ابن إسرائيل الحريري
ص 282
محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسين نجم الدين أبو المعالي الشيباني الدمشقي، ولد في يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة، وصحب الشيخ علي بن أبي الحسن بن منصور اليسرى الحريري، في سنة ثمان عشرة، وكان قد لبس الخرقة قبله من الشيخ شهاب الدين السهروردي، وزعم أنه أجلسه في ثلاث خلوات، وكان ابن إسرائيل يزعم أن أهله قدموا الشام مع خالد بن الوليد فاستوطنوا دمشق، وكان أديبا فاضلا في صناعة الشعر، بارعا في النظم، ولكن في كلامه ونظمه ما يشير به إلى نوع الحلول والاتحاد على طريقة ابن عربي وابن الفارض وشيخه الحريري، والله أعلم بحاله وحقيقة أمره. توفي بدمشق ليلة الأحد الرابع عشر من ربيع الآخر هذه السنة، عن أربع وسبعين سنة، ودفن بتربة الشيخ رسلان معه داخل القبة، وكان الشيخ رسلان شيخ الشيخ علي المغربل الذي تخرج على يديه الشيخ علي الحريري شيخ ابن إسرائيل، فمن شعره قوله:
لقد عادني من لا عج الشوق عائد ... فهل عهد ذات الخال بالسفح عائد؟
وهل نارها بالأجرع الفرد تعتلي ... لمنفرد شاب الدجى وهو شاهد؟
نديمي من سعدى أديرا حديثها ... فذكرى هواها والمدامة واحد
منعمة الأطراف رقت محاسنا ... حلى لي في حبها ما أكابد
فللبدر ما لاثت عليه خمارها ... وللشمس ما جالت عليه القلائد
وله:
أيها المعتاض بالنوم السهر ... ذاهلا يسبح في بحر الفكر
سلم الأمر إلى مالكه ... واصطبر فالصبر عقباه الظفر
لا تكونن آيسا من فرج ... إنما الأيام تأتى بالعبر
كدر يحدث في وقت الصفا ... وصفى يحدث في وقت الكدر
وإذا ما ساء دهر مرة ... سر أهليه ومهما ساء سر
فارض عن ربك في أقداره ... إنما أنت أسير للقدر
وله قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم طويلة حسنة سمعها الشيخ كمال الدين ابن الزملكانى وأصحابه على الشيخ أحمد الأعقف عنه، وأورد له الشيخ قطب الدين اليونيني أشعارا كثيرة. فمنها قصيدته الدالية المطولة التي أولها:
وافى لي من أهواه جهرا لموعدي ... وأرغم عذالي عليه وحسدي
وزار على شط المزار مطولا ... على مغرم بالوصل لم يتعود
فيا حسن ما أهدى لعيني جماله ... ويا برد ما أهدى إلى قلبي الصدي
ويا صدق أحلامي ببشرى وصاله ... ويا نيل آمالي ويا نجح مقصدي
تجلى وجودي إذ تجلى لباطني ... بجد سعيد أو بسعد مجدد
لقد حق لي عشق الوجود وأهله ... وقد علقت كفاي جمعا بموجدي
ثم تغزل فأطال إلى أن قال:
فلما تجلى لي على كل شاهد ... وسامرني بالرمز في كل مشهد
تتجنبت تقييد الجمال ترفعا ... وطالعت أسرار الجمال المبدد
وصار سماعي مطلقا منه بدؤه ... وحاشى لمثلي من سماع مقيد
ففي كل مشهود لقلبي شاهد ... وفي كل مسموع له لحن معبد
ثم قال: وصل في مشاهد الجمال
أراه بأوصاف الجمال جميعها ... بغير اعتقاد للحلول المبعد
ففي كل هيفاء المعاطف غادة ... وفي كل مصقول السوالف أغيد
وفي كل بدر لاح في ليل شعره ... على كل غصن مائس العطف أملد
وعند اعتناقي كل قد مهفهف ... ورشفي رضابا كالرحيق المبرد
وفي الدر والياقوت والطيب والحلا ... على كل ساجي الطرف لدن المقلد
وفي حلل الأثواب راقت لناظري ... بزبرجها من مذهب ومورد
وفي الراح والريحان والسمع والغنا ... وفي سجع ترجيع الحمام المغرد
وفي الدوح والأنهار والزهر والندى ... وفي كل بستان وقصر مشيد
وفي الروضة الفيحاء تحت سمائها ... يضاحك نور الشمس نوارها الندي
وفي صفو رقراق الغدير إذا حكى ... وقد جعدته الريح صفحة مبرد
وفي اللهو والأفراح والغفلة التي ... تمكن أهل الفرق من كل مقصد
وعند انتشار الشرب في كل مجلس ... بهيج بأنواع الثمار المنضد
وعند اجتماع الناس في كل جمعة ... وعيد وإظهار الرياش المجدد
وفي لمعان المشرفيات بالوغى ... وفي ميل أعطاف القنا المتأود
المظاهر العلوية
وفي الأعوجيات العتاق إذا انبرت ... تسابق وفد الريح في كل مطرد
وفي الشمس تحكي وهي في برج نورها ... لدى الأفق الشرقي مرآة عسجد
وفي البدر بدر الأفق ليلة تمه ... جلته سماء مثل صرح ممرد
وفي أنجم زانت دجاها كأنها ... نثار لآل في بساط زبرجد
وفي الغيث روى الأرض بعد همودها ... قبال نداه متهم بعد منجد
وفي البرق يبدو موهنا في سحابه ... كباسم ثغر أو حسام مجرد
وفي حسن تنميق الخطاب وسرعة الجواب ... وفي الخط الأنيق المجود
ثم قال: المظاهر المعنوية
وفي رقة الأشعار راقت لسامع ... بدائعها من مقصر ومقصد
وفي عود عيد الوصل من بعد جفوة ... وفي أمن أحشاء الطريد المشرد
وفي رحمة المعشوق شكوى محبه ... وفي رقة الألفاظ عند التودد
وفي أريحيات الكريم إلى الندى ... وفي عاطفات العفو من كل سيد
وحالة بسط العارفين وأنسهم ... وتحريكهم عند السماع المقيد
وفي لطف آيات الكتاب التي بها ... تنسم روح الوعد بعد التوعد
ثم قال: المظاهر الجلالية
كذلك أوصاف الجلال مظاهر ... أشاهده فيها بغير تردد
ففي سطوة القاضي الجليل وسمته ... وفي سطوة الملك الشديد الممرد
وفي حدة الغضبان حالة طيشه ... وفي نخوة القرم المهيب المسود
وفي صولة الصهباء جاز مديرها ... وفي بؤس أخلاق النديم المعربد
وفي الحر والبرد اللذين تقسما ... الزمان وفي إيلام كل محسد
وفي سر تسليط النفوس بشرها ... علي وتحسين التعدي لمعتدى
وفي عسر العادات يشعر بالقضا ... وتكحيل عين الشمس منه بإثمد
وعند اصطدام الخيل في كل موقف ... يعثر فيه بالوشيج المنضد
وفي شدة الليث الصئول وبأسه ... وشدة عيش بالسقام منكد
وفي جفوة المحبوب بعد وصاله ... وفي غدره من بعد وعد مؤكد
وفي روعة البين المسيء وموقف ... الوداع لحران الجوانح مكمدا
وفي فرقة الألاف بعد اجتماعهم ... وفي كل تشتيت وشمل مبدد
وفي كل دار أقفرت بعد أنسها ... وفي طلل بال ودارس معمد
وفي هول أمواج البحار ووحشة ... القفار وسيل بالمزاييب مزبد
وعند قيامي بالفرائض كلها ... وحالة تسليم لسر التعبد
وعند خشوعي في الصلاة لعزة ... المناجي وفي الإطراق عند التهجد
وحالة إهلال الحجيج بحجهم ... وأعمالهم للعيش في كل فدفد
وفي عسر تخليص الحلال وفترة ... الملال لقلب الناسك المتعبد
المظاهر الكمالية
وفي ذكريات العذاب وظلمة ... الحجاب وقبض الناسك المتزهد
ويبدو بأوصاف الكمال فلا أرى ... برؤيته شيئا قبيحا ولا ردى
تفكل مسيء لي إلي كمحسن ... وكل مضل لي إلي كمرشد
فلا فرق عندي بين أنس ووحشة ... ونور وإظلام ومدن ومبعد
وسيان إفطاري وصومي وفترتي ... وجهدي ونومي وادعاء تهجدي
أرى تارة في حانة الخمر خالعا ... عذاري وطورا في حنية مسجد
تجلى لسري بالحقيقة مشرب ... فوقتي ممزوج بكشف مسرمدا
تعمرت الأوطان بي وتحققت ... مظاهرها عندي بعيني ومشهدي
وقلبي على الأشياء أجمع قلب ... وشربى مقسوم على كل مورد
فهيكل أوثان ودير لراهب ... وبيت لنيران وقبلة معبدى
ومسرح غزلان وحانة قهوة ... وروضة أزهار ومطلع أسعد
وأسرار عرفان ومفتاح حكمة ... وأنفاس وجدان وفيض تبلد
وجيش لضرغام وخدر لكاعب ... وظلمة جيران ونور لمهتدى
تقابلت الأضداد عندي جميعها ... لمحنة مجهود ومنحة مجتدي
وأحكمت تقرير المراتب صورة ... ومعنى ومن عين التفرد موردي
فما موطن إلا ولي فيه موقف ... على قدم قامت بحق التفرد
فلا غرو إن فت الأنام جميعهم ... وقد علقت بحبل من حبال محمد
عليه صلاة الله تشفع دائما ... بروح تحيات السلام المردد