وانتصف للناس منه، وضربه بين يديه وضربه بالبندق بيده في وجهه، وسائر جسده، ثم أودعه القلعة ثم نقله إلى بحيرة طبرية فغرقه فيها، وعزل الأمير جمال الدين نائب الكرك عن نيابة طرابلس حسب سؤاله في ذلك، وراح إليها طيغال وقدم نائب الكرك إلى دمشق وقد رسم له بالإقامة في سلخد، فلما تلقاه نائب السلطنة والجيش نزل في دار السعادة وأخذ سيفه بها ونقل إلى القلعة، ثم نقل إلى صفت ثم إلى الإسكندرية، ثم كان آخر العهد به.
وفي جمادى الأولى احتيط على دار الأمير بكتمر الحاجب الحسامي بالقاهرة، ونبشت وأخذ منها شيء كثير جدا، وكان جد أولاده نائب الكرك المذكور. وفي يوم السبت تاسع جمادى الآخرة باشر حسام الدين أبو بكر ابن الأمير عز الدين أيبك التجيبي شد الأوقاف عوضا عن ابن بكتاش، اعتقل، وخلع على المتولي وهنأه الناس. وفي منتصف هذا الشهر علق الستر الجديد على خزانة المصحف العثماني، وهو من خز طوله ثمانية أذرع وعرضه أربعة أذرع ونصف، غرم عليه أربعة آلاف وخمسمائة، وعمل في مدة سنة ونصف.
وخرج الركب الشامي يوم الخميس تاسع شوال وأميره علاء الدين المرسي، وقاضيه شهاب الدين الظاهري. وفيه رجع جيش حلب إليها وكانوا عشرة آلاف سوى من تبعهم من التركمان، وكانوا في بلاد أذنة وطرسوس وآياس، وقد خربوا وقتلوا خلقا كثيرا، ولم يعدم منهم سوى رجل واحد غرق بنهر جاهان، ولكن كان قتل الكفار من كان عندهم من المسلمين نحوا من ألف رجل، يوم عيد الفطر ف إنا لله وإنا إليه راجعون. 2: 156 وفيه وقع حريق عظيم بحماة فاحترق منه أسواق كثيرة، وأملاك وأوقاف، وهلكت أموال لا تحصر، وكذلك احترق أكثر مدينة أنطاكية، فتألم المسلمون لذلك. وفي ذي الحجة خرب المسجد
الذي كان في الطريق بين باب النصر وبين باب الجابية، عن حكم القضاة بأمر نائب السلطنة، وبنى غربيه مسجد حسن أحسن وأنفع من الأول.
الشيخ الصالح المعمر رئيس المؤذنين بجامع دمشق
ص 170
برهان الدين إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمد الواني، ولد سنة ثلاث وأربعين وستمائة، وسمع الحديث، وروى، وكان حسن الصوت والشكل، محببا إلى العوام، توفي يوم الخميس سادس صفر ودفن بباب الصغير، وقام من بعده في الرئاسة ولده أمين الدين محمد الواني المحدث المفيد، وتوفي بعده ببضع وأربعين يوما رحمهما الله.
الكاتب المطبق المجود المحرر
ص 170
بهاء الدين محمود ابن خطيب بعلبك محيي الدين محمد بن عبد الرحيم بن عبد الوهاب السلمي، ولد سنة ثمان وثمانين وستمائة، واعتنى بهذه الصناعة فبرع فيها، وتقدم على أهل زمانه قاطبة في النسخ وبقية الأقلام، وكان حسن الشكل طيب الأخلاق، طيب الصوت حسن التودد، توفي في سلخ ربيع الأول ودفن بتربة الشيخ أبي عمر رحمه الله.
علاء الدين السنجاري
ص 170
واقف دار القرآن عند باب الناطقانيين شمالي الأموي بدمشق، علي بن إسماعيل بن محمود كان أحد التجار الصدق الأخيار، ذوي اليسار المسارعين إلى الخيرات، توفي بالقاهرة ليلة الخميس ثالث عشر جمادى الآخرة، ودفن عند قبر القاضي شمس الدين بن الحريري.
العدل نجم الدين التاجر
ص 170
عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الرحمن الرحبي باني التربة المشهورة بالمزة، وقد جعل لها مسجدا ووقف عليها أوقافا دارة، وصدقات هناك، وكان من أخيار أبناء جنسه، عدل مرضي عند جميع الحكام، وترك أولادا وأموالا جمة، ودارا هائلة، وبساتين بالمزة، وكانت وفاته يوم الأربعاء سابع عشرين جمادى الآخرة ودفن بتربته المذكورة بالمزة رحمه الله.
الشيخ الإمام الحافظ قطب الدين
ص 170
أبو محمد عبد الكريم بن عبد النور بن منير بن عبد الكريم بن علي بن عبد الحق بن عبد الصمد بن عبد النور الحلبي الأصل ثم المصري، أحد مشاهير المحدثين بها، والقائمين بحفظ الحديث وروايته وتدوينه وشرحه والكلام عليه، ولد سنة أربع وستين وستمائة بحلب، وقرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث وقرأ الشاطبية والألفية، وبرع في فن الحديث، وكان حنفي المذهب وكتب كثيرا وصنف شرحا لأكثر البخاري، وجمع تاريخا لمصر ولم يكملهما، وتكلم على السيرة
التي جمعها الحافظ عبد الغني وخرج لنفسه أربعين حديثا متباينة الإسناد، وكان حسن الأخلاق مطرحا للكلفة طاهر اللسان كثير المطالعة والاشتغال، إلى أن توفي يوم الأحد سلخ رجب، ودفن من الغد مستهل شعبان عند خاله نصر المنبجي، وخلف تسعة أولاد رحمه الله.
القاضي الإمام زين الدين أبو محمد
ص 171
عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف السبكى، قاضى المحلة، ووالده العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، سمع من ابن الأنماطي وابن خطيب المزة، وحدث وتوفى تاسع شعبان، وتبعته زوجته ناصرية بنت القاضي جمال الدين إبراهيم بن الحسين السبكي، ودفنت بالقرافة، وقد سمعت من ابن الصابوني شيئا من سنن النسائي، وكذلك ابنتها محمدية، وقد توفيت قبلها.
تاج الدين علي بن إبراهيم
ص 171
ابن عبد الكريم المصري، ويعرف بكاتب قطلبك، وهو والد العلامة فخر الدين شيخ الشافعية ومدرسهم في عدة مدارس، ووالده هذا لم يزل في الخدمة والكتابة إلى أن توفي عنده بالعادلية الصغيرة ليلة الثلاثاء ثالث عشر شعبان، وصلي عليه من الغد بالجامع، ودفن بباب الصغير.
الشيخ الصالح عبد الكافي
ص 171
ويعرف بعبيد ابن أبي الرجال بن حسين بن سلطان بن خليفة المنيني، ويعرف بابن أبي الأزرق، مولده في سنة أربع وأربعين وستمائة بقريته من بلاد بعلبك، ثم أقام بقرية منين، وكان مشهورا بالصلاح وقرئ عليه شيء من الحديث وجاوز التسعين.
الشيخ محمد بن عبد الحق
ص 171
ابن شعبان بن على الأنصاري، المعروف بالسياح، له زاوية بسفح قاسيون بالوادي الشمالي مشهورة به، وكان قد بلغ التسعين، وسمع الحديث وأسمعه، وكانت له معرفة بالأمور وعنده بعض مكاشفة، وهو رجل حسن، توفي أواخر شوال من هذه السنة.
الأمير سلطان العرب
ص 171
حسام الدين مهنا بن عيسى بن مهنا، أمير العرب بالشام، وهم يزعمون أنهم من سلالة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، من ذرية الولد الذي جاء من العباسة أخت الرشيد فالله أعلم.
وقد كان كبير القدر محترما عند الملوك كلهم، بالشام ومصر والعراق، وكان دينا خيرا متحيزا للحق، وخلف أولادا وورثة وأموالا كثيرة، وقد بلغ سنا عالية، وكان يحب الشيخ تقي الدين بن تيمية حبا زائدا، هو وذريته وعربه، وله عندهم منزلة وحرمة وإكرام، يسمعون قوله ويمتثلونه، وهو الذي نهاهم أن يغير بعضهم على بعض، وعرفهم أن ذلك حرام، وله في ذلك مصنف جليل،
وكانت وفاة مهنا هذا ببلاد سلمية في ثامن عشر ذي القعدة، ودفن هناك رحمه الله.
الشيخ الزاهد
ص 172
فضل بن عيسى بن قنديل العجلوني الحنبلي المقيم بالمسمارية، أصله من بلاد حبراحى، كان متقللا من الدنيا يلبس ثيابا طوالا وعمامة هائلة، وهي بأرخص الأثمان، وكان يعرف تعبير الرؤيا ويقصد لذلك، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وقد عرضت عليه وظائف بجوامك كثيرة فلم يقبلها، بل رضى بالرغيد الهنى من العيش الخشن إلى أن توفي في ذي الحجة، وله نحو تسعين سنة، ودفن بالقرب من قبر الشيخ تقى الدين بن تيمية رحمهما الله، وكانت جنازته حافلة جدا.
النص من طبعة دار الفكر لكتاب البداية والنهاية (نفس نسخة المكتبة الشاملة)، رُقمن ضمن مشروع OpenITI الأكاديمي. تواصل معنا وهنصلحه فورًا.